موقع سيف الرحبي

اهم الاعمال

المقالات

الحوارات

سيرة ذاتية

مقالات ودراسات حول سيف الرحبي

اللجنة الفنية

 

سجل الزوار

 

قطارات بولاق الدكرور

 

السحبُ تمضي بيننا كثيفةً ثَقيلة

 

والأرض توقّفتْ عن الدوران، متجمدّةً

 

كشاهدة قبر بين خرائب ومجرّات

 

والزمن يتكوّر على نفسه، أفعى لا نهايةَ

 

لزحفها الأسطوانيّ كأنما العَوْد الأبديُّ

 

هو التجسيد الأعلى للعقاب.

 

* * *

 

في هذا اليوم العاصف

 

تحت سماء القاهرة

 

ألمح الشبحَ خلف الزجاج

 

في شارع الزهراء،

 

كان يمشي بطيئاً متثاقلاً

 

كأنما الأرض تربض على كاهلِه

 

كأنما الثقلان.

 

وحيداً في حلْكة الدروب

 

يمضي نحو حيِّ بولاق القريب

 

الذي سيصله متأخراً

 

وربما لن يصل

 

وتبتلعه هاوية الريح.

 

* * *

 

كان الصخبُ على أشدّه

 

في الشارع والمقهى

 

وكانت الذاكرة الأكثر احتداماً

 

من حمارٍ يجرّ قافلة غجرٍ تائهين.

 

القطارات تعوي

 

ذاهبةً مقبلةً كما في الماضي

 

لكن من غير أحلامٍ تسبقها ولا حنين.

 

وسط أطياف الخلائق التي لا حصر لها

 

والباعة المتجوّلين.

 

جزارون بسواطير لامعة

 

ونسوة يرتدين السواد

 

نداء استغاثة ونحيب

 

حيث جَمال السُحب ينتشر برفقٍ

 

فوق سطح القطارات.

 

* * *

 

أمنح القادمين فرصةً للقاء أخير

 

وأعرف أن الغيوم تبّدد نفسها

 

على نوافذ البيوت المغلقة..

 

لقد هجَرها سكّانها الأزليّون

 

وذهبوا بعيداً مع الطوفان.

 

* * *

 

كل ما حدَث لم يحدثْ

 

ولم يتنبأ به فلكيّون ولا رياح

 

فليس هناك

 

إلا هذيان نائم على السفح

 

وفي أعماق أوديةٍ جافّة.

 

* * *

 

تخور الأبقار ليلة عيد الأضحى

 

الأبقار المجلوبة من الأرياف الشاقّة،

 

من السودان وأثيوبيا

 

بالأمس كانت في مراعيها

 

مزهوّةً بشموس غاربة،

 

خوارها المضطرم

 

يحلّق بليل المقتولين على الضفاف

 

في محنة الحروب

 

ولا يتركنا ننام.

 

* * *

 

خبطةُ جناح في الظلام

 

صليلُ جدولٍ لا يسمعه أحد

 

واصطفاق أبواب،

 

يركل الأعمى أنثاه

 

ويبدأ رحلته الغريزيّة

 

* * *

 

بماذا يحلم نهر النيل هذه الليلة؟

 

هذا المعبأ بالكوابيس والأزمنة..

 

الليل يضرب المياه بمراسيه العاتية

 

متسللاً إلى المخدع السريّ للنهر

 

المخدع الفاره بالأضاحي والمومياوات..

 

وليس على سطح هذا الغَمْرِ الطامي

 

عدا ضوء قاربٍ يتأرجح بالحطام

 

وذكريات رجلٍ وحيد.

 

* * *

 

ينظرون عبْر الجسر الفاصل

 

بين قارّتين

 

واقفين بين الترعة المليئةِ

 

وسكّة القطار،

 

عيونهم تشرب المغيب من التعب

 

وجوههم أكثر حلكةً من دخان الأفق

 

محدّقين في الحيوانات النافقةِ

 

والأطفالِ يقفزون بمرح من دكة إلى أخرى

 

حالمين بصباح آخر

 

منتظرين البَرَكة.

 

* * *

 

يتحدّث الظلام عن نفسه قائلاً:

 

أنا تاريخ العالم وروحه وهواه

 

وليس الضوءُ، إلا خدعةً

 

اخترعتُها لأضلّل الأحياءَ عن حقيقة موتهم

 

وأعجن الجهات

 

أنا السيّدُ أقود قطعانَ الضوءِ

 

نحو المهاوي المعتمة.

 

أنا الجبال والوديان والصحارى القاسية

 

والبحار

 

أنا الفراغ الكبير والمصير

 

أنا �الربّ وقد صنعتُ هذا الكاريكاتير?.

 

* * *

 

هذه المجرّات والنيازكُ

 

هذه المحيطات والزلازل بمجسّاتها العملاقة؛

 

منذ بدء الخليقة

 

ترمق الأرضَ من طرفِ حذائها

 

مرددّةً سورة الهلاك القادم.

 

* * *

 

هذا النشيد الأزليّ

 

يحمل على جناحه المتقلّب

 

الأممَ والتيّارات

 

نشيد الإنسان الأول أمام ظلام المصير

 

نشيد العشبة الوحيدة في الجبل الأجرد

 

نشيد الوطن والجنازة

 

النشيد الأمميّ للأحلام الصاخبة

 

نشيد المستعمرين

 

والطامحين إلى التحرير

 

نشيد الإنشاد لعاشقةٍ

 

تسوق قطيعها في الخلاء

 

نشيد المدارس ورياض الأطفال

 

وقود الحرب القادمة،

 

نشيد البحّارة في الفجر الاستوائي

 

ذاهبين إلى زنجبار

 

نشيد الجارح وهو ينتفضُ على الفريسة

 

نشيد الضحيّة

 

وهي تلملم أشلاءَها تحت الأسوار

 

نشيد المؤمنين والمارقين

 

نشيد الأرض

 

وهي تئنّ تحت ثقل العسكر وأباطرة المال

 

نشيد الطفل

 

وهو ينفصل عن أمّه المقتولة

 

نشيد الزهرة مفعَمَةً بمطر الصباح...

 

هذا النشيد العدميُّ الكبير

 

* * *

 

تتأرجح الملابسُ على حبل الغسيلِ

 

في مهبّ الريح

 

تنفصل الأرض قليلاً

 

عن محور الكون.

 

* * *

 

لا أريد لهذا الصوت أن ينتهي

 

هذه العذوبة المطلقة

 

هذه الموسيقى التي يحملها الصمتُ

 

من قلب الصحراء أو المقبرة

 

سيرانة البحر تغنّي

 

سكرى بأنداء الليل الساهر..

 

الصوت الذي يحمل ألم البراكينِ

 

وخجل البحيرات.

 

يمكنني أن أرى الغزلانَ تسرح أمامي

 

وألمس نهدَ المرأة المستحيلة

 

يمكنني أن أرى السماءَ

 

باحةَ نجومٍ

 

ترمق بعضها بحنان..

 

هذا الصوت الذي أحسُّه

 

في أخـوّة جبلين

 

خارج وحشةِ العالم.

 

* * *

 

عظْمة ملقاة على قارعة الخلاء

 

لا أحدَ ينظر إليها

 

لا أحدَ يحبُّ أو يكره

 

أو حتى يركلها بطرف قدمِه.

 

عظْمة جمل أو حمار أو إنسان

 

تعيش ذاكرتها الخاصّة

 

لقدْ نسيَها الآخرون

 

عدا الريح التي تحركها بين الفينة والأخرى

 

أو حيوان أعمى يرفسها من غير قصْد،

 

ربما ظنّها الذبابَ المتجمّع على وبَرِه"

 

وهي لم تنسَ أحداً.

 

الجميع يعيشون في مضاربها الغاصّة 

 

بالكائنات والأزمان.

 

عظْمةٌ تفكر وحيدةً على قارعة الطريق.

 

* * *

 

شتلةُ وردٍ تفتّحتْ فجأةً

 

لامستْ شفاهها الربيعَ الصافي

 

تلمّظته

 

عاشَته زمناً.

 

وبالبراءة نفسها

 

سرى في حناياها المرهَفة

 

من غير خشيةٍ لجماله الحارق

 

ولذلك المدِّ العاصف للمعرفة

 

واليد المضرّجة بالدماء والخيانة

 

* * *

 

الفأس التي صُنعتْ من أحلام

 

الشجرة

 

والحفرة من تراب النيزك الذي سيردمها

 

بعد قليل

 

والحب من كراهيةٍ تمحقه باستمرار

 

مرح الكباش من لمعان السكّين

 

والقطار من صفيره المضمحلِّ في الفراغ:

 

تلك حياة البشر وهم يخلعون أحذيةَ الأملِ

 

على أبواب الربع الخالي

 

أو في الجحيم

 

* * *

 

أسمع جيراني يصرخون

 

وينطحون الجدران والأسرّة والأبوابَ

 

رافعين القبضات إلى الأعلى

 

مرددين أنشودة النصر الهستيريّة

 

قبل حلول الظلام هذه المرّة.

 

* * *

 

في المنْقَلب الآخر من الوادي

 

لقي الراعي ضالّته

 

كبشاً من ذهب النسيان

 

* * *

 

موسيقى في الداخل

 

هديل يمام وعصافير في الخارج

 

أعرف أن الفجر يحمل نبأ

 

عن البحر

 

موسيقى...

 

هديل يمام وعصافير في الخارج

 

هذا ما تبقى من مشهد صباح غابر

 

* * *

 

غضبة النمر قفزةٌ ملوّنة في الفراغ

 

قوسُ قزح يشكم الفلاةَ من أردانها الأربعة

 

حتى يهصرَ الطريدة في موقد أحضانهِ

 

بعد انحسار موجة الركْض.

 

* * *

 

القُبلة المشتعلةُ بالورود

 

هذا العناق الحامي لأنثى النمر

 

ممرٌ سماويٌ يلد النجومَ والانفجارات

 

* * *

 

أنثى الصقر هي الأخرى

 

تنثر أحلامها

 

على حَلَباتِ الوعول

 

ثم تنام بين أحضان عاشقها

 

براحةٍ تامّة.

 

* * *

 

أنثى الصقر

 

تبكي في ليل وحدتها

 

ليل الغابة والمدينة

 

ذات القمر المائل نحو الحضيض

 

تحاصرها أشباحُ الموتى

 

وتبكي

 

حقلَ الشفافيات الجريح

 

* * *

 

تنزو خراف الجيران في الحظيرة

 

كما كان ينزو نبعُ طفولته البعيدة

 

* * *

 

استيقظ الفلاحون من نومهم المعتّق بغبار الطلع، فوجدوا الجنّ والغيلان وأشباح المخلوقات المخيفة التي

 انطلقتْ من عقالها السريّ، تحتلّ المزارعَ والأكمات والبلاد.

 

حاولوا الرحيلَ لكن المداخلَ والمخارج قد أُطبق عليها فسقطوا في الحيرة والكآبة على أرض النوم الأثيرةِ من غير مواجهة..

 

كانت الشمسُ قد بسطتْ سلطتها المطلقة على الأرض، وقد ذهبوا بعيداً في الموت والمحاق.

 

وكانت الذئابُ والجوارحُ ترقب المشهد عن كثبْ.

 

* * *

 

يستيقظ الشبحُ من نومه

 

يلقي نظرةً على الفضاء المغبرّ حوله

 

ويعود إلى النوم

 

متذكراً أِشباحَ الخلائق التي عبرتْ

 

هذا المكان.

 

* * *

 

حمرة  كثيفة على وجه المرأة العابرة

 

تبددها هبّة غضب من ليلة البارحة..

 

وأخرى تذهب في  السَرَحان

 

حتى تتعثّر بحاجز الدَرَك

 

أمام القصْر الكبير..

 

* * *

 

يرفّ الغراب على مقربة من النافذة

 

الغراب القادم من بحر الباطنة"

 

أو من طوفان آسيا

 

يقف ماداً عنقه من غير أن ينعق،

 

مشدوهاً

 

من فرط المسافة واضطراب الأمداء

 

* * *

 

غراب آخر يحلّق في النوم

 

وعلى منقاره جثّة حارسِ البناية

 

الذي يبدو منتشياً

 

وهو يعبر الأجواءَ،

 

باتجاه القطب الخالي

 

ليؤسس مملكته الخاصّة مع الغراب.

 

* * *

 

هكذا بلمح البصر

 

تختفي قارّة آسيا

 

يختفي العالم والكون

 

وتنام الصيرورةُ بخيال الفيلسوف

 

في قلب السلام الأبدي

 

* * *

 

في المطعم المحاط بالأقواس الزاهية والألوان.

 

يحتفل الرجال المترفون

 

والنساءُ الأنيقات.

 

وعلى الطرف الآخر

 

عويل قطارات لا يهدأ

 

قطارات معبأة بجنود هاربين

 

وفلاحين بملابس رثّة

 

ينتظرون لحظة الانتقام

 

* * *

 

القميص الأسود المعلّق

 

يشبه باشقاً تخلّتْ عنه العاصفةُ،

 

وظل يسقط بين نجمةٍ وحبل غسيل

 

مهرّجاً في حَلَبة سيرك.

 

والجوارب:

 

ألسنة تتدلّى من رؤوس مقطوعة.

 

* * *

 

يستعيدون الأيامَ واللحظات

 

كما لو أن الزمان غارتْ كواكبه

 

ونزف آخر قطرةٍ

 

في أحشائه الدمويّة.

 

يقفون على الأطلال والحطام

 

يستجدون الذكريات،

 

كما يقف البخيلُ

 

على أرضٍ أضاعَ فيها خاتَمه..

 

* * *

 

                             الى س مفرح

 

شتلة عصافير تغني

 

أعرف أن صباحاً

 

يحمل لي رسائل من بلادٍ محبّة.

 

* * *

 

في بيروت:

 

كيف مرّتْ كل هذه السنوات

 

على الوجه الذي كان أكثر نضارةً

 

من ربيع الغابات

 

وتركتْه هكذا

 

يمعن في ندوب طافحةٍ وعلامات

 

كانت السنواتُ الأكثر ثقلاً عليكِ

 

وكان صليبُ الآلام

 

أين رفّة الهدب المسْــبَل على النبع الأخضر

 

أين مرح المساءات..

 

كيف ظننتكِ&