موقع سيف الرحبي

اهم الاعمال

المقالات

الحوارات

سيرة ذاتية

مقالات ودراسات حول سيف الرحبي

اللجنة الفنية

 

سجل الزوار

 

يتيمة الدهر
خواطر ويوميات

 

قافلة تسير في ليل دامس. من غير حداء ولا دليل ولا كلاب تنبح: جنازةُ الليل الكبرى تمخر عُبابَ الزمن.

ٍ ٍ ٍ

في وقت من أوقات الغروب، ينفجر فيه قلبُ النيازك مشعلةً حرائق في السماء، تصفيةً لحساب قديم، جراحا لا تشفى.

ٍ ٍ ٍ

عند مجرى مسيلٍ قديم، شاهد لأول مرة عينين تنطفئان في الظلام. كان ذلك أول إشارة موت في جبل الوقائع والإشارات الذي غصت به حياته اللاحقة.

ٍ ٍ ٍ

يقرأ المسافر في خطواته وهي تقدح المسافة أحداثَ الأرض والسماء، خارطةَ أفلاك ومتاهات.

ٍ ٍ ٍ

كل هذه الهشاشة. كل هذه الخديعة والارتباك لجمالكِ الكلي.

ٍ ٍ ٍ

ذلك الغضبُ الذي ينتابنا في أوقات فراغ ما؛ تلك القوة الهادرة في الأعماق. ما يشبه انتقاما لا واعيا من مبدأ الكينونة نفسه. ربما هو الذي أشعلَ حروبَ العالم.

ٍ ٍ ٍ

جنرالاتٌ يرضعون الليلَ والفراغَ بمصّاصات أطفال هرِمين، مستلقين على أسرّتهم المعدنية في المنازل المهجورة التي تعج بالعظايا والرفات. لقد أنهكتهم الحروبُ والدسائس من غير أن يعيشوا الحياةَ لحظة واحدة.

ٍ ٍ ٍ

ليست الشكوى ولا غيرها ما يجدي أمام المُلمّات. لأن من تفضي إليه إما ان يشمتَ فيك. واما انه لا يصغي إليك وان تظاهر بذلك فهو في وادٍ آخر. وإما أن يعتبر نفسه وقع ضحية ثرثرة مزعجة بالإمكان تفاديها.

الصمت ربما، أو الركض على حافة منحدراتٍ صخريّة من غير الالتفات إلى الوراء، وأمامك المحيط.

ٍ ٍ ٍ

جاء إلى المقهى وهو يغالب ضحكةً تنفلت بين الحين والآخر، ليلتقي أصدقاءه، فهرعت إليه الأشباح كسحرةٍ يطيرون في الهواء.

ٍ ٍ ٍ

تلك المرأة التي كان الجمال غريزةُ حياتها الكبرى. تتغذى من مراعيه كما يتغذى النحل من الأزهار. منعّمة حتى في الشقاء: هبة السماء لمتسكعٍ لا يحلم بشيء.

ٍ ٍ ٍ

لم يكن ويلفرد ثيسجر وهو يعبر الربع الخالي في ذلك الزمان، يبحث عن وجاهة ومجد. وأي شيء من ذلك في تلك الخارطة المترامية من العَدَم والوحشة؟ كان يمتحن ذاته، يضعها على المحك وهو يقذف بها إلى أخطر صَقْع للقسوة أنجبته الطبيعة في ولادتها القيصرية العسيرة عبر التاريخ. كان ينجز ذاتَه في مرآة صنيعها الذي تمتحن به عُنفَها الخاص.

ٍ ٍ ٍ

ماذا تنتظر هذا الصباح

في هذه القرية النائية

تحلق ذقنك وتخرج إلى الغابة والحقول

نظيفا مضّمخًا بالاحلام

ترقب البط السابح في الهواء

والعقاعق، تقفر من شجرة إلى أخرى

تحت مظلة من السناجب..

وأمام حقل الذرة الغزير

(بحر اخضرار وعزلة)

المتمايل بفعل ريح خفيفة،

تنام الأبقار والماعز في هدوء صيفي.

كل هذه المياه، ومازالت تمطر

كل هذه الفيضانات وما زالت ترعد.

