السـّـــــلحُــ...
رسائل الصيف،...
إصدارات شاعر ...
الخيال الحر
الزائرة الثقيلة


 
موقع الكاتب والشاعر سيف الرحبي - مقالات ودراسات حول سيف الرحبي - الكتابة الشعرية وقضية الوجود عبد القادر الغزالي

مقالات ودراسات حول سيف الرحبي

الكتابة الشعرية وقضية الوجود عبد القادر الغزالي


الكتابة الشعرية وقضية الوجود عبد القادر الغزالي

Saif 2007--1
الكتابة الشعرية وقضية الوجود
عبد القادر الغزالي
الكتابة الشعرية وقضية الوجود
في شعر سيف الرحبي
اسم المؤلف : عبد القادر الغزالي
عنوان الكتاب: الكتابة الشعرية وقضية الوجود
الناشر : مطبعة تريفة
الطبعة الأولى 2007
جميع الحقوق محفوظة
الإيداع القانوني رقم
إلى روح والدتي: حدهوم بنت الشادلي التي رحلت بصمت وحكمة
مقدمة

يأبى المشروع الشعري العربي التحديثي إلا أن ينفجر كالماء من الصخر، ينابيع في هذه الربوع المجدبة، وهذه المفازات الموحشة في الذات والمجتمع والأمة. إنه الإصرار العنيد على اختراق الدوائر المغلقة، ودفع الضجر والسأم الرابض إلى حدّ الاختناق. يتجسد ذلك في الصراع المرير مع الثبات والسكون، والبحث المضني الدؤوب لاكتشاف الجوهر، وامتلاك فعل تأسيس الوجود بشتى ضروب المكابدة والمعاناة، والرهان اليقين على التحول والمستقبل الذي تمتلك ناصيته الكلمة المتشكلة في محرق التجربة وهول الفواجع والندوب في الجسد بفعل تراجع المداخل والمقدمات النهضوية والتحديثية الوطنية والقومية، وهيمنة الجمود والارتكاس في جميع الجبهات.
وفي هذا الجحيم المضاعف، يشتد التوق إلى الشعر المغاير والمختلف بغية اختراق السطح، والغوص في أعماق الوجود، ورصد بعض حركاته العجيبة. توق إلى تأسيس كينونة جوهرية، وعقد أواصر رحم حميمة بين الأشياء والكائنات، بإعادة تشكيلها، واكتشاف علاقات جديدة لتوحيدها أو تفريقها، والإنصات الحكيم لنداءاتها الأساسية. وتلك دعوة شعرية سخية تغري بالابتهاج وألق المصاحبة، لا تظهر إلا في الانخطاف في تجل من تجليات الكتابة الرؤيوية المتشكلة، على نحو مخصوص، وفق طريقة متميزة في انبناء الذات في الخطاب في سياق الحداثات الشعرية العربية التي ترعب بعض أنوارها ميليشيات التقليد والمحاكاة.
وتجدر الإشارة، إلى أن تاريخية الخطابات الشعرية العربية قد انطلقت شراراتها في الخمسينات، مستنيرة بالمجهودات التنويرية السابقة، وتاريخ التجديد الطويل في القديم أو الحديث، توجت بالحركة السوريالية في الوطن العربي، في العراق ولبنان ومصر على وجه الخصوص، والتي تعتبر، بحق، الانطلاقة الحقيقية لموجات التحديث التالية. ولا بد من التنبيه، في هذا المقام، إلى أن البيان الشعري الذي أصدره علي أحمد سعيد (أدونيس) والمعنون بـ((بيان الكتابة)) هو صيحة من بين الصيحات المدوية لاجتياز جدار التقليد، والسير في ركب الحداثة/ الحداثات . وقد شكل هذا الهمّ صلب الانشغالات التنظيرية والكتابية، حول إشكالياتها تتكوكب التجارب الشعرية المغايرة، وتفتح آفاقها الرحبة.
وفي السياق الحداثي وما بعد الحداثي تتآلف وتتمايز مشاريع كتابية، في الداخل والخارج، وفي الذات والمجتمع، تؤثثها هموم إنسانية تتعدى جغرافية الحواس والعقل إلى المكاشفة ومعاناة صدمات الوجود في رحلات متوالية تنتشي بإشراقاتها بنفس الدرجة التي تنتشي فيها بانكساراتها، لأنها في الحالتين تميط اللثام عن الفقر الرهيب في الواقع بتنظيماته ومؤسساته. وفي هذه التخوم والمسالك العبورية في الشعر والحياة، بالتحديد، نقترح تنزيل المسيرة الشعرية المغايرة للشاعر سيف الرحبي، مستهدين بعلامة من علاماته الباذخة: (( يد في آخر العالم))

العتبات النصية وإغراء القراءة

العتبات النصية أو النصوص الموازية دال مندمج في الخطاب. وهذه الفرضية تدعمها أبحاث أساسية في نظرية الأدب، تتقدمها دراسة جرار جنيت Gérard Genette عتبات Seuils وما أعقبها من دراسات.. كما تسندها القراءات النصية، وتأمل المؤشرات والدوال، ومحاولة اكتشاف الأنساق الناظمة للأثر. وبقدر ما تعتبر بعض العلامات تحفيزية: الطباعة، والتصفيف، والإخراج ... تعتبر علامات أخرى دوالا داخلية في الخطاب: العناوين، والتنظيم الطباعي، والإهداءات، والتوضيحات..
وتمارس بعض العتبات النصية في الديوان الشعري/ موضوع الدراسة: ((يد في آخر العالم)) حوافز تستفز على القراءة وتغري باكتشاف النسق المغاير. نذكر منها: الصفحات الأولى والأخيرة، وعنوان الديوان الشعري والعناوين الداخلية، والإهداءات، والتوضيحات، وطريقة التنظيم الطباعي: البنيات المقطعية، وتوزيع الأبيات الشعرية...
1. الصفحات الأولى والأخيرة:
1.1. صفحة الغلاف: الطباعة والتشكيل
يبدو، عند النظرة العجلى، أن طريقة طباعة وتنظيم وإخراج هذه الصفحة من طبيعة تقنية خالصة لها ارتباط بالتطورات الملموسة في الآليات المستخدمة. غير أن التوجهات الحديثة في دور النشر، وتصورات القائمين على صناعة الكتاب، والهيئات المشرفة على القراءة والطباعة والنشر، والكتاب والمبدعين المنخرطين في هذه الدينامية، تجعل التشارك والحوار بين المعنيين أساسية في التحديث والقدرة على المواجهة الحاصلة في مجالات المعرفية ووسائلها وأدواتها المتسارعة النمو والتطور، والمتاحة بأبسط التكاليف والمجهوادات. ومن هنا، فالتقارب بين رغبة الناشر والطابع والمؤلف في طريقة التنظيم، وانتقاء اللوحة التشكيلة أو التخطيطات والتلوينات المقترحة، من الأسباب التي ترفع هذا النص الموازي إلى درجة النص المركب الذي تتفاعل في بنائه، وفي قراءته وتأويله اليد والعين بل وجميع الحواس.
وبناء على ذلك، فالتحولات التي يرصدها جرار جنيت، مبرزا تنوع الأنماط والأشكال الطباعية والإخراجية، تؤكد بقوة تاريخية هذا المكون بالنظر إلى بقية المكونات النصية.
والواقع أن طبيعة هذه الصفحة ترتبط، إلى حد بعيد، بنمط وشكل الكتاب، أكان كبيرا أو متوسطا أو صغيرا. والديوان الشعري / موضوع الدراسة من الحجم المتوسط. وهو شكل متداول في الإصدارات الشعرية عن دار المدى التي أصدرت الكتاب، وغيرها من دور النشر العربية.
أثبت في هذه الصفحة اسم الشاعر: ((سيف الرحبي)) بالبند الغليظ في الأعلى إلى يمين الصفحة. وتحته وفي وسط الصفحة أثبت عنوان الديوان الشعري: ((يد في آخر العالم)) بخط مضاعف، وفي موقع متاخم لفضاءين: الفضاء الأعلى الموسوم بالبياض والجزء المتبقي من الصفحة والذي تشغله اللوحة التشكيلية، المتضمنة لاسم الفنان التشكيلي: عبد الله الشيخ وتاريخ اللوحة: 1988. وفي أسفل الصفحة اسم دار النشر: ((المدى)) . والملاحظ أن التعيين الأجناسي لم يثبت على هذه الصفحة.

2.1. الصفحة (( الخاطئة)) الأولى:
الصفحة بيضاء لم يثبت فيها سوى عنوان الديوان الشعري في أسفل الصفحة إلى اليسار بخط صغير.

3.1. الصفحة((الخاطئة))الثانية:
أثبت في أعلى الصفحة اسم الشاعر:((سيف الرحبي)). وفي وسط الصفحة عنوان الديوان الشعري: ((يد في آخر العالم)). وفي أسفل الصفحة إلى اليسار دار النشر: ((المدى)).

4.1. الصفحة((الخاطئة))الثالثة:
أثبت في الأعلى إلى اليسار: ((منشورات المدى)) والتعيين الأجناسي: الشعر، وعدد المنشورات: 28.
كما اشتملت الصفحة على:
اسم المؤلف: سيف الرحبي
عنوان الكتاب: يد في آخر العالم.
الناشر : المدى
الطبعة الأولى: 1998

تقابلها الترجمة باللغة الإنجليزية.
وفي أسفل الصفحة نبه في كلمة موجزة إلى أن جميع الحقوق محفوظة لدار النشر، وحذر من إعادة الطبع أو الإنتاج أو الترجمة، كتبت باللغة الإنجليزية.

5.1 . الصفحة ((الخاطئة))ما قبل الأخيرة:
اشتملت على توضيحات وإشارات إلى أمكنة وأعلام وردت في بعض قصائد الديوان الشعري.

6.1. الصفحة((الخاطئة))الأخيرة:
تضمنت إصدارات الشاعر منذ 1980.

7.1. صفحة ظهر الغلاف:
غطيت بلوحة الغلاف، ولكن بلون باهت، فاسحة المجال للعنوان المثبت باللون الأحمر في الأعلى إلى اليسار, ومقطع شعري يستشرف ظلمة القبر وحركية الما وراء، كما أثبت عنوان اللوحة الرؤيوي واسم الفنان التشكيلي: (مقطع(( فجر جديد)) للفنان عبد الله الشيخ).
عود على بدء، وترجيع للأصداء هناك في الأمداء البعيدة حيث الولادات الجديدة بالضرورة، وحيث الولائم الشعرية الباذخة.

2. لوحة غلاف الديوان الشعري
صدر هذا الكتاب: الديوان الشعري عن دار المدى للثقافة والنشر، ضمن المنشورات الخاصة بالشعر، أثبتت في صدره التحديدات التالية:
-اسم المؤلف: سيف الرحبي
-عنوان الكتاب : يد في آخر العالم
-الناشر : المدى
-الطبعة الأولى : سنة 1998

وإذا كنا، في البداية، نفضل اسم الشاعر على اسم المؤلف لما للتسمية من إيقاع نغمي، وجذوة كشفية رؤيوية، فإن تسمية الديوان، بالكتاب، في تقديرنا، أصدق تعبير عن منحى حداثي شعري تأسيسي، يحفر بصبر وأناة أسس تجربة / تجارب مغايرة في الكتابة الشعرية العربية. إن لوحة الغلاف كما هو مثبت بشكل عمودي، مقطع من (( فجر جديد)) للفنان عبد الله الشيخ، تنقل القارئ، على التو، إلى أجواء ملحمية من خلال التشكيل واللون والضوء الذي تسويه بتلقائية وبراءة طفولية ((يد)) بارعة تمتص ما بالصحراء من رهبة وامتداد وسطوة بلمسات سحرية ودهشة جمالية. فظلمة اللحد هي المحيط المغلق الذي يحضن هذه الإغفاءة السرمدية، تعطيل لحركات الجسد بواسطة إحكام الرباط والوثاق، غير أن الإشعاع الشمسي الذهبي، ينبثق من رجلي الجثة ليخترق ظلمة الصندوق. وليتحقق البعث وتتحول الجثة الهامدة إلى طاقة حياة جارفة، رافعة ذراعيها نحو الأمداء البعيدة. هي صيحة وجودية تهمس للمطلق، من انبلاج الليل من النهار وانبلاج النهار من الليل. وبناء على ذلك، فاللوحة تثبيت لمشهد حلمي عبوري، يتأرجح بين التجسيد الحسي والترميز التجريدي.
يتولد الضوء، إذن، من التقريب الإيحائي بين الوعي واللاوعي في هذا الكون المشهدي الذي تبسط الصحراء عليه مهابتها، ويقي الإنسان فيها سوأته بعباءة تستجدي العري الأبدي، فتمتد اليدان لاحتضان المجهول، ودعاء البعيد، أو الابتهال على شكل مناجاة الكون لدفع الضجر وتفجير مكنونات الذات.

3. العنوان وانفتاح التأويل:
كثيرا ما كان العنوان مبعث قلق والتباس تتجاذبه إرادتان: إرادة نفعية تواصلية وإرادة جمالية فنية. وبعيدا عن ميتافيزيقا الأصل مثلما يكشفها سؤال زمن الصياغة: متى يكتب العنوان، عنوان الأثر أو العناوين الفرعية؟ في درجة الصفر أم في سياق المغامرة الكتابية أم بعد الانتهاء من الترحال الحسي والمتخيل؟
نفترض، في البداية، أن العنوان فعل كتابي يجاوز فيما يجاوز الزمن والإرادة والمقصدية، فهو بوصفه نصا موازيا إشكالي بطبيعته، كما يؤكد جرار جنيت: ((يطرح التعريف نفسه عدة مشاكل تقتضي بذل مجهود من أجل التحليل...))
وبهذا المعنى، تتعدد طبيعته ووظائفه، فقد يكون في بعض السياقات مؤشرا وحافزا ... وقد يكون بؤرة مضيئة ومركز نور، وقد يكون هاوية سحيقة. وبما أن سؤال الأصل ينتفي من تلقاء ذاته، فإن سؤال التوظيف التـأويلي بدوره ينهدم بدوره طبعيا: من يضيء الآخر العنوان أم الأثر؟
هذا الوضع الإشكالي يفتح الاحتمالات الوظائفية على اللانهاية، يحدد منها جرار جنيت بالاستناد إلى شارل كريفل Charles Grivel :(( 1. تخصيص العمل. 2. تحديد محتواه. 3. جعله ذا قيمة..))



