|
(...) هذه القصائد الاحدى والثلاثون في ديوان سيف الرحبي الجديد ((جبال))،
تشكل، في رأيي، خطوة الانعطافة الصعبة، في مسيرة هذا الشاعر الذي ظل يحاول
الامساك بناصية الأرض، أرض وطنه، عبر عقدين من كتابة مختلفة، كتابة خاصة،كلفته
متاعب حياة بأسرها.
إلا أن لهذه الانعطافة تمهيداتها، أعني أن سيف الرحبي كان مهتما بالتثبت من
مواطئه، قبل اتخاذه الخطوة الحاسمة. ولقد تم التمهيد في ((ذاكرة الشتات))
و((منازل الخطوة الاولى)) و((رجل من الربع الخالي))، مزيجا من شعر وذكريات
واستعادة طفولة.
لقد طوَّف الشاعر، طويلا، وبعيدا. عرف حواضر وبلدانا، وتلمس أمكنة، من الهند
الى المغرب، وشمالا حتى بحر الشمال، وهاهوذا يعود، في مثل خطفة الساحر، او
المسحور، الى مسقط التي لا أشك في انها بدت قصيّة أمام ناظريه، وهو في تلك
الشقة الهولندية التي تتسورها الغابة والسواقي، في لاهاي، غير بعيد عن محكمة
العدل الدولية حيث يجلس قضاة مترفون الى ملفات متضخمة تنفجر في أماكن بعيدة،
وقد تكون البحر الأحمر، او بحر العرب، او المحيط الهندي، ذات المرافئ التي
سماها بول نيزان، جحيم البحّارة.
هي أولا، انعطافة، والسبب بسيط جدا، فهي المجموعة الشعرية الأولى للرحبي،
المكرّسة، كاملا، لمشاهد بلاده، والتي كتبت كاملة، في بلاده، وفي مسقط تحديداً.
ومن هنا، الحضور الكثيف المخيف للطبيعة، هذا الحضور الذي تحتل الجبال واجهته
العريضة، ثم الصحراء، فالبحر:
((رحمة بنا أيتها الجبال، بيقين مرابضك وشعابك، لم تكوني سببا لشقائنا، لكنك من
تملكين مفاتيح الرحمة))-ص52.
وهي صعبة، ثانيا، ذلك لأن القصيدة الجديدة في عُمان، نبتت بجذور معلقة في
الهواء، لا غائرة في الأرض. كانت القصيدة الجديدة قطيعة كاملة، قصيدة بلا تراث،
سواء في الشكل، أو الموضوع، أو زاوية الرؤية.
لكن النص الشعري يظل يبحث عن تأصيل، عن مروي، أو مشاهد، أو ملموس، عن تواتر ما
لاسناد.
النص الشعري يظل يبحث عن أرض مشروعة، مشرعة.
وفي الحالة العمانية تعترض البحث صعوبة واضحة. إذ لا ميراث قريبا تستند اليه
القصيدة (السياب مثلا بالنسبة لقصيدة العراق)، كما ان التناص مع الآخر ينبغي ان
يقل الى حدود معقولة، كي يظهر التمايز.
ما الحل، إذا؟
أزعم أن الحل الصعب الذي اهتدى اليه سيف الرحبي هو في اتخاذ طبيعة وطنه، وإغواء
تاريخه، ميراثا:
((لقد ذهبوا بعيدا صوب أنفسهم، وذهبوا في الوحشة، أيام تتلوها أيام، الديار
تضمحل في عين عاشقها، والجبال عرين الذكرى، تفقس النسور بيوضها، الأقرب الى
ألوان الرمال والصخور، من فرط ما ارتطمت بالأزلية، ليس بيني وبينك ايتها
الساحرة الولود، إلا هذه الكثبان من الرمل، وهذه الأزمنة المكدسة أمام بابي،
تقولين كلاما لا أفهمه، وتقولين هذيانا أفهمه، بسرعة سقوط النيزك على رأسي-
((هذيان الجبال والسحرة))، ص47-48 ، ((الجبال)).
وانا اعتقد أن في هذا الحل ضمانة دائمة للتأصيل، ولتنوع المشهد والموضوع،
وضمانة في الوقت ذاته ازاء الحذلقة التي يمكن أن يسقط فيها النص، حين لا يمسك
بقبضة ولو متناثرة من الأرض، الأرض الواهبة، والضرورية للعملية الفنية نفسها.