أي قسمة اختارتها الآلهة بين الهنا والهناك

حيث اليباب والقحط

وحين ينـزل المطر على الديار

تنشقّ الارضُ عن لَهبِ بركان

مصعوقةً، مرتبكةً، ظامئة.

أي حكمة لا نعرفها؟

تعرف انه سؤال ساذج

مثل سذاجاتٍ أخرى نحبها.

لكن ما تعرفه جيداً

ان صحراءك ممتدة عبر جبال الكون بأجمعه.

ملِكة أولى

مستبدّة وعاتية.

ٍ ٍ ٍ

الساعة الثانية عشرة ليلاً

موعد نومكِ

أستطيع أن أراك عبر ضوء النافذة الشفيف

تتهاوين على السرير

من فرطِ التعب والصداع بيوم صاخبٍ في مدينةٍ كبيرة

وفي الضوء نفسه تخلعين الأساور والأنهار

مزدانةً بشحوبكِ والليل.

ٍ ٍ ٍ

الحصان الذي هو من سلالة غريبة من الأحصنة، والكباش. التيس بقرونه الكبيرة يذكرني بوعول جبل الكور. وكذلك الدببة الشرسة في الصحاري القطبية، تأكل العشب الطّري، تلتهمه بشهية، من غير أن تخدشَ كبرياء الأرض. ولا تستبيح أسرارها بانتصارات كاذبة.

ٍ ٍ ٍ

لا أتذكر صديقا

إلا ويسبقني إليه تاريخ الخيانة

لا أتذكر عدواً

إلا وأرى فيه مستقبلَ البشر

كل عاصفة تقتلعُ جذورها في النهاية.

ٍ ٍ ٍ

دوامةٌ من الأعاصيرِ هي حياتك

وأنت فيها غريق ضاحك.

ٍ ٍ ٍ

لماذا لا ترى في الحقول الممتدة إلا ألَمَك

في الأرض الشاسعة إلا الخيبة مشرقةً وضّاءة تتنظر أمام كل منعطف.

ألهذا الحد بلغ بك القرف دون سواه؟ ألهذا تهت في الأرض التي (ضاقت بما رحبت) دليلاً أعمى حيث تتجمع السُحب كأجرامٍ ميتة.

ٍ ٍ ٍ

يتماثلون للشفاء

أولئك الذين طالت بهم سكّة الرحيل

ٍ ٍ ٍ

لوسي: تنادي كلبها الغاطَس في مستنقع الدغل

 صماء لا تسمع أصوات العالم.

يا لها من سعادة.

ٍ ٍ ٍ

الهائمون أفواجا على درّاجاتهم

التي توارثوها عن أسلافهم

كما تتوارث شعوبٌ أخرى

الجمالَ والحمير.

في مساء القرية القاتم

يتهامسون بأحاديث سحيقةً

طواها النسيان.

لقد أدركتهم الشيخوخةُ وسطَ سماءٍ من العشب.

ٍ ٍ ٍ

غونتر غراس. انجبَ بطلَه أوسكار القزم الذي يرفض ان يكبر، وسطَ هالة من الذعر والخوف والحيرة قل نظيرها في تاريخ الادب. طريد الجندرمة الذي اختفى وسط أمواج ملابس المرأة الريفية وهي تحرث حقلَ البطاطا زارعا بذرته في رحمها الرجراج، ويرحلان إلى حياة هادئة حتى يعاوده دولاب الرعب مرة أخرى ويغيب وسط تلاطم بحار الخشب والأساطيل والمياه الهادرة لينجب أسطورةً جديدة في ذرّيته اللاحقة.

لحظة تكوين تليق بطفل يولد في هذا القرن وربما في كل الأزمنة.

للأدب قوة الحياة أحياناً.

ٍ ٍ ٍ

لم أكن قبيحةً ولا جميلة. لا خيّرة ولا شرّيرة

وليست لي علاقة بنَسَبِ المقاييس

كنتُ يتيمة الدهر؟ صرخة بحار تائه.

لذلك لم أرَ الأشياء والعالمَ

إلا بعيون جوارحي وحدها.

ٍ ٍ ٍ

كلاب تنبح طوال الليل

شاحنات تعوي. ولا شيءَ آخر

هواجس وذكريات

ذئاب تحتضر في صخب المدينة.

ٍ ٍ ٍ

الشاحنات جاءت من بلاد مجاورة

على متنها البضائعُ الثقيلة، والليل المحمول

على أكتافِ جنودٍ هلكوا في الحرب.