1.3. عنوان الديوان / الكتاب الشعري
((يد في آخر العالم)) عنوان تركيبي تتولد عنه سلسلة لا نهائية من التأويلات والإيحاءات بل والأنساق الرمزية التي تتشكل كوكباتها تبعا للمركبات الاسمية التي يتكون منها. فاليد كما ورد في معجم الرموز Dictionnaire des symboles ((تعبر عن أفكار الفاعلية، وأفكار الهيمنة والقوة أيضا)) وهي بقدر ما ترتبط بالجسد كموجود متجسد ومحسوس تفارقه، دلاليا ورمزيا، فتقترن بالروح: بغير المتعين والمتحيز، فهي: (( شعار ملكي، وأداة التمكن وعلامة الهيمنة.)) وتبعا لذلك تتعدد أوجه حضورها الرمزية: (( يد العدالة . يد الله، اليد اليمنى...)) ومن ثمة، اكتسبت دلالات حسية ورمزية حركية مخصوصة في ثقافات العالم: الصينية والهندوسية واليونانية والرومانية والعربية والإسلامية متعالقة مع حركات دينية ورقصات طقوسية أمدتها بطاقات دلالية ورمزية متجددة مما جعلها (( رمزا للحركة الاختلافية)). كما أن اتجاه التشبيه قرنها بالعين جارحة الرؤية موطدا التبادلات بين اليد والعين .
وفاعلية الحركات كدال وصورها كمدلولات وإحالاتها كمرجعيات شرط حضورها في العالم، وبالتحديد في أطرافه وأواخره، متأتية من هجرات علامات وصور معلومة ومجهولة، تتوسل بالعين لإدراكها أو تمثلها، وباليد لتثبيتها عبر الخط والكتابة. بهذا الثقل الدلالي الرمزي تجاور اليد رمزية العالم بمستوياته: ((السماوية والأرضية والجحيمية )) في تقابل مع مستويات الوجود الثلاثة: أو صيغ الفعالية الروحية، تبعا للسيرورات العامة لتشكل الأسطورة البانية للمتخيلات.... هذه العوالم توجد في فضاءات متخيلة يعرف أحدها بالآخر: العالم الأسفل فوقه العالم الأعلى مرورا بالعالم المتوسط.((
وبالعودة إلى السياقات النصية في الديوان الشعري التي وردت فيها لفظة (( اليد)) نقف عند ثلاثة تعابير شعرية أساسية:
1. يد وحيدة تلوح من بعيد.
2. يد وحيدة جاثمة بوحشتها.
3. يد الشاعر أو القرصان أو بائع اليانصيب..

وردت: (( يد)) مفردة نكرة، مرفوعة إلى الأعلى، وهو ما يعارض، مظهريا، الصورة المثبتة على الغلاف حيث يلوح الجسد / الظل بكلتا يديه: اليسرى واليمنى، متلوة بالصفة(( وحيدة))، مؤكدة مفهوم ((الواحدية)) مما يدفع إلى التساؤل: هل هي يد يمنى أم يد يسرى؟ وهما، في تحقق إحداهما، في وضعية حركية يدل عليها الفعل (( تلوح)).
والتركيب الثاني يحقق توازيا إيقاعيا بنائيا يربط الشكل بالمعنى، محافظا (على المركب الاسمي + المركب الاسمي: الصفة): (( يد وحيدة)). لكن في هذا التركيب أضيف إليها المركب الاسمي: الخبر: ((جاثمة)). وهو مناقض، ظاهريا، للفعل الحركي: ((تلوح)) في السياق التركيبي السابق. مما يوهم بتعطيل الحركة والاستحالة إلى سكون وثبات. غير أن وضعية اللا حركة، في هذا السياق، إنما تقترن بالعزلة والمرابطة في التخوم والأقاصي. فضلا عن أن الدلالة تتضمن نوعا من التمديد والتوسيع نتيجة تحويل الجزء العضو: (( اليد)) إلى الكل: (( الجسد)). وبتكرار صفة وحيدة تتسع حالة العزلة الخالقة التي تحضن هذه اليد الواهبة المعطية من أعماق اليتم ومن ندوب الجسد وشطحات الخيال: ( يد وحيدة في غيمها الجريح..)
يد، كما يظهر في سياقات نصية دالة، لا تزيدها الصفات سوى غموضا والتباسا، تعرف عن طريق الإضافة:
- يد الشاعر.
- يد القرصان.
- يد بائع اليانصيب.
ممكنات وجودية، يجسدها أسلوب الاستئناف والاستطراد الدال على الحيرة والقلق وانتفاء اليقين... لا تستقر التسمية على قرار. فالأسماء ذاتها تستعصي على التثبيت والتعيين, فإذا كان الاسم الأول الذي أضيفت إليه لفظة اليد: ((الشاعر)) بحكم التقديم يكتسب وضعية الامتياز، فإن ما يليه من أسماء، يمكن أن تعتبر ظلالا ونوى دلالية صغرى، يمكن أن تجلي بعض المعاني الباطنية العميقة في الاسم الأول.. إذا ما سعينا إلى إبراز صفات المغامرة وارتياد المخاطر والرهان المستمر على المستقبل والحب والجمال. وهي صفات أو لنقل إنها سيرورات تذويت لها ارتباط بالذات: ذات الشاعر أولا. وذلك يعني أن هذه اليد الوحيدة ليست واحدة أي مقترنة بجسد واحد. إنما هي يد واحديتها مؤسسة على كثرتها وتعددها، لأنها، في المحصلة، كينونة متحولة، ما دام الشاعر ليس واحد، وإن كان وحيدا بالطبيعة، منفتحا بالاحتمال على الكثرة والتعدد.
إن صفة الوحيدة المقترنة بهذه اليد التي (( تلوح من بعيد)) تلويح يكشف عن معاني الاحتفاء والدعوة الباذخة للاحتفاء بالقصيدة المغايرة، متعددة ومتناسخة عبر كثرة متشظية. ويمكننا أن نصوغ بعد تجميع السياقات الدالة، العبارة التالية:
يد الشاعر وحيدة تحتفي بالغرقى..
قد نعتبرها شعارا أو بيانا شعريا مركزا، كاشفا عن تصور ورؤيا شعرية مغايرة، تسافر نحو أقصاها ومنتهاها الاحتمالي، وأقصى ومنتهى الذات والعالم. والعزلة، في جميع الأحوال، شرط كتابي وحياتي، والغرق خطر تدميري يهدد الكائن والكينونة على حد سواء.. واليد الملوحة هي يد القوة والسلطة الشعرية وإرادة الإقامة على الأرض.
((يد في آخر العالم)) عنوان باذخ يتناغم مع لوحة الغلاف ليجسد همّا كتابيا يتكامل مع همّ تشكيلي في توليد الحس من الخيال، وتوليد الخيال من الحس. فـ((اليد)) هي العضو الحيوي وأساس خلافة الإنسان علي الأرض، وجسر تفاعل الذات مع الآخر والعالم، وأداة الاستبطان الجواني والبراني. إنها تصل القلب والعقل عبر الكتابة، بعالم الصور والرموز من خلال إنتاج وإعادة توليد ما يحصل في القلب من ميولات ونزوات، مصرح بها أو مكتومة في الصدر، نتيجة الإكراهات على المستوى الذاتي بفعل الثقافة والتنشئة، أو على المستوى الخارجي: الأسرة والمجتمع، وثقل إرث الارتداد وانتكاس المشاريع النهضوية.
نبادر بافتراض أن في توشية هذه ((اليد)) وفي حركاتها الإرادية وغير الإرادية، انفلات من الجسد إلى ما يتعداه، وانتقال يرفع الذات إلى وهج المكابدة الكتابية بوصفها اختراقا للمعلوم، وللثابت في شقيه: ((الصغير)): الإنسان و((الكبير)): الكون نحو آفاق محتملة يمارس فيها التشكيل الجديد والخلق المستمر، بواسطة المعرفة الشعرية النقدية والممارسة الكتابية القلقة المتسائلة دائما. إنها، بوجه من الوجوه، شكل من أشكال انبثاق الحداثات الشعرية المتعددة، والمتشككة في المنجزات والمسارات الإيديولوجية والسياسية والتكنولوجية، من خلال تأمل الانتكاسات محليا وعالميا.
وتحسن الإشارة إلى أن حرف الجر:((في)) بوصفه حرفا حركيا يوجه النظر، رأسا، إلى الانتقال من الحس إلى ما وراءه، ومن الاصطلاح إلى الإيحاء، أي الانتقال من المحاكاة التعبيرية إلى الإبداع بمعنى تحرير الخيال. يتجسد ذلك بواسطة تشظية أعضاء الجسد، و((اليد)) بخاصة لممارسة فعل كتابي حرّ ومتحرّر من أوزار الماضي وارتكاساته. إن هذا الإشعاع الرمزي يرفع العضو المقصود للاندغام مع بقية الأعضاء: العين بخاصة.
وفي هذه النقطة نفكر في العين الثالثة: جارحة البعد الثالث، أو عين العين التي تحدث عنها شاعر التحديث الشعري بله الكتابي الرؤيوي جبران خليل جبران، كما أثبت ذلك الشاعر والناقد أدونيس في كتابه صدمة الحداثة ، أو إلى عين الجوارح التي حدسها شاعرنا سيف الرحبي بحدة ومضاء شعريين عنيفين . الأمر الذي يسمح لنا بالحديث عن (( اليد الثالثة)) التي قد يكون الشاعر الفلسطيني محمود درويش قد عناها في سياق شعري آخر مغاير، عندما صرخ: (ارفعوا عني يدي).
وفي شبه الجملة: ((آخر العالم)) إشارة إلى منطقة تخومية بينية، كان أقطاب المتصوفة قد عينوها بـ(( البرزخ)) وهي إقليم واصل فاصل بين الحس والغيب، وبين الواقع والمتخيل. وفي الوصف حدس باستشراف مستقبلي، وتوقع نبوئي لاحتمالات ذهنية وقلبية، تتفاعل في تشكلات جنينية رحمية، تجسد الوعي التراجيدي بمكابدات وجودية تغذي رؤيات قلقة متساءلة متجهة نحو المجهول والمطلق. وذلك هو رهان الكتابة الشعرية المتوحدة في أكوانها وعوالمها الغريبة عن سلالاتها وأعراقها. وتجدر الإشارة إلى أن عنوان الديوان / الكتاب الشعري هو في الأصل، عنوان آخر قصيدة في الكتاب.

2.3. عناوين القصائد الشعرية
يتكون الديوان الشعري من ثلاث قصائد: القصيدة الأولى طويلة ذات نفس ملحمي، تتكون من 18 مقطعا بلا عنوان، تبني عوالمها على الأحلام والغرائبية والصور المتناسلة من خلال البحث عن المجهول واللامحدود لأن ملاحقة السراب ملاحقة للفراغ، مع التأشير على محدودية العين؛ مفتتحة بآية قرآنية كريمة: ((كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا )) سورة النور. وببيت شعري لرائد التجديد الشعري العربي بدر شاكر السياب: ((يا غربة الروح في دنيا من الحجر))، يقيس حجم المعاناة والألم في رحلة الأعماق وفدية مجاوزة الحدود.
ولا ريب أن لهذين الشاهدين من الإشعاع والبهاء ما يعوض العنوان بشكله المتداول. فهما مؤشران على لقاء عجيب بين خطابين العلاقة بينهما جدّ مركبة وحساسة: الخطاب الديني والخطاب الشعري، مما يبشر بآفاق كتابية خصبة وخلاقة.
أما القصيدة الثانية فتحمل عنوان: (( مقاطع)) وهي تسمية بالغياب، لأنها تدل على الطريقة الكتابية الشكلية، وقد كان بالإمكان إطلاق نفس العنوان على القصيدة السابقة. وإذا ما تخطينا هذا الافتراض أمكن أن نربط التسمية بالشكل الكتابي الحكمي الشذري الظاهر في بعض مقاطعها.
بينما تحمل القصيدة الثالثة عنوان:(( عمرو بن قميئة))، اسم علم:((عمرو)) والكنية: (( ابن قميئة))، وهو استحضار شعري لرمز من رموز التيه والضلال.
وعنوان القصيدة الرابعة: (( يد في آخر العالم)) هو عنوان الديوان / الكتاب يصل النهاية المرحلية بالبداية.

4. الاهداءات:
لا بد من التأكيد على أن صيغة الإهداء في الديوان الشعري / موضوع البحث، غائبة. فلم تحدد كلمة في الاستهلال أسماء أعلام مُهدى إليهم الديوان الشعري، كما درج عليه في كثير من الإصدارات الشعرية. ولا شك أن مثل هذا التحلل من القيد والتعريف التصنيفي، يفتح التأويل أمام القارئ، فيوسع، بالتالي، دائرة المُهدى إليهم المحتملين، مثلهم مثل القراء المحتملين في نهاية المطاف أو لنقل في بدايته.
والواقع أن العنوان والنسق الخطابي يؤسس لطريقة مغايرة لأوضاع الإهداءات ونوعيتها ووظائفها. فهي، في هذا المقام تحديدا، من صميم الأنساق النصية، تتفاعل مثل بقية المكونات لبناء معنى في أطوار التشكل المستمرة.
سيرورات للإهداء، يولدها جهد بنائي، يبدأ بصيغة العنوان التركيبية والدلالية: ((يد في آخر العالم)). ((يد)) في الأقاصي، في تخوم الذات والعالم المحيط، تشير أن أقبلوا على المغامرة، واكشفوا أسرار البعيد واهتكوا الحجب. واستوائها من الناحية العضوية يرتبط بتشكلها في القصيدة أولا بوصفها عضوا ومكونا نصيا يفعل ويتفاعل مع باقي المكونات ضمن حركية إعادة كتابة التاريخ الفردي والجمعي شعريا، وذلك بتجميع البؤر المضيئة والتقاط المشاهد الدالة، ولقاء الموجودات. فالديوان الشعري هبة الذات للغير وهبة الغير للذات. ولا غرو فإنه كتابة تؤسس لممكناتها عبر الهدم، ملاحقة ما ينحدر في المهاوي، وتطويه الأزمنة في سراديبها السحيقة. مؤشرات دالة تطبع الإهداءات بالتحول والتمظهر المختلف. فبقدر الوجوه المتجلية في المكان وخارجه تتعدد الإهداءات المضمرة.

5.التوضيحات:
لا شك أن عتبة التوضيحات في النسق العام، تحتفظ باستقلالية ما. فهي، بهذا المعنى، خارج نصية أو لنقل فضلة لأن الوظيفة المتحققة من خلالها لا تتعدى التوطئة والإيهام بالكون المصغر الذي لا تفتأ الكتابة تتجاوزه بل تطمس معالمه.
ضمن هذا الإطار، فالتوضيحات المتضمنة في الصفحة 95، بقدر ما تؤسس للدرجة الصفر في التخييل، تدعو القارئ إلى السفر من محطات معلومة إلى محطات محتملة مجهولة. وذلك شكل من أشكال الغزو الكتابي، قد تتحدد بداياته، لكن سرعان ما تضيع مرافئه، وتتلاطم أمواجه.

