موقع سيف الرحبي

اهم الاعمال

المقالات

الحوارات

سيرة ذاتية

مقالات ودراسات حول سيف الرحبي

اللجنة الفنية

 

سجل الزوار

 

الشعر وتحرير الكائن قراءة في اللغة والمتخيل
مهرجان الشعر لمجلس التعاون لدول الخليج العربية

د. محمد لطفي اليوسفي
كلية الآداب/الجامعة التونسية

 

إن الناظر في المشهد الشعري العربي اليوم يدرك أن الكتابة الشعرية المعاصرة ليست حركة خطية مبنية على تراكم التحولات والمنجزات، بل هي مسار مليء بالفجوات والانكسارات، بالتصدعات والانقطاعات، بالتردد وبالمراجعة (1). والثابت أن هذه التصدعات والانقطاعات هي التي جعلت الممارسات الشعرية تنهض، منذ حركة التحديث الرومانسي، محملة بمآزقها. وهي التي جعلت المراجعة تصل لدى بعض النقاد إلى حد التنبؤ بموت الشعر واندحاره وتلاشيه(2) وتعلن عن نفسها لدى شعراء الحداثة أنفسهم في شكل تبرؤ من راهن الشعر ومن مستقبله أيضا. فيذهب كل من سعدي يوسف ومحمود درويش وأدونيس مثلا إلى أن الشعر العربي  قد  وضع  في  حضرة مستحيلة(3).

غير أن الحديث عن مآزق الشعر وتفخيمها على هذا النحو إنما يتم ويأخذ حجمه ومداه دون وعي بأن، النص الإبداعي لا ينهض إلا محملا بمآزقه إنما تمثل جزءا عضويا من أسرار فنه وابداعيته وفرادته. ذلك إنها تتعايش في صميمه مع نقيضها أي مع الإجابات والأسئلة التي ينهض ليطرحها من خلال لغته ورموزه، ومن خلال المتخيل الذي يصدر عنه والقيم الجمالية التي يكرسها.

والثابت أيضا أن مسار التحولات التي شهدها الشعر العربي خلال هذا القرن هو الذي ولد نوعا من التشظية طالت مفهوم الشعر نفسه، وأربكت الخطاب النقدي، وأدت إلى بروز خطابات نقدية إيديولوجية حرص أصحابها على الانتصار لنمط الكتابة (قصيدة النثر/ قصيدة التفعيلة/ القصيدة العمودية) وإلغاء غيره عن طريق السكوت عنه أو بواسطة تحقير منجزه أو بالالحاح على انه مجرد بدعة وضلالة وترف، هذا ما ترمي به قصيدة النثر مثلا من قبل خصومها- دون أن يقع التفطن إلى أن قصيدة التفعيلة قد افتتحت هي الأخرى مجراها في وسط ثقافي مشبع بالسجالات التي وصلت أحيانا إلى حد اعتبار «الشعر الجديد مؤامرة تحاك في  الظلام ضد العروبة والإسلام»(4).

لكن هذا الطابع الايديولوجي كثيرا ما يمعن في التخفي والزيغ والمواربة فيوهم الخطاب النقدي بأنه ينشد الإجابة بأسئلة الشعر فيما هو يمعن في بعثرتها وتشظيتها إذ يصبح مدار السؤال: الشعر الخليجي/ الشعر التونسي/ الشعر السوري أو المغربي أو المصري.. الخ وبذلك تتم عملية حجب لعلاقة التحاور والاغتداء التي ما فتئت تحصل بين التجارب والنصوص.

بإيجاز ثمة خطابات نقدية اقليمية شرعت تتصدر المشهد النقدي. وهي خطابات يعمد أصحابها إلى تفخيم نصوص محلية وتمجيدها وإعلائها والتكتم على لحظات وهنها دون أن يقع التفطن إلى ما في كل ذلك من تحايل ومغالطة وانتصار للذات العاجزة ليس له ما يسنده أو يبرره. والحال أن لا معنى لأي نص إبداعي، ولا معنى للأسئلة التي يثيرها حضوره إلا داخل مسار التحولات التي ما فتئت الكتابة المعاصرة تنجزها وتحياها مشرقا ومغربا. فالنص يتحاور معها، سواء كانت تلك النصوص متزامنة معه أو سابقة عليه. وفرادته وابداعيته، مثل تقليديته واتباعيته، لا يمكن أن تنكشف إلا بقراءته داخل سيرورة الإبداع مطلقا.