ٍ ٍ ٍ

 في هذه اللحظة

الشمس تغطس في المغيب. صفرة حالكة. لا شك ستضيء أقواما أخرى تموت من البرد

ليل ألماني قصير

شمس رحيمة بالكاد تبزغ من بين أفيال الغيوم

التي تتهادى بجحافلها في الأفق

ٍ ٍ ٍ

ضيف الضيوف: هكذا نعت نيتشه بطله وهو يرحل في أرجاء البسيطة مبشّرا بمقدم إنسان جديد.

في أي عصر سالف أو قادم سيأتي وفي أي ارض'؟ قفزة الفيلسوف في أرض انتحارات المجهولة.

ٍ ٍ ٍ

التيس بلحيته الطويلة وقرونه الأطول والذي يشبه وعولَ جبل الكور وجبالٍ أخرى في عُمان.

ارقبه هذا الصباح (الجمعة) منفصلا كعادته عن القطيع في المرعى المكتظّ بالنباتات والأعشاب التي توشك أن تكون خمائلَ وأَجَمَات. يرعى بطمأنينة، يحك رأسه أحيانا من ذبابة خضراء تطن. يرمق القطيع بمؤخرة عينه كأنما ينـزو أو حلما راوده البارحة حول نعجة في القطيع. الحصان النادر يشرئب بعنقه نحو سماء بعيدة غير التي نرى دخانها، بينما قرينه يقف منتصبا في لحظة هياج وانقضاض. السماء غائمة كعادتها.

ديك يسقع وسط دجاجات مُترَفة.

انها الظهيرة. ظهيرةُ العتمة.

ٍ ٍ ٍ

التليفون الذي سقط من جيبي فتناثرت أحشاؤه كقتيل في غابة.

ٍ ٍ ٍ

القتلى يسدون الطريق صراخا واحتجاجا

يملأون الفضاءَ بالنحيب

من تحت مخدتي اسمع ضجيج القادمين من الأفق

بحارة وقراصنة. رعاة إبلٍ ومتسكعين شعراء. وقتلى في حروب عبثية.

ٍ ٍ ٍ

مليئين بالعرق الرديء والحمّى

ناموا على أسلحتهم الصدئة

بينما البرابرةُ يستبيحون البلدة.

ٍ ٍ ٍ

كان يزهو بخُيلاء فتوحاته حين سقط في مستنقع الفضلاتِ غاطساً من غير اثر.

ٍ ٍ ٍ

لو اجتمع المفكّرون العرب ذات مرة على ارض متاخمة لهرب العدو من فوره. ليس خوفا بالطبع.

وانما راحة من ضجيجهم وإستيهاماتهم و... ليبحث عن ارض اخرى.

ٍ ٍ ٍ

العلْبة التي رميتُها البارحةَ على حافة الساقية، مشعّة في ضوء البروق بعزلتها الصباحية، تدافع عن حقها في الوجود ضد القدم الساحقة.

ٍ ٍ ٍ

كل صباح أصل إلى حدود ذلك القصر المهجور. أقف أمامه، صامتاً مهيباً تعْوي فيه الريح. ويبدو من فرط حضوره وهيمنته على بقية أجزاء المنطقة كالثقب الأسود وهو يجتذب المجرّات الهائمة في مجاله المغناطيسي. تخيلته أحد قصور دراكولا وربما هنا صوّر المخرج الألماني هرتزوغ فيلمه عن الكونت الشهير. اقف منتظراً ربما يطل من إحدى شرفاته كلاوس كينسكي في شكل دراكولا ويدعوني إلى موائده الباذخة.

ٍ ٍ ٍ

كل تلك الأوقات التي صرفناها بالتفكير في الموت. كل تلك الارتجافات والهواجس، وهو لم ينفق لحظةً في التفكير فينا. وحين يأتي بصواعقه المباغتة. ليس ثمة مجال للتفكير. ليس ثمة كائن اصلاً.