6. المقاطع الشعرية
ترجع تاريخية المقطع الشعري باعتباره دالا إبداليا في الممارسة الشعرية إلى المنسي في الشعرية العربية المكبوتة، كما يفضل د. محمد بنيس تسميتها في سعيه إلى إعادة كشف بنيات الممارسات الشعرية العربية الحديثة، وبخاصة عند اختبار إجراء المقطع كأساس في الرومانسية العربية التي أعادت إحياء المكبوت بالعودة إلى التقليد القديم المتمثل في الموشح، بالتضافر مع العروض كمعطى أولي أساس، دون إغفال انبثاق المصطلح في الرومانسية الألمانية، واستعصاء تقديم تعريف جامع له. لكنه، رغم ذلك يتقدم بالتعريف الآتي: ’’فالمقطع وحدة دالة من وحدات الخطاب، وهو في الوقت نفسه دال من بين دواله تتآلف فيه مجموعة من الأبيات وتنفصل به غيرها داخل الخطاب.‘‘
وبالإفادة من هنري ميشونيك، وتشديده على أهمية الصفحة في البناء بله في تحديد رؤيا الشعر وممارسته، يؤكد: ’’إن المقطع كدال يتفاعل مع دال آخر، هو الفراغ بين مقطع ومقطع، ليتميز وينبني كمقطع.‘‘
والواقع أن أوضاع ووظائف المقطع كدال تفاعلي بامتياز في قصائد الديوان / موضوع البحث المغايرة إلى حد بعيد. فهو لا يتفاعل في تعالق مع العروض، بل مع الإيقاع، دون إلغاء البيت الشعري، سواء في شكله الحر وطريقة الكتابة النثرية، بل إن أزمة البيت الشعري تنفجر من داخل البيت والمقطع الشعريين في نفس الوقت.
وبهذا المعنى، نفترض بأن المقطع مكون بنائي تفاعلي في الديوان الشعري / موضوع الدراسة: ((يد في آخر العالم))، ارتباطه وثيق بالنفس الملحمي، والبناء التركيبي للقصيدة المتعددة الأصوات والأحوال والمواقف. كيمياء لغوية متفاعلة داخليا وخارجيا مع مختلف الأشكال والصيغ والأنساق.
يستهل الديوان / الكتاب بقصيدة طويلة بلا عنوان، تتكون من 18 مقطعا شعريا، تعقبها قصيدة تحمل اسم: ((مقاطع)) تتكون من 13 مقطعا شعريا، ثم قصيدة حاملة لاسم العلم: (( عمرو بن قميئة)) مكونة من مقطع شعري واحد، لينتهي الديوان بقصيدة تحمل عنوان: (( يد في آخر العالم)). وهذه مغايرة واضحة إن لم نقل سلبية، حسب مفهوم جوليا كريستيفا، نصية دالة في الخطاب: تسمية بالنفي المستمر.
والواقع أن الكتاب مكون من قصيدة ملحمية واحدة، وما أعقبها مندرج في المجموع من خلال الانفصال. وذلك بالنظر إلى النفس الشعري والإيقاعي والأكوان التخييلية اللاحمة للمجموع الخطابي. فالنقصان والفراغ الملحوظ يغطى بالتسمية الشكلية المعنوية، ثم يملأ الفراغ من خلال التسمية المنفتحة على التيه والأمداء اللانهائية. وذلك يعضده المعطى النصي، وما يتعلق به من التباس في الإيقاع والدلالة، بله الرؤيا الشعرية المنفتحة على المغاير دائما حيث تقلب الفرضيات فيما تفسح آفاقا جديدة أمام القراءة والاختبار والتأويل.

1.6. توزيع المقاطع الشعرية:
نعتمد في الإحصاء والوصف لكشف الأنساق الناظمة في الخطاب على القصيدة الأولى، وذلك إجراء يتوافق مع الشكل التنظيمي للكتاب، ومع الرؤيا الشعرية، كما يجنبنا الحشو والتكرار.
تتكون القصيدة الأولى من: 18 مقطعا شعريا يحمل كل واحد منها رقما، ونظرا لطول القصيدة، ولكي نقترب من طريقة البناء النسقي والجهد الكتابي في هذا النسيج الشعري المغاير، نقدم الوصف التالي، مشيرين فيه إلى المقاطع الصغرى والكبرى، وعدد الأبيات الشعرية التي تكون المقاطع الكبيرة والصغيرة:





م. الكبرى م. الصغرى النسبة ع. البيات النسبة
1 14 17.72 165 22.72
2 5 6.32 37 5.11
3 5 6.32 29 4
4 3 3.79 6 0.82
5 4 5.06 37 5.11
6 1 12 1.65
7 1 9 1.24
8 3 3.79 22 3.03
9 1 15 2.07
10 10 12.65 85 11.74
11 1 8
12 5 6.32 36 4.97
13 11 13.92 80 11.04
14 6 7.59 30 4.14
15 2 2.53 20 2.76
16 3 3.79 19 2.62
17 1 11 1.51
18 8 10.12 103 14.22

يوضح الجدول التوزيع المقطعي، ونسبة الأبيات الشعرية داخل المقطع باعتباره وحدة دالة مستقلة عن بقية المقاطع في القصيدة عن طريق البياض مرة، وعن طريق البياض والنجيمات مرة ثانية... كما تتصل أحيانا متفاعلة مع بقية وحدات الخطاب.
وما يمكن تسجيله هو أن التفاوت بين البداية والنهاية ضئيل في عدد المقاطع الصغرى التي يتكون منها المقطع الاستهلالي والمقطع الختامي. حيث نلحظ تقليصا تدريجيا في عدد المقاطع، لا يرتفع إلا في المقطع الكبير 10 حيث يصل إلى 10 مقاطع صغرى، ثم يبدأ من جديد في التضاؤل التدريجي إلى أن ينتهي بالمقطع الأخير فيصل إلى 8 مقاطع صغرى.
ويمكن إجراء طائفة من التقابلات بين المقاطع لتبين التبادلات النسقية في البناء المقطعي، نعرضها على الشكل التالي:





من: م .. إلى: م.. عدد الأبيات
من: م.. إلى: م..
1 18 165 103
2 17 37 11
3 16 29 19
4 15 6 20
5 14 37 30
6 13 12 80
7 12 9 36
8 11 22 8
9 10 15 85

تكشف هذه التقابلات أن التوازن ملحوظ في طريقة انتظام المقاطع من حيث الطول والقصر، ومن حيث التوازي والانسجام. مثلما يظهر في التجاوبات الإيقاعية والدلالية بين المقطع الاستهلالي والمقطع الختامي، والتوازن بين نسبة المقاطع الكبرى المعتمدة على مقطع واحد: 6-9-11-17.. والتوازن بين المقاطع الكبرى: 10-13 والمقاطع المتوسطة: 2-3-5-8-12-14-15-16
ونستخلص من هذه المعطيات أن للذات حرية في استرسال النفس أو قطعه، ولكن وفق حسن إصغاء إيقاعي عصبه التوازن والانسجام والبناء المغاير المستند، بالضرورة على الهدم.
• القصيدة الثانية، تتكون من: 14 مقطعا شعريا تفصل بين كل منها نجيمات ثلاث.
• القصيدة الثالثة: تحمل عنوان عمرو بن قميئة، وتتكون من مقطع شعري واحد.
• القصيدة الرابعة: تحمل عنوان: ((يد في آخر العالم)) وهو العنوان الذي سمي به الديوان بأكمله، وتتكون من مقطعين.

6. علامات الترقيم
تحتل النقطة من بين باقي العلامات مرتبة متميزة في هذا الديوان / الكتاب الشعري، إذ غالبا ما تختم المقطع الشعري، مؤشرة على انتهائه. ومع اكتمال المقطع تكتمل الجملة تركيبيا ودلاليا وإيقاعيا. والملاحظ أن النقطة تتآزر مع البياض لتمييز المقاطع كما هو الشأن في القصيدة الأولى، أو تتآزر مع النجيمات لأداء هذه الوظيفة كما يتجلى في القصيدة الثانية التي تحمل عنوان: ((مقاطع)). ومن هنا، فإن النفس النثري هو المتحكم في وظيفة هذه العلامة التي تسمح بالتوقف وأخذ النفس، بعد اكتمال التركيب وإفادته. غير أن النفس غالبا ما تقطعه البياضات التي تختم بها الأبيات الشعرية (المكتوبة بطريقة شعرية حرّة أو بطريقة نثرية)، لأنها تلحم الأبيات الشعرية تركيبيا ودلاليا وإيقاعيا على نحو يفجر أزمة البيت الشعري.

7. الأبيات الشعرية
إن طريقة البناء المقطعي تدفعنا إلى تأمل الشكل الطباعي للديوان، سواء من حيث اختلاف المقاطع الشعرية، وتباينها من حيث الطول والقصر، أم من حيث شكل كتابتها التي تزاوج بين الكتابة النثرية والكتابة الحرة.

1.7 . توزيع الأبيات الشعرية داخل المقطع:
في الجدول التالي توضيح لعدد المقاطع الصغرى التي تتكون منها المقاطع الكبيرة في القصيدة الأولى، والمقاطع الشعرية في القصائد المتبقية:

المقاطع الكبرى المقاطع الصغرى عدد الأبيات شكل الكتابة
1 1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14 5
8
13
7
13
9
6
11
6
17
5
17
38
10 حرة
((
((
((
((
((
((
((
نثرية
حرة
((
((
((
((
2 1
2
3
4
5 4
5
17
5
1 حرة
((
14 حرة [15-17] نثرية
نثرية
((
3 1
2
3
4
5 5
3
13
5
3 حرة

[ 5-13 ] نثرية
حرة
((
4 1
2
3 5
6
4 نثرية
((
((
5 1
2
3
4
5 8
8
5
2
14 حرة
((
نثرية
حرة
((
6 1 12 حرة
7 1 9 حرة
8 1
2
3 4
12
16 حرة
((
((
9 1 15 حرة
10 1
2
3
4
5
6
7
8
9
10 4
5
4
11
10
4
7
7
21
11 حرة
نثرية
حرة
[1-4]حرة،[4-8]نثرية،[9-11] حرة
[1-5]حرة،[6-8]نثرية،[9-10]حرة

حرة
[1-4] حرة، [5-7]نثرية
نثرية
[1-7]نثرية،[8-9]حرة،[10-21]نثرية
نثرية
11 1 8 حرة
12 1
2
3
4
5 12
4
1
10
9 حرة
((
((
[1-7]حرة،[8-10]نثرية
حرة
13 1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11 3
8
5
9
4
7
6
5
10
10
13 حرة
((
((
[1-5]نثرية،[6-9]حرة
نثرية
[1-3]نثرية، [4-7]حرة
حرة
[1-2]حرة،[3-5]نثرية
[1-5]نثرية،[6-10]حرة
[1-5]نثرية،[6-10]حرة
نثرية
14 1
2
3
4
5
6 3
6
6
6
7
2 حرة
[1-5]حرة،[3-6]نثرية
حرة
((
((
((
15 1
2 6
14 حرة
((
16 1
2
3 6
10
3 حرة
((
((
17 1 11 حرة
18 1
2
3
4
5
6
7
8 6
6
7
5
6
8
29
36 حرة
((
((
((
((
((
((
((

القصيدة الثانية: مقاطع

المقاطع الكبرى المقاطع الصغرى عدد الأبيات شكل الكتابة
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14 4
12
7
4
5
8
2
1
2
2
3
5
2
5 حرة
((
((
((
((
((
((
((
((
((
((
نثرية
نثرية
حرة



القصيدة الثالثة: عمرو بن قميئة

م. الكبرى المقاطع الصغرى عدد الأبيات شكل الكتابة
1 24 حرة

القصيدة الرابعة: يد في آخر العالم

المقاطع الصغرى عدد الأبيات شكل الكتابة
1
2 26
2 حرة
((

نختار للتعرف على طريقة توزيع الأبيات في المقطع، وبدافع إجرائي صرف ثلاثة مقاطع: المقطع الاستهلالي والمقطع الختامي والمقطع المتوسط.
1. المقطع الاستهلالي:
يتكون من:14 مقطعا صغيرا متفاوتة من حيث الطول. أطول مقطع هو المقطع:13 يبلغ عدد أبياته:38 بيتا شعريا. ويلاحظ أن نسبة المقاطع ترتفع عند نهاية المقطع الطويل. وأصغر مقطع هو المقطع:1 يتكون من:5 أبيات شعرية.
2. المقطع المتوسط:
للمقطع9 وضعية خاصة في القصيدة، فهو بالإضافة إلى المقطع: 6-11-17 لا يتكون من مقاطع صغرى، لذلك نتقدم في وصف المقطع الذي يليه. يتكون المقطع10 من 10 مقاطع صغرى يصل عدد أبياته إلى 85 بيتا. وأطول مقطع صغير هو المقطع9 عدد أبياته21 بيتا شعريا. ويتراوح عدد الأبيات في المقاطع المتبقية بين 4 و11 بيتا.
3. المقطع الختامي:
يتكون من8 مقاطع، ويصل عدد أبياته إلى103 بيتا. وأطول مقطع صغير هو المقطع 8، يتراوح عدد أبيات المقاطع المتبقية بين6 و29..
هذه المعطيات الإحصائية تدل على النفس الشعري الطويل الذي يتوافق مع النفس الملحمي، يجسد حرية الذات في بناء أنساق محكمة، يتحقق التفاعل بينها وفق المغامرة الشعرية الجديدة التي تخرق المجهول، وتراهن على المحتمل بتفجير الحدود بين الشعر والنثر..
وفي هذا السياق، نلاحظ أن طريقة كتابة الأبيات الشعرية تدفع بأزمة البيت الشعري في الحداثة العربية إلى منتهاها. إذ يختار الشاعر طريقة الكتابة الحرة: اختلاف طول الأبيات ليفسح المجال للعبة السواد والبياض كي تفعل فعلها في العين والخيال. وهذا الشكل الكتابي هو الذي يصح أن نطلق عليه شعرا حرا، يتجاور مع شكل الكتابة النثرية حيث ينتهي البيت الشعري في نهاية الصفحة، مالئا الفراغات، وإن كانت الأجزاء العليا من الصفحات محتفظة بحيزات من الفراغات تحفز على التأويل. وهذه المزاوجة بين الشكلين الكتابيين قد تظهر من مقطع إلى مقطع آخر، أو داخل المقطع الواحد، كما هو الشأن على سبيل التمثيل في المقطع الثالث من المقطع الكبير الثاني.
إن هذه العتبات والدوال النصية مؤشرات دالة على اندراج الديوان الكتاب الشعري في سلك الحداثات الشعرية العربية التي تغري بولوج العوالم المغايرة المشكلة بصبر وحكمة. فهي، في محصلة القول، عصارة تجربة سفر وترحال طويلين ومستمرين في الذات والعالم، وفي الشعر والحياة على حدّ سواء: هجرة شاقة في الأرض والإنسان والكون. وبهذا المعنى، فهو كتاب تخومي بامتياز، مختلف بطبيعته يرجّ الثوابت والحدود مازجا الواقع والخيال، الوعي واللاوعي، الحب والكراهية، السكينة والقلق، الإقامة والترحال، والموت والحياة في أنساق ترجّ الصفاء الأجناسي، واصلة بين الأقاصي والأبعاد التي تفضي إليها المغامرة الكتابية.

