هذه الأسطر التي كتبتُها ذات دهرٍ، ربما ثلاثين سنة أو أربعين أو مائة... تحت
شجرةٍ تهزها ريح الغربي، أو صخرة جاثمة في الوادي.. وربما في ذلك (المجلس) الذي
يستظل به رجال القوافل، هرباً من ظهيرة قاهرة.
هذه الأسطر، الأوراق القليلة التي تشكلَّ سؤالاً فقهياً حول الحمل والولادة،
البكر والثيّب...الخ تنتصب أمامي صلْبةً، حالمةً، كأنما الزمن لم يأت عليها،
الزمن المتسلل كثعبانٍ خبيء يزحف بتؤدة بين أشجار الموز في ضاحية النخيل
النائمة.
(٤)
عصافير كثيرة
بستان عصافير يحطُّ على أركان
الشجر الباسق
وعلى مقربة يبني النحل مملكته البهيّة، تتطاير العصافير في الحلم، يسقط عصفورٌ
شبه ميّت أكاد أتلقّفه بيدي،ـ وأصرخ في الصِبية الحُفاة ألا يقذفوا الحجر
نحوها، ويتركوها تنام وتمرح في رحاب الله الخضراء الشاسعة.
(٥)
هذه هي المدينة الثانية أو الثالثة أو...
التي تسكعت بين بواباتها الكثيرة، وأزقتها المفعمة بالقِدم والثورات، تحت وابل
أمطار الفجر والنسيم الطلق، مع أصدقاء لم يعودوا أحياء ربما...
بحثت في الأنقاض والوحول التي تغطسُ فيها أقدام العساكر والنساء الجميلات، عن
التفاتة أو فكرة هاربة من خيالٍ محاصرٍ، تعينك على صوغ الألم والقصيدة...
هذه المدينة التي سبقتك إليها الأحلام والأمنيات، تمضي في موكب جنازات لا حصر
لها، وجوهٌ أطفأها الذعر والترقب عبر السنين العجاف..
الأنهار جفّت كما تجفّ الدماءُ على أرض الرسالات، وفي العروق المثْخنة
بغياباتها وجراحاتها.. ووسط هذه الخرائب والأشلاء لا تستطيع استعادة ذكرى تسعفك
على قضاء الليل بأقل كلفةٍ من الكوابيس والدمار.
المقاهي هجرها روادها الأوائل واستحالت مرتعاً للسماسرة والشرطة السريّة، وثمة
همهمة ضباع تلعب مع فرائسها العاجزة الجريحة، تنحدر من جهة الجبل، لتذكرك بأن
الأمور، أُنجزت بضراوة قلّ نظيرها، وأن لا مجال لاستحلاب أمل ما، إلا بما يشبه
استحلاب الحنجرة الميتة، ريقاً يبعث فيها دورة الحياة والكلام.
لقد أنجزت الأمور بضراوةٍ
وقرع السُقوط الكبير
طبولَ الهاوية.
(٦)
أنتم يا من تحتلّون كل شيء
على هذه الأرض المحتشدة
بالذهب والرغبات
نصبتم أعلامَكم الحمقاءَ
على كل تلّة ومدينة
فوق كل بحرٍ أو صحراء
وبلغتم الكواكبَ البعيدة
جيوشكم البليدة سيّرتموها
في كل الاتجاهات.
لكنكم لا تستطيعون
حتى الاقتراب من تلك الجنان الخضراء
الوارفةُ
لروحٍ حرّة وقلبٍ طليق.
(٧)
ماذا تعني هذه الوجوه المتقاطرة
في نومك
منذ بدء الخليقة
حتى آخر ميّت شُيّع في تخوم الأمس
ألا تكل من الترحال في ذاكرة الآماد؟
وتلك الزيارات المفاجئة في جوِّ يعبق
ببخور المآتم
وولائم الغبار
وجوه مقبلة
وأفواج يطويها صلفُ الغياب
وجوه صافية أموميّة حنونة
وأخرى قادمة من أقصى كهوف الخسّة والجحيم..
إلهي خفّف هذا المدَّ الهادرَ
لبحور الموتى
يتدفّق في ليل رجلٍ وحيد.
(٨)
النجمة المحمولة على كتف سماءٍ شعثاء
تضيء دروب رحّالةٍ
يقطعون الآماد السرمديّة
بحثا عن حقيقة الوجود.
(٩)
ترمقني الغيمة العابرة
أمام النافذة
بعزيمة الذاهب إلى حقول النسيان.
(٠١)
الشاعر المحكوم عليه بالنفي والإعدام
والمرأة المحكومة بالعطاء والحب
كلاهما
قطرةُ مطرٍ في ربيع الخراب
(١١)
النظرةُ التي تشيّع الميّت المحمولَ
على آلته الحدْباء
والراحل في راحلته وهي تندفع
نحو المجهول،
لا تشبه النظرات جميعها، تاريخ النظرات منذ أول عين انفتحتْ على هذا الخلاء
الكونيّ:
إنها الانفصال القاسي عن هذا التاريخ،
التفاتة مذعورة قذفتها
الأعماق السحيقة لأحزان الكائن في مختلف عصوره،
دمعةً الطفل المقذوف في وهادٍ موحشة..
خلاصة الألم وعجز الأبجديّة.
(٢١)
لا شيء يعوضني عن غيابكِ
في هذه اللحظة،
التي تنتشر فيها كتائب الفجر، حزينةً، مكسورةً تتقدم نحو مدينة مهجورة.
لا شيء يعوضني، لا سهرة البارحة الحميمة
مع الرفقة التي تقاطعت بهم المصائر:
كنا نرى أرواحنا ترتجف في مرآة ذلك الليل
الذي تنسجه جَلَبة الشاحنات والهزائم،
وذلك العواء الفاجع لكلاب متوحشة
تحتل المزابل والثكنات..
لا شيء يعوِّض عن غيابك المصنوع
من ذهب التذكرّ وأغصان شجر السدر
الضارب في صحرائه العاتية.
(٣١)
مرتجفاً شجر الحور، طوال الوقت،
يهتز، حتى حين لا يكون هناك هبوب ريح،
دعك من العواصف والأعاصير التي كانت بالأمس تقتلع الجذورَ والحياة في شواطئ
آسيا..