والناظر في النقد العربي المعاصر وفي كيفيات صياغته لأسئلته وابتنائه لاطروحاته ومنجزاته، سرعان ما يلاحظ أن هذا التوجه الإيديولوجي قد وسم الخطاب النقدي بنوع من الهشاشة جعلته يعجز عن تجديد أسئلته. لذلك يكفي أن نغير زاوية النظر إلى النتاج الإبداعي. ونغير الأسئلة المكرورة، الأسئلة المستعادة، تلك الأسئلة التي ما فتئ خطاب الحداثة النقدي يقارب في ضوئها الذات والواقع والنص، الأسئلة التي تستند إلى تصورات بلاغية بائدة أو إلى تصورات ألسنية أو أسلوبية منتزعة من منابتها قهرا- يكفي أن نغير السؤال- وسينكشف لنا أن تلبس النتاج الإبداعي العربي منجزات الأبحاث الغربية الحديثة أو مقررات النظرية البلاغية القديمة، إنما يمثل نوعا من التحايل على أسئلة الراهن الثقافي.

إن الحديث عن الانزياح مثلا، عن محور التوزيع ومحور الاختيار، عن الاستعارات البعيدة والقريبة والمتوسطة (لم لا!!) عن التورية والكناية والمحسنات عن السريالية والرومانسية والواقعية السحرية، ليس سوى إصرار على المضي بالمغالطة إلى منتهاها وبالتحايل إلى أقصاه. لا تلك المفاهيم التي يقع الاكتفاء بها لحظة انجاز حدث القراءة تلك المفاهيم كما هي متداولة عندنا، إنما تحجب من النصوص أكثر مما تكشف. بل إنها كثيرا ما تسهم في حجب أسئلة الراهن الثقافي، وتوقع مروجيها والمكتفين بها في إنتاج خطاب متعالم، سجين مسبقاته، وسجين مقرراته، وسجين تحايلاته على الواقع والنص واللحظة التاريخية.

لذلك يظل الحديث عن الحرية والاختلاف، عن الإبداع والمغايرة وتحرير الكائن مجرد شعارات يتستر بها الخطاب النقدي على هشاشته واتباعيته. ولذلك أيضا يظل الكلام في المتخيل يشغل من راهننا النقدي والفكري منطقة اللامفكر فيه والمسكوت عنه. والحال انه يضطلع بدور القانون الذي عليه جريان الإبداع في ثقافتنا قديما وحديثا. وعليه جريان اغلب القيم والسلوكيات التي تلون علاقة الإنسان بصنوه وعلاقته باللغة وطرائق مقامه تحت الشمس.

***

أنى لمن لا يجدد سؤاله أن يجدد مصيره

***

والحال أن تحرير الذات الكاتبة ودفعها على درب التأسيس الفعلي لا يمكن أن يتم إلا بتحرير ذاكرتها المحجوزة واستكشاف متخيلا الذي ظل هو الأخر مصادرا مغيبا ماثلا هناك بعيدا في منطقة اللا مفكر فيه.

من هنا ندرك أن قراءة النتاج الشعري في الخليج من جهة كيفيات ابتنائه للغته وتشكيله لصوره ورموزه وإيقاعه وكيفيات انفتاح تلك اللغة على الموروث الشعبي أو التراثي أو الأسطوري يمكن أن تضطلع بدور هام في استكشاف المنجز الجمالي لذلك الشعر. فثمة أجيال شعرية متعاقبة حرمت التقصي اللازم لجماليات منجزات نصوصها. لكن القراءة ستظل، في هذه الحال، مجرد قراءة مدرسية تسند إلى النقد دورا جزئيا طفيليا وتعده مجرد «تمييز لجيد الأدب من رديئه» أو مجرد تفسير وتقييم للنص المقروء. ومن المحتمل أيضا أن تتردى القراءة في ما نهضت لتتخطاه فتحجب الإضافات الممكنة أو الإضافات المحتملة المتوارية في صميم النصوص المدروسة. أي تلك الإضافات التي لا يمكن أن تنكشف للدارس إلا متى تمكن من تغيير زاوية النظر التي جرت العادة بإنتاجها في الخطاب النقدي السائد، لا سيما النقد الذي تناول تجارب الشعراء الذين يتصدرون المشهد الشعري العربي من أمثال (ادونيس ودرويش وسعدي والسياب). وبذلك تقع في أعتى مآزقها: إنها ستكف، وقتها، عن كونها استكشافا  لمجهول هو النص الشعري المدروس. وتصبح عبارة عن محو للمكونات التي بها يتغاير مع غيره من التجارب، وإلغاء للمكونات التي تجعل من التجربة الفردية لحظة في مسار التحولات التي ما فتئ الشعر العربي ينجزها ويشهدها في رحلة بحثه عما يجعل من الكتابة حدث وجود لا فعل إنشاء وصنعة وتجويدا للكلام.