الحداثات الشعرية ورهانات المغايرة

إن الاقتراب من الطروحات النظرية والإنجازات النصية الحداثية خليق بتوضيح جملة من الفرضيات المختلفة التي تؤطر الأفعال الشعرية المغايرة. وإذا كانت الحداثة محلّ نظرات وتأملات متشعبة ومتقاطعة فإن ذلك مؤشر على اختلاف المداخل وتباين المنظورات، واتّساع الحداثة لاستيعاب نبض الحياة الراهنة.
ولا ريب أن المشروع الحداثي الذي يواصل بناءه بصرامة ومنهجية علمية دقيقة الشاعري الفرنسي هنري ميشونيك Henri Meschonnic، يسعف في إضاءة بعض المسالك والدروب في هذا المسعى القرائي.
ينبني تعريف ميشونيك للقراءة على أسس متينة، ووعي أصيل مغاير للإشكاليات والقضايا الراهنة، وفق رؤية نقدية للمعرفة السابقة في الخطابات القديمة والحديثة من أجل إعادة بنائها في أفق احتمالي، يجعلها، بالضرورة، غير مكتملة: دائمة التكوّن والبناء. وبإمكاننا ملاحظة مفهومين، يستند إليهما التعريف المقترح، هما: ((الصراع)) و((الحالة))، يندرجان في بؤرة لقاء للعنف والإصطدام، ومواجهة الأفكار الأدبية، والأطروحات السياسية والإيديولوجية، وما تمخّض عنهما من نظريات اجتماعية. وتتزامن هذه الحركة المتوتّرة مع سمة تغييرية تحويلية، لا نهائية، هي المولدة للمفاجأة والصدمة الناجمة عن خلخلة آفاق الانتظار، فـ:’’ الحداثة معركة، بداية معادة دون توقّف لأنها حالة مولودة، حالة مولودة للذات لا نهاية لها.‘‘
وبما أن الحداثة حالة ولادة للذات فإنه لا بد من التمييز بين الذات والفرد والشخص، من أجل أن تكتسب الولادة جوهرها بوصفها صيرورة وجودية وحضورا كثيفا في الزمن الحاضر وخارجه، لأنها انفلات من الاكتمال إلى اللااكتمال، واختراق لما هو بيولوجي وذهني وروحي. فمفهوم ((الحالة)) متعدّي للزمنية، بإبدال مقاساتها، وذلك نتيجة قابليته للتجدّد والتحول. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التاريخية والمعنى بوصفهما دالين على إنجازات خطابية مفردة ومستقلة تسندهما فرضيات ومصادرات خاصة. وفي هذا المقام، يلتقي تعريف الحداثة بتعريف الشعرية التي تقوم على أساس ((الاشتغال)) القائم حسب تفاعل العناصر التكوينية داخل النسق. وإبراز درجة حضور مكون من المكونات: مستوى التركيز عليه وطبيعة العلاقات بينه وبين باقي المكونات. وطريقة الاشتغال المغايرة هي سبب اختلاف الممارسات الأدبية، وتباين أوضاعها التاريخية تبعا لدرجة اشتغال المكونات على نحو مغاير للوظائف المنوطة بالمكونات في الإطار الأجناسي العام، أي توجيه الاشتغال فيما وراء المنجز المتحقق، بخلق أنساق جديدة. والشعرية هي العلم الذي نكتشف بواسطته النسق، بإبراز المكونات، وتحديد طرق اشتغالها، ودرجة حضورها من حيث القوة والكثافة. وتأسيسا على ذلك، نتساءل عن طبيعة بناء المعرفة في الشعرية. إن الأساس، في تقدير هنري ميشونيك، هو رصد كيفية اشتغال الأدب، فموضوع الشعرية هو تحديد أوضاع اللغة، أي تأمل الانجازات اللغوية المفردة بغية كشف الرهان الكتابي: ’’إن الشعرية، بادئ ذي بدء، هي دراسة اشتغال الأدب، مرورا بمعرفة أوضاع اللغة، والاستراتيجيات والرهانات التي تستند إليها. ومن ثمة، تصبح شعرية للمجتمع، وشعرية للحداثة أيضا.‘‘
فخاصية التعدد والاختلاف بين الممارسات الكتابية، هي الخلفية التي تحكم هذا الطرح الإشكالي الذي تنكشف بعض أسسه، من خلال الانتقال من الشعر إلى القصيدة، بوصفها نسقا بنائيا لغويا، ووضعية لغوية خاصة؛ هي خلاصة رهان/ رهانات صريحة أو مضمرة. إنها، بمعنى ما، ولادة للذات. وإضفاء معنى عليها هو خلاصة الاشتغال باللغة وفيها، لأنها المسلك لتشكل الذات، واكتمال صورتها. ولذلك، يؤكد:’’يتعلق الأمر، دائما، بالقصيدة. وفي القصيدة يتعلق الأمر بالذات، بمعناها وتاريخها استعاريا.‘‘
والمجال الجديد الذي يحكم الحداثة، في هذا التصور اللامكتمل بطبيعته، محكوم بالانفتاح بشكليه: الأكبر لتتوحد بالحياة، وبالحاضر في حركتهما الحية والدائبة؛ والأصغر لتغوص في أعماق الذات فاتحة الأبواب للقاء الذوات، وتنافذها، عبر الرغبات والهواجس، والآمال، والطموحات. ويدفع هذا الانفتاح إلى مساءلة الذات أمام تضخّم الرسائل الواقعية والمتخيّلة. الأمر الذي يفرض نقد سيناريوهات الأحداث والوقائع التي يرتهن بها مصير الأفراد والجماعات والأمم؛ وتجريب أشكال ناجعة للانفلات من السلط السياسية والمؤسسية. وبناء على ذلك، فإن الحداثة انفتاح على الحياة والذات. وذلك الفعل، في الحقيقة، فعل مقاومة وصراع، من أجل ابتكار طرق لغوية وحياتية، تمثل بدائل لأنماط مغايرة في التفكير والإحساس والإنصات:’’الحداثة هي الحياة، مقدرة الحاضر، ما يجعل من ابتكارات عملية التفكير، والإحساس، والرؤية والسمع، ابتكارا لأشكال حياة.‘‘
وتحسن الإشارة إلى أن الانشغال الأساس في مشاريع الحداثة ينصب على الذات، حيث إن قيم الحرية والإقرار بالتعدد والاختلاف أصبحت من الأوليات من أجل مقاومة أشكال التوحيد الفكرية والأدبية والسياسية، والتصدي لطرق البرمجة: خلاصة العقلانية التي توجت بالمجتمع التقني: ’’حداثة الذات هي التي تمنع، ربما، جماعية التحول إلى برمجة الشخص.‘‘
ومن هنا، فالانشغال بإشكاليات الحاضر، والرهان على المستقبل، عبارة عن طرح مختلف لرؤيا مغايرة لأوضاع الذات واللغة والمجتمع. وضمن هذا الإطار، يميز هنري ميشونيك، بين تصوره للحداثة، والتصورات السابقة، سواء منها الأدبية أو الصناعية أو السياسية: ’’الحداثة مستقبل الحاضر، أقابله بحداثة أخرى تلك التي أقيمت من تاريخ الفن الحديث.‘‘
ولعل الحرص على انفتاح الشعرية، وتشكلها المستمر، دال على عدم اكتمالها، لأن الاكتمال موت. والضامن، في تقديرنا، للاستمرار والتجدد، هو النقد، بوصفه اختيار تساؤل ومساءلة، واستراتيجية ورهانا جديدين، وولادة لأوضاع لغوية، وتاريخية للذات مغايرة. فالنقد وقفة متزامنة مع الكتابة، أو تالية لها، تروم تفكيك النسق من الداخل، وتأمل المكونات، المضمرة والمعلنة، بغرض اكتشاف قوانين اشتغالها. ولذلك فإنها تتجدد من الداخل، وتلك علة رفض اعتبار الحداثة حركة، لأن هذه التسمية إعلان عن اكتمال مشروع جماعي كتابي منغلق. فضلا عن استنادها إلى أصول جمالية عامة مشتركة لا تلبث تتأطر في سياق تاريخي، وتصب في قوالب جاهزة، بل إنها قد تتصل في زمنها بـ((الموضة)). ولهذه الأسباب، يؤكد:’’إن الحداثة، تحديدا، ليست حركة مثل الدادائيةDadaisme أو الصورية imagisme .‘‘
الحداثة، في تقدير هنري ميشونيك، مطابقة للشعرية نظرا لطبيعة القوانين المشتركة. فموضوع الشعرية هو: دراسة كيفية اشتغال الأدب، وعملية الاشتغال حالة ولادة للنسق في الخطاب بواسطة اللغة. وبما أن الدال الأكبر في الخطاب هو الإيقاع الذي يبرز وضعية الذات ومعناها وتاريخيتها، فإن الحداثة هي صلب الكتابة التي تخلق في إطارها أشكال معنى وأشكال حياة. وبناء على ذلك، تتميز عن المعاصرة لانبناء الأخيرة على الأساس الزمني: الحاضر الذي لا يلبث يصبح حاضرا ماضيا، علما بأنه قد ينفلت من المعاصرة ما هو حديث مجاوزا البنية الزمنية.
وإذا كان ينفي أن تكون الحداثة حركة، فإنه يبحث العلاقة بينها وبين السوريالية. مما يدل على أن الوضعية مختلفة، لأن أطروحاتها النظرية، وممارساتها التطبيقية، ومنجزها الكتابي المتنوع، مدرج في صلب ثورة عارمة، من أجل فتح أبواب الحداثة على مصاريعها. ومن ثمة، فالدرس السوريالي، ركيزة أساسية في مشروع الدفاع عن الشعرية: ’’ليست الحداثة حركة، ولا ينبغي أن نخلطها مع أي من تلك التي نقوم بإضاءتها، الحداثة نقد، ينقل إلى نقد الحداثة ذاتها، إنها استفزاز.‘‘
وتجدر الإشارة إلى أن دفاع هنري ميشونيك عن الشعرية وعن الحداثة ينبني على أساس نقد نظرية العلامة. وقد تصدى لهذه المسألة في كتابه العلامة والقصيدة Le signe et le poème . وعن سؤال النشأة: متى بدأت؟ يؤكد بأن لها بدايات متعددة، انسجاما مع طبيعة التعريف المقدم لها. فهي حالة مولودة باستمرار، وانبثاق متجدد دائما. ومن هذه الزاوية، فتعدد البدايات يعني تعدد المنافذ والمسالك والاستراتيجيات والرهانات، لأنها، في نهاية المطاف، حركية متعددة الأوجه والظهورات. فالحديث قد ينصب على حداثة صناعية، أو سياسية، أو اجتماعية أو كتابية. ولكي يبرز اختلاف التصورات، يتوقف عند الحداثة الأدبية ليقابلها بمفهوم الحداثة عند بودلير:’’تبدأ الحداثة الأدبية مع ما كان سارتر يسميه جيل سنة 1850. هذا الوسط من القرن 18. اللحظة التي يعي فيها الفنان تبعيته للقيم المهيمنة للثقافة البورجوازية. 1857: أزهار الشر، والسيدة بوفاري. غير أن هذه الحداثة ليس لها نفس معنى حداثة بودلير...‘‘
حداثة بودلير المقترنة بالحياة هي التي يستند إليها ميشونيك، في دفاعه عن الشعرية والحداثة في نفس الوقت. فيتصدى، نتيجة لذلك، لأعوص القضايا الراهنة: قضية المعنى. فيسجل، في البداية، الوعي بأزمة المعنى، الأمر الذي يفتح المجال أمام أسئلة جديدة، من قبيل: أ يوجد هناك معنى أصلا؟ أيعتبر سابقا أم لا حقا لفعل التلفظ ؟ كيف يتوصل إليه عقليا أم قلبيا؟ ما الفرق بين المعنى، المؤطر، والمعنى الذي هو في طور التكون؟