 أي نبع لا يطاله الجفاف مقذوف في عرينك أيها الفناء؟

ٍ ٍ ٍ

اليوم أعدت قراءة محور كومبروفيتش في مجلة (نزوى) أديب ضد الأدب. ضد نفسه. ضد كومبروفيتش. يحلم بقتله بمحوه كيلا تهيمن الصورة على الأصل الذي كانه. كيلا يصبح عبدا لكومبروفيتش. حيث الأدب متشربا ماء الحياة حتى أقاصيه. متدفقا عنيفا متمايزا مثل مذنّب يجر ذيلَه البخاري في سماءٍ خالية من النجوم والعلامات. جمال فطريّ متوحش.

ترى أليست رواية (الإرهابي) نوعا من سيرة لهذا الكاتب وبقليل من الاستقصاء. تلك الرواية التي ترجمها سعدي يوسف على نحو رائع؟

ألا يمكن ان يكون الإرهابي القاتل هو الرغبة التي تنبثق من بين أضلاع كومبروفيتش لقتل صورته. لعبة مرايا الذات في تشظيها وازدواجها بين الاصل والصورة. الفن والحياة؟

كوميروفيتش. درس للأدباء المتبجحين بفخامتهم الأدبية.

ٍ ٍ ٍ

للغربان نواح الثكلى وهي تعكف على بيوضها، مهمهمةً بالمأساة. كل الولادات يختزلها نواحُ غراب.

ٍ ٍ ٍ

أين ضوء النجوم الذي كان غائرا في العيون. أين تلك القرى النجميّة في مساءاتنا البعيدة؟

ٍ ٍ ٍ

يعود الراحلون إلى ديارهم الاولى، لتعميق خرائب الروح والزوغان في المنازل المهجورة التي تخلع مفاصلَها الريح.

ٍ ٍ ٍ

لوسي: كلب المرأة الصماء الجميلة، اشتبك مع كلب آخر. دارت معركة حامية الوطيس، لكن من غير دم ولا جراح. تقلباتٌ على العشب وغمغمات ونباح كأنما الصراع في جوهره كان صراعا جماليا للمتعة وليس شيئا آخر.

ٍ ٍ ٍ

في نزهة المساء التقي بالشاعر الأيسلندي على دراجته يجوب الحقول. قبل أيام سألني هل نجيب محفوظ تركي؟ اليوم يسألني عن أشياء أخرى وعن ماذا أعمل. قلت له ربما أكتب نصا جديدا أو انعم بالطقس ومراقبة الحيوانات وهذا يكفي. حدثني عن أيسلندا الصغيرة والطقس الذي هو نقيض طقسنا على طول الخط.

ٍ ٍ ٍ

السماء محتقنة كمخاض. رذاذ ناعم على الرأس.

قبعة رجل عجوز تسقط في بركة آسنة. طيور سوداء كثيفة تحلّق على انخفاضٍ لتحطّ على قصر الكونت دراكولا مضيفةً لمسة غموض على وحشته. هيتشكوك يقترب بكاميراته الخبيئة بين الأشجار ليصور فيلمه (الطيور) هرتروغ أنجز فيلمه ورحل.

ٍ ٍ ٍ

أغرب الكلاب قاطبةً، كلب جارتي النحاتة الاسكتلندية، فهو يقضي وقته في النباح مثلما تقضيه هي في نحت الأشكال والأجساد، في نحت مخلوقاتها الخاصة، فكأنما نباحه دعم معنوي لها في رحلتها اليومية. هو يتسلى بنباحه كنداء للمجهول وهي بإزميل الخلق الإبداعي ومغامرته في المجهول أيضا.

ٍ ٍ ٍ

العالم موحش كأنما يجترّ حطامَ ليلته الأخيرة في قلبي: دمشق قبل عشرين عاماً.

ٍ ٍ ٍ

هذا الشيء جميل لولا.. هذه المرأة جميلة لولا.. هذا البلد.. لولا.. هذه القارة. هذا الطقس - هذا الكاتب. هذا الحاكم. هذه الأرض. هذه الحياة. هذا الموت - هذه الجنة.. هذه اللولا الباسطة جناحَها ونفوذَها بهذا القدر الأخطبوطي، من الأزل إلى الأبد وما بينهما من نقصان ساحق هو الطبيعة الجوهرية للأشياء والمخلوقات جميعها.

ٍ ٍ ٍ

ليس كالبكاء مطهراً لأحزان مدلهمة. مع الأسف لا نستطيع البكاء بسفح الدموع التي تندفع نحو الداخل حافرةً أخاديدها التي لا تبرأ.