 لهذا الاختيار مبرراته إذن. وهـي كامنة في صميم نص «هذيان الجبـال والسحرة» لسيف الرحبي(5)، ونص «أخبار مجنون ليلى» لقاسم حداد (6)، ثمة وشائج كثيرة متسترة تربط بين النصين. ثمة حشد من المكونات التي عليها جريان الكتابة في النصين هي التي تجعل من الشعر نداء الحرية. وتجعل من الكتابة فعل تحرير لا يظل مصادرا مغيبا من الذات والواقع والنص وحدث استكشاف لمتخيلنا المحجوز تقوله واستدعاء للمنسي في ذاكرتنا المليئة بالانقطاعات والتصدعات. لكن فعل التحرير هذا لا يتجلى في ما تقوله الكتابة فحسب، بل في ما تتكتم عليه أيضا. ولا يتراءى في ما يعلن عنه الشعر فقط، بل في ما يتستر عليه أيضا. وهذا الذي تتكتم عليه الكتابه ولا يخبر عنه الشعر لا يمكن للقراءة الوظيفية الإيديولوجية أن تطاله. ولا يمكن للقراءة المتعالمة التي تستقدم المفاهيم وتقتطع من التصورات الحديثة ما تيسر انتزاعه وخلعه من منابته، أن تحيط به لأنه يرد مندسا في بنية النص عالقا بطرائق تشكل الكتابة وكيفيات تعاملها مع الواقع والتاريخ. ثمة نوع من التماهي بين كتابة الشعر وكتابة السيرة كما سنبين لاحقا بالتفصيل. لكن السيرة سرعان ما تكف عن كونها كتابة لسيرة فردية ذاتية. وتصبح كتابة لسيرة ثقافة بأسرها، واستكشافا لما تحتوي عليه من قيم تخص علاقة الذات بتراثها وبالمطلق وبالمقدس. وتخص علاقة الإنسان بنفسه من جهة كونه لحظة التلاقي العظيم بين المقدس والأرضي، بين المطلق الذي أوله الإنسان وآخره الإنسان، والهشاشة التي بالإنسان تبدأ ومنها يصنع، تحت الشمس، قدره ومصيره واختياره.

بإيجاز: أن الشعر، في هذين النصين، يفتتح مجراه مسكونا بهاجس محو العلاقة المعطلة بين النصوص والأزمنة في الثقافة العربية للوقوع على سر قوة تلك النصوص والاغتذاء به والتنامي ابتداء منه. أن الشعر لا يلغي قديمه بل يغتذى به. ولا يتملص من ذاكرته بل يستكشفها. ولا يتخطى اللحظة التاريخية بل يمتلئ بصخبها. وفيه، في رحابه، تتعايش الأزمنة جميعها وينكشف بعض ما ظل من متخيلنا مصادرا مغيبا محجوزا.

لا تعلن هذه الأبعاد عن نفسها صريحة بل تتخذ لنفسها دروبا ملتوية مواربة متأتية عن الطرائق التي يتصرف بها الكلام في مكوناته البانية لجسده. لذلك حصرناها في ما يلي:

 

فتنة الكتابة ونداء الأقصى

 

منذ البدء، تعلن الكتابة عن نفسها من جهة كونها حدث انشقاق، إنها «أخبار مجنون» وهي «هذيان جبال وسحرة». لذلك تتشكل اللغة في النصين مأخوذة بالأقاصي والنهايات كما سنبين. الجنون خروج من النظام إلى الفوضى، ومن الاليف إلى المتوحش. والهذيان صنو الجنون وعتبة من عتباته. انه تصرف في الكلام يعصف بالأنظمة والحدود والأنساق.

ومنذ البدء أيضا، تختار الكتابة أن تطلق العنان للرغبات والأهواء والنزوات. تمضي بالعقل إلى نهاياته. تتحرر من المرجع والنسق. فتمعن في تشظية الكلام وبعثرته. إنها خطاب فتنة يحطم الأنظمة ويلغي الحدود بين الممكن واللامتوقع، بين المحتمل وما فوق حدود الاحتمال. يعلن هذا الاختيار عن نفسه وفق أكثر من طريقة ويتزي في السر، بأكثر من قناع.

 

فتنة الغرابة

 

تعمد الكتابة لحظة تشكلها ذاتها إلى المضي باللغة إلى أقصى امكاناتها. لذلك يلتبس المعنى، يتلاشى أو يكاد.

 

نقرأ عن قيس

الناس يعبرون على أشيائه المنثورة (ريشة قطا مستدقة الرأس/ خيط حرير اخضر عقدته أمه ي زند طفولته/ خاتم عرس منحول من فرط الخلع/ حجاب في جلدة ضبع/ عود سواك يابس/ كسرة ياقوت معروق بالفحم/ خرج ثقبته الريح/ أشلاء لجام تنضح منه ريـح الخيـل/ وحشة) (أخبار، ص24).

هكذا تعتمد الكتابة على الومضة. وتمعن في تسمية حشد من المدركات والموجودات. فيوهم الكلام بأنه ينثال اتفاقا لان فعل التسمية يصل بين مدركات لا رابط بينها في الواقع العيني المتعارف. فالنص يعمد إلى بعثرة الكلام وتشظيته. ويراوغ كل قراءة تكتفي منه بدلالاته المعلنة. لذلك يبدو كما لو انه أقفال وألغاز وطلاسم تذكر بالتعاويذ وفنون السحر. لكنه يقيم علاقات نصية بين تلك المدركات. فتنشأ في ما بينها وشائج دلالية تحتية. ويصبح التجاور النصي ضربا من التشابك الدلالي. بموجبه، تجتاح الدلالات الكلام من كل صوب. وإذا بتلك الأشياء الميتة الخلاء من كل معنى تصبح عبارة عن مزق من حيوات. إنها أزمنة مكثفة متراصة. والكتابة لا تكتفي من تلك المدركات أي من الواقع براهنيته. إنها تقف في وجه النسيان. ولا تفقر الواقع بل تثريه. وهي لا تثريه عن طريق تلبيسه ما ليس فيه بل تثريه بالنفاذ إلى أبعاده المحجبة. الزمن في وعينا يتتالى خطيا لا يهدأ. ويتقدم في شكل نهر لا يتوقف عن المسير، لا يعرف الاناة، لا يكل. لكن هذه الخطية مجرد وهم. ففي المكان، في الجسد، في المدركات جميعها، في الأشياء الميتة «التافهة» ثمة الزمان مكثفا متراصا في شكل طبقات متشابكة متناوبة تمارس في ما بينها لعبة الظهور والتخفي.

إن العلاقات النصية التي يخلقها النص بين تلك المدركات الخالية من المعنى في الواقع والوشائج الدلالية التحتية التي تنشأ نتيجة تلك العلاقات هي التي تتبع في الكلام غلالة من الريبة. ووقتها فقط، تصبح القراءة ضربا من الاستيقاظ الفاجع على هذا الهول الذي يمنح مقام الإنسان تحت الشمس طعم المحنة أعنى الوعي بان الماضي لا يمضي نهائيا بل يعلق بالجسد، بالمكان، بتفاصيله. ويندس في صميم الحاضر ويواصل في السر العمل.

هكذا تستل الكتابة من صميمها ما به تفتح الواقعي على ما غاب منه. وتصبح ضربا من الترحال في أقاليم المكان، في سطوحه وأقاصيه. وهكذا أيضا تطفح المدركات الميتة المشيأة الخلاء تحت مفعولات الوشائج الدلالية التحتية، بحشود من الإيماءات.

·        ثمةو إيماءات إلى أنوثة ماكرة تتراءى من خلال عبارات: عود سواك يابس/ فص فيروز شائخ/ عرق لبان/ حق بثمالة العنبر (اخبار، ص24).

·        ثمة ايماءات إلى رجولة مهزومة منكرة، تتراءى كالهجس من خلال عبارات: اشلاء لجام تنضح منه ريح الخيل/ غمد فارغ/ ما يرجع في السرج من الحرب (اخبار، ص25).

·        ثمة ايماءات إلى أن غربة الكائن وعزلته ووحشته هي ما يفتح الوجود نفسه على هول اللامعنى، لا معنى الحياة وتفاهة الذات في عالم مشيأ موات. وهي ما يمنح مقام الانسان فوق الأرض معنى إذ يجعل منها حدث مواجهة لهول اللامعنى. لا سيما أن المثول في حضرة العدم وتجلياته هو الذي يمد الكائن بالمعنى: وحشة/ قلق/ نوم قليل.

·        ثمة ايماءات إلى زمن ضاع وعمر امعن في الرحيل: كوفية طفل هلهلها الرمل/ خف حائل اللون/ آثار دم في خرقة/ خرج ثقبته الريح.

·        ثمة موت ملتبس يتربص لائذا بالكوى المعتمة: قلق/ وحشة/ قوس قزح شاحب (اخبار، ص24-26).

 

للكتابة مكائدها اذن

إنها تنهض لتقول ما تتكتم عليه الموجودات والمدركات التي تؤثث العالم من حولنا. لذلك تتحول، لحظة تشكلها، ذاتها، إلى حدث مواجهة وفعل مجابهة للتاريخ ولمكره. لان التاريخ إنما يستمد معناه من الايهام بفكرة التقدم الخطي. ومنها يستمد سلطانه العاتي. اما الكتابة فانها إنما تتشكل وتحضر بيننا لتشير إلى أن فكرة التقدم مجرد وهم. فلا وراء هناك. ولا امام: إن الوجود اقامة في الرعب وادلاج في التيه.

 

تماهي الالفة والغرابة

يحفل الكلام بالصور والمشاهد الغرائبية. وتصبح الكتابة كما لو أنها اضاءات أو ايماءات متزامنة إلى حشد من الاطوار والاحوال والاحداث:

الصحراء ماضية في غيها

... ابواب العالم تخلعها الريح

قبائل ترجف من الذعر

واخرى تنحدر نحو السفوح

محدقة في الابد الجارف للسيل

... وثمة عتالون سكارى يقصون اطرافك بمشارط

صدئة جلبوها من مستشفى دمرته الحرب (جبال، ص59).

... مواكب سحرة وبوذيين وفيلة، نواحها يؤرق سكان الخليج (جبال، ص60)

هذه الصور التي تمضي بالغرائبية إلى اقصاها إنما تتخذ طابعا هذيانيا من جهة كون الكتابة محكومة بقانونين متضادين: التشظية والتوليف. تتولد التشظية عن الكتابة بالومضة وتطال مستوى البنية النحوية التركيبية. فيتشكل الكلام في شكل جمل مستقلة واخرى لا رابط بينها إلا الحرف العاطف أحيانا. وتنهض تلك الجمل بمهمة توسيع دائرة الاضاءة ودائرة الرؤية إذ تشمل افعالا تتزامن في اماكن مختلفة. أما التوليف فانه يطال من الكلام مستوى البنية الدلالية. فتأتي الومضة الأولى «الصحراء ماضية في غيها» لتشير إلى العدم المتربص بالوجود يعمل لا يكل. إن الصحراء (موت الارض) تمضي في غيها زراعة موتا ينتشر ويتسع ويمتد.

هكذا تومئ الكتابة إلى فكرة الافول. ثم تشرع في ابتنائها بواسطة صور تجسد الافول الكوني الشامل: (ابواب العالم تخلعها الريح/ قبائل .. تنحدر نحو السفوح/ محدثة في الابد الجارف للسيل). وتشير تصريحا إلى ما يرافق الافول من رعب.. ههنا تتنـزل عبارة «قبائل ترجف من الذعر» ثم تجسد فكرة الرعب بواسطة صور في منتهى القتامة «عتالون سكارى يقصون اطرافك بمشارط/ صدئة جلبوها من مستشفى دمرته الحرب». إن الكلام يستل من صميمه ما به يبتنى طابعه القيامي. فيصبح النوح نوحا كونيا عاما تشترك فيه الكائنات «مواكب سحرة وبوذيين وفيلة». وهكذا أيضا يأتي التوليف ليضطلع بدور القانون الذي يقي الكلام من التفكك. ويشير صراحة إلى أن الومضات التي تبتنى جسد الكلام لا تتشكل من قبيل الصدفة والاتفاق والبخت بل تتبع مسالك ودروبا هي طريق الشعر إلى التباعد عن المألوف والمكرور، وطرق الكلام إلى الشعرية.

هذه الصور التي تبتنى الغرائبي وتجسده تتعايش في صميم النص مع صور أخرى تحاكي الواقع وتجاربه. وهي التي تمنح الغرائبي جميع مبررات وجوده. لانها إنما تمثل وجهه الاخر الذي يمنح الكلام مراجع متحققة في الواقع العيني:

ادركتني الظهيرة في الربع الخالي

فقدت بعيري إلى شجرة غاف

هجرها البدو منذ ازمنة (جبال، ص50)

تنشأ بين هذين البعدين (ذاك الذي تبتنيه الصور ذات المنبت الغرائبي وذاك الذي تجسده الصور التي تصف الواقع وتجاريه) علاقات تجاور وتناوب، أو تشابك وتماه. فيضعنا الواقعي في حضرة الغرائبي. ويسلمنا الغرائيبي إلى المحتمل أو المتوقع وفق نسق بموجبه تصبح علاقات التشابك والتناوب والتجاور التي تتوالى بشكل دوري بمثابة قانون ايقاعي لا يخلو من الدلالة: إن الواقعي مجرد عتبة مشرعة على الغرائيي المحجب في اقاصيه وتلاوينه. والغرائبي هو البعد المنسي مما نحسبه أليفا ونخاله معادا متعارفا مكرورا. والكتابة حدث ترحال في ذلك الحيز الدقيق الممتد في المابين.

 

الكتابة وامتداداتها:

إن افتتان الكتابة بالاقاصي والنهايات، هو ما يمنحها هويتها من جهة كونها حركة لا وجود لها خارج امتداداتها وما ينتج عنها من تحولات وايماءات. لكن تلك الامتدادات لا تتم بواسطة قانون التداعي أو قانون التضاد. وما اعنيه بقانون التداعي إنما هو محاكاة الكتابة للكيفية التي تطرح حسبها الذاكرة مخزونها في شكل تداعيات أو ومضات. وهو قانون عليه جريان الشعرية لدى العديد من الشعراء المعاصرين نذكر منهم السياب مثلا(7). أما التضاد فانه يعني اعتماد الكتابة على رصف المشاهد والصور والحركات المتضادة وفق نسق بموجبه تصبح تحولات النص قائمة على استدعاء النقيض لضده واعتماله معه. وهذا أيضا ثابت من الثوابت التي عليها جريان شعرية العديد من النصوص لا سيما نصوص ادونيس مثلا(8).

إن الامتدادات عبارة عن حشود من الحركات والصور التي تتوالد غزيرة لا تكل ولا يدركها التوقف. فتصبح حركات النص ولوحاته ومشاهده ورموزه وصوره كما لو أنها تتراءى على اديم مرايا مهشمة. أو لكأن النص محكوم من الداخل بنوع من الفيض الدائم هو الذي يجعله يتشكل مأخوذا بنصوص أخرى وازمنة أخرى يتملك منجزها الجمالي ويحاورها أو يستكشفها ويصهرها في محارقه، فيما هو يمعن في مزاوجة ذاته من صميم ذاته.

 

الكتابة جسد مأمول بالفقد

ههنا يتنزل نص «هذيان الجبال والسحرة» ويفتتح مجراه مسكونا من الداخل بأصوات آتية من بعيد هذ التي تفتحه على فضاءات متعددة وتمنح الكتابة امتداداتها ومداها. تنحدر هذه الاصوات من ازمنة ونصوص متنوعة. فتتوالد في النص حشود من الصور ذات طابع قيامي تتردد في تلاوينها أصداء من أساطير الافول الكوني: «أفلاك تقود بعضها كعميان شرسين ومجرات غاضبة على وشك الاقتتال» (جبال، ص66) هناك – يقول لنا الصوت الذي ينقل ما يجري – هناك:

رأيت الزلازل تحت قدمي

دوحة ارض ونشوة سماء (جبال، ص 49).

ولا شيء، لا شيء سوى:

مدن تحترق واخرى تفتك بها الكوليرا (جبال، ص 74).

إنها:

لحظة الارتجاج الهائل لأكوان ومخلوقات سعت منذ

ميلادها إلى هذه الخاتمة (جبال، ص 69).

تتعايش هذه الصور القيامية مع صور أخرى تستلهم القرآن على نحو صريح. فيتم مثلا استقدام قصة اهل الكهف:

لا تستيقظ هذا الصباح تأخذ المظلة لتراقب اهل الكهف

وكلبهم الذي افترسته افاعي الجيران (جبال، ص 60).

أو يقع الايماء إلى قصة يوسف:

هذا الضبع الذي تلمع عيناه في الظلام صديق السحرة

الذين القوا اخي في غياهب الجب (جبال، ص 64).

هكذا تتقدم الكتابة وتظل توسع من فضاءاتها فتنفتح على الشعر القديم وتجري الكلام وفق نسق يذكر بالوقفة الطللية من جهة كونها لحظة وقوف في حضرة رعب الوجود:

لقد ذهبوا بعيدا صوب أنفسهم

وذهبوا في الوحشة.

أيام تتلوها أيام،

الديار تضمحل في عين عاشقها

والجبال عرين الذكرى (جبال، ص 47).

.. لا أكاد ألمح جزيرة النخل

.. لقد فتكت بها الرياح الهوجاء

وامها البلى

كديار احبة غربت للتو (جبال، ص 54).

ثم تنفتح على نصوص صارت جزءا م ذاكرة الكتابة الشعرية العربية المعاصرة. لذلك تتردد في تلاوين النص في انحناءاته وتعرجاته اصداء من «الأرض والخراب» نقرأ مثلا:

·        ها انا المح الجسر الذي مشت عليه الملايين

   قبلي وتبخرت (جبال، ص 67).

·        بكاء الامهات على ضحايا الطرق (جبال، ص 61).

·        لان الوقت قد تأخر

   تأخر الوقت تأخر الوقت (جبال، ص 74).

 

ونقرأ في «الأرض الخرب» (9):

·        جموع تدفقت على جسر لندن

·        لم اكن اظن أن الموت قد اباد مثل هذا العدد

·        ما هذا الصوت العالي في الفضاء

 لغط النحيب الامومي

·        اسرعوا ارجوكم حان الوقت/ اسرعوا ارجوكم حان الوقت

هكذا تمعن الكتابة في توسيع ذاكرتها مأخوذة حتى لكأن النص إنما يتشكل مأخوذا بالبعد الكوني المتكتم على نفسه في جميع الثقافات محاولا أن يتملكه. أو لكأنه يفتتح مجراه مسكونا بهاجس محو الحدود بين الازمنة والنصوص التي ينفتح عليها لحظة تشكله وصيرورته. فتصبح العلاقة بين النصوص على اديمه كما لو إنها اصوات تتنادى أو لكأن كل نص يمضي، في حركة طافحة تحنانا ووجدا، لملاقاة صنوه ونظيره. لذلك كثيرا ما يقود التنادي بين النصوص إلى نوع من التماهي بين الحيوات والآلام فتنفتح تغريبة الراوي في النص على تغريبة رامبو مثلا، بل إن تغريبة رامبو على طريق اليمن وبلاد الاحباش هي التي تتخذ من تغريبة الراوي وآلامه معبرا منه تتسلل إلى النص:

.. تنحدر الرمال على الافق الشرقي

المحاذي لبلاد الاحباش (جبال، ص 54).

.. ها انت في البيداء

.. الحقائب الجاثمة كغربان البين