|
أولا موقف نفي شمولي
1-1: مداخل
تقدم حصيلة الشاعر العماني سيف الرحبي تجربة فريدة في باب الرؤية الشعرية، تسمح
للمرء بأن يصنفه في خانة شعراء الرؤى المتماسكة على المستوى العربي، وربما
العالمي إلى حد ما. إنها حالة حادة جدا ومرعبة من حالات الاغتراب الروحي يمكن
أن توصف بأنها موقف «نفي كوني شمولي» قائم على رفض التعامل مع أي مظهر من مظاهر
الكون الذي يضم في جنباته الإنسان والمجتمع والطبيعة.
بل إن حالة شعر الرحبي تمضي إلى ابعد من ذلك، فتحول شعور الفرد الموهوب بالنفي
عن الكون وتجلياته المختلفة إلى تأكيد أن هذا الكون باطل من أساسه، ولا تنفع
فيه نظرة فلسفية أو إيديولوجية أو حتى لومة لائم منظمة أو عابرة. وليس القلق
الذي يؤرق أشعار الرحبي محصورا في إشكالية الوجود الإنساني. أو حيرة الإنسان
إزاء المصير المجهول أو فقدان قيم العدالة والتعاطف الإنساني والصداقة والهدفية
في مجتمع البشر، أو الانقطاع البنيوي عن الناس وتشكلاتهم وارباكاتهم. وإنما
المسألة أعمق وابعد غورا من ذلك: إنها شعور حاد جدا بانتفاء الوجود نفسه، أي لا
بانتفاء معناه وقيمه، بل بانتفاء كنهه وكيانه، كأنما كل شيء زائف وعابر وهلامي
وفي طريقه المحتوم نحو الدمار. إنها ليست نهاية التاريخ، بل هي نهاية الجغرافيا
ونهاية نسمة الحياة ونهاية الكون.
لماذا وكيف وعلى أي أساس؟
إن الشاعر لا يكترث عادة بتسويغ أو تعليل تصويراته وتهويماته. انه ليس فيلسوفا
متمنطقا بالمنطق، ولكنه شاعر فنان له رؤية، وليس من شأن الدراسة الحالية أن
تدخل في تفسيرات هذه الرؤية من النواحي النفسية أو الاجتماعية أو الوطنية. ولكن
حسبنا هنا أن نؤكد أن هذه الرؤية السوداوية القاتمة تبدو متماسكة في معظم
أشعاره خلال العقدين الأخيرين من عمر القرن العشرين، ولها أساسها في بواكير
أشعاره، وهذا مقياس مهم في عالم الرؤى المتضاربة.
وقد تفيد هنا الإشارة إلى أن الرحبي ذيّل مختاراته الشعرية التي نشرها عام 1996
بهذه العبارة التي تؤكد وعيه لتماسك رؤيته الكونية، وكذلك إصراره عليها، يقول
بعد قائمة المحتويات في أخر المختارات:
«نشرت هذه النصوص، التي كتبت في أزمنة وأمكنة مختلفة، مثلما هي عليه إبان
كتابتها من غير تغيير أو إعادة نظر وصياغة ضمن وعي لاحق، إنها تجارب مختلفة
لمسار شعري وحياتي واحد، أو هكذا...»(1).
وقد يكون ضروريا التأكيد هنا أن المنهج الذي نستضيء به يميل إلى النأي بالدراسة
عن الدخول في تقييم الرؤى الأدبية والمواقف من ناحية الصواب والخطأ، أو من خلال
أي مقياس قيمي آخر، فالمهم في الرؤية طريقة تماسكها، وأسلوب تمثلها في النسيج
الشعري، ووضوح أغراضها، وعدم تناقضها من الداخل، أي – مرة أخرى – تناولها من
خلال منطقها الخاص بعيدا عن الإسقاطات المعتقدية والقيمية الخارجة عن إطارها.
ولنتذكر أن أهل الأدب والفن لهم عالمهم الخاص وتهويماتهم التي تبدو من الظاهر
خالية القيمة value free
ولكنها في الحقيقة تؤسس موقفا أو تخلق مناخا. ولا مانع من أن نذكَّر هنا بصيحة
كولن ولسون في «سقوط الحضارة» أو بانتهاء سيريل كونولي إلى النتيجة الحاسمة
التالية، التي تكاد ترفع اليأس إلى مستوى القيمة:
«لقد أشرف الوقت على الانتهاء في حدائق الغرب، ومن الآن فصاعدا سوف يحكم على
الفنان فقط من خلال جرس وحدته ونوعية يأسه»(2).
