موقع سيف الرحبي

اهم الاعمال

المقالات

الحوارات

سيرة ذاتية

مقالات ودراسات حول سيف الرحبي

اللجنة الفنية

 

سجل الزوار

 

رجل من الربع الخالي

 

إلى الجبال الصماء

وتلك المرأة الزائغة بالغياب مثل صحراء

 

  كتبت هذه النصوص بين 1990 و1992 في لاهاي بهولندا ومسقط بعُمان وبينهما

 

 

رجل من الربع الخالي

 

 

عروق الشّيبه(*)

 

هكذا يسميها البدو، ذئاب الصحراء الذين ما زالت بقاياهم تجتاز العصور الضوئية فوق رمالها.. وهكذا يسميها بعدهم، الرحالة القليلون الذين قذفت بهم المغامرة إلى مرابض هذا الوحش العتيد، مركز غضبٍ سحيقٍ في هذا المدى المترامي للسراب والبروق المراوغة، ومنعقد لواء العواصف لحظة هيجان الصحراء الصحراء... ويمكنك أن تشاهد على مقربة من حطام الشهب، وهياكل العربات والفرائس، التحولات الرهيبة للرمال وهي تبتلع قطعان الجمال، وتحولات الجن وهذيانات السحرة...

وعلى ضفاف النجم الأول الذي كان يسري الأجداد على هديه، قبائل وأفخاذاً وحمولات، ضاع دليل القافلة، وشوهد صريعاً قرب جثة نسر...

هكذا وسط هذا العالم، وبين كثبان هاوياته المطلة على سماء مقفرةٍ، بكماء، تقيم الحياة قسمتها الأخيرة وتستمر شتاءات الجراد في التفقيس والانتشار والهلاك...

 

(*) من أوعر مناطق الربع الخالي وأخطرها

 

 

 

أودية وشعاب

 

بين ليلة وضحاها

اكتشفت أنني ما زلت أمشي

ألهث على رجلين غارقتين في النوم

لا بريق مدينة يلوحُ

ولا سراب استراحة.

 

على رجلين ثاويتين في النوم

أنا الذي ظن بأنه وصل

وعند أول مدخل

تنفست رائحة قهوةٍ ونباح كلاب

فكومت جسدي

كحشد من المتعبين والجرحى

لكني عرفتُ أن الضوء الشاحب

يتسلل من رسغي

خيط دمٍ يصلُ الشعاب بوديانها الأولى...

 

 

الليلة الأخيرة

 

في الليلة الأخيرة التي تشبهُ قلبا

ينفجرُ على منعطفٍ

في هذه الليلة

أصغي بين أضلعي، لزئير الأجداد

ذاهبين الى الحرب

مقتفين أثر الكلاب المندفعة كمبضع ينتهك صدر الصحراء

لخيولهم تحملُ جثث الأعداء عبر المفازة

لِلَمعانِ الأجنة والبطون المبقورة

لجلبةٍ تحملُ الأفق ذريعةً للحكاية

لأولئك القادمين من أغوار السنين

بحثاً عن مكانٍ بين أضلعي والمسافة...

في هذه الليلة أبتكرُ حرباً أخرى

وأمضي.

 

صباح

 

الفجرُ يتفاقم ظلهُ أمام العتبة

والطيور تأوي إلى أمكنةٍ غريبة

لقد ساقها الذعرُ إلى الثكنات

فلا تسمعُ إلا ارتطام أجنحةٍ بأخرى

كمهاجرين فروا من مذبحة.

كان صباحاً معتماً منذُ البداية.

 

 

مطارح

 

في الليل... في الليل غالباً

أقتفي أثر البُداة

بكلابهم النابحة على الحافة

ومواقدهم المرشوشة بالريبة.

في جوف هذا الليل الموغل

في القدم

أقتفي أثرهم

لا أتبين الضوء إلا على رؤوس أصابعي

هناك في الجروف البعيدة.

 

محدقاً في الحشد الهائج

بثغاء أغنامه وتجاعيد نسوره

راحلين نحو القرى المتاخمة لخط الأفق

ساحبين وراءهم تيه الجبال

وهاوياتٍ لا قعر لها.

راحلين دائماً...

وحدها ذئابُ الصُّدْفة تعرف

مطارحهم في المرة القادمة.

 

 

ذكرى الحاضر

 

وحيداً، وخلف الجبال البعيدة في الذكرى

... سادراً ارقبُ المغيب

هذا الدم المنساب على أجنحة طائر

ثعباناً يفترس النهار بعينيه الدامعتين بالسواد

وخلف الأكمة يلعبُ النمرُ مع صغاره، مُضيئاً

طلائع هذا الليل القادم

بمخالب أكثر حناناً من جسد امرأة.

وحيداً من غير أمل

ومن غير رغبة.

هكذا... هكذا

حتى أختفي مع سكان مدينة

غرقت في البحر

أو أختفي في كأس.

 

 

أصدقاء

 

جاءوا من وحشة

الطريق

ملتفين بمعاطف، زنّارها

خريفُ ينابيع.

 

ينهبون الليل والأحلام

بجراحهم

ولا يَصلِون.

 

 

أصدقاء

 

يحجزون المقاعد في الصباح

كي نشرب القهوة وندخن

لا يكادُ يسطعُ الكلام من أفواههم

إلا وتمتلئ الطاولاتُ

بالغياب.

 

 

أصدقاء

 

يستنطقون العربات المارة

بوجوههم التي تشبهُ جزُراً

تهذي في أحشاء محيطٍ

يستنطقون العربات والنيازك،

أقدامُهم تمخر الشوارع، حاملين

الفصول في جيوبهم وبقايا نبيذٍ

من سهرة البارحة، حاملين

الخصومات  والدم المتدفق

من شريان يمامةٍ، ذكريات

الحروب والمنافي التي لا حصر لها

حالمين بأمجادٍ وصياحاتٍ قادمة.

 

 

حكاية قديمة

 

بين النوم واليقظة

بين الصحو والمطر

كان يمضي حمارُ جارنا القديم

الذي أتذكرهُ الآن تحت شجرة التين

عائداً من أسفاره السعيدة

بين البندر والقرية

كان يمضي القيلولة تحت الشجرة المثقلة

بالظهيرة والعصافير

ناعساً وعلى رأسه تاجٌ من الذباب

لا يتذكر شيئاً

لكنه يسرحُ أحياناً فيرفسُ الجذع

برجلين معروقتين بالألم

وفي المساء يمضي لجلب الزرع من الحقول

المبعثرة كدموعٍ خضراء سكبتها الآلهة.

 

في الرواح والمجيء يرسل نهيقه العالي كصراخ أضاعته

السلالة بين الأحراش، فتشرئبُ أعناق الحمير.

مرحاً

مختالاً كطائر كركي بين إناثه

وفي الليل حين يأوي الى شجرته التي

تلمعُ فيها عيونُ الديكة حالمةً بمقدم

الثعالب، يكونُ قد غادر موقعهُ إلى

ديارٍ بعيدةٍ يخوض فيها سهوباً وأودية

بحمله الثقيل وربما حَلَمَ بأنثى لم يطأها

حمارٌ قبله....

بالأمس رأيتُ حماراً هرما تحت شجرة

عتيقة.

 

 

ليل

 

إلى امرئ القيس

 

ليل لا يمكنك أن تقطعهُ بمنشار

أو تعتقلهُ في كأسٍ

ليل ثعلبي المزاج

أحيانا يشبهُ مهرَّجاً في ساحةٍ عامةٍ

وينزلقُ أملساً كفراء العروس

ليل العرّافات وسائقي الشاحنات

لم يرخ سدولهُ بعدُ

لكنه اوعز إلى مخلوقاته بالنميمة.

الغرباءُ يُطلون من شرفاتهم أمام البحر

والسفن غارت في ذاكرة البحارة.

ليل غير قابلٍ للاندحار

على شواطئه تلملمُ الصرخةُ

أشلاءها من فم الغريق

ليل وعرٌ

وقد أرخى سدولهُ على عُنُق العالم.

 

 

الغريب

 

هذا الكائن الذي يجرفنا نحو أقاصيه

يتكورُ على الطاولة وفوق السرير

ركام وجوهٍ وأماكن

يستقصي تخوم أيامه

هضبةً بعد هضبة

برجاً، قرية مهجورةً، مدينةً أكلتها الحرب

يقضمُ تفاحة

ويدخن، متذكراً:

مقبرة أجداد

أسمال أمه النائمة بين الكثبان

الزجاجةَ التي خطفتها الأيدي

قبل أن يرتشف قعرها

وينام.

 

الريح تصفر في الخارج مثل ذئب

(لقد رأى قطيع ذئاب في

طفولته).

الغريبُ يتكومُ على طاولته

رُكام وجوه ومصائر

يحاولُ أن يكتب،

يكتب عن ماذا؟

يا روح العربات المجنحة

يا روح الأمطار ومواكب الفجر

روح غريبٍ يبكي في أول الطريق.

 

 

فانوس

 

جرح النافذة الذي اراهُ كل يوم

يُضيءُ الليل

وكأنما فانوسُ يضيءُ الأعماق السحيقة

للجرح البشري.

 

 

لعب

 

لم نكُن جبناء ولا أبطالا

كنا أنفسنا

نلعبُ النرد مع النيازك

وأحياناً نُصغي لنقيق الضفدع

في ليلٍ تحتضرُ بقاياه.

 

أرخبيل الغرقى

 

يتغذى من حقد الأعاصير

دمهُ منشفةُ المسافة

والأقدام التي حشدت ليلها

في عينيه، تئنُّ

مثل ارخبيلٍ من الغرقى

مثل عاصفةٍ من غير اتجاه.

 

أي فأسٍ فصلت السماء

عن الحقيقة؟

 

 

حقيبة

 

رجل يسكنُ في حقيبة

رجلاهُ مفارقُ الطرقات

في كل مفرقٍ سماء مكفهرة.

 

ذات مرة رأى نعاجاً في الأفق

فتذكر جدهُ

أوقد شمعةً في كهف

ظل يطوف حولها

قرناً بعد قرنٍ

حتى تصدع ظلُه

وفاضت أيامه بالدمع.

 

 

ضواري

 

على امتداد هذه الظُلمة المستبدة

ألمحُ شبح أيامي متفقداً ضحاياه

تتقدمُهُ فرقةٌ من المجاذيب ومشردي الحروب

ألمح الساعة المعلقة على الجدار وقد فرغت من دقائقها

وجفت من النبض.

 

عيونٌ جاحظةٌ في الشرفة وخزانة الملابس

والستائرُ تهتزُ بفعل ريحٍ مجهولة،

وإذ أعبرُ بأرجلٍ مثقلة بالنوم وصخب الضواري

وفحيحها، أتعثرُ بأحشاء تمساحٍ يشبهُ خريطة

مدينةٍ لم أرها قبل اليوم.

 

الشرق

 

بداية كل يومٍ

وأنا أقتلعُ خطواتي الأولى

نحو الغابة،

ينبلجُ الشرقُ في دمي

شمساً غريبةً

فأرى خيولاً تندفع

وتلامسُ أعرافها السماء.

 

 

في ضوء هذا الفجر الأصم

 

في ضوء الفجر، في ضوء الفجر الجميل

في ضوء هذا الفجر الأصم الذي لا يسمع ندائي

في ضوء السماء التي تمرحُ القطايا في شغافها

في انسلال الجناح المغتبط بطيرانه

فوق الجبال

في شروق العاصفة وهي تحملُ حقل أبي

إلى بلدٍ آخر

في هذا الضوء الشامخ

أكد لي الموتُ جلّ مواهبه الفريدة.

 

 

سماء خاصة

 

هذا النسرُ الذي يعيدُ تشكيل السماء

وفق مزاجه الخاص، يهبطُ أحياناً ليرى

إبداع لوحته التي رسمها بعيداً عن الله...

 

هذا النسرُ ذو المنقار الذي يحملُ

العواصف كالأرانب يترنحُ من فرط النشوة

والذكرى:

نبعٌ حط عليه مع أنثاه

سهوب وأوديةٌ قطعها مع صديقٍ قديم

ذرى الهملايا

والجبلُ الأخضر...

كبشُ السماء الهائجُ يتذكر أيضا مجد حُروبه الشخصية

والسُلالة التي أوشكت على الانقراض،

حالماً بنُسورٍ تملأ فضاء وحدته.

 

 

مكيف هواء

 

يتنفسُ بصعوبة

بصعوبةٍ أكثر من اللازم

وكأنما كائنٌ بشريٌ ينتزعُ من حلقه

عظمةً قذفها بركان

ومن خياشيمه التكنولوجية،

يبصقُ الهواء المُر على جسدٍ أكثر مرارة

من بلدةٍ مهجورة.

 

وفي تلك الغرفة الصغيرة

يبدأ الصدقاء في المجيء،

هاربين من جبروت الظهيرة.

يلطفُ الهواءُ قليلاً

يسرحُ النعاسُ قليلاً

ونغرقُ جميعاً في البئر الذي حفره الأجداد

لنستقبل مساء آخر.

 

هنود في ضوء الفجر

 

هذه اللحظة الملمومة على بعضها

كأجزاء جثةٍ أدركها التفسخُ

لا ألمحُ طلعة الصباح كالعادة

                        (لقد تأخر)

 

أمام النافذة يتدفقُ الهنود

حاملين نعش بوذا

مضمخاً بمياه الغانج

منتظرين مثلي نهاراً آخر

لكن بطمأنينةٍ وموتٍ مقدس.

 

الهنودُ القادمون من غير ظلالٍ ولا وجوه

غرباءُ المكان

ألم البحث عن اللقمة والأغنية.

بعد قليلٍ يرتاحون من الجنازة

في المطعم المجاور، حيث تتلوى

راقصةُ تطعمُ نهديها لعشيقٍ خيالي

ويحلمون حتى النهاية.

 

 

أمام النافذة

 

مأخوذاً بجلبة الشارع

بنداء الباعة وصراخ الشحاذين

والبكاء المر لسكارى منتصف الليل.

الحوذيُّ يجر عربته أمام الغيم

والجزار يفقأ عين الضحية،

بسكين يبزغُ من يده ملتهما

مسافة المكان بين غرفتي وعنق

الخراف.

كذلك الرعودُ وهي تنقر نافذة

بيتي ليل نهار مثل طيور الوادي

مبشرةً بمقدم ضيف

ربما لن أراهُ بعد اليوم.

 

فراق

 

نحاولُ أن ننسى

ماذا نُحاول أن ننسى؟

الخنجرُ المسموم أنجز مهمته بضراوة

والمرأة التي عرضت ساعة الفراق بفوديها

كنهرين صغيرين، اختفت في الظلمة

حيث كان كلبٌ يعوي

حيث قطارٌ يلتهم الريح

ولم اعد أرى في معترك أيامي

عدا شبح قُرصانٍ يفترس أضلاعه

في كوخ.

 

قبر هنري باربوس

 

أغْلِقُ الباب وأنظرُ من ثقب

عاصفةٍ

إلى الحشد البشري

وأعرفُ، بعد قليلٍ... ستنتقل المذبحة

بتفاصيلها

إلى قلبي.

 

الفنان

 

أبداً

تولدُ أعمالك ناقصة

ولا تكتملُ إلا في جنون موجٍ تائه

أو في رأس

هشمتهُ

الحروب.

 

مدن الملح

 

بعينٍ مجهدةٍ بالسهاد

ويقين ملتبسٍ حتى النهاية