وبين الواقع وجدل الشعر، يقوم منزل الشاعر، و((تكمن)) منزلته، وبمنأى عن كل
المقولات المتصلة بعلائق الفن، يضع العمل الفني ميسمه الساخن، على الأوراق،
وربما على الجباه ايضاً.
سعدي يوسف
* من كتاب ((خطوات الكنغر)) آراء ومذكرات، لسعدي يوسف
الصادر عن دار المدى (1997م)
* * * * * * * * *
(...) وهكذا قد يصح ان سيف الرحبي رجل من الربع الخالي، كما يقول عنوان مجموعته
السادسة، ولكن هذه الدالة الجغرافية ليست بالضرورة دالة ميكانيكية على شعرية
صحراوية ومخيال بدوي وعوالم سديمية رملية، التخلص المبكر من عبء ((الموقعة))
هذا يسمح باستخلاص نتيجة تالية تقول ان شعر الرحبي كان وما يزال جزءا تكوينيا
لا يتجزأ من مشهد التجديد الشعري العربي في المراكز المدينية(العراقية والسورية
واللبنانية والمصرية مثلا)، وليس في البيئات الخاصة التي تسمح بولادة وتنشئة
وتطوير مخيال ذي خصائص محلية نابعة من مكونات المكان الطبيعي تحديدا (كما هو
حال العديد من الشعراء الخليجيين الذين يندرجون بسهولة في مصطلحات مثل ((ثقافة
الصحراء)) والجماليات الشفوية و((وحي الصحراء)) )، وقادرة على منافسة المخيال
المديني عن طريق اجتراح عشرات المقترحات الشعرية المتميزة، هذه التي لا تقوم في
نهاية الأمر بما هو اقل من تنشيط التفاعل بين المركز والأطراف، واغناء الحركة
الشعرية الأعرض لأبناء اللغة الواحدة.
صبحي حديدي
القدس العربي
* * * * * * * *
(...) ترسم الكتابة البعض من امتداداتها. فيصبح النص قائما على نوع من التراكب
الدلالي هو الذي يجعل من الشعر حدث تفكيك للتاريخ وللواقع والنصوص. لا يعلن حدث
التفكيك عن نفسه صريحا بل يتخذ لنفسه مسارب ملتوية مواربة. ويصبح بمثابة قانون
عليه جريان الكتابة وعليه متصرفها أيضا. إن النص عبارة عن سيرة ذاتية . لكن
السيرة تكف عن كونها سيرة فرد، كما اشرت وتصبح ضربا من الاستحضار لثقافة تمضي
قدما إلى خرابها، وتأرخيا لارض كل ما فيها يتفسخ. لذلك تنعت صراحة بكونها
«ارملة العصور/ ومستودع نفايات العالم». ثمة في النص تصريح بأن هذه الأرض مدائن
صنعها النفط ليسرح فيها «السماسرة الذين اتوا من كل بلاد العالم لامتصاص ضرع
الأرض وما خلفته عظام حيوانات بائدة» (جبال، ص61). انها أرض طفولتها أمعنت في
الرحيل والنص يتكئ في بعض المواضع على طابعه السردي ويخلق نوعا من التوازي بين
طفولة الراوي وطفولة المكان:
هكذا يستل النص من مكوناته البانية لجسده. ما به يبتني فكرة الافول الكوني
الشامل. انه يستدعي المحلي (الصحراء/مدائن النفط ..) لكنه يفتحه من الداخل على
الكوني المحجب فيه. ومن الذاتي ينفذ إلى البشري الشامل. فتنفتح السيرة الذاتية
على محنة الكائن مطلقا. وتصبح الكتابة اطلالة على الرعب المحتمي من المكان
بأقاصيه واصقاعه وكواه المعتمة. لذلك يصبح النص، بدوره بمثابة نشيد اسود يطفح
قتامة ونياحة.
د. محمد لطفي اليوسفي
مجلة البحرين الثقافية
* * * * * * *
انها الاسطورة ((الواقعية)) اذا كان لنا ان ننحت تعريفا، ربما نتذكر هنا فورا
أدب امريكا اللاتينية الذي هو ايضا نحت اسما مماثلا ((الواقعية السحرية)).
الاسطورة في الواقع وثمة بطبيعة الحال تلك الذاكرة السحرية وذلك العلم الاسطوري.