وقد آن أوان الدخول في التفصيلات، وسوف نرى أن معظمها يجد بذوره أو خلاصته في
نص «ما من بلد قصدنا» الذي يمكن أن يكون «بيت القصيد»، الذي نقدمه في مطلع هذه
الدراسة مصحوبا بمؤشرات موجزة، لوضع القارئ في الجو النفسي التمهيدي للدخول في
التجربة التي نزعم أنها فريدة ومتماسكة، وربما ملحمية(3).
1-2: رعب النفي الكوني في لوحة
«ما من بلد قصدنا»
1-
ما من امرأة أحببناها إلا وسبقنا إليها الأعداء.
2-
ما من بلد قصدنا
إلا وهد أركانه الحريق.
3-
ما من جرح ضمدناه بعيوننا
إلا
وانفتح على مصراعيه.
4-
ما من حلبة
ما من طفل ولدناه تحت حوافر الخيل
(أي خيل؟).
5-
ما من أفق، أو ذاكرة تفكك أزرارها
في بهوه.
6-
ما من طفولة ولو كانت بعيدة مثل زحل.
7-
ما من أسد، لقد غادر بعربته مع الفجر
والجبال غارت مواقعها الأزلية.
8-
لا اسمع نعيق الغربان على شجر الأراك
والعقبان شنقتها القمم.
9-
ما من أصداء
ولا من يحزنون (4).
ماذا نجد في هذا النص؟
1-3: قصيدة واحدة أم بيت القصيد؟
سيف الرحبي الشاعر(5) لا يتعب ولا يخاتل، ولا يرمي قارئه في شعاب
المتاهات، ولا يطلي كلامه بالمساحيق اللغوية، ولا يحاول تضليل المتلقي عن
تجربته بالعبارات الغامضة وأشكال الإيهام المصطنعة التي يقصد منها أن تصدم
القارئ لتولد عنده انطباعا بأن التوائية العبارات لابد من أن تخفي وراءها
أغوارا سحيقة من العمق تقصر عنها طموحات اغلب الناس. وهكذا يجد القارئ نفسه
إزاء مجموعة من القصائد تعبر عن نفسها بصدق ووضوح غرض فكري إجمالي وان كانت في
حالات كثيرة تغرق في تفصيلات متداخلة وغير مباشرة أو في صور مجتلبة من وديان
غير مجانسة، فكأنما هذا التوازن بين الوضوح المباشر للغرض الكلي والتقرب غير
المباشر للتفاصيل والصور والأخيلة يقدم حالة شعرية خاصة تعد من أهم مميزات
الكون الشعري عند الرحبي، ويمكن تسميتها: الأغراب في الأثر الجزئي ضمن إطار
وضوح الأثر الكلي. وقد يكون إدراك هذه الخاصية مفتاحا للولوج إلى الفضاءات التي
منها يتشكل هذا الكون والسباحة في أجوائه والتماس مع كنه رسالته. وهذا النص
الذي حمل عنوان «ما من بلد قصدنا(6)» أتى خاتمة لمجموعة «رجل من
الربع الخالي»، وقد يوفر التمعن فيه على الدارس والقارئ جهدا ووقتا في بلوغ
الأرب.
1-4: القصيدة والبيان الدادائي
لو كنت أعد هذا النص في برنامج مفرع
hypertext
(7) لكان أول ما ينبغي عمله «تدكيك» النص مع بيان الحركة الدادائية التي بلغت
أوجها أوائل القرن العشرين (1920)، ومنها انبثقت السيريالية، وأخذت تنعي مظاهر
الوجود الإنساني جميعا دون استثناء وما يصاحبها من أوهام وفلسفات ومعتقدات حول
حقيقة هذه المظاهر.
والملاحظ أن اللازمة المتكررة في قصيدة الرحبي هي ذاتها اللازمة المتكررة في
النص الدادائي (ما من .....) وها ها مقطع من البيان الدادائي.