المصادرة المركزية التي يرتكز إليها، ضمن هذا الإطار، هي أن الحداثة حقل لاشتغال المعنى. وتتفرع عن ذلك، فرضية تشكل المعنى في الممارسة النصية، المحكومة بمبدأ التفاعل بين المكونات. وبناء على ذلك، يمكن أن نفهم كلمته التالية:’’بالنسبة لأي تاريخ، أو أي حد، أو أيّ استراتيجية أو رهان، الحداثة حقل لاشتغالّ المعنى. ليس له، ربما، نظير ما. إنه، في كل مرة، كتابة أخرى للتاريخ ـ لم نعد الآن، نعرف إن كانت هي كتابتنا نفسها.‘‘
وفي سياق منهجية محكمة، ينتقل من قضية النشأة إلى قضية الموطن، يقوّض من خلالها، وبطريقة ذكية، مقولة المركزية الغربية، فيؤكد، بداية: ’’أن الحداثة تنطلق من الغرب وترجع إلى الغرب.‘‘
ويحيلنا هذا الطرح، على التو، على مفهوم الغرب وعلاقته بالشرق، بشقيه: الأوسط والأقصى. علما بأن المقولة يمكن أن تستند، بشكل من الأشكال، إلى نجاح المشروع النهضوي، ومنجزات الثورة الصناعية التقنية، التي تمخضت عن مرحلة الانتقال من القرون الوسطى إلى عهد التنوير، الذي انفتح على العقلانية في الفكر والعلم، والسياسة، والمجتمع. وهذه الحداثة العقلانية، هي التي يمكن أن تنعت بها المشاريع السابقة، الملتقية، في بعض مظاهرها، مع ما يدعى بـ((حداثة هابرماس Habermas)), بل إن أطروحاته ومقدماته تتوخى المحافظة على الحداثة التي أنتجها عصرالعقل. وفي مقابل ذلك، يتعرض ميشونيك لحداثة أخرى هي حداثة ميشيل فوكو Foucault التي تنبني على أساس النقد: نقد البنيات المجتمعية، والمعرفية، والجمالية القائمة على أساس العقل. وعلى المستوى الأدبي، يمكن التأريخ لحقبتين كبيرتين: حقبة ما قبل بودلير، وحقبة ما بعده. حيث إن المسار الحداثي الأخير، اتخذ، بطبيعته أشكالا متعدّدة، وأزمنة مختلفة، نظرا لاقترانه، في نهاية المطاف، بالكتابة، بوصفها مشروعا رؤيويا مستقبليا، واشتغالا خاصا باللغة وفيها: ’’أي موطن هو مكان لزمن ما، وزمن الحداثة زمن متناقض.‘‘ ولذلك:’’ ليست الحداثة محلية، وليست حداثة مكان وحيد، لم تكن العاصمة باريز حديثة إلا بالقدر الذي كانت فيه مدينة جامعة لأجناس مختلفة: معبر الحداثة. ‘‘
وعلى هذا الأساس، فالحداثة عالمية: موطنا ونشأة؛ لذلك، فالمسارات التي تتخذها القضايا المنبثقة عنها، تتعدد مدخلاتها، وإن كانت تجهل مخرجاتها. كما هو الشأن، بالنسبة لقضية العلاقة بين الحاضر والماضي، والتي يحددها ميشونيك في العلاقة بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ والمختلفة من حيث الطبيعة والتاريخ في الثقافة العربية، حيث يمكن الحديث عن علاقة ما سمي بعصر النهضة الذي مني بالفشل، وما سمي بعصر الانحطاط، أو بين العصر الحديث، وفترة الازدهار الحضاري في العصر العباسي. الأمر الذي طبع الحقبة التاريخية برمتها، بالصراع بين النماذج التحديثية: التراثية والمعاصرة والحداثية، تزامن مع أشكال وعي الذات، وصيغ الانفتاح أو الانغلاق على الآخر الذي دشّن لقاءه بالحملة الاستعمارية، وما نجم عنها من أوزار رهيبة.
وإن نحن اقتصرنا على المجال الأدبي، فإننا نسجل اختلاف أشكال العلاقة: الاتصال أو الانفصال عن الماضي. فإذا كان هنري ميشونيك يشير إلى أن مسألة رفض (( الوزن)) لم تطرح في الأدب الروسي بنفس الحدة التي طرحت بها في الأدب الفرنسي، فبمقدورنا أن نضيف بالنسبة للشعر العربي أنها اكتست شكلا أكثر تعقيدا، وأشد التباسا بالنظر إلى سلطة التقليد وهيمنة نظرية عمود الشعر على الممارسات النظرية والتطبيقية الشعرية القديمة بل وحتى الحديثة منها، أو بالنظر إلى أشكال اللقاء بالتجارب الشعرية الحداثية العالمية: الانجليزية والفرنسية على وجه الخصوص. وقد ظهرت بعض مظاهر الالتباس في مسألة التسمية (( الشعر الحر))، وهو ما لا يطابق طبيعة التجديد المتحقق في الخمسينات من القرن الماضي، مما فتح المجال أمام تسمية أخرى هي (( شعر التفعيلة)). وبناء على ذلك، انحسرت مسألة الإيقاع في الوزن الذي تمّت المحافظة عليه مع مرونة في توزيع التفاعيل داخل البيت الشعري، فتفاوتت، نتيجة لذلك، أعدادها من بيت لآخر. الأمر الذي عنى أن العلاقة بالقديم والحديث خيمت عليها روح المحافظة. وتلك، بلا ريب، خاصية تمثل إحدى العوائق في الحداثة الشعرية العربية. علما بأن الحداثة كما يؤكد: ’’تظهر (الحداثة) بوصفها وظيفة العلاقة بالماضي، وبشكل خاص مع الماضي المباشر. ففي القرن العشرين هي وظيفة العلاقة بالقرن التاسع عشر. وهذه العلاقة لم تكن واحدة لا حسب المكان ولا حسب المادة. ففي روسيا لم يرفض علم العروض الكلاسيكي كما حصل في فرنسا.‘‘
ويفيدنا المدخل الحداثي والشعري المتكامل في نقد المنجزات الشعرية العربية الحديثة: تنظيرا وممارسة، لأن الأساس الذي تستند إليه، والمتمثل في أسبقية الإيقاع يضيء كثيرا من قضايانا وإشكالياتنا الراهنة. فكشف كيفية اشتغال اللغة داخل النسق هو اقتراح نظري أصيل ومحدّد بما يكفي من الدقة والصرامة العلمية، ما يزال يتشكل من خلال الدراسات والأبحاث المنجزة والمحتملة. إنه النقد والبناء لا يفتأ يتجدد نظرا لانفتاح الشعرية التي يدافع عنها، والذي توج بنقد صارم لنظرية العلامة، في أصلها اللساني ابتداء من فرديناند دو سوسير وطرحه الثنائي: الدال والمدلول، ومفهوم الاعتباطية، إلى اكتشاف ظلال هذا الطرح في الأبحاث اللسانية اللاحقة، ليخلص إلى أن العلامة تقوم على أساس ثنائي يرجع إلى أصله الأرسطي الميتافيزيقي، متتبعا الخطابات الفلسفية المثالية والعقلانية والذرائعية والفينومينولوجية والتفكيكية، فضلا عن الخطابات السياسية الاشتراكية والليبرالية، وفق رؤية نقدية تركيبية تكاملية، يتفاعل ضمنها الفلسفي والسياسي واللساني..
وفي سياق اكتشاف الخطابات اللسانية: رهاناتها واستراتيجياتها، يتوقف عند إميل بنفنست Benveniste الذي ركز اهتمامه على وظيفة ضمير المتكلم في الخطاب، فاتحا المجال، على حدّ تعبيره، لأول مرة لنظرية الإيقاع. وبذلك يكون قد تجاوز مفهوم العلامة، وأساسها الاعتباطي إلى أساس مغاير يتمثل في التدليل Signifiance بوصفه علاقة ضرورية وليست اعتباطية بين الدال والمدلول.: إنه دال ذات ما، دال هنا اسم فاعل لفعل دلّ، لا آخذ المصطلح بالمعنى اللساني الشائع ((صورة سمعية)) كما يقول سوسير، ولكن أستخدمه بالمعنى الذي يعتبر فيه، ضمن إطار الشعرية، موزعا للتدليل، يتجاوز العلامة والمعنى المعجمي للألفاظ، بواسطة أفعال التجميع مع دوال أخرى.‘‘
ويفسر لنا ربط الحداثة بإشكالية الذات، المكانة الخاصة لحداثة بودلير في هذا التاريخ المتناقض، لأنه عمل على تمتين الروابط في الكتابة المغايرة بين الذات واللغة. والواقع أن مهمة الذات الجديدة هي ملاحقة المجهول، لذلك من اللازم اللازب كشف هذه المغامرة التاريخية من خلال الإيقاع، وليس من خلال المحتوى ومقولات الجدة التي تجد إجرائيتها في تصورات المعاصرة لارتباطها بالزمنية، علما بأن مقاومتها تاريخيا قد يعتريها الوهن، خصوصا بعد انهيار أحلام الحقبة العقلانية.
وملاحقة المجهول، هو الطريق الذي فجّر أزمة المعنى، ابتداء من تعدي معاني الألفاظ الاصطلاحية، وتوليد المعنى، بواسطة التفاعل بين المكونات البانية للنسق، إلى تحرير صيغ التفاعل بين الإرادة واللاإرادة، والوعي واللاوعي، ولذلك، فإن:’’الأزمة هي الشرط نفسه للمعنى الذي هو في طور التكون، ذاتيا واجتماعيا، عندما يتم توقيفه يظهر بوصفه ملفوظا تاما.‘‘
وبمقدورنا القول، اعتمادا على الآفاق الحداثية ورهاناتها الجديدة، أن الديوان / الكتاب الشعري هو ولادة جديدة للحداثة تفتح جبهات متعددة للمواجهة والصراع، مع التقليد بأشكاله القديمة والحديثة، محققة انقلابات في الأدب والحياة؛ والذات بإعادة تشكيلها، ومع الآخر النقيض في الأحلام والرؤى: فردا وأسرة ومجتمعا. وهذه المواجهة تتجسد على أكثر من مستوى من مستويات الكتابة: مستوى البناء المقطعي، والنفس الملحمي، وتقنيات الحكي، والمونولوج والحوار، والتداخل الأجناسي، والمزج بين الشكل الكتابي الحر والشكل الكتابي النثري، والكتابة الشذرية الحكمية. إنها، بحق، فسيفساء نصية وأنساق بنائية تتمرد على الانتظام والرتابة القوالبية، لأنها خلاصة لتجربة هجرة نحو الأقاصي والأبعاد بكل ما تحبل به من مخاطرة ومجازفة.
الكتاب الشعري، بهذا المعنى، اشتغال مخصوص على اللغة في وضعيات تؤسس لفعل شعري مختلف في سماء الحداثة الشعرية باعتبارها رحما لولادة جديدة للذات في الخطاب. سوف نقف لاحقا على بعض تجلياتها. ومن هنا فالكتابة التي نحن بصدد مقاربتها وثيقة الصلة بالحياة، وبالمنابع الوجودية الصافية. هي، بجميع المقاييس، بذرة تنمو في تربة ومناخ الحاضر، بنجاحاته وخيباته. وذلك هو مصير الشعر الحداثي الذي يصادم ولا يصالح. بهذا الوجه الصدامي النقدي، يكون المسار نحو المستقبل هو الانشغال الأكبر في هذا العمل المختلف، لأن الفعل الشعري يقاوم كل حصر أو تثبيت. فما يؤسسه من الداخل هو النقض الدائم لشكل تحققه السابق. وهذه الخصائص تسهم في تهييء طقوس جديدة لبداية مغايرة تمحو ما سبقها بلا انقطاع.