لو تتبعنا ديوان ((سيف الرحبي)) لوجدنا مصداق ذلك في الأسلوب والبناء، أما
البناء فهو في الغالب شذرات قصيرة ومقاطع خاطفة. انها لحظات ولقطات وتعليقات
وتدقيقات أحيانا، أي انها مقاطع قوامها اللحظة واللقطة وكلاهما يوحي بنوع من
أدب يومي. ويوحي كذلك بواقعية تسجيلية ويوحي براهنية على نحو ما فاذا قرأت بدا
لك ان الشذرات السريعة لو اتخذت أحيانا ما يشبه التسجيل او ما يشبه السرد او ما
يشبه اللقطة، الا انها في عمقها شظايا ملحمية. شظايا بما في الكلمات من المعنى،
أجزاء وحطام ملحمة لكنك اذا فحصت الشذرة وجدت انها تنطوي على عناصر الملحمة
التي لاحظناها في التعريف او المقطع التعريفي. عناصر العنف الطبيعي والرحلة
الماضية الى لا مكان ولا وصول ولا نهاية، والبقايا المهجورة لمن قضوا في الرحلة
وتحولوا هم انفسهم الى حطام، وأخيرا هذا النجم الشاهد وذلك الحيوان الصحراوي
المخيف الذي يخيل الينا أحيانا انه هو الذي يروي الحكاية. وانها ليست سوى نباح
الكلب او عواء الذئب او زعاق النسر، فالمكان الصحراوي المخيف ليس للبشر وحدهم
ولا لكلامهم وحده، انه للبشر والنجوم والشهب والجراء والحيوانات القاسية، لكنها
في حميا الغضب السحيق هنا تواصل ولاداتها العقيمة التي هي ايضا تناسل البؤس
والعنف والجفاف.
عباس بيضون
جريدة السفير
* * * * * * * *
سيف الرحبي يأتي الشعر من مناطق الغرابة، يوقع صوره وتخيلاته كما النيازك توقع
حضورها الملغي سلفاً، كل كلمة عنده كأنها فالتة من أسر النسيان، تضيء فجأة ثم
تختفي لتتركك تتعقب أثرها... هكذا يخاتم الشعر السحري يحول ما لا يتحول ليعيد
ابتكاره من جديد.
عيسى مخلوف
مجلة ((اليوم السابع))
* * * * **
نص واحد يسير من الاستيقاظ الى النوم جارفا معه انهيارات كثيرة، تأخذ لها بين
اللحظة والأخرى اسما وإشارة جديدة، لكن مع ذلك يبقى فحيحا واحدا لنفس الكوابيس.
نص ينفتح على ((الكلام)) ليعزز ضرورة الإصغاء، ويوفر للعين ألبوما من صور
غابوية. هل هي رغبة في استدراج فضاء الوحشية الى مجال التخيل، للتخفيف من حدته،
مع ركون الى صوفية حديثة تعيد التأمل في العناصر الأولى للكينونة الضائعة بين
الترحال والترحال.؟
عزيز الحاكم
صحيفة ((أنوال)) المغربية
* * * * * * * *
من أماكنه القديمة ، بأسمائها ومعالمها ، حيث ولد وجاء في نشيجه سلالات أسلافه
، يمد سيف الرحبي ، الشاعر العماني يد الشعر الى اخر العالم . والصورة المجسدة
والهائلة التي يمنحهاى العنوان ، لليد البشرية التي تنتشر الى نهايات الوجود ،
تذكر بسريالية سلفادور دالي المضخمة عينها ، حيث في احدى لوحاته ،حصان ينطلق من
نافذة مفتوحة فى أعلى برج، واتجاهه في الفضاء. وهي سريالية ذات نكهه ملحمية ،
يديرها سيف الرحبي في قصائد الديوان ، إنها جوهر صنيعه على ما أرى .والصورة
الشجية والقاسية الكاسرة أيضا ، المنقضة في النص ، والتي ينتقل بها من مكان
لآخر ، أشبه ما تكون بالضربات والخطوط القاسية لهذا الفنان.. الباشق ، مثلا
الذي يرسمه الرحبي ، في مقطع من قصيدته الاولى ، هو هنا منقض على السلاحف
والاسماك في القيعان البحرية الملتمة ، وفي الكهوف والخلجان ، وهو أيضا في جانب
منه ، يحتوي الفريسة ، ويلتهم بها الفضاء كعريس ((وعلى خطمة دم المسافة))
والباشق ، سيد الجوارح ، الشريد المفرد ، تراه في النص ، يسافر بين جزائر زرقاء
ونيران غجر مندلعة في أفق (هو كما يقول مسودة أفق) خرافي وعصبي بصواعقه وأمطاره
المحتقنة.. فالمشهدية الملحمية للأمكنة وعناصر الطبيعة تحقن النص بروح هائجة ،
وهي تتجه معه كيفما اتجه ، مع العواصف القادمة من بحار الهند باتجاه بحر عمان
المتاخم لقلاع الفرس وأناشيد الرعاة المنحدرين الى وقب الافلاج…)
مثل هذا الوصف الملحمي نجده في أماكن اخرى ، على غرار ما نسميه نشيد الباشق.