المرأة تستخدم الدموع بمهمة مزدوجة: للتطهير وإخضاع الرجل وافراغ غضبه وسطوته.

ٍ ٍ ٍ

في كل بلد عشتُ فيه أو رحلتُ إليه، لا أجد أي اندفاع عندي تجاه قاطنيه الأصليين ومواطنيه، وانما وبشكل تلقائي نحو مغتربيه ووافديه. شجرة الاغتراب الراسخة التي رضعنا حليبها باكراً.

ٍ ٍ ٍ

الجنة بدون ناس ما تنداس (مثل خليجي) بالعكس ستكون اكثر جمالاً ونضارةً وسحراً.

ٍ ٍ ٍ

نكأَتْ جرحا سحيقاً، وإذا بالماضي يتدفّق ماثلا رهيبا يحتل المشاعر والمكان بأكمله. نقطة الخطر. مثلّث برمودا الجحيم رابضاً في الأعماق.

ٍ ٍ ٍ

الحقيقة البشرية عارية في لَهبِ المغيب.

ٍ ٍ ٍ

تلك الشعوب التي أدمنت الذلّ والعبودية حتى اصبحا جزءا من طبيعتها النفسية والعضوية. أي فلسفة تسعف في تحليل ما جرى؟ نمط الإنتاج الآسيوي. طغيان الشرق. سيكولوجية الجماهير والسلطة.. الخ.

ٍ ٍ ٍ

لم يشعر بأزمة منتصف العمر ولا غيرها أمام أزمة وجودٍ بأكمله. مربط الأزمات وبيت قصيدها.

ٍ ٍ ٍ

دفعتني رداءة المطاعم للذهاب إلي السوبرماركت وجلب ما يلزم من مؤونة للطبخ، الذي هو طبخ تجريبي على غير نمط سابق، عدا الطبخة التي علمتني اياها كلود رحمة ذات مرة وهي مرقة الدجاج بماء الطماطم.

الاعمال اليدوية تطلق سراحَ الخيالِ أحيانا.

ٍ ٍ ٍ

نعتاد على شيء لا نلبث ان يهجرنا أو نهجره إلى آخر. ربما هذا القلق بجانب اعبائه وعذاباته، نوع من حصانة ضد العبودية.

ٍ ٍ ٍ

اتصلَ صديق وزوجته من الكتاب، قالا، إن شروط اللجوء وآلامه افضل مع التفكير بعقل حر.

ٍ ٍ ٍ

لو كانت أوروبا تقبل كل من تقدم اليها من العالم الثالث لأُفرغتْ قاراتٌ عن بكرة أبيها.

ٍ ٍ ٍ

اتصلت بفاضل. اتفقنا أن نذهب إلى هولندا القريبة، فالقرية اقرب للمدن الهولندية منها إلى معظم المدن الألمانية. تحدثنا عن روايته الجديدة وبأنها افضل أعماله (الأسلاف) وبالفعل ثمة توسيع وتعميق لطرائق السرد والمناخات التي كانت تضطرب في جنبات سابقتها (آخر الملائكة) تلك الكوميديا السوداء العنيفة: يتداخل في شبكة السرد المحكمة كل الشخوص والعوالم/ التفاصيل الكليات. العاري، السياسي والخارق عبر مخيّلة فنتازية كاسحة فكأنما العزّاوي يسوق بعصا الراعي الحكيم من فرط رهافة الرؤى تلك القطعان الشرسة في التاريخ والحاضر إلى مصائرها الحتمية.

ٍ ٍ ٍ

ألتقي بالشاعر الأيسلندي يجري تحت المطر معتمرا قبعة، تبادلنا تحية عابرين، اجراس الكنيسة المجاورة تقرع على ايقاعات الاناشيد والخشوع الروحي. المكان فارغ اكثر مما كان. تذكرت كاتدرائية كولون التي دخلتها قبل أيام. تلك الآية المعمارية الفريدة، ضاجة بالطقوس والبشر والإيحاءات. تذكرت الكنيسة التي كنت ارتادها مع صوفي حيث تنفجر الموسيقى على غفلةٍ من نعاسنا وقُبُلاتنا فنذوب في الأثير مهوّمين في فضاء تجريدي خالص.