الكتابة بوصفها أفقا حداثيا

لا بأس، أن نتوقف لنشير إلى محاولة جاك دريدا التفكيكية التـأسيسية لأنظمة الخطابات حول اللغة، والكشف عن ميتافيزيقية الثقافة الغربية. فالثنائية المركزية: الكلام ـ الكتابة، بتفريعاتها الفلسفية، ومسلماتها النظرية وتطبيقاتها، تمثل الأصل الموجّه لحقبة تاريخية بمجملها؛ احتلّ فيها الكلام مكانة وسلطة مقابل الكتابة التي تقلّصت وانحسرت إلى حدّ كبير. وهذا الامتياز، يرجع، في تقدير جاك دريدا، إلى الصوت وعلاقته بالجانب التجريدي وبالروح. ولهذا وقف عند الطرح الهوسلري (نسبة إلى هوسلر)، ليبرّر تصوره للغة بأسبقية الكلام في ارتباطه بالروح. الأمر الذي نجم عنه أسبقية (( الكتابة الصواتية))، وبناء على ذلك، إن: ’’ميتافيزيقية الثقافة الغربية، للكلام على حساب الكتابة، لما يعتقد به من ارتباط الأول بالصوت (التعبير المباشر عن الروح) وبالنفس الذي يحيله إلى الصميمية وإلى الوعي. (...) هوسلر ((الحقيقة كامنة في الكلام الجواني أوالمناجاة الذاتية (الصوت المتوحد للروح) والذي يستطيع المرء أن يسمع فيه كلامه فيما ينطق به.‘‘
ومن ثمة، هيمنت المادة الصواتية، التي تعتبر أصل فكرة العالم، على النحو الذي يتحقق في المقابلة بين ما هو في العالم، وما ليس فيه. ولهذا تتوسع دائرة التفاعلات بين ((الدال)) و((المدلول)) و((المرجع)). وهنا، يؤشر على الوظيفة الما فوق لغوية، بإدراج الحياة والتاريخ، والوجود في صلب العلاقة التفاعلية بين الصوت والروح. وذلك ما يتجاوز النظرة القديمة التي تقدم الكلام على الكتابة، على النحو الذي يبرزه دريدا، بقوله: ’’كانت هذه الحركة تجد غايتها في الإبقاء على الكتابة في حدود وظيفة ثانوية أو أدواتية: مجرّد ترجمان لكلام مليء، وحاضر بامتلاء (حاضر إزاء ذاته ومدلوله، وإزاء الآخر، شرط موضوعة الحضور بعامة)، وتقنية موضوعة في خدمة اللغة وناطق بلسان [ حامل porte parole] ومؤول لكلام يفلت هو نفسه من قبضة التأويل.‘‘
ويخلص إلى أن هذه المعادلة التفضيلية عبارة عن ((مغالطة))، لأن مفهوم الكلام المتعالي، يحصر مجال الكتابة في نطاق وظيفي، أداتي وتقني ضيّق، تبعا لطبيعة الميتافيزيقا المؤسسة على ((اللوغوس))، وقد نجم عن ذلك، تخصيص نمط من الكتابة، هو الكتابة الصواتية المرسومة الحدود. وفي هذا المعنى، يؤكد: ’’وإن هذا النمو، مضافا إلى تنامي إثنولوجيا الكتابة وتاريخها، إنما يعلمنا أن الكتابة الصواتية التي هي الوسط [ الذي تحققتا فيه] مغامرة الغرب الميتافيزيقية والعلمية والتقنية والاقتصادية الكبرى، تظل، أي الكتابة الصواتية، محددة في الفضاء والزمن، وهي تحدد نفسها بنفسها في اللحظة المشخصة التي تفرض فيها قانونها على المجالات الثقافية الوحيدة التي كانت ما تزال تفلت منها.‘‘
ولا ريب أن الموقع الخاص للخطاب الهيدغيري، في هذا السياق المتعلق بتاريخ التفكير الغربي في اللغة، ذا منازع تقويضية تدميرية، يتقدمها همّ تقويض ((اللوغوس))، وتحويل النظر من مسألة العلاقة بين اللغة (( دلالة)) والوجود، وتأمّل الإشكالية فيما وراء الطرح الميتافيزيقي التقليدي، بالتركيز على اللغة الجوهرية، والتفكير في طرق تحقيق الوجود الأفضل، وأشكال تصور الكلام الأصلي.
والملاحظ أن دريدا يربط ربطا جدليا بين فترة الميتافيزيقا المهيمنة على الفكر الغربي، وبين التمييز بين الدال والمدلول. ومن هنا، يتجذر الترابط بين الثنائيات: الصوت والروح. على الرغم من التحول الأساس في مبحث: كيفية إنتاج ((الدال))، وشكل التراتبية بين الدوال، وصيغ الربط بين الدال الأول وبقية الدوال: ’’يعود التفريق بين الدال والمدلول ضمنيا، وفي العمق إلى الحقبة الكبرى التي يغطيها تاريخ الميتافيزيقا، وبصورة أكثر جهرا، وبتمفصل أكثر منهجية، إلى الحقبة الأقل امتدادا، حقبة [ نزعتي] الخلق اللانهائية المسيحيتين عندما سيطرتا على مصادر المفاهيمية الاغريقية.‘‘
إن الأسئلة الهيدجيرية، أسئلة جوهرية تطرح، ضمن إطارها، مسألة الكتابة طرحا جديدا، يؤطره هاجس التوحد الوجودي، وزعزعة جذرية لعلم اللغة، تبعا لصيغ عمليات الاستحضار: (( مبدأ الموت والاختلاف في سيرورة الوجود)) وطبيعة ((الصوت الأساس)) المستحضر في انفتاحه، ولا تحدّده. وعلى الرغم من ذلك، يخلص جاك دريدا إلى أن موقف هيدجر من ((ميتافيزيقا الحضور)) ومن ((اللوغوس)) هو موقف ملتبس، نظرا للقطيعة بين ((صوت الوجود)) الصامت و((صوت اللغة)) المنطوق. وهذا الوضع، يلقي بالمعنى في آفاق لا نهائية؛ ما دامت الارتباطات بين الصمت والنطق، أي بين الصوت العميق، والصوت المصوت، لا تتحقق من خلال عملية التصويت العضوية،لأن صوت الوجود بوصفه تجربة تأملية، مؤسسة وفق المعرفة والإرادة، هي، في الأصل، تجربة ظلامية، لأنها عبارة عن ارتماء في هاوية لا قرار لها. وذلك ما يبينه بقوله: ’’هكذا بعد استحضاره صوت الوجود يذكرنا هيدجر بأنه صامت، أخرس، لا صوت له، ولا كلمة، وأنه، بالأصل، عديم النبر ((إن كلام الينابيع ليس يسمع))، قطيعة بين المعنى الأصلي للوجود والكلمة، بين المعنى والصوت الممفصل، مثل هذه القطيعة التي تؤكد على استعارة جوهرية، وتضعنا في الوقت نفسه تحت طائلة الشك بتأثيرها على انزياح المجاز، إنما تترجم جيدا التباس موقف هيدجر من ميتافيزيقا الحضور والتمركز اللوغوسي.‘‘
واستنادا إلى التمييز بين الوجود والكائن، وعمليات كشف طيّات الوجود من خلال اللغة، تتعرض الثنائية اللسانية المتعارف عليها، دال ـ مدلول إلى الارتجاج، مؤكدة سلطة الدال، وانمحاء الهوة بينه وبين المدلول، مما يشكل انقلابا في تصور ((العلامة)) المبنية، أساسا، على هذين المكونين. وبناء على فعل التجاوز والانفتاح، يخلص دريدا إلى ما يأتي:’’ هذا يرينا جيدا، أنه، جوهريا، لاشيء يفلت من حركة ((الدال)) وأن الفارق بين الدال والمدلول هو في خاتمة المطاف لا شيء.‘‘
تعدي الكتابة الصواتية، إذن، هو تخطّي فترة ميتافيزيقية برمتها، وردم للهوة التي حفرتها العلاقة الاعتباطية، ليصبح المعنى مؤسسا على تراكبه، وانبنائه في تفاعله مع الصوت: ’’إن ما يظهر عبر الكتابة نفسها، في لحظتها غير الصواتية، هو الحياة، وهي تحدد في الأوان ذاته النفس والروح والتاريخ بما هو علاقة للروح بذاتها, إنها نهاية هذه الأشياء تناهيها، شكلها.‘‘
وفي البؤرة المنشقة إلى جزءين في أصل التشكلات الحلزونية للعالم والقصيدة، في اتصالهما وانفصالهما، والتكوينات الداخلية في الطورين على حد سواء، عند تأمل كينونة القصيدة وكينونة العالم، أو رصد بعض الأحوال أو التمثلات، كما يفضل الشاعر سيف الرحبي تسميتها، عندما يقارب أوضاع الذات ورحلاتها نحو مجاهلها في الكتابة والعالم: ’’تمثل القصيدة هو تمثل للعالم والأشياء والموجودات في راهنها وحركتها المرتبطة بتاريخ وذاكرة، بشكل صريح على نحو ما، أو مضمر في جسد النص وثناياه...‘‘
ولا مناص من التمييز، ضمن هذا الإطار، بين كتابة معيارية ترتهن إلى التقليد والمحاكاة، وكتابة حداثية متطلعة إلى المستقبل. فالكتابة المعيارية عمادها رؤيا سكونية للكتابة والوجود، تستند إلى المنجز السابق، وترهن الراهن بالماضي بأحماله وأعبائه القاهرة. تمحو الذات لتحل الصوت الجمعي محلها، لأن محركها المذهبية والمطلقات الميتافيزيقية. الفعل الكتابي في فلكها صدى وترديد لمسلماتها، ما دام الإخلاص للثوابت والأصول ركن من أركانها. فالمسالك مأمونة والدروب معبدة. والأزمنة تتناسل في دوائر مغلقة وتصورات سلطوية وحيدة أبدية.
ولم يكن لتاريخية القصيدة الحديثة أن تتنكر لإرثها التاريخي ومنجزات أسلافها، في مغامراتهم الأولى، وأفعالهم التأسيسية العظيمة، بل كان قتلها للأب أحد المهام الضرورية لتخطي التقليد، والسير على المنوال، وترسم خطى الآخر. قتل يوازي إصرارا على الحياة والكتابة، وتجديدا للبدايات إلى ما لا نهاية. فالأزمنة الحديثة قلبت رؤيا الوجود والإنسان رأسا على عقب. الإنسان أصبح وجها لوجه أمام الفراغ ، عاريا بعد نكسات التقنية والعقلانية، وما أسفر عن ذلك من خيبة آمال، وانهيار قيم العدالة والمساواة والأخوة، وتوالي انتكاسات رهيبة، وقيامات أرضية متعاقبة. فمن تحت أنقاض الماضي ورعب الراهن، انطلقت الذات نحو مجهولها، بما يخلصها من العبودية والتقديس، ويفتح أمامها آفاق البحث والمغامرة، متوسلة بالشعر مقرونا بالتأمل والسؤال التجاوزي المقلق الصدامي بالضرورة. وعندما تنصت الذات لأصواتها، وتلبي نداءاتها الخفية، تنكشف لنفسها، فيما هي تكتب وتنكتب في اللغة وبها. محو وكتابة يضمنان الاستمرارية في القطيعة، والبناء في الهدم، والإيجاب في السلب. ولعل هذا الإبدال المركزي، هو الذي حدا بهنري ميشونيك إلى استبدال أولوية العلامة، ونقض خلفياتها الثنائية الميتافيزيقية في اللسانيات والسيميائيات والتأويلية، وبناء الشعرية المفتوحة على أساس التفاعل بين الدوال النصية خارج المفكر فيه والإرادي والقبلي. ومثل هذا التصور الانقلابي في الشعر والقصيدة يسمح ببناء أشكال – معنى، تتمخض عنها سيرورات تذويت، تتمايز ضمنها أوضاع الذات عن الأنا وعن الشخصية وعن الفرد. جدلية حوارية تسهم فيها الأصوات: الشاعر والقصيدة والتنظير، لترسيخ مغامرة الذات في الكتابة كشكل من أشكال الانفتاح والتمظهر الوجودي خارج الكوجيطو الديكارتي. وذلك ما استبطنه الشاعر المنظر الباحث، عندما أخلص لنداء الجسد والرغبة والقصيدة في جموحها، وانفلاتها من المعيارية والمونولوجية.
وعندما نعود إلى القصيدة، وننصت على الخطابية وهي تعيد لغويا بناء واكتشاف وجوه الذات، مستبقة مجالات بحث طليعية، ندرك مكانة المعرفة التي هي في طور التشكل، مثلما يخلص إلى ذلك هنري ميشونيك: ’’ضاعف الشعراء هنا الحدوسات النظرية. وكانت ذات الكتابة قد حذرت، قبل التحليل النفسي ومنظري الافتراض، بأنها ليست ذاتا إلا بمقدار كونها غير ذات. من نرفال أنا هو الآخر إلى رامبو ليست الذاتية أنوية، وليست الخاص، وليست الأنا. إنها القابلة للتبادل.‘‘
هناك، بلا شك، اختلاف بين سيرة الذات في الواقع أو ما يمكن نعته بالشخصية، وبين أوضاع الذات في الكتابة وفي القصيدة حصرا. هناك حيث وطأة اليومي وعنف المعتاد والمألوف والمبتذل والمكرور وسلط الترويض والتدجين تتشكل الأنا وفق المؤسسة: الأسرية والاجتماعية والدينية والقبلية والعشائرية السياسية والعرقية، فتنحو إلى التوازن والتصالح والنمو الذي يعارض الجماعة في مسلكياتها وأخلاقياتها وإرادات المتحكمين في مصائرها وأقدارها. أما في محرق التجربة والمكابدة الشعرية، فتتشكل الذات في الخطاب من خلال الإيقاع منتوج الشكل والمعنى، كما تحدد كتابة وتنظيرا في شعرية الإيقاع. وبهذا الوعي الانقلابي، تتشكل المشاريع الحداثية الشعرية بوصفها ولادات متجددة دوما، ونهج صراع مستمر لا تحيد عن حكمه الكلمة التالية: ’’كونها لحظة ارتطام بالذات وتشظيها وشتاتها في الوقت نفسه، الذي هو ارتطام بالمحيط والعالم والأشياء مهما توهم الشعر في اجتراح القطيعة والانفصال، تظل تلك العلاقة الصراعية والمتوترة بين التاريخ على صعيد التفاعل والتواصل الإبداعيين.‘‘
وبالنظر إلى الغائية الوجودية الأصل من أفعال الكتابة ومحفزاتها وإرادة التثبيت والقبض على المنفلت والهارب، أي مقاومة المحو من خلال الرسم والخط، ومن خلال الإفصاح والإفشاء والامتلاك والتداول، وملء الفراغات، وترصيص الثقوب والتصدعات، نتيجة ارتجاج الوسائط بين الكينونة والزمن تتأسس الأفعال حسب منطق الصراع والهدم والبناء. أو لم يقل هيدجر، في ذروة افتتانه بشاعر الأعماق هولدغلين: ((ما تبقى يؤسسه الشعراء)). فمن عنف التجربة ولهيبها يعلن الشاعر الحضور والإقامة على الأرض، مراهنا على احتمالات، لها ما لها من إغواء وجنون وافتتان، وقدرة على الاستحضار والتمثل، حتى وإن لم يطابق ما انصرمت عراه، فإنه يقاوم موته واندثاره، من خلال نقصانه ولا اكتماله، لما تغور جروح المكان، وتتعالى صرخات العابرين، وتسيطر على الذات شهب الذكرى والحنين، عندئذ يتنامى الوعي بمحفزات الكتابة ومسؤولياتها، ذلك ما خبره الشاعر سيف الرحبي عندما أشار إلى الدوافع الكامنة وراء الفعل الحارق والمحرق: ’’وصار الغياب القسري أو في شكله الاختياري المرير، هو المحرك الأساسي للمخيلة الشعرية والكتابية: غياب الأوطان الأولى غياب العائلة. غياب الأصدقاء غياب الحب. غياب الطفولة، غياب الغياب وانخلاع الوجوه والأماكن وقذفها في المجهول البعيد...‘‘
عندما تتخلص الكتابة من فائض الشكل والمعنى، ودوائر القولبة والمعايير ومقاسات المنطق والحدود والمتوارث والمعهود، وترتهن بالتجريب والإمكان والاحتمال، ينهار تقليد تاريخي عريق أسهمت في استمراره التأويلات المتلاحقة للمرجعية الأرسطية، من تلقاء نفسه، لتقوم على أنقاضه تاريخية الخطابات، وتمايزها تبعا لأوضاع الذات داخلها، وتشكلات الإيقاع فيها. بهذا المعنى الحركي، يفهم ما أطلق عليه الروائي والناقد العربي إدوارد الخراط: ((عبر الأجناسية))، وما يعتمل داخل النص والقصيدة حصرا من هجرات للنصوص من حدود وجغرافيات معزولة، أو أريد لها أن تكون كذلك. وذلك ما يطفو أحيانا على السطح، فيظهر عبر الالتقاط السريع أو التمثل القرائي، أو يهوي إلى القعر فيختمر في عتمة الوجدان والمخيلة، ليولد من رحم التجربة عضوا مشكلا للجسد النصي، في تفاعل مكوناته. ولعل الواشجة الأقوى في اللقاء والتواصل الإبداعي على المستوى الشخصي والجمعي هو النفي والتجاوز وتجديد البدايات والانفتاح المستمر، لأن: ’’سؤال الإبداع الشعري الراهن سؤال إشكاليات متشعبة ومدوخة، تتناسل باستمرار وإلا أصبح عادة روتنية فارغة، من بيروقراطية كتبة حصيفين ومواظبين لكن من غير لوثة أو إطلالة حمقاء على الهاوية‘‘
ومن هنا، فالفرضية الكبرى التي نصدر عنها في هذه المقاربة الشعرية تتمثل في كون الديوان / الكتاب الشعري: ((يد في آخر العالم)) محاولة نصية إبداعية تندرج ضمن إطار الحداثة الشعرية العربية المتقدمة، والتي أطلق عليها مرحلة الكتابة، على النحو الذي أشرنا إليه، في البداية، منبهين إلى تعدّد برامجها ومشاريع روادها. ولعل من بين الأسباب الدافعة لمثل هذه المصادرة ما نلاحظه في الكتاب من مزج بين ما سمي أجناسا أدبية، ومحاولة تجاوز القوالب الوزنية، بتجريب مختلف لأنساق منتظمة بخلاف القوانين العروضية المتعارف عليها، والانتقال من الغنائية إلى اختبار شكل كتابي أكثر صراعا وصداما، بمقدورنا تسميته شعرا ملحميا، يعيد بعث الأجواء التراجيدية في الميتولوجيا الإغريقية والإسلامية. هي مواجهة، مباشرة، مع القدر والمصير الإنساني. وتتضامن هذه الأسباب لتجعل من هذا الكتاب الشعري معبرا من الشفهية الشعرية التي تجسدها الإيقاعات الخطابية المنبرية المهيمنة في الشعر العمودي، وفي الشعر التفعيلي على حدّ سواء، إلى مرحلة الكتابة التي تهدم القوالب الجاهزة لتصبح حالة مولودة باستمرار، أي حداثة على حدّ تعبير هنري ميشونيك.
الكتاب، في تقديرنا، فضاء لاشتغال مكونات نصية إيقاعية وتخييلية، تنفتح على خطابات مختلفة: سياسية، وأخلاقية، ودينية، وميتولوجية. ومحاولة لتثبيت بعض الإشراقات والنبضات الكونية التي تفجأ المسافر في عالم الشهادة وهو يعبرها في مدارات تحتفي كل مرة باللحظة البدئية. ومن ثمة، فحوار الخطابات في الكتاب، هو اللبنة الأساس التي تدعم هذا المشروع الكتابي ليعبر من المحلية التي تبدأ من موطن الطفولة: قرية ((سرور)) إلى الوطن الصغير فالكبير ثم العالم والكون.

