|
قالت البهيمةُ للراعي وهي تحتضر"
اقتلني، لكن ليس تحت شمسٍ حارقة.
ترصّدْ غيمةً
اصطدْها، حتى من خيالك البعيد
فلابدّ أن هناك غيمة عبرتْ
حياتك المديدة،
وتحت ظلالها الخضراءَ
اغمدْ مديَتك الرحيمة.
* * *
البحيرةُ النائمةُ من غير تموّج
ولا اضطراب
ينعكس الأزلُ على صفحتها
كما تنعكسُ الوجوهُ العابرة.
* * *
المقاعدُ الفارغةُ في الحديقة،
جلَسَ عليها كثيرون قبلي
من أماكن وبيئات مختلفة،
ذاكرتُها الملبّدة بغبار المؤخّرات، والوجوه
لم تعدْ تستطيع العدّ والإحصاء
لم تعدْ تتبيّن الفروق.
غير أن الطائر المسافر
حين يحطُّ على واحتها الظليلة،
تحتشدُ حواسّها لاستقباله
تبادله الضحكَ والهموم
تسافر معه من ثباتها المضجِر،
وتظلُ في انتظاره حتى يعود
متحمِّلةً تلك الجلسات الثقيلة
التي تشبه الاغتصاب
* * *
هذه اللحظات، هذه الأيام،
هذه السنوات المحتشدة بالفراغ والألم
وكأنها مجرة يتشرد سكانُها في رأسك
أو كهفٌ تستيقظُ فيه من رقدتها، مخلوقاتُ
ما قبل التاريخ.
لا قِبل على مواجهتها
لا عونَ ولا عزاء،
لكن قبل استسلام الضحيّة الكاملِ للجلاّد
عليك أن تنظر إلى السماء
نظرةَ الممعن في الخراب
أن تبتكر ربيعاً
تتفسَّح في أرجائه عقبانٌ كسولة
أن تنظر إلى الورق المتساقط
من رؤوس الأشجار
من غير أنينٍ ولا ارتطام يجرح صمتَ الأرض
أن تحدّق جيداً في البتلات
المتفتحّة بين الولادة والغياب
* * *
مدينة الكوابيس والرماد
مدينة الغرقى والجذام
أي خطيئةٍ تميد منها الجبال
كي يبتلعكِ الحوتُ الخرافيُّ
وتعيشين هكذا،
البشر في تجويفكٍ المتقيّئ
وأنت في بطن الحوت؟
علَم ممزق يرفعه جنودٌ أغبياءُ
يتسلّون بتعذيبكِ.
لستِ من الحياة ولا من الموت
وعلى عَتَبة الخشية منهما.
أنتٍ التمثال المتقنُ على أكمل وجهٍ
لأجيال اللعنة الأزليّة.
الخليل بن أحمد الأزدي
في ذلك الصباح الذي تمتطيه رطوبةٌ خانقة، وهواءُ بحرٍ كفيف، غادرتَ، ميّمما شطر "البصرة" حين كانت
موئلاً للنسّاك وضواري المعرفة. لم تودّع البحر والسهول والوجوه، ألقيتَ نظرةً أخيرةً أغزر تعبيراً واحتدا
ماً من نحيب، أكثر احتشاداً من الدمع المتحجّر في المآقي.
أدارتْ الناقةُ ظهرها للرَّبْع، فكان رغاء الحنين، حتى اختفى، وبقي القلبُ يخفق طوال الطريق الذي قصّرته
أحلامُك الأكثر جمالاً من وميض برق في ليلةٍ ظلماء، أو فتنة امرأة فارهة.
في البصرة انتبذتَ ركناً قصياً على شط العرب وعشتَ عزلة الزهّاد الذين صيّرهم الايمان أشبه "بخيالات
من فرط التوحّد والتسبيح". كان لك إيمان المعرفة واستبطان الأقاصي التي لم يرتدْ مناجمها الوعرةَ، أحدٌ
قبلك..
العزلة الموصولةُ بروح أسلافك بتلك القفار التي تضيعُ في فجاجها العميقة، صرخةُ الرعيان والجوارح؛
حيث القسوةُ إكليلُ الوجودِ المثمر وشرطه.
كانت اللغة علامتُك لفهم الوجود، وهذا ما عرفتْه البشريّة بعد قرون. قرأت تراث "الإغريق" لكن كان
تماهيك مع كشوفك وحدوسك.
بحثتَ في أنساق الكلِم وتشعّباتها وطرائقها وكأنك في غابة، أشباحُها الحروف والكلمات المستعصية؛
فكان لك سبْق الترويض واتساق المعنى.
وكان الشيخ محي الدين ابن عربي، هو الآخر يحلم بقِرانه من نجوم السماء وحروف الهجاء كان ضجيج
الحروف ونَغَمُها يضيء ليلك الموحش، فكان "كتاب العين" العين وليست الألف أو الهمزة لأنهما ناقصان،
وسُلّم إلى الأعلى في هَرَمَ الحروف وبنيان اللغة.
العين الأكثر صفاء ونصاعةً من نبع جبليّ تذكرتَه ذات مرة، فراودك الحنين إلى مرابعك الأولى. بعد كتابك
المعجز، قامت قيامة الخصوم الذين أنكروكَ، وأداروا دوائر المكر، وأنت في صمتك بين الظلام والضفاف.
لقد شاهد "الأزهري" و"السجستانيّ" وغيرهما، شاهدوا عجزهم في مرآةِ خلودك؛ وفي ظل حقدهم المتطاول،
كانوا ينهبون إنجازاتك، ويغطّون نهبَهم بغبار الإشاعات.
لكن "سيبوبه" النبيل في "الكتاب" وابن "دريد" حفيد السلالة والمعرفة في "الجمهرة"، نهلا بامتنان وحب من
معينك، كما نهلتْ الأجيال اللاحقة.
أسلمَتْك الرياضيّاتُ، مكنون سرِّها وصرامتها، وأسلمتك النيازكُ ضوءها الغامضَ قبل أن تنطفئ في
دروب المجرّات.
لم تُغرِكَ نداءات أولي الأمر والشهرةُ والمال، ولا بطش الخلافة الآفلة.
�أنستُ بوحدتي ولزمتُ بيتي
فطاب الأنسُ لي ونما السرورُ
ولســــت بسـائــل يــوماً أناساً
أسـار الجندُ أم ركـــب الأميرُ?
كنتَ المنارة التي يهتدي بها العلماء والالتباس الدائم للأدعياء الذين لم يفهموك فكان تقديرهم لك أكثر فتكاً
وإساءةً من الأعداء.
أيها السلفُ الكبير
لك التبجيل والتعظيم
لك الغيمُ والسلام
لك الورد والصباحاتُ الهاذية في الحقل
لك الأحلام النافرة كعنق الحصان
لك الغيث ينهمر على قبرِك الوضيء
عشتَ وحيداً
منذوراً للمعرفة والجمال
ومتَّ
على منعطف النهر والزمن والعالم
الذي اعتزلتَه باحتقار.
لحظة احتضارك في ذلك "الخُص"
وسط نقيق الضفادع وألق الوحدة والليل
كيف صَعدَ سهم الروح إلى بارئه
وتسلّقت سلالم الحضور الكليّ؟
موسيقى الأفلاك
مستحمّا بهواء البحر
أجلس محدّقا في "الطريفة" و"إشبيليا"
كان عصفور ينقر على الخشب، بقايا طعام
كان رذاذٌ خفيف
كانتْ الرأفةُ تلامسُ
روحَ الطائر
وهو يتلاشى في المغيب.
مستحماً بهواء البحر
مصغياً لموسيقى أفلاكٍ
ومحيطات
تتقاطع أمام ناظري
بغضب ومحبّة
وأفكر"
أن الأرضَ ستغمرها المياه قريباً
ونعود إلى البدء،
إنها النهاية الرحيمةُ
أمام صنيع العقل البشريّ
للقيامة.
الديك الشركسي
بالدار البيضاء
في نادي الكرةِ الحديديّة،
أطعمتُ ديكاً محمّر العينين من الصياح
أطعمته من كفي مباشرةً
وكانت الموجةُ القريبة تغمرُ
صباحنا المشترك
وسَط ضجيج السكارى واللاعبين
وتلك الكراسي الرثّة
لمكان كان يغص بذكريات المستعمرين..
الديك الشركسيّ الحالم،
الذي بدا عليه التعبُ،
بعرفه الرهيف
منحنياً قليلاً وناحلاً
كقوس قزحٍ يعانقُ
أرضاً مقفرة.
الفاتحون الأوائل
هذا المحيط الهادر على فراشي
طوالَ ليالٍ ونهارات،
لا يهدأ أواره ولا ينام،
محيطُ الظلماتِ والأنوار
تجمّع أنهارٍ لأزمنةٍ فلكيّة
غادرتْ مواقعها واستقرتْ في أحواضه الكبيرة.
جابه الفاتحون العربُ الأوائل
جابه قراصنة من مختلف الأجناس.
أستطيع أن أتبيّن بعضهم الآن
ينطلق من مدينة "سَلا"
في الضياء الغامر للفجر
بسواعد جُدلتْ من بأس ومجازفة
يمخرون المياه كما يمخر الوحش
رمال الصحراء
يحلمون بالبطولات والنهب
في مساءات لا يعكرّ صفوَها
أعداءٌ غامضون
قَدِموا من قلاع مجهولة.
أرق
آه من ليالي الأرق الطويلة،
من حلكتها تنفجر أشباح كثيرة،
حبْكة السنوات الآفلة
شبحُ الأصدقاء الذين أصبحوا أعداء
مأخوذين بالثروة والحضيض،
لقد جفّت أرواحهم
نسوا هواء القمم الصافي
صاروا كوابيس
أعوادَ ثقابٍ تحرق الغابات،
القتلَة الجبناء
لماذا أتذكرهم هذه الليلة
أما زالوا موجودين؟
إنها علامة شؤم بليدة
عليّ أن أقلب الصفحةَ
وأتوارى خلف أكمة خضراءَ
ضفّة نهر
أو في قلبِ موجةٍ عاصفة.
سلام الروح
ما أجملَك أيها المسافر
في حلّك وترحالك
باحثاً عن سلام الروح
تقتفي أثر الظلال الشاحبة
لخيلٍ مرّت من هنا
أو قطار من هناك.
غادرتَ أراضيك الأولى
ولم تجدْ مُستقّراً على هذه الأرض.
نومُك مضطربٌ
وأحلامُك أكثر غزارةً من بحر
ذئابك التي تعوي
حتى توقظ المدنَ من سُباتها.
إنك الأجمل والأسمى
لك النشيد كلهُّ
ذؤابة الشجر المتمايل في النسيم
وحوريّات البحر.
السراب
بم التعلل أيها المسافر
"لا أهل ولا سكنُ"
كل شيء تطاير من يدك العزلاء
عبثا تحاول ترميم ما تبقى
لكن السرابَ الذي لاحَ لك منذ البداية
فسكنتَه، نصبتَ خيمتَكَ في أرجائه الشاسعة
صار موئلك الأثير
مُستقــرّ إقامتِك ورؤياك.
لكنّ الملاكَ
الذي بلمسته الحانية
أبدع الوجودَ الأثيريّ للروح
تحطّم تحت العجلات الثقيلة للعربات
وبقيتْ نظرتُه الحزينةُ
مترحّلة تحرس المسافرَ الحائرَ
في خضمّ الصحراء.
مطر
ليكنْ هذا المطر
مطر وداعِنا الأخير،
فكم هو مخيفٌ أن يكونَ على بقعةٍ
لم يمسسْها مطر منذ زمن بعيد
المطر الذي يهطل طوال الليل
يذكرني بأنينكَ المحتدم على السرير
رائحتُه التي تخضِّبُ الحقولَ الغائرةَ
في الذاكرة
وأقواسُه المتدفّقة من قِربٍ لا مرئيّة
قِرب سماءٍ مفتوحةٍ على ملائكتها
وهي تطير بأجنحة خضراء
كما في رسوم عصر النهضة.
أتأمّله الآن
بخفّة طائر ينقر موجةً في الريح
باسطاً جناحه الهائلَ
على جبروت المدينة،
على مخترعَاتها وأطباقها
وحطام أيامها الكئيبة.
النافذة مفتوحة
البشر مشغولون بطعام الصباح
لقد ألفوا المشهد حتى الانطفاء
النافذةُ مفتوحة على ليلٍ مطريّ
لا ينضب
البروق تتدافع بالمناكب
المحيط المتاخم يزداد هياجاً
واليد المباركة
تلئم حقلَ الجروح المزهرِ
في الأعماق.
أيها البجع الكريم
أيها البجع الكريم
تقفز بفرح على سطح البحيرة
بين عائلتك الصغيرة التي أبصرت
النور للتو.
كرُمك الغريزيّ هو الذي يجعلها تسبحُ
منذ الولادة بحنكة مجرِّب.
بالأمس أبصرتُك تترنح على حافّة
الغروب
في تلك الأقفار المداريّة للأرض
هِجْرتُك الدوريّة نحو الشمال
بعد أن يحاصرك قيظُ الصحراء
مع أجناس طيورٍ أخرى،
هناك تستريح
لتفرخ وتتكاثر بحنان واستحقاق
وتستأنف الرحلة من جديد.
قُبلة طويلة
في الحديقة نفسها
رجل وامرأة على مشارف العقد الأخيرِ
لأعمار البشر
في الثمانين ، حيثُ لا ضوء إلا ضوءُ الفناء
الباهر..
جلسا على حدّ البحيرة
وكأنما في رحاب الفردوس
مغموريْن في قُبلة طويلة، طويلة
حتى الاندحار الكامل للزمن،
قُبلة حرّكت المياه بقطوف دانية
جعلت الهواءَ أكثر شفافية
والبجع يعوم في
أحلامه الوارفة.
قسْورة
الأسدُ، الذي ورد اسمه
في القرآن الكريم "قسْورة"
وقد تناثرت تحت سطوته
الحُمُر الوحشيّة وتشظّتْ،
وله عشرات الأسماء كالسيف،
وكلها رديفة البأس والمجد والافتراس
أراه الآن يفترشُ نعامةً تحت
قدميه الضاريتين
ويستعدُ لانقضاض آخر.
سربُ يمامٍ حطّ على مقرُبة
وعصافيرُ غنّتْ رشيقةً على
عنق التمثال..
هل سيكتفي بطريدته
وتهدأ روحه الغاضبة؟
إلى عبدالله الطرشي
كيف غادرتِ مبكراً هذا الجسدَ
أيتها الحياة
قبل قليل كانت تهطل أمطارُه بغزارةٍ،
متحدثّا عن شوبنهور، والمتنبي،
وإخوان الصفا
عن الطيور المهاجرة ونبات المحيطات
هكذا فجأةً يصعقه جناح الموت
كأنما تبخلين به، أو رأفةً منكِ
أيتها الحياة.
لسنا مصدومين
لكننا نسأل
من أعطاكِ كل هذه الحجة للمغادرة
كل هذه الصرامة في القرار؟
أليس من وقت قليل،
أنتِ توأم الأزمنة،
كي يلقي إيماءةً أخيرةً على محبّيه
وأشيائه المبعثرة في أرجاء المدينة؟
نعرف أن أسئلتنا مضحكة
لكن الرهينة ماذا تفعل أمام سجّانها
الأزلي؟
صورة الوجه
كان وجهُها المنعكس على زجاج النافذة
وهي تتحدّثُ إلى رفيقٍ مجهول.
نظرةٌ على الكتاب وأخرى إلى الخارج
حيث الشجرة المبتهجة بفنائها القادم.
ركّزتُ النظر على الزجاج
كي لا أزعجها
كي لا تشعر بتطفلي على مسرحها الخاص
رغم سطو قَتَلةٍ لا مرئيّين عليه.
تجيلُ النظرَ في الجهاتِ كلها
لكن مركز الجذْب الداخليّ،
هو فضاء هذا الجولان حصْراً
وما تبقى، ليس إلا يباس حطبٍ
لإشعال مواقدِها.
لم تكن اللجاجة ديدنها
كانت هادئةً وجميلة
كمنْ حدّد مصيرَه على نحوٍ حاسم..
كانت المرأةُ،
وكان الزجاج الذي علِق به ناظري إلى الأبدْ
وكانت الشجرة في الخارج.
حديقة
نهار غائم آخر
في حديقة التماثيل والوعول
لقد توارت الشمس المرهقة للأعصاب
وعليّ أن أفكر أنها غابتْ إلى الأبد
كي أعيشَ سلامَ هذه اللحظة
زارعاً في تخومها عشبة الحياة
والحبّ بعينيه الدامعتين مطلاً
من بين أكمات الأشجار
همهمات طيور تشبه رعوداً ناعمة، حنونة.
غير مُثقل بالماضي ولا بالمستقبل
هذه اللحظة فقط
وقد غمرتْني بسخائها وشمسها الغاربة.
بجماليون المتشرّد
ضربة جناحٍ موغلٍ في الشباك
أم ريشة تنفصل عن جسد الطائر
لتضيع في الفضاء المدلهم.
هكذا كان يذرع المدينة جيئةً وذهاباً، بالنظر الزائغ، والرغبة المخنوقة في عنق النبع، ينظر إلى البشرية
المتدفقة من المقاهي والمطاعم والحانات، زاحفةً نحو البيوت والأسِرَة الدافئة، ليبدأ الوجه الآخر للنشاط
البشريّ البائس، في مواجهة البرد والعواصف والليل..
إنه يوم عطلة.. كان في الزاوية، لقد تعب من العزْف على الكمان، وعليه أن يتسلّق تلال عتمتِه، وحيدا
ويحلم بحلمٍ يغذّي رغبة بقائه، إلى صباح آخر، صباح مليء بالظلال والخيالات والأنغام؛ ليواصل
عزفه وتحديقه الباردَ، تحديق التمثال الذي صنعتْه يد الفنّان المتشرّدة في طرقٍ وأقاصٍ مأهولة بالأشباح.
ومن فرط ما حلم الفنان بتمثاله والتمثال بصانعه، أصبحا كائن |