ٍ ٍ ٍ

اتصلَ عبد الملك وأحمد قالا إنهما سيأتيان لزيارتي لو ضبطا مكان القرية في خضم الخريطة الألمانية.

ٍ ٍ ٍ

طافت به تهاويم حب قديم. طفولة عتيقة. قال. إلى الجحيم كل ذلك الحُطام الذي عذبني.

ٍ ٍ ٍ

يلتقي الغرباء صدفةً في الحدائق العامة، ليقرأ كل واحد حيرتَه العريقة في وجه الآخر من غير سلام ولا كلام.

ٍ ٍ ٍ

الحصانُ الأشهبُ الفارع يعدو سابحاً في ضبابِ الحقول.

ٍ ٍ ٍ

طائر يصدح على نافذتي كل يوم، يمنحنى لحنه النهاريّ هديةً من حبيب بعيد.

ٍ ٍ ٍ

براءة المعرفة اكبر قوةً نواجه بها توحش الاشياء والثكنات وثقيلي الدم.

ٍ ٍ ٍ

ليس الندم إلا من شيم النفوس التي طوّحت بها الأحاسيسُ العميقةُ بعيدا عن دوائر القطيع وتواطآته.

ٍ ٍ ٍ

ليس للموت حسابات مسبقة، حسابه الوحيد حصد الأرواح من غير عدّ ولا حساب.

ٍ ٍ ٍ

الشاعر الذي همه الوحيد استقطاب الجماهير بالصالح والطالح من غير اعتبار جمالي واخلاقي وانساني، هو اقرب إلى السماسرة والمهرجين منه إلى عالم الشعر الحق.

ٍ ٍ ٍ

دعك مما يقوله الآخرون. أي سر سيبوح به هذا المساء. أي قصفٍ ستتبادله مع هوام الليل وثيران البحار.

ٍ ٍ ٍ

يغرز يده في عشب امرأة حتى يصلَ إلى قاع الأبدية.

ٍ ٍ ٍ

شاعر ذلك الذي يتحرج مع عبارته إلى أعماق هاوية لا قرار لها.

ٍ ٍ ٍ

كان وقورا وصالحا في قومه. صاحب أطيان، مستقيما أيما استقامة في كل ذرات حياته وجزئياتها. مات رحمه الله قبل يومين بذبحة صدرية. ترك إرثا لا يستهان به. ستتقاسم استقامته من غير اعوجاج أجيالٌ لاحقة. رثاه شعراء بقصائد طنانة ذرفوا الدمع دماً كنائحات بالأجرة.

ٍ ٍ ٍ

هذه الرحلة من بين رحلاتي الضاربة في شتى الامكنة، حملت خصائصَ طريفة من بداية انطلاقتها. فبعد توقف دام 8 ساعات في امستردام وصلت بعد منتصف الليل، فاذا بالحقيبة لم تأت ظللت في امستردام وبقيتُ في انتظار مجيئها الذي تحقق بعد يومين . بعد عودتي نحو المطار مرة اخرى متجها نحو القرية الالمانية (شوبنغن) التي انوي الاقامة بها فترة. كانت الساعة الثالثة ليلا والمسافة من المدينة حتى المطار تستغرق ساعة ونصف الساعة. الدنيا موحشة والشوارع مقفرة حتى من الشاحنات، ومصابيح الشوارع مطفأة تماما، بالكاد تسمع حركة موج المحيط الغارق في الظلمة. وأنا لم انم. كانت آخر سهرة قاصفة مع الأصدقاء في مهرجان الثقافة. السائق الذي ينقلني نحو المطار ينقطع بغتة عن الكلام ويسرح في عالم بعيد. فجأة يخرج علبةً يسكب منها سائلا أبيض على راحة يده. يظل يشتمها بعمق حتى ينقطع نَفَسه ويعاود الدورة بعد الأخرى. والسيارة تتهاوى في اكثر من اتجاه بذلك الليل القاسي الكثيف الظلمة ثم يندفع نحو التسجيل بأقصى طاقة الصوت. الشاب خالد والشاب ميمي وشباب آخرون. لا أستطيع وصف الحالة التي انتابتني، والمسافة ليست قصيرة. دخلت في مستنقع من التوقعات الخطِرة وكلها ممكن وطبيعي في سياق هذه الحالة. كنت اخفف من وقع هواجسها المفترسة بالتطلع إلى النجوم مرسل