التجربة الشعرية ودروب المتاه
يقودنا المدخلان السابقان: مدخل الحداثة بوصفها حداثات، وحالات مولودة إلى ما لانهاية، ومدخل الكتابة الذي حاولنا فيه تحديد بعض مظاهر الانتقال من الشفهية إلى الكتابة إلى الكتاب؛ إلى اختيار منظور قرائي خاص، نراعي فيه طبيعة الأسئلة الجديدة في هذا الديوان / الكتاب الشعري، والتي تتمحور، في تقديرنا، حول العمق الأنطولوجي. وهذا المسار هو انخراط في تجربة حياتية وشعرية، لا نملك سوى أن ننقاد لها، ونلبي بعض نداءاتها الجوهرية، منصتين فيها ومنها، إلى طقس وجودي للقاء فاتن بين الشعر والفلسفة والتاريخ والسياسة.
ثمة علاقة تركيبية تفاعلية بين الفلسفة والشعر، عنها وداخلها تتولد الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحقيقة والمرئي واللغة والمعرفة، وقضايا المعنى المتشكل الوجودي بخاصة. ولا مناص من التمييز، في هذا السياق، بين المباحث العقلانية بتفريعاتها وتنويعاتها، وبين المباحث المجاوزة لما سبقها، فيما يتعدى العقلانية القديمة والجديدة على حد سواء، والمباحث الشعرية الإبداعية والتنظيرية التقليدية والاتجاهات الشعرية الحداثية المناقضة الهادمة لما سبقها فيما ينفتح على أشياء الوجود في صفائها ونقائها الأول، ومحاولة عيش لحظات انبثاقها بحرية وشفافية، بقدر انكشافها تنكشف الذات في سعيها المستمر نحو المحو والانبناء لغويا ووجوديا، نفيا للثبات ونشدانا للحركة الظاهرة والكامنة بعيدا عن المقاربات والتأويلات القبلية. فمسار البحث ووجهة المغامرة هو المستقبل في التباسه وغموضه وانفتاحه على الاحتمالات المتعددة, في خضم التحولات العميقة والانقلابات الجذرية في منظومات القيم، ولا أخلاقيات السياسة والإيديولوجية، وانهيار حصون العقلانية والتقنية، ينوجد الكائن الحر، وجها لوجه، أمام الفراغ، لذلك: ’’ينبغي، في نظر هيدجر، البحث عن حقيقة الكينونة في البنى المعقدة والظواهر الغنية لهذا العالم المتعدد الجوانب الذي يشكل الإنسان جزءا لا يتجزأ منه.‘‘
وأداة الاختراق، ضمن هذا السياق، هي اللغة باعتبارها حاملة إن لم نقل أصل الكينونة في تعالقها مع الزمن، (( فاللغة بيت الكينونة)) كما يؤكد هيدجر.
قلب أساسي في طرائق التفكير، وفي آليات تشكل وانبناء المعرفة الشعرية في التحام مستوياتها الشكلية والتعبيرية، وأنماط التداخل والتخارج بين المرئي واللامرئي، والظاهر والباطن وفق المنطق الكشفي واللقاء الحيوي بالأشياء في العالم. ثمة اتحاد بين الوظيفتين المعرفية والشعرية يحقق القطيعة بين السابق العقلي والمنطقي واللاحق أو بالأحرى المحتمل الكشفي التجاوزي المتجه نحو المستقبل بمفاجآته ومجاهيله ولا يقينياته، بما يسمح بالانفتاح على العوالم الممكنة المتجددة دوما. حركات معقدة تطبع الأفعال الشعرية الحداثية بغية تأسيس الحضور والإقامة على الأرض. ومن هنا، يصبح لأوضاع الذات في القصيدة مكانة الامتياز باعتبارها ((سيرورة تذوت)) مستمرة.
ويفيدنا، بهذا الصدد، الدرس الهيدجيري، إفادة أساسية، لأنه يعلّمنا كيف تتولد الإشراقات الشعرية، لتعانق الصفاء الوجودي، كما يتجلى، من خلال القراءة المبدعة التي أنجزها عن شاعر الأعماق:(( مارتن هولدرلين)). ومن هذا المنظور، تحديدا، نحاول التعرف على طبيعة الروابط بين الشعر والفلسفة في هذا الدرس الحداثي بامتياز. ومن المعلوم أن العلاقة بين الفلسفة والشعر تتساوق مع تصور جديد للغة يتعدى التصور الوظيفي التداولي، عبر نقلات من المعنى المسبق إلى المعنى المتشكل في التجربة الكتابية والقرائية؛ كما يتمظهر في عمليات تأسيس علاقات مغايرة بين الدال والمدلول، من أجل التخلص من الحمولة الدلالية والمعنوية القبلية، أي تجاوز ((التعبيرية))، وانتهاك التسييج الدلالي والنحوي والتركيبي. وفي هذا الطرح الجديد، نقد، ضمني، لمفهوم الاعتباطية السوسيرية، يبرز، في صورته المكتملة، في معارضة الطرح الوظيفي التواصلي للغة، واستبداله بالطرح الكشفي. ويترتب عن هذا الإبدال، تغير لوحدات المقابلة: اللغة ـ الوجود. لم تعد اللغة واسطة للتبليغ، وتسمية الظواهر، بل أصبحت: ((المرأة الحبلى))، و((البيت)) و((الملجأ))، ولذلك فالعلاقة بين اللغة والوجود هي، في وجه من وجوهها، علاقة قرابة ورحم: فـ: ’’اللغة هي((الحبلى بالوجود: BeZug des Seins ))مسكن الوجود Haus des Seins ((ملجأ جوهر)) اللغة الكاشفة بوصفها عملية تلفظية، إنها تحريض ممكن بسيط لمتابعة الطريق، فهي تسمح بولوج الباب الذي فتحها القلق، كما تسمح باكتشاف الحقيقة....‘‘
وتتفرع عن هذا التصور المختلف، إشكالية مركزية داخلية، من صلب اللغة، تتمحور حول الإمكان والاستحالة، بالنظر إلى المقول المنجز، أو المحتمل، وحدود عملية التلفظ والقول. وكل ذلك يتعلق بالممكن قوله، وما يتعذر الإفصاح عنه. وهنا، بالتحديد، يتحقق الانتقال من القول مطلقا إلى القول الشعري، بوصفه تخصيصا، نظرا لما تكتسيه تجارب الشعراء من جدة وأصالة، واستمرارية ولا اكتمال، وملاحقة دائمة لما هو منفلت غير محدد. وضمن هذا السياق الكشفي، يتأسس المفهوم المغاير للشعر، ولماهية الشعراء، فـ’’ هؤلاء الذين يغامرون في عمق الهاوية هم الشعراء، والقول الأكثر (إفصاحا) هو القول الشعري:((الشعر الذي يفكر هو حقيقة طوبولوجية الوجود.‘‘
الفعالية الشعرية، بهذا المعنى، هجرة في اتجاه الهاوية، وعمليات متوالية من أجل الانبثاق والظهور، بغية الاندراج في ((الحضورية)) لأن ((الحوار)) إغراء بحث السير، ومواصلة المشي. وبما أن الوجهة مجهولة، لأنها مغامرة نحو الأعماق، فإن الظمأ هو الذي يحركها إلى النبع الأصلي، علما بأن:’’صورة النبع تعبر، بشكل عجيب، عن الظمأ للينابيع التي تحرق هيدجر، نبع كل شيء، هو الوجود الواحد الموحد. إنه الصمت الذي يجب أن ننصت به إلى الهمس الذي ينتشر بين الموجودات المتعددة...‘‘
ومهمة الشعر المركزية هي كشف طيّات الوجود، إزالة الحجب، بواسطة أفعال التسمية المقدسة. وذلك وجه من أوجه الاختلاف بين المفكر والشاعر، فـ:’’ المفكر يقول الوجود، أما الشاعر فيسمي المقدس.‘‘
ولكن البحث عن المطلق هو القاسم المشترك بين التجارب التي تخترق العالم المحسوس، وتختبر طاقات القلق بوصفه محركا للمعرفة والإرادة. وتحتل التجربة الصوفية، ضمن هذا الإطار، وضعية الامتياز، لأنها تحقق الإبدال الجوهري، المتمثل في ’’تحويل سؤال الفكر إلى معيش تجريبي. وعلى هذا النحو، يتحقق الانبثاق التبادلي من الميتافيزيقا إلى التصوف، ذلك إنه من البدهي أن قضية الوجود، هي قضية الميتافيزيقي بامتياز، غير أن السؤال الوحيد للفكر قد تحول، بسرعة، إلى معيش...‘‘
وما دامت المجاهدة الجسدية والروحية هي المسلك الوحيد في طريق الانمحاء والتوحد، فإن: ’’الموت هو إمكانية عليا للإنية‘‘ وإذا كان طريق الانمحاء هو الذي يكشف الوجود، فتجربة التسامي، بمرقاها المقامي، هي شكل متدرج من أشكال التخلص من الظواهر الحسية، سواء بنسيان الموجود، والغوص في الما وراء، أم بالانخراط في التجربة الليلية:’’يجب المرور بليل الصحراء المطهرة، من أجل أن يرفع، شيئا ما، الحجاب الذي يفصلنا عن الوطن ـ الأم.‘‘ ومن عمق الهاوية التي لا قرار لها، ينبثق الضوء الذي ينير الوجود. وهنا، يتم التمييز بين الضوء السّاتر والضوء الخالص. وهذا المشهد المتجلي ناجم عن الانتقال من حال إلى حال، بعد إزالة حاجز الذاتية وتجريب القفز في الهاوية، وتجاوز التعددية الظاهراتية في طريق الفناء والاتحاد: ’’القفز في الهاوية يسمح ببلوغ أساس وجودنا نفسه: (( فعل وجودنا الخاص)) الذي يخفيه جذر الذاتية الذي يرتمي في الوجود بالمعنى الصحيح للكلمة.‘‘ ومن هذا المنظور، فالتجربة الصوفية باعتبارها مغامرة كشفية وتطهيرا في مدارج المقامات الرؤيوية ينخرط فيها الشيخ والمريد، بدرجات متفاوتة في سبيل التسامي، والتوحد مع المطلق، على الرغم من خصوصيتها وتفردها، سواء في خطاباتها الفردية أم في منظوماتها الفلسفية والوجودية، تلتقي مع غيرها من الفعاليات الفكرية والإبداعية في إقامة الحوار الجوهري الذي يعتبر، في أصله، جوهر الوجود في انفتاحه وإضاءته، والإنصات الحسن إلى أصوات الأعماق والدواخل/ وذلك بـ: ’’تعلم الموت وذلك بإدارة الظهر عما هو محسوس من أجل التسامي إلى حدود الحسن.‘‘ وهذا الفعل شعري بنفس القدر الذي يمكن أن نعده فلسفيا، يرجى منه الإنصات إلى همس الموجودات، ومعاودة مواقف الذهول أمام الظهورات والانكشافات. وعلى هذا النحو، يتحقق اللقاء بين التجربة الشعرية والحياة الصوفية في نقطة اللقاء الجوهري بالأصل؛ والتوسل بالكشف في رحلة البحث عن المجهول الذي يعادل المغامرة اللغوية الأصلية. وعلى هذا الأساس، تحتل مساءلة الشعر مكانة مركزية احتفاء بالحدس الشعري وقدرته على تسمية المقدس. إن رجوع هيدجر إلى الشاعر هولدرين، رجوع إلى لحظة اللغة الكاشفة، في لقائها بالوجود. والإنصات إلى كتابته، هو علة التصور المغاير للشعر وللوجود ذاته، ومن هنا:’’ينبغي لجوهر الشعر أن يظهر لنا أيضا جوهر اللغة، لماذا تم اختيار هولدرلين؟ هذا الشاعر، في تقدير هيدجر، يؤسس، من جديد، جوهر الشعر. وهذا الشعر هو شعر الأزمنة الحديثة، فشعراء ليل العالم هم وحدهم يكشفون نور الوجود.‘‘
وبناء على ذلك فالكتاب رحلة في اتجاه مجهول تلاحقه الذات بإيقاع صاخب أو هادئ حسب المقامات وحسب الرؤى التراجيدية التي تعيد أجواء الميتولوجيا الإغريقية، بغية تأصيل مشروع شعري، مشرع على المستقبل والآتي، يأخذ مسارات حداثية مغايرة مخالفة للمنجزات الكتابية السابقة التي لم يستجب فيها لنداءات التغيير الملحة. وتجعلنا هذه الأوضاع نفهم الجهد المبذول للمزج بين الشكل الحر بمعناه الحقيقي لا بالمعنى المتواتر، والشكل النثري، والانشغال بقضايا الذات والوجود.
فالتحول المحوري من سحر وشعرية سرد، فيها من التركيز والتكثيف ما يجعلها نافية للتعاقب والتتالي في ترابط الأحداث والوقائع، وانتظام الحكايات. فالتوتر في سجلات الكلام الشعري يمارس محوا لمفهوم السرد المتداول، من خلال التوقفات والإنقطاعات والتداخل والتشابك في بناء الأحداث والمواقف والتقاط ما هو أساسي، يصبّ في حركية سيرورة التذويت، مبنية على أساس تقابل بين الذات والغيرية. والواقع أن السارد وهو يحفر في مخزون الذاكرة، ويحاول إعادة ترتيب خيوط الحكاي(ة)/ ات التي هي في مبتدأ التجربة وعصارتها، يحفر في السيرة الذاتية وتاريخيتها في ارتباطها وانفصالها عما يحيط بها، وفيما يؤسسها بوصفها ذاتا متشظية إلى ذوات، تنبثق وجوديا بمعزل عن التأطير الزمني والتحيز المكاني.
حسب هذا النزوع الشعري، تبرز المحافل السردية باعتبارها مبررات للاختراق عبر النفي والمحو والاستمرار من خلال الانقطاع والتجاور والحوار في عمق الصمت والانبثاق والظهور في دروب لا نهاية لها. والآخر، من هذا المنظور، ليس معمما بوصفه فردا أو شخصية تأخذ مسافة عن الأنا الممحوة، وإنما يتحقق ككينونة خالصة لها حضورها في مسار تمظهرات الذات نفسها وهي تبحث عن كينونتها الخالصة.
ثمة أحوال غياب صادمة، تستعجل الترحال والسفر حيث الولادات تحصل خاطفة دون سابق إنذار، فتبدو وشوما وجروحا على جسد القصيدة، من خلال بنية السرد القائمة على الحكي بضمير المتكلم عن الجماعة الغائبين، والمراوحة في / وبين المقاطع الشعرية بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي. وهذه المراوحة تحقق الانسجام، وترسم الاحتمالات الممكنة، من المركز والنواة السردية، كما يبرز من خلال فعل الكينونة في السياق الخبري: (كانوا...) وفعل الكينونة في سياق الأسلوب الإنشائي: ( ليكن، لتكن...). وبين الكينونتين تتشكل السيرة الفردية والجماعية حسب زمنين: زمن غابر هو زمن الكينونة الممحوة، وزمن آت هو زمن الكينونة المتشكلة. حالة تناظر بين وجودين: أحدهما منغلق والآخر مفتوح.
وللمحكيات السردية طاقة فتح العوالم في أبعاد وجودية مغايرة بالفعل والقوة، بمعية ذات السرد وبدونها:
- نحدق
- نحدق في ظلامك ..
- كانوا..
- كانوا هناك يرتبون العزلات ...
وبين مقارعة التلاشي والاندثار، ومواجهة الزمن تعاود الذات تجريب مسارات إعادة كتابة الحضور في الغياب وكتابة الغياب في الحضور، في اتصال وانفصال مع صوت السارد.
الانشغال بقضايا الوجود، بهذا المعنى، وثيق الصلة بمغامرة الذات، وأوضاعها في سياقات تاريخية وخطابية مخصوصة. فالامتدادات بين رمزية اليد ورمزية العين إيغال في اختبار تحولات داخلية في المادة المحسوسة باعتبارها حافزا ومثيرا انفعاليا لرفع المرئي عبر المشاهدة إلى أحوال تأمل وتفكير واستبطان في الذات الرائية والموضوع المرئي. والعودة إلى المشهد الحسي عودة إلى نقطة الانطلاق، ولكن هذه المرة، من موقع شعري. التفكير، في هذا المقام، ليس من باب المنطق والعقلانية، ولكن من باب الاستبطان والاكتشاف، ومن باب سيرورات تذويت خالصة.
إن الوصف في هذه الأفعال الكتابية مبرر ومطية لإعادة اللقاء بالمحسوس: بالأشياء والكائنات في العالم داخل الزمن والمكان وخارجهما. فمن رسم مسارات تجارب الرحلات الحسية والمتخيلة إلى مناجاة الآفاق والأبعاد إلى التقاط مشاهد كارثية صادمة لها نصيب من الحدوث والاحتمال تتجدد المسارات والاتجاهات في جغرافية الذات والعالم المحيط, يمكن تحديد بعض محطاته في الترسيمة التالية:

غياب غياب جمعي غياب الذات
في الحضور
| | |
كانوا ---------- كنا ----------- كنت
| | |
حضور حضور جمعي حضور الذات
في الغياب
| | |
يكونون نكون أكون

فعل الكينونة، إذن، يؤسس علائق مركبة بين الماضي والمستقبل، يفتح الوجود على الاحتمال والحضور. ولعبة الظهور والاختفاء هي الضامنة للاستمرار والتجدد، أو لنقل بلغة المتصوفة للتجلي والانبثاق الوجودي. حركية دائمة هي عنوان الظهورات واللقاء والحوار بين الكائنات، وقد تخلصت من الصفات والأسماء السابقة. وفي هذا السياق، تحديدا، تصير الذات محور الصور المتعاقبة باعتبارها مظهرا من مظاهر سيرورات تذويتها هي نفسها.
التسامي والحدود القصية


ومن هنا، فتعريف الفراغ لا يحصل إلا بالتقابل مع الموجود الذي تعتبر الكلية أحد أركانه بوصفها ضامنة للشكل والصورة والماهية والهوية. ولذلك، فزواله، هو خلاصة نفي، وحالة تالية لحالة سابقة هي حالة امتلاء. ومن سمات هذا النفي أنه شامل لجميع مكونات الوجود. وبناء على ذلك فـ:((الفراغ هو نفي تام للموجود في كليته)). وعن هذا التعريف المركزي تتفرع قضية جوهرية، كما جاء في بحث دينيس بريهات Denise Brihate هي قضية ((معنى الوجود)). والواضح أن إشكالية المعنى إشكالية جوهرية، وقاسم مشترك بين مجموعة من الفعاليات الفكرية والفلسفية والأدبية الإنسانية، على الرغم من محاولات حصره، وتقنين بعض انفلاتاته من خلال الاصطلاح اللغوي، وحدود الاستخدام الفردي، أو التقعيد العلمي البلاغي، كما تجسد قديما عند اليونان، على النحو الذي بينه بول ريكور Paul Ricoeur في كتابه الاستعارة الحية La métaphore vive ، أو من خلال الشرائع والمذاهب والأديان، بواسطة قرن المعنى بالحقيقة، أو من خلال تاريخ المساءلة الفلسفية عن أصل الوجود، وطبيعة علاقة الكائن الموجود بالعالم والكون. ومن هذه الوضعية الإشكالية، تشرع التجارب والمحاولات المعرفية على السؤال بوصفه وسيلة للتعرف والاكتشاف. ولعل العصب الأساس الذي تلتقي عنده هذه الطائفة من القضايا، هو اقتران الإشكال أعلاه بإشكال الموجود، لتكتمل مع البنية الإضافية القضية المركزية المتفرعة عن مسألة الفراغ بوصفه نفيا تاما: ’’وتلك هي قضية معنى الوجود التي تضع كل قضية موضع التساؤل إنها تمثل ((المعرفة وتأسيس كل معرفة)) ‘‘
سؤال الماهية، من هذا المنظور، متصل بلحظة الفلسفة المصطلح عليها بالميتافيزيقية، مع تباينات وانبثاقات مغايرة حسب سياقات معرفية وتاريخية متصلة ومنفصلة. لكنه، رغم أهميته في المنظومة الفلسفية الهيدجيرية واحتلاله موقع الصدارة في ارتباطه بالفراغ يعتبر عتبة ضرورية لمعاينة اللحظة الميتافيزيقية، مع العلم بأن مواجهة حالة الفراغ والنفي التام هو، بمعنى من المعاني، استحضار ومقابلة ضمنية لحالة أولية سابقة ممتلئة مثبتة: ’’ماذا عن الفراغ؟ يجب لقاؤه ليصبح المرء ميتافيزيقيا. فالأمر يتعلق بالقيام بـ((تجربة انمحاء Neant أساسية.‘‘
وهكذا يظهر لنا أن التقابل مع الموجود والفراغ هو تقابل، ضمني، بين الحضور والغياب، بحيث إن تأمل أحدهما يفضي، رأسا، إلى الآخر، لأن تأمل الفراغ والغياب هو استحضار وتجديد مساءلة للموجود. وفي الحالتين يلتحم التأمل بموضوعه بوصفه تجربة. ومن ثمة، فممارسة تجربة العدم لازمة لخوض غمار التجربة الثانية، ولذلك فـ: ’’من أجل أن نقوم بتجربة الموجود الذي يعد انتصارا على الموجود، يدعونا هيدجر إلى القيام بتجربة الفراغ.‘‘
ومن أجل هذا المرمى، فالظهورات الجزئية للكائنات لن تعود هي الشغل الشاغل بالنسبة للمتأمل، بقدر ما يكون مركز اهتمامه موجها للموجود بوصفه تأسيسا للموجود في كليته، بل إن التمظهرات الصورية في مستوياتها الشكلية ما هي إلا حجبا وأقنعة ساترة للوجه الأصيل الذي أضحى مظلما معتما نتيجة الأغطية السائدة، ولهذا السبب: ’’يجب أن نرجع، يجب ترك كل موجود وكشف محيا الوجود من خلال وجهه المظلم أي العدم.‘‘
ولا غرو أن عملية العودة، والرجوع التساؤلي، تأخذ طرقا مغايرة، للمسارات السابقة، لأن الروابط الواصلة بين الذات المتسائلة وموضوع السؤال، مغايرة جوهريا للعلاقة المتعارف عليها. وبوصف السؤال وسيلة للمعرفة لا بد أن يتغير هو نفسه، ويتغير موضعه وواضعه، من أجل أن يتحقق به وفيه الإبدال المعرفي الجديد والمغاير. وتلك هي بعض أسباب قلق الذات المتسائلة وحيرتها: حيرة مبعثها عدم الرضى والاقتناع بالأجوبة المقدمة آنفا، ومتاهة علتها ملاحقة معرفة مجهولة في طور التشكل الدائم. ولهذا فوقوف الذات أمام الموضوع هو موقف صدامي ضروري ما دام (( السؤال)) وسيلة اختراق واستراتيجية صراعية حتما. وتبعا لذلك فالموقف نفسه موقف سؤال، علما بأنه ليس وحدة متجانسة، بل هو مجموع مكون من عناصر متعددة ومتنافرة بحجم التباعد بين الاكتساب والتعرف، وبين التجربة والانخراط في المتساءل عنه، وذلك هو مدعاة التأكيد على: ’’أن حالة السؤال فعالية القضية موضوع التساؤل نفسه الذي يجب فحصه. فما يهم هو ((الاصطدام بهذا السؤال))، وبذل الجهد من أجل الانسلال في حالة القضية المتساءل عنها.‘‘
ومن طبيعة السؤال المتعلق بمسألة إظهار الانوجاد الكلي لا الإيجاد أنه مقلق، لأنه في أصله تجربة بحث عن العلة الفاصلة أو الواصلة بين الموجود في كليته وبين الفراغ. ولذلك فإنه يعتبر سؤالا أصيلا، يجسد لحظة اصطدام موقفين: موقف الموجود بوصفه كلية، وموقف الفراغ باعتباره عدما. وعلى هذا النحو، يتشكل الاستشكال كما يلي: ’’لماذا نجد هناك مجموعا كاملا عوض الفراغ؟‘‘
ولعل المسار الذي تفرضه هذه الاستراتيجية الفلسفية عن مسألة انبثاق الموجود المتساءل عنه، وطبيعة الكثافة المراد إزاحتها أمام هذا الموقف تعود بالحركية نحو البداية: ’’صدمة رجوع السؤال نحو ماهيته الخاصة‘‘
بهذا المعنى، يصير السؤال تجربة اتصال بالموضوع، وحركة مستمرة نحو إيجاد صيغة من صيغ اللقاء والاتصال بما هو أعمق وأصيل. وهو السر في اعتبار هيدجر (( التجربة لقاء))، لأنها، في حقيقتها تجاوز وتخطي لأشياء سطحية نحو ما هو جوهري: ’’تجربة معيشة بين القفزة وأساسها وهي لقاء بالعمق الأصيل.‘‘
ومن ثمة، فوقوف الذات أمام الموضوع، موقف صدامي، ما دام السؤال وسيلة اختراق. والإشكالية متأتية من الرغبة في إظهار الوجود. فمكانة الموجود البرزخية تقود، حتما، إلى المناطق التخومية، من أجل العبور، واللقاء بما هو أعمق. ولعل من سمات هذا اللقاء وليد الصدمة أنه فعل متجدد دائما: ’’وبما أن الموجود يتراوح بين الوجود واللاوجود، فإنه يقودنا، على هذا النحو، إلى أطراف أفق الوجود.‘‘
وبما أن اللقاء يحصل في ((الما بين)) المنطقة التخومية، فطبيعة العلاقة بالموجود علاقة معقدة. هناك مغايرة للعلاقة الوسيطة بين السائل والمسؤول عنه بالنسبة ((للعالم التجريبي))، لأن المعبر عنه لا يتسع الكلام لفيض حمولاته. ومن هنا، كانت التجربة الوجودية تجربة تسام وسمو حتى عن وسيلة التعبير، فـ:’’تجربة الوجود السرية هذه، تنقلنا إلى ما وراء كل مقول، داخل ما لا يمكن التعبير عنه.‘‘
ومحصلة القول، أنها تجربة كشف عن المعنى، وتسام مقترنة بالإنسان بالدرجة الأولى. ومبعثها الأول إرادة المعرفة، والمعرفة في هذه الرحلة الوجودية حركة وانتقال، من بين صيغها القفز، ونسيان العالم التجريبي. فضلا عن اعتبار هذا النزوع حاجة ملحة وضرورية لازمة: ’’الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع، ويجب أن يتسامى بنفسه بوصفه موجودا.‘‘ وعملية السمو هاته، من بين أشكالها الباطنية النزول بغرض الصعود والسمو. وبما أن الإنسان هو القادر على خوض غمار التجربة الباطنية، فالغوص في أعماقه باعتباره موجودا متميزا هو وسيلة إشباع نهم معرفي قوي.
وأفق الموجود، بوصفه إطلالة على اللاموجود من الموجود، وإطلالة على الموجود من اللا موجود. وعملية الانكشاف عملية مذهلة، هي مصدر المعرفة الجوهرية المبنية على أساس اللقاء بالجوهر. وعن هذه الحركة يحصل الانبثاق. وبما أن السؤال ينعكس على ذاته فالموضوع المتساءل عنه يصبح الوجود الإنساني بعينه. ولذلك فالنزوع نحو لقاء الموضوع هو نزوع نحو الذات والموجود، وتلبية لندائه: ’’لأن الانسان يحقق وجوده على هذا النحو، من خلال اللقاء بجوهره الخاص الذي يعتبر قفزا في أصله الخاص، ((إنها عملية جعل الأساس ينبثق)) ‘‘
ولا ريب أن التجربة الوجودية، تجربة صميمة، تنصهر مع تجارب الإنسان المختلفة، لتشكل وحدة متّصلة. فضلا عن كونها تجربة مثيرة لأنه يمكن لأفق الموجود أن ينكشف، وتلك تجربة فاتنة حسب هيدجر. ومن خصائصها أنها مكابدة كيانية، وإرادة قصدية من أجل نسيان الوجود، ولذلك: ’’يجب على الإنسان أن يكشف نفسه بنفسه من خلال بعض التجارب. فمن خلال هذا المسلك يأمل أن يرفع قليلا الحجاب الذي يخفي سر الوجود. يتعلق الأمر بتجربة وجودية موجهة نحو انكشاف الوجود.‘‘
ومحصول هذه التجربة هو القرب من الجوهر بعد سلسلة المحاولات الاختراقية بغية الوقوف على الأساس المحول للكائن من الماهية إلى ((الإنية)) بوصفها وجودا جوهريا: ’’يجب أن يتحول الإنسان إلى إنّيته Dasein الخاصة.‘‘
وصفة المثول، في تجربة التسامي هاته، بواسطة حركتين متضادتين: الصعود والتسامي عن الأشياء غير الدالة في العالم، والهبوط والقفز في الهاوية، هما الطاقتان الدافعتان للقاء الجوهر غير القابل للتحديد، لأنه يتجلى في لحظات خاطفة عبر صور متجددة، هي خلاصة الهمّ الذي يحرك الذات الميتافيزيقية في اتجاه الارتماء في هذه التجربة الاستشهادية: ’’والفعالية الخاصة المقابلة للإنية تلك التي تميزه أساسا