الفصل الأول
منازل الخطوة الأولى
على مدار السنوات..
برؤوسها النابتة في الصخر،
أشجارا تغالب حتفها في الريح.
علينا أن نقتحم الأمكنة والمفازات..
كي نفوز بلمسة إشراقة..
كأشباح موج متطاير في الظلمة..
أو كعصفور يسكن القلب منذ الأزل..
لكنه دائم الطيران.
لا نكاد نعبر المحيط بقواربنا الشراعية..
والصحراء بالجمال التي أعطبها
قيظ المسافة، إلا وتتلقفنا الضفاف الأولى
بنهم جارف.
نهم العارف بصروف الأيام.
أجيال قبلنا عبرت هذا المضيق..
مضيق هرمز..
أو رأس الرجاء الصالح لأحلام الثروة
مثلث برومودا المعرفة.
لكنا أبحرنا من غير أحلام محددة..
فوق الحطام والجثث..
ومستنقعات صفراء،
بنبيذنا الحامض..
والعيون معصوبة إلى الخلف..
باتجاه الجزر التي وصلها الأزديوّن..
بعد خراب سد مأرب..
والتي لن نصلها أبدا.
كنا نقف قبالة ذلك الشاطئ، محدقين في البحر المترامي بين الجبال التي تحده
بمتوازيين حيث تلتقي أطرافها على حوافي البندر، مطلقين سراح النظر على مداه في
تلك الزرقة التي تغور من الجهة الأخرى في أشداق المحيط الهندي.
كان المكان مأهولا بالسفن والقوارب بأنواعها البدائية، سفن قادمة ربما من الحج
أو زنجبار أو الهند، وتتجمع غير بعيد مما يشبه ميناء أو رصيفا، وما يشبه مدينة
بحرية، يعلو صفيرها المنتحب في الهواء ليتساقط على أصوات الصيادين والباعة
والحمالين مشكلا جلبة الساحل المعروفة خليط أصوات.. وأصناف بشر.
كنا نقف قبالة هذا الشاطئ المفتوح على المدى الآخر، البعيد، وفي فناء المدينة
أو ما يشبه المدينة من جهة الغرب يعلو نباح الكلاب في ضوء انسياب السماء
وحشرجته القادمة من خلف عقدة الجبال الضخمة. وفي الليل تبدو هذه المدينة، أو
هذا المأوى البشري، حين يخترق هدوءها الموحش عواء الجهات او أصوات بنات آوى وقد
انهكها حدس الفناء القادم، تبدو مثل حفرة زلزال قديم أو مهبطٍ أدمنته النيازك
وقد نسيه العلماء المؤرخون.
لا أتذكر إن كان الوقت صباحا أو مساء، ولا أعتقد أن ذلك مهم، لكني أتذكر أننا
كنا قبالة الشاطئ أكثر وحدة وضجرا مما مضى، محدقين في السرطانات والأسماك
الميتة التي يسعلها البحر، وفي المدى والسفن التي سيبتلعها المحيط بعد قليل،
حين رمى ((سعد)) صنارته بعبث صبياني ليصطاد الأسماك الصغيرة القريبة، بينما
أضواء باخرة في القريب البعيد.
كانت تحمل بضائع وعمالا آسيويين يكشّون الذباب بمراوح صنعت في تايلند، في هذه
اللحظة التي تمرح فيها الأشباح بحريّة في مرايا الجبال المضاءة بالنور الشاحب
للسفن والمنارات الشحيحة، في هذه اللحظة التي تبدو كقفزة خارج الزمان والمكان،
رغم أنها انغراس فظ وطري في هذا المكان المائي العائم في خيال الصبية، فكر
((سعد)) أنه لابد أن يرحل الى مكان آخر، لا يعرف إلى أين، لكنه لابد أن يرحل.
قبالة الشاطئ بمحاذاة حياة توشك أن تكون ماضيا، نستجدي أياما قاحلة لا تنفع
مياه البحر في تلطيفها أو أية أوهام لمياه ينابيع تجود بها سماء الذاكرة.