«ما من رسامين ولا من أدباء، ولا من موسيقيين ولا من حفارين .. ولا من جمهوريين
أو ملكيين، ولا من إمبرياليين ولا من فوضويين ولا من اشتراكيين ولا من بلاشفة
ولا من سياسيين ولا من بروليتاريين ولا من ديمقراطيين ولا من بورجوزايين ولا من
جيوش ولا من أمن عام ولا من أوطان .. كفى من هذه السخافات والحماقات، لم يبق
شيء، لم يبق شيء... شيء.. شيء.. ولا شيء...»(8).
وفيما يلي خطوط عريضة للالتقاء المناخي بين النصين:
-
روح النصيين واحدة وهي النفي المطلق لرموز الحياة ومقوماتها، وكذلك لقيمها
ومعتقداتها.
-
النهاية مشتركة تقود إلى عدمية مطلقة ولا شيئية: لا شيء، لا شيء، ولا أصداء.
-
لا ذكر لحل أو مخرج أو أي ضوء في آخر النفق، ولكن يظل ممكنا التنقيب في النص
المسكوت عنه، أو ما بين السطور، كما يقولون، ويبدو لنا حتى الآن أن المسكوت عنه
في النصين قد يكون اشد هولا ورعبا من الملفوظ.
-
عبارة النفي واحدة واللازمة مشتركة وقاطعة تدل على جزم نهائي دون تردد: ما من
.. مدعومة بحرف النفي.
-
ولكن على الرغم من هذا الالتقاء في الموقف العام والنتيجة الإجمالية، فهناك
فروق واضحة لا تسمح للإنسان بالمسارعة إلى الاستنتاج بأن قصيدة الشاعر العماني
ليست إلا نسخة من البيان الدادائي. وسنرى في ثنايا البحث التي تلي أن شعر
الرحبي يحمل أصداء العصر، عربيا من المحيط إلى الخليج، وعالميا من أقصى الدنيا
إلى أقصاها، ويمثل مرآة للأفكار والنزعات والتطورات التي طبعت النصف الثاني من
القرن العشرين بطابعها، عربيا وعالميا أيضا. ومن الحكمة أن يؤخذ كل تشابه أو
تقاطع مع أفكار أخرى على انه جزء من عملية المرآة العاكسة الشاملة التي تميز
شعره.
واستكمالا للمقارنة يحسن أن نشير إلى الفروق العامة بين النصين، ليكون كل ذلك
مدخلا لتلمس خطوط الرؤية الفكرية لتجربة شعرية، لا تخفي أن هدفها الأساسي
التعبير عن مأساة الوجود الإنساني.
أ-
النفي مشترك وقاطع ويبلغ درجة العدمية
nihilism
دون تحفظ لدى الطرفين ولكن عدمية الرحبي أعمق واعرض، وهي تتجاوز عدمية البيان
الدادائي المحصورة في إطار المجتمع الأوروبي في عصر محدد، والتي هي اقرب إلى أن
تكون نفيا اجتماعيا ذا بعد وجودي. أي بركيزة اجتماعية. إنها بالتحديد رفض قاطع
لفكرة الحرب (العالمية الأولى) وإدانة لكل من تحمل مسؤولية إدارة المجتمع أو
توجيهه أو تثقيفه باتجاه الحرب، أي إنها رفض لرياء المجتمع وعدوانيته وانحطاطه
ولا اخلاقيته ولا عدالته على اختلاف طبقاته وفئاته. أما النفي عند الرحبي فهو
انقطاع بنيوي (9) يشمل الأنا والجماعة والمرأة والطفل، ويتجاوز كل
ذلك إلى الطبيعة المنهارة المتداعية بجبالها وشجرها وحيوانها (الذئاب والأسود)،
وطيورها من غربان وعقبان، بل انه نفي شامل يتصل بالكون كل وما وراء الطبيعة،
ويتجاوز الأفق ويتحول إلى نعي نهائي للوجود بكليته، بل تنص النهاية على انه حتى
الأصداء لا الأصوات معدومة ومنتهية وليس من وراء ذلك أي اثر لرد فعل بشري:
ما من أصداء ... ولا من يحزنون(10).
ومرة أخرى، انه موقف انهائية مطلقة لكل مقومات البقاء ورموزه، انه دعوة لا
بقائية يكاد ينتهي من خلالها الماضي والحاضر، وليس المستقبل وحده.
ب - بسبب اختلاف طبيعة النصين واهدافهما، أتى النص الدادائي مباشرا وحادا
وجهوريا ورفضيا، باعتباره لسان الأجيال الناشئة المسحوقة في أعقاب دمار الحرب
العالمية الأولى. أما نص الرحبي فهو قصيدة إبداعية. أو نبتة نامية بسوقها
وورقها وزهرها وإطلالتها فوق الحدود والسدود. كما إنها مصحوبة برنة عاطفية
محزنة لا تخفى على المتمعن، وملتصقة بتجربة الذات والإطار الجماعي، الذي يشكل
سياجا للفنان وملاذا له. كل شيء من حول الفنان يتداعى ويفقد معناه وينعدم رؤاه،
حتى الطفل والمرأة والفرس والجبل والأسد والعقاب والغراب. ومن وراء كل ذلك،
المعنى المسكوت عنه الذي يمكن استنتاجه بسهولة ليصل النفي إلى ما وراء الحدود
والسدود. إنها مأساة انطولوجية شاملة باتت تنفي الوجود وتنفي العقل نفسه الذي
يشك بها ويدرك انتفاءها. إن المقولة الديكارتية نفسها منفية هنا، فحتى الشك لن
يثبت الوجود والموجود(11). وبذلك يتجاوز الرحبي البيان الدادائي
ويغرق إغراقا شديدا في عمق مأساة الوجود الإنساني، وفي عمق تجاويف بناء
الإنساني الداخلي ذاته، وكما قال الشاعر العربي القديم:
والذي حارت البرية فيه
حيوان مستحدث من جماد
ج- وبالطبع، لم يكن البيان الدادائي بداية موقف النفي والاغتراب الروحي في
تاريخ الإنتاج الأدبي العالمي، ولم يكن نهايته، وكذلك لم يكن البيان أقواها
تعبيرا وأعمقها تنظيرا، ولكن هذه الدراسة بدأت به لوجود مناخ فكري نفسي لغوي
تعبيري بين البيان والقصيدة التي اختتم بها الرحبي ديوان «رجل من الربع
الخالي»، وأعاد إثباتها في مختاراته المعنونة «معجم الجحيم» (12).
ومن الواضح أن مواقف شعر الرحبي تضرب جذورها في تجربة الشعر العربي التأملي في
العقود الثلاثة الماضية، وتستقي أيضا مباشرة، أو عن طريق التجربة العربية، من
ينابيع التجارب السيريالية والوجودية والاغترابية والحداثية التي سيطرت على
الأجواء الغربية والعالمية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بوجه خاص، أي في
النصف الثاني من القرن العشرين.
1-5: القصيدة تحت المجهر
وانطلاقا من أن ما تقدمه هذه الورقة هو قراءة استيطانية للديوان، فقد تجنبنا
انتهاج مخطط صارم للدراسة، وآثرنا أن ننطلق من داخل كيان الشعر نفسه، ومن هذه
القصيدة بالذات لنلم بأطراف الرؤية العامة التي تنتظم الكون الشعري عند سيف
الرحبي.
تبدو هذه القصيدة لوحة متكاملة مؤلفة من سلسلة لوحات حزينة مترابطة عضويا
بروابط ملحوظة وغير ملفوظة، تتقاطر لتؤلف غرفة عرض صغيرة للجوانب المختلفة التي
تتكون منها المأساة الإنسانية. وقبل الإمعان في هذه الأحكام المتوالية التي
تطرحها القصيدة (ما من .. ما من .. ما من) قد يخيل إلى القارئ المتسرع أن
القصيدة تعتمد على جملة لطخات تلوينية عشوائية، ولكن بشيء من التبصر يحس
الإنسان بوجود تسلسل مستند إلى ترابط منطقي أو اجتماعي أو نفسي أو أسطوري.
ولنتابع هذه المقاطع التي يتألف معظمها من سطرين يذكران تماما بمصراعي البيت
الشعري التقليدي، ويمكن الوصول في آخر كل زوج إلى قرار ووقفة تنفس. وتؤلف
بمجموعها عشرة أبيات شعرية، ولكنها على الرغم من تكرار اللازمة في أول كل بيت
أو زوج، تنجح في إبقاء المفاجأة حية من خلال لعبة تجاوز الرتابة واختصار الشطر
الثاني جزئيا أو كليا، بحيث
يشترك القارئ في ردم الهوة.
ولنتابع دلالات الأبيات واحدا واحد، كما هي مرقمة في النص:
1-
المطلع:
ويشكل الصدمة النفسية للرجولة: صدمة العرض المستباح، والشرف الذي ينال منه
الأعداء، سواء منهم الأعداء الشخصيون، أو أعداء الوطن، أو أعداء الإنسانية. إن
النص مفتوح لمختلف الاحتمالات. وركيزتاه الدلاليتان وهما المرأة والأعداء
تمثلان التضاد الحقيقي، وال التعريف في كلتا الكلمتين هي ال العهدية، هي أشبه
بضمير المتكلمين أو الأنا الجماعي: امرأتنا وأعداؤنا.
2-
من البيت، من الأسرة، من الأم والابنة والحبيبة، إلى الوطن:
الركيزتان في هذا البيت هما البلد والحريق، فكأنما الثنائية الضدية مستمرة،
واستخدام الحريق رمز لكل أشكال الدمار التي لا توصف هو في رأينا أفضل استخدام،
على الأقل لان ما يبقى بعد الحريق ليس إلا الرماد، وهذا ما يوافق المناخ العام
للقصيدة، كما تقدم من شرح.
3-
والانكى من ذلك والادهى والأخطر:
هل يشير البيت إلى قضية إصلاح النفس من الداخل، أو إلى إصلاح المجتمع وأسلوب
العيش من خلال الملفات التي نفتحها يوميا وتعرض وتطول ولا نعرف كيف ننتهي بها
إلى نتيجة؟ أو إلى قضية الوطن وقضية مجابهة المسائل الكبرى في صراعنا الحيوي مع
الأعداء؟ أو ربما صراع المعرفة ومحاولاتها العقيمة تسجيل أي هدف ايجابي في
حياتنا؟
هنا مأساة الإنسان العربي المجرح (بل الإنسان المجرح في دائرة المستضعفين في
الأرض) مفتوحة نازفة صارخة، إنها صدمة كهربائية أخرى تقوم على ثنائية الفعلين:
ضمد
انفتح
فبدلا من أن يلتئم الجرح يزداد انفتاحا وانكشافا.
4
- ها نحن أولاء في حالة عجز دائم:
ما أحسن ما ربط سيف الرحبي بين المرأة والوطن والطفل والخيل. وهل كلمة خيل إلا
مفتاح رمزي لكنوز الذاكرة الشعبية والشعرية العربية منذ أن وجد العربي، ومنذ أن
وجد شعره؟ لا نساء تحميهن الخيل .. والنساء كن دائما مقرونات بالخيل، فإذا
اجتمعت الخيل والنساء كانت الخيلاء، وكانت الامجاد وكانت العزة، وكان الاباء،
وكانت منعة الديار.
إن الخيل مفتاح دلالي فائق الغنى، وقد اكتفى به الشاعر عن إتمام اللازمة
المتكررة (إلا ...)، وتركه قائما في الفراغ بعد «ما من طفل» وترك للمتلقي
المشارك أن ينسج ما شاء من تهويمات حول هذا الفصل المفعم بالدراما، الذي أنهاه
بمزيد من الابهام المثير (أي خيل؟).
5
- والنتيجة:
لا امرأة ولا وطن، ولا شفاء، ولا حلبة، ولا خيل، ولا طفل ...
ها هنا ينتقل بنا مناخ القصيدة من الملموس إلى التجريد، ومن الزمني إلى
اللازمني لينفي من الوجود شرطا أساسيا من شروطه، وهو الزمن، وسنرى فيما بعد أن
لعبة الزمن لا تشغل حيزا كبيرا من اهتمام الشاعر المركز على المكان.
وتلعب هنا الثنائية الضدية للماضي والمستقبل دورها في تثبيت الجو النفسي والفني
للنفي المطلق. إنها لعبة مطردة لا يمل منها الشاعر: سلكان متوازيان ممتدان من
قبل ولادة الأفق إلى ما بعد انتهائه، تهتز فوقهما الثنائيات وتختلف مواقع
التركيز وتختل، ولكن الامتداد مستمر باتجاه اللامتناهي واللا محدود.
6
- تهتز الثنائية وتختل، وهنا يعود بنا الاهتزاز إلى الطفولة:
ونتساءل من موقعنا بوصفنا قراء فاعلين، لماذا أتى موقع الطفولة هنا متأخرا
عن موقع الطفل؟ أو ما كان من الأفضل والأوقع والأكمل للوحة السابقة (الرابعة)
أن تستكمل بهذا النفي في مكانه المناسب لئلا يأتي النفي المطلق من باب
الاستنتاج والمسكوت عنه، كما فعلنا آنفا؟ وإذا كان من حق النص على الناقد أن
يسوغ ويرمم ويلاحظ ما هو غير ملفوظ، فمن حق الناقد بدوره أن يعترف بعجزه عن
الربط، أو أن يقترح على الشاعر إضافة هذا السطر إلى موقعه من خانة الطفل
(الرابعة)؟
7
- وهكذا نجد أنفسنا في رحاب المكان:
والمكان هنا الطبيعة بحيوانها وطيرها وأصدائها، لنقل أن نفي المدينة سهل عند
الشاعر، وموقف يحظى بإجماع شعراء العصر جميعا، فكل المدن عند الشعراء هي «مدن
الملح»، والفضل في هذا التعبير لعبدالرحمن منيف، أما نفي الطبيعة فهذا مال نكاد
ندرك سره في الشعر، وأي طبيعة هنا؟ إنها الطبيعة الحية بأقوى تجلياتها.
إن المأساة تتكامل، وربما الثنائيات الضدية معها تتقارب، فمغادرة الأسد من جنس
غور الجبل، فهل هذا إشارة نهاية النهاية، واختفاء الأضداد؟
8
- لا مفر من زلزلة النهاية:
يا لله لهذه الصورة المدمرة: الغراب، شاهد المآسي ونذيرها ولاعق آثارها، هذا
الغراب أيضا ينتفي مع عظمة الأسود ورفعة الجبال، ولكن مهلا ليس الغراب وحده،
فهناك رمز أسد الفضاء (العقاب)، بجبروته وطاقته في التحليق فوق القمم، القمة
تبتلع العقاب، ولم يبق لا ثنائيات ولا ضديات: انتفى الرجل والمرأة والطفل
والجبل، والماضي والحاضر، والطبيعة الراسخة، والطبيعة الطائرة، والأفق والفضاء.
9
- ولا يكتمل مشهد اللانهاية إلا بالستار الأخير:
لا حركة لا نأمة، لا نسمة، وأخيرا لا صدى
ما من أصداء ولا من يحزنون
أما الشاعر، الشاهد الراوي، فقد أخفى نفسه منذ البدء وانتهى قبل انتهاء الكون
الذي يرثيه، ففي أتون هذه المعمعة الضارية المدمرة الحارقة الهالكة العادمة ليس
له من خيار انطولوجي سوى أن يضع رأسه بين الرؤوس ليكون بعض رماد المأساة،
وهيهات أن يتاح له من العزم والوقت ما يسمح باستدعاء نداء المعري الذي لا بد
منه في مثل هذا الموقف:
جسدي خرقة تخاط إلى الأرض فيا خائط العوالم خطني
ثانيا من القصيدة البؤرة إلى التفاصيل
2-1: القتامة ترخي سدولها على مظاهر الكون
ذلك الكون الذي تضيئه الشمس كل صباح، وتلتمع فيه زرقة البحر وتزهو في أرجائه
خضرة الطبيعة، ويطل عليه بهاء القمر من خلال الدجنة، وتتراقص في سمائه النجوم،
كون الجمالات هذا يغدو في شعر الرحبي كتلة من الظلام الدامس المخيم الجاثم
الشامل الراسخ، أي غير المرتبط بحالة معينة أو سبب عارض. فالضياء زيف وبهتان
وحالة مؤقتة. والنور شرار يخفي خلفه سجفا من الظلمات بعضها فوق بعض. لا يكاد
يرى الإنسان من خلالها إصبعا ممدودة أو أفقا ممتدا.
إنه بكلمات الشاعر:
ليل غير قابل للاندحار
على شواطئه تلملم الصرخة
أشلاءها من فم الغريق
ليل وعر
وقد أرخى سدوله على عنق العالم.
بهذا المقطع الحالك ختمت قصيدة عاتية مهداة إلى امرئ القيس(13).
لنتأمل هذه الحدة في وصف الليل، إنها تخفي رعبا وحقدا وضغينة وبرما بما يفعله
الليل بالكون، انه ليل ظلام وظلم، وقسوة ووعورة، ليل بطش يحط على عنق العالم
ليتركه هامدا دون حراك، ليل الصراخ والأنين، ليل الإصرار على القسوة والشدة
والعنف، ليل الطغيان الشامل: «ليل لا يمكنك أن |