فالشاعر المسيج بالوحشة والغربة ، نراه يفتتح كلامه بما يشبه مديح الهاوية ،
الهاوية السعيدة ، حيث يتم التحديق فيها لاكتشاف ماض سحيق مثل ليال متجولة على
وجه الظلمة ((حيث تقشعر أفئدة القساة في ليل بربري المزاج ، وعلى زوايا الهاوية
يتعلق اناس قلقون متأهبون دائما لركل الاودية بحوافز افراسهم ، او ليذوبوا في
غبش المغيب .
محمد علي شمس الدين
أخبار الأدب
* * * * * * * * *
كن نصّ (هذيان الجبال والسحرة)، يمتلك غنائية رومانتيكية من نوع جديد ضمن
محاولة سيف الرحبي إقتحام سحر الطبيعة وتفكيكه. الذات الغنائية دافئة متوترة.
الأشياء الموصوفة لا تنفصل عن الذات على عكس بعض كتاب قصيدة النثر الذين يوغلون
في وصف الأشياء الجميلة منفصلة عن الذات، مما يساهم في تبريد اللغة، خصوصاً إذا
كان السرد طاغياّ، وفيما يلي بعض الملاحظات على نص (هذيان الجبال والسحرة).
أولا: نص غنائي رومانتيكي رعوي يبدأ من الصحراء والجبال، كأنه معلقة لامرئ
القيس تصف الأشياء بتفاصيلها، وأجوائها القبليّة الأولى، كأن كاتب نص (أحلام
القطارات) سابقا، يستعرض شريط قطار قديم، ولولا المعجم الحداثي لشعرنا أنه
يضعنا في قلب الصحراء والجبال والسحرة والقبائل- ليتركنا مع خوفٍ ما، لكنه
هذيان الذات في جدلها مع الذاكرة.
ثانيا: لنختبر مطلع النص وختامه:
لقد ذهبوا بعيداً صوب أنفسهم
وذهبوا في الوحشة
أيامٌ تتلوها أيام
الديار تضمحل في عين عاشقها...
بدأ كاتب النص بالموت ليستدرج الراحلين واحداً واحداً مثل الأيام التي تتوالى،
ورغم أن الديار تزداد بهاءً في عين العاشق، إلا أن النص يفاجئنا بالاضمحلال،
إنه نوع من الترجيع الحزين لمقارنة الماضي بالحاضر. ثم تدور القصيدة دائرتها
كاملة لتصل في خاتمة النص الى الرغبة في الموت فيلتقي المطلع مع الختام:
ها أنا المحُ الجسر الذي مشت عليه الملايين وتبخرتْ
ألمحه في البعيد بحدبته التي تصل الغابة بالبحر
يحملني الفجر هكذا بين اليقظة والنوم
مخموراً إلى مخبئي في الضفة الأخرى.
هكذا يصبح النص دائرياً، يسبر سيرة الراحلين من الأحبة.
ثالثاً: يلجأ إلى رسم الصورة الترجيعية بحشد التفاصيل دون حذلقة أو نحت بلاغي.
لأن التعاطف مع النص يأتي من زاوية (الحالات الحميمة) التي يرسمها.
رابعا: هو أقرب الى (السرد السينمائي) المتدفق:
ظلوا ينثرون الشائعات حول قر جدّك
أتذكر حين ينحدر الرجال على الهضبات وفوق التلال
مختلطين بهدير الجبال ونواح بنات آوى
بل يلجأ الى لغة (السيناريو السينمائي):
لكنّ المشهد بحاجة الى ترميم
كأن تطلع إفاعٍ من بيوت الجيران
سادساً: يمزج بين الحلم والواقع بلغة بسيطة وبين الذات والجماعة بين (أشياء
الماضي) و(أشياء الحاضر) بين (الذات) بين (والآخر) لكن المحور المركزي هو غربة
الذات بين أطلال الحاضر.