كانت تلك المرة الأولى التي تحوم فيها فكرة السفر بمعناه البعيد، في مخيّلة
((سعد)) التي شهدت هذه الصفحات ميلاد اسمه الجديد هذا، كانت هذه الفكرة في
السابق عنده محصورة في حدودها الضيقة، السفر يعني من قرية إلى أخرى لزيارة
الأهل والأقارب بصحبة والده وأهل عشيرته، والسفر من القرية إلى البندر أو
المدينة، تحت جناح قمر صحراوي يختبئ خلف الجبال ويظهر كاللص المغتبط بسرقة
أضواء الأكوان، يظهر ويختفي وعلى ظهره ظل ثعلب أو سرب يمام بري، او حتى في ذلك
الظلام الدامس في آخر الشهر والذي تمزقه قافلة الراحلين بخياشيمها ولغطها سالكة
الطرق الأقل وعورة بمعرفة كاملة لا تدركها العين البشرية في ذلك الليل المحتدم
بالهوام والأطياف، أو في حمأة شمس النهار اللاهب.
وفي هذا المقام يتذكر سعد أول رحلة نحو تلك الأقاصي الجبلية، نحو أرض الأجداد.
بعد صلاة العشاء في القرية التي ولد فيها وحيث ما زال موجودا، جلس والده بين
أبنائه وأحفاده ونسائه كعادته كل يوم، لكن هذه المرة بحزم أكثر، وبريق عينيه
الغائرتين ينبئ بالخبر القادم:
-
سنذهب غدا إلى...
-
ومن تأخذ معك؟
-
سعد وسالمين
-
لكن الجو ما زال حارا
-
قالت أم سعد بصوت هادئ ومستكين:
-
قد اشتقنا لأرض الأجداد والولد لم يرها بعد.
بقيت الأم طوال تلك الليلة ساهرة لا يعرف النوم طريقا إليها، تعد زاد الرحلة،
تارة تقلي السمك، وأخرى ترتب اللحم للشوي الذي كان الأهل يدخرونه من الأعياد
على مدار العام. وكذلك سالمين رفيق الرحلة ودليلها القوي بطاعة العشيرة، ظل يعد
الدواّب، وما كادت أضواء الفجر الأولى تنشق عن عتمتها اللاهية إلا كان الراحلون
متحفزين للسير تودعهم عينا أم لم تعرف طعم الفراق بعد وبشكله الجديّ والمرير.
ظلوا سائرين عبر الشعاب والوديان، عبر الطرق الصخرية التي حفرتها الإرادة
الصلبة لأولئك الرعيان والعابرين بين الجبال والسهوب والانهيارات التي تتوالد
عبر أشكال من الخرافة الأرضية، خرافة المكان بافتراساته المتبادلة لقاطنين
يعيشون حياة الظعن الأولى.
يقفون قرب نبع للأكل والراحة، ويتأملون سطح جبل كان ذات يوم مسرحا لصواعق
وخيالات البدو التي لا تكل عن توليد الحكايات، ممسكين بمقاييس المسافة، فإذا
هاجمهم ذئب الليل جنحوا نحو سكنى فخذ من أفخاذ العشيرة في طقس ترحاب وألفة:
الأغنام تذبح، الشهب تتساقط على مقربة. الأخبار تتبادل.
وفي الصباح حين استيقظوا لاحظ سعد ذلك الفراغ الهائل بحيواته الغامضة، ورأى
القطيع ذاهبا إلى السرح، يتقدمه تيس الطليعة بقرنيه الكبيرين، بعد أن تحلق حول
البئر وسط صخب أصوات الرعاة المختلط بلغط القطيع والموجه له.
ولاحظ أيضا طريقة السكنى المصنوعة من الصوف، والبيوت المحفورة في جوف الأرض
والتي يلجأون إليها أمام زحف البرد في تلك الأصقاع المنسية.
وفي الطريق رأى سعد أشجار الأثل تتموج بفعل ريح خفية فحركت في نفسه نوازع لم
يعرفها من قبل، وفجأة بزغ جبل له نتوءان متعانقات في الهواء كأنما جسدان متحدان
في برهة أبدية.
-
أبي ما هذا؟
سأل سعد والده
-
جبل يسعى (لسان الطير)
ثم أشار إلى آخر وذاك يسمى (مهبط العقبان)
وتلك القرية الطالعة من ضلع الجبل تسمى ((شعر باط))
نخيلات يتيمة نبتت في إبط الجبل هكذا تسمى.
ليلتان على هذا النحو حتى وصلوا إلى بغية المنشود. إلى أرض الأجدد تلك التي
تحدرت منها السلالة وظلت عبر السنين إرث القداسة للعائلة وسطوة الجد الأكبر
وأوامره ونواهيه.
وبعد الراحة من وعثاء السفر وإرهاق الركب والمفاصل والعظام.
صحب سعد والده وبعض افراد العشيرة في جولة حول القرية.. صعدوا برجا من تلك
الأبراج المتناثرة حول مداخل القرية وفي وسطها كحماية من غارات القبائل الأخرى:
-
من هذه القلعة كان أجدادك يصطادون الأعداء كالأرانب.
قال والد سعد
-
لكن أي أعداء يا أبي؟
-
هناك في الجهة الأخرى، ثم إن هناك قبائل معادية تأتي من بعيد.
نظر سعد إلى الجهة التي اشار إليها والده فرأى أطياف نخيل صاعدة من قيعان
جرداء. لكنه بعد ذلك استغرق طويلا في تخيل أولئك الأعداء وتصويرهم، على أي شكل
هم وكيف يعيشون؟ وكيف يتم الالتحام في أزمنة القتال؟ وهل هو يشبه الحروب
القديمة وما يروى في قصص البطولات تلك التي تقرأ على ضوء الفوانيس في هباء
المساء؟
لكن ثمة الآن بنادق، والأبراج مصممة لها أكثر من أي سلاح آخر، وكم سيكون عدد
القتلى في كل مرة من جولات القتال؟
هذه الأسئلة ظلت فترة من الوقت تراود ذهن سعد حتى بعد العودة من تلك الرحلة.
وبعد يومين إذ بالصياح يملأ القرية كأنما ينطلق من حنجرة واحدة: ((عبدالله ذهب
للصيد ولم يعد))، وتقدم الرجال ببنادقهم وخناجرهم وسط صراخ النساء الملثمات
وصفير الريح في ذلك الفضاء المترامي بالعويل.. تقدموا يتسلقون جبلا عاليا ذا
رفوف ملساء يشبه كتلا ضخمة لمرايا متراصة تنفجر عنها أضواء باهرة في ذلك النهار
القائظ، بحيث يضطر الرجال على اتقاء الضوء عن العيون براحات الأيدي ويواصلون
سيرهم عبر طرق سرية لا يعرفها غيرهم في مرتفعات هذه الحجارة الصلدة.
وبعد نهار من البحث، وجدوا عبدالله قابعا في جرف مع وعله الضخم الذي لم يستطع
النزول به فقرر الإقامة في الجبل حتى ينتهي من شوائه وأكله ويرتاح.
علت الأصوات جذلة هذه المرة بالعودة يتقدمهم عبدالله ووعله الذبيح المتدلي من
حوافي الدابة ليكون وليمة منتصف الليل.
شاهد سعد الذي بدأ يغطس في يمّ هواجسه التي لا يتبين لها مكان في بهيم ذلك
الليل الساجي، شاهد اللقاء الحميم بين والده وابن عمه عبدالله الذي كان يحترم
رزانته وجلده في معالجة الأمور.
-
ولدنا سعد
-
سمعنا عنه فهو الذي ضرب ابن فلان بالمسحاة. ردّ عبدالله:
-
لم تكن تلك الواقعة ترضينا لكن ما حصل قد حصل.
وكانت عبارة والد سعد مبطنة بالرضا وان حمل ظاهرها الاعتراض. شاهد سعد هذا
اللقاء الأخير بين والده وعبدالله حيث مات هذا الأخير بعد أشهر من ذلك.
شاهده وعاش ليل كثافته الحميمية المؤلمة التي لم يرها بعد ذلك.
في ذلك الصباح الذي يقع أواخر الصيف ذي الهواء المتقلب والغبار المتلبد في
الغدران والسواقي وفي الشرفات الطينية والعيون.
صباح مضطرب المزاج منذ بدايته مصحوباً بضجيج الحطّابين الذين عادوا من غير أن
يستطيعوا مواصلة جلب الحطب، وكذلك البيادير لم يستطيعوا جني الرطب والثمار
الأخرى حيث عادوا ولما يصلوا بعد إلى عذوق النخيل الفارعة التي تلعب بها الريح
ذات اليمين وذات الشمال مثل قوارب صغيرة تدفعها عاصفة.
بدأ الناس يتجمعون في المجالس وعلى حوافي الوادي يشاهدون عبور العاصفة
ويتبادلون الأحاديث وبعضهم بدأ يتذمر حين شاهد أسراب القطا تمر عبر الوادي
كدليل يقود العاصفة إلى مقاصدها إن كان لها مقاصد، ولم تكن شباك الاصطياد
منصوبة، فالشباك بالفعل هي القادرة على الصمود في الريح مهما كانت قوية: لأن
الشبكة تخاريمها تمنحها هذه القدرة على المواجهة والمراوغة. وشاهد أيضا
الواقفون في شريعة البلدة، القوافل القادمة من البلاد الشرقية بحمولتها المتجهة
الى البندر، توقف سيرها وتلوذ بالتلال والأشجار حتى انتهاء العاصفة.
وحين بدأت في الجو بعض السحب وهي تتجمع وتتفرق وسط عنجهيّة الهواء مثل ريش
النسر، فكر الناس أن هذه الملامح تنبئ بما هو أخطر، تنبئ بالجوائح والأمطار
الكاسحة، وقال أحد المسنين: إن الجائحة لم تأت منذ عشرين سنة، ورد عليه آخر :
((إن السيول القوية كانت تأتي خلال هذه السنين، لكن بالفعل لم تكن بمثل عنف
الجائحة التي ذكرت)).
قضى سكان البلدة في الحديث والذكريات عن العواصف والأمطار وأثرها على الإنسان
والشجر والبيوت، حتى أن بعض العارفين لم يقتصروا على ذكريات البلدة وسكانها
فقط، بل ذهبت بهم المعرفة إلى سرد حوادث مماثلة من التاريخ والأساطير والشعوب
المختلفة.
أثناء ذلك كانت السحب تتجمع والعاصفة يهدأ زئيرها، الذين كانوا داخل بيوتهم
عرفوا ذلك من خلال حركة الأبواب والشبابيك وحركة الطيور فوق النخيل وأشجار
الليمون والنارنج، وكأن الناس بفطرتهم لا يتحدثون عما وقع بل عن القريب الآتي
وبدأت البروق تضيء فضاء القرية.
خيول السماء النارية بصهيلها الذي لا ينقطع طوال الليل. وكانت أول طلقة تحذير
بقدوم السيول الجارفة بعد صلاة العشاء بالتحديد وبعدها توالت الطلقات والزعيق،
وعلا الهرج والمرج كما يقولون.
كان سعد في ذلك الوقت قد نام مع بقية إخوته ويمكنه أن يظل كذلك لولا أن السيول
لم تكتف بحيّز الوادي المعهود بل تجاوزته نحو البيوت، وبيت والد سعد كان من
البيوت الملاصقة للوادي واضطرت العائلة أن تأخذ الصغار إلى بيت الجيران الذي
يقع في الأعلى بمنجاة من الجائحة.
هناك تذكر سعد حين فتح عينيه في غسق الغرفة أنه كان ملفوفا بغطاء مع مجموعة من
أمثاله في شكل دائرة، ذكورا وإناثا.
وتذكر أيضا ذلك الهدير الكاسر للمياه عبر احتدام الظلمة، هديرا غريبا من نوعه
كأن ثمة وحوشاً خرافية تجأر بالقيامة، وحوشاً جريحة.
طلب سعد من أمه أن تريه الوادي، وبعد مماطلة أخذته قريبا من حافة المياه لمس
الماء بيديه فوجده أكثر عذوبة من المياه العادية، وأكثر نقاء وغموضا رغم الغبرة
التي تغلّف جسده السديمي الشفيف المفعم بالأسرار.
-
إلى أين تذهب الجائحة؟
سأل سعد أمه
-
إلى البحر، كل الأودية تذهب الى البحر، وهناك تلتقي في مرجل البحر الكبير.
في اليوم التالي، خفت قوة المياه واندفاعاتها الجرسية عبر وادي القرية الممتد
من شريط النخيل حتى سطح السلسلة الجبلية المتاخمة، وكان هذا الوادي ملتقى أودية
وشعاب كثيرة، تصب في صحنه المتلألئ بالحصى والبياض. كان فحلا من فحول الأودية
التي تعرف بالهياج المدمّر الذي لا يمكن ضبط زمنه ومواسمه.
خّفت اندفاعة المياه الذاهبة الى البحر قرباناّ لجبل ((الفحل)) الرابض هناك
بحلم إناثه السبع، لكنها لم تنجل غبرتها بعد، واستيقظت القرية من ليل المياه
المليئ بالأحلام والتوقعات والخسائر. وبدأ الناس يلملمون شتات هواجسهم متفقدين
المزارع والبيوت والحضائر، ضاربين صفحا عن عداوتهم ومشاكل ماضيهم المشترك.
ورغم بعض الأحاديث التي تشخّص الأضرار التي أصابتهم، لم يثنهم ذلك عن الاحتفاء
بهذا العيد المائي، بهذه المآثر الربانيّة عنفوان المقدرة والرحمة. حتى أن
النساء حين انصرفن جماعات بعد مشاهدة الوادي في صباح صخبه الجديد، بدأن في لبس
الجديد من الأثواب والحلي والزينة، تحسبا لليل الخصب القادم ببروق أنينه
المكتومة تحت غيوم الخجل، مدفوعات بفطرة الخصوبة الشاملة.
أما الأطفال فظلوا رقعة ذلك اليوم على حافة الوادي يحرسون المشهد وجلين من
اختفائه على حين فجأة، غاطسين أرجلهم في فيض المياه متشابكي الأيدي والصراخ.
وبالشيطنة نفسها يأخذ الواحد الآخر ويرميه إلى أبعد، أو يركضون وراء الديكة
ويحاصرونها من جوانب اليابسة حتى يغطيها الماء ويسقطون من فرط النشوة.
تدريجيا بدأت المياه تجلو غبرتها وتصفو. وكان الجو عابقا بأريج العشب الوليد ((والقعت))
في ضفتي الوادي المليء بأشجار ((الكولانة)) و((الرسل)).
وبدأت الطيور بأحجام مختلفة تسلح برازها وتصطاد السمك الصغير الذي ينزل في
أعقاب السيول بكثافة، كان ذا لون واحد وبحجمه المعروف لدى أهل القرية في كل مرة
يجثم فيها مثل الجراد على اليابسة، وكانوا يسمونه ((الباعية)) ويصطادونه
بالمشاخيب التي صنعت من عذوق النخل الجافة. وغالبا ما يكون اصطياده وتكاثره في
الليالي القمريّة حيث يفقس بيوضه بشكل هائل وسريع. وحين تأخذ المياه في القدم
يختفي ويفقد الناس أثره ليحل مكانه سمك من نوع آخر أقل منه بكثير، سمك اعتيادي
لا يثير انتباه أحد أمام غياب الباعية بطقوسها الغريبة التي ترفض الاستمرار إلا
مع بكارة المياه واندفاعاتها الأولى.
وفي تلك السنة أيضا جاء الغجر بخيامهم وحميرهم وكلابهم واحتلوا هضبة الوادي
حاملين معهم عاداتهم الأزليّة في التجارة التي تعتمد على المقايضة بالحمير
والأسلحة كالخناجر والبنادق وحتى السكاكين، ويتحول الوادي الى مسرح لسباق
الحمير وترويضها وتحديد أصولها النبيلة والوضيعة.
وكان شيخ الغجر ويدعى ((مراش)) يجلس أمام الخيمة وفي فمه دائما المدوخ الذي هو
عادة جديدة على أهل القرية- يكرهها الأفاضل منهم- كانوا يتحلقون حوله وهو يسرد
الحكايات عن رحلاته والبلاد التي عبرها والتي أقام فيها بعض الوقت، وحين تصل به
لذة السرد إلى النساء بعد التمهيد الكافي، يدخل في تفاصيل لا لبس فيها حول
أوضاع النكاح وجوانبه المختلفة مما يثير لواعج الحسرة والأسى. وكان يوغل أكثر
حين يرى لعاب الشبق يسيل من وجوه مستمعيه ثم يدخل في هدوء الموقن بإنجاز مهمته
على أكمل وجه.
وكان سعد يراوغ والده أحيانا ليذهب الى حيث يعسكر الغجر، مخترقا فناء الخيام
ومسترقا السمع إلى نكاتهم وبذاءتهم الطريفة، مما يوقعه لاحقا حين ينكشف أمره
أمام والده في براثن عقاب يصل إلى الضرب والطرد من البيت.
وفي تلك السنة مات الشايب ((صبيح)) بعد مرض عضال، ومات أيضا أطفال كثيرون بسبب
الحصبة، رغم البول الذي كانوا يسقونهم إياه بكميات متعاقبة، بول الصباح الساخن،
ماتوا وبأمراض أخرى لم تكن معروفة.
في الصباحات الكثيرة التي يتكشف عنها ليل القرية، هناك صباحات تبقى مثل نبع خفي
في الذاكرة، صباحات لا يمكن القبض عليها أو اعتقالها خوفا من صيرورة النسيان
الحتمي، عبر اشراك لغة تعلن تمنعها باستمرار.
لكن يمكن للرائي على مقربة من أولئك الصبية المندفعين حفاة عبر سفح الجبل في
يوم شتائي خلّف وراء غباره مواسم الحصاد والأمطار التي كانت تنشر رطبها وبسرها
في ذلك السفح الغافي مثل سديم ينهبه العراء.
يمكنه أن يرى غيّ الوجوه وحبورها وهي تندفع نحو الشباك تفك أزرارها عن طرائد
طير ((الصبا)) التي تنزل من أعالي الجبال بأفراخها مع نسيج الفجر الكاذب لتلتقط
ما تبقى من التمر، وسط صليل الجبال وصياح طائر ((الصفرد)) الذي يقع هو الآخر
بين الفترة والأخرى في تلك الشباك المنصوبة بحنكة الطفولة ويقظتها الجبلية.
وأيضا وسط بريق أعين الموتى في تلك الرموس المكشوفة التي يظهر منها جمجمة ميت
هنا ويد هناك، قبور ثاوية مفتوحة الحجارة لا شواهد لها ولا أسماء، كأنما هي
مقبرة لجيش مجهول وقع في مذبحة، وربما كانت وليمة للجوارح وطيور الرخمة التي
تتجمع في صحن الوادي بكثرة حول الحيوانات النافقة.
لكن ذلك لا يغير من الصورة شيئا في أعين هؤلاء الصبية الأشقياء. إنه موسم طيور
الصبا ستعقبه فصول أخر، كفصل ((العقعق)) بريشه الملون القادم من جزيرة مجهولة،
سكنى نسله الغارق في زرقة الريش والمسافة.
يقتسم الصبية غنيمة كل صباح، والكبار ما زالوا في المساجد وبعضهم بدأ ينحدر نحو
المجالس يوقدون النار للتدفئة واعداد القهوة.
يمكن للرائي وسط صليل تلك الجبال والجنادب والحشرات، أن يحدد بدقة سهم ذلك
الصباح القادم.
تتقاطر الأيام، والزمن يتكور مثل بطن الحوامل وهن ذاهبات لجلب الماء من وقب
الأفلاج ومفاصلها عبر الطرق المتربة، أو يسيل سيلانا دبقا مع هبّة الريح
الشمالية على سّمار المجالس وهم يقرأون كتب الدين وقصص البطولات وأسفار
الملاحم، منكسين رؤوسهم خضوعا وإعجابا لأولئك الغابرين الذين ما زالوا غذاء
للقلب ووقودا للذاكرة، مرجع الحكمة وعقال العواطف من زوغانها على أيدي الأفكار
الجديدة التي بدأت تهب رياحها على أهل القرية بالسماع عنها، والتي غالبا ما
يكون مصدرها تلاميذ البندر، او أولئك القادمين من خارج البلاد.
كانت قراءة تلك الأشعار تتخذ صيغة التهدّج والنغم العالي متناوبة بين العارفين
وأشباههم، وأحيانا تتاح الفرصة لبعض الصبية الذين بدأوا في معرفة القراءة
والكتابة عبر كتاتيب القرية التي تقام من سعف النخيل، أو في صروح المساجد، وكان
ذلك مصدر فخر للآباء حين يرون أبناءهم يتصدرون المجالس بالقراءة والنشيد.
لكن أيضا لهذه المسألة مخاطرها، فالتلعثم والعثرات ستقود إلى ندم مرير من قبل
الأب الذي ينعكس على ابنه بالاحباط، وإلى حديث لن ينساه الح& |