سابعا: يحكم هذا النص، نظامان هما: نظام السطر ونظام الفقرة الدائرية، في
البداية يظل نظام السطر مسيطراً غنائياً، لكن نظام الفقرة في القسم الثاني من
النص يسيطر عليه السرد، لكنه سرد من نوع آخر مختلف عن السرد الترجيعي الغنائي.
سيف الرحبي لا يهرب من ذاته باتجاه حرق المراحل الى الأمام، حيث حذلقة الحداثة
وصناعتها، بل يبقى شاعراً رعوياً يتأمل هذا الحاضر الذي لا يتغير ، وعينه على
الماضي المتسلسل في هيئة ترجيعات غنائية، يفحص الطبيعة بعناصرها السحرية في ضوء
ذاته الحداثية.
عزالدين المناصرة
من كتاب قصيدة النثر العربية
* * * * *
منذ المقبوس الأول الذي يصدّر به ديوانه الاخيرة «يد في آخر العالم» يضعنا
الشاعر سيف الرحبي في فضاء القصيدة، ورؤياها الجارحة، وهي تنطلق من الماضي
باتجاه- الآن-، حيث يغدو الشعر ذاكرة للوقت المثخن بالخذلان، والطاعن في سيرة
تيهنا، وأحلامنا المهزومة، ولذلك تظل حركة الزمن في القصيدة تتحرك بين الماضي،
والحاضر.. الماضي الذي يؤرخ للحلم وللمكان، والحاضر الذي يعبر عن فجيعة الراهن،
وتوقه المحاصر بالهلاك والحنين وفوضى الأشياء وضياعها كما هو الحال في قصيدة
الديوان الاولى التي تحتل اكثر من نصف الديوان، والتي جاءت مرقمة من دون عنوان،
مما شكل خرقا لمبدأ العنونة، وإعادة إنتاج لمبدأ الدلالة التي تمثلها بشكل يوحي
بمضمون الرؤية الشعرية، خصوصا أن الارقام تدل على العدد، الامر الذي يدل على
غياب الاسم والهوية التي يمثلها العنوان، وما يفصح عنه من حالة تشيؤ وضياع تسم
التجربة الانسانية في مضمونها، ودلالتها الموحية.
تبدأ القصيدة بمقاطع شعرية مكثفة، وايقاع سريع، يكثف وعي اللحظة في انبثاقها
الاول، وتوقها العميق للحرية، وتمردها، حيث «ضمير الجمع المتصل» يعبر في اتصاله
هنا عن حميمية العلاقة، ويشي بتوحد «هؤلاء» الحالمين بلحظتهم قدرا، ومصيرا
ووجودا، يعلن افولهم وغيابهم في هباء الماضي، الذي يصبح علامة على موت احلامهم
الجميلة، وغوايات الوقت القتيل.
مفيد نجم
الكفاح العربي
* * * * * * *
ا ذهبا يبحث عنه العميان
في مناجم منهارة (ص19)
ماذا عساه أن يكون هذا الذهب الذي يبحث عنه العميان في مناجم منهارة؟ لا ضير في
أن يقول بأنه النور ، ولكنه النور بوصفه الحرية التي يفتقر اليها العبيد، كما
يفتقر العميان إلى الضياء.
ولا مبالغة في الذهاب إلى أن هذه المجموعة مرثية ترثي العالم، ولا تراه الا
بوصفه عالم قحل وجفاف، او «شعوبا انهكها القيظ وحيوانات الصحراء» (ص18). ثم خذ
هذا القول مثلا اخر: العمائر المأهولة بالجفاف، وبمخلوقات زنخة تفوح من أردانها
جثة العالم المتفسخة منذ قرون (ص30) ومما هو جدير بالتنويه أن الروائح الكريهة
كثيرا ما تذكر في هذه المجموعة: «أحلام القدماء التي تفعمني برائحة الموتى في
السرير (ص36) وفي رؤية الشاعر كذلك أن جذور الحياة، او ركائز الوجود البشري قد
«أصبحت تغذيها النفايات السامة في اعماق الارض الملحية، التي تصارعت على اديمها
ارومات البشر والضباع والاشجار السامقة» (ص30).
ناصع تماما أن هذا النص له مرجعية اولانية ينبجس من صميمها، ولا ريب في أن تلك
المرجعية هي المجتمع او التاريخ، او قل انها الحياة في ازمتها الكابوسية، او
الشديدة القدرة على استلاب كل اصالة من جوف الروح. فهي لا ترى الحياة الا من
حيث هي رضوخ لسلب متطرف قد استطاع أن يرمد نقيضه، او أن يطوح به إلى أقصى
المنافي، وبذلك يكون قد أرغمه على التلاشي، او اقله على أن يتقلص حتى تخوم
الاختزال او الاضمحلال، فتبدى العالم وكأنه قد شاخ واهترأ، واخذ ينفق روائحه
النتنة، وحتى الدروب قد شاخت تحت اقدام الناس، «مفعمة بروائح الاجساد التي
انهكوها كثيرا، مسوقين برغبة الزوال، الزوال الذي لم تساومهم عليه الحياة-
(ص38) ولهذا فقد كثرت في المجموعة تلك الالفاظ التي لا تدل الا على البؤس والشر
والهرم والتفسخ.
يوسف سامي اليوسف
* * * * * * *
وفي هذا الاطار الحميم من الوعي والتفهم والتوقع الدائم ولدت شاعرية سيف الرحبي،
منذ بزوغها عبر ديوانه الأول ((نورسة الجنون)) الذي صدر عام 1980م وتتابعت من
بعده دواوينه: الجبل الأخضر 1981، أجراس القطيعة 1984، رأس المسافر 1986، مدية
واحدة لا تكفي لذبح عصفور 1988، منازل الخطوة الاولى 1993، رجل من الربع الخالي
1994، جبال 1996 وأخيرا معجم الجحيم الذي صدر في القاهرة عام 1998. والطريف ان
دواوين الشاعر صدرت في دمشق وباريس والمغرب والامارات وبيروت والقاهرة وعُمان،
مؤكدة أن هذا الشاعر الشديد العصرية- حفيد السندباد- يحمل قلقه وتمرده وأشواقه،
وعذاباته التي لا تنتهي، لأنها عذابات المعرفة والتواصل الحميم والحب والحرية
والعدل المفتقد في كل مكان من العالم. فالأزمة الوجودية عند سيف الرحبي هي
مفتاح عالمه الشعري ومحور هذا الشجن الطاغي المندلع كالحريق في قصائده بدءا من
لوحات الطفولة الغارقة في محيط الذاكرة ولذع الصحراء المصاحب للنشأة والتكوينات
الأولى، والاطلالة على البحر- رمز الدهشة والانعتاق والانقذاف في المجهول-
تأملا في القلاع الشامخة، والحصون العتيدة، التي شهدت عبر عصور متطاولة إهدار
آدمية الانسان ومصرع انسانيته وحريته وصوته، تنقلا بين عواصم العالم وثغوره
ونتوءاته الحضارية. وحين يفكر الشاعر في انتقاء مختارات شعرية من دواوينه تمثل
مسيرته بكل ارتعاشاتها وانكساراتها وصدامها الوجودي يسبق وعيه الداخلي إلى
العنوان الملائم لهذه المختارات وهو ((معجم الجحيم)) جاعلا منه بوابة تفضي إلى
عالمه الشعري المشتعل، الذي تسيطر عليه ((أحلام القطرات ومساءات الكوابيس
ومغارات الهذيان وهجرة الأسلاف والقدم النرجسية ومرايا القفار وعالم الأودية
والشعاب وأرخبيل الغرقى ومدن الملح وهذيان الجبال والسحرة)). وهي بعض عناوين
قصائده، التي تكشف عن عروق المنجم الشعري الذي تندلع منه هذه الشاعرية المتميزة
لغة ووعيا شعريا وموقفا وجوديا.
يقول سيف الرحبي في قصيدة عن القاهرة التي يعشقها ويرتبط بها ارتباطا عميقا،
وله بيت فيها يقصده بين الحين والحين وأحيانا معظم الوقت من العام، أسماها
((نجمة البدو الرحل)):
نحن الذين وجدنا فيك
صغارا
وكبرنا بعيدا عن رعاية الأبدية
نحن الذين تسلقنا حواريك
باحثين بين مقابرك الألف
عن فجر هرب من بين أصابعنا
خلسة، واختفى
. . . .
الفضاء مسبحة الطرقات
والليل حاجب مياهك المضاءة
بالكلام
يموت الكون، برفيفه الغاضب
ويولد في ضحكة
تنتشرين بحزن
كما لو ان الحرفيين وبائعي الخضار
والفواكه، أسرجوا أيامهم بالدمع
يطوف الهواء على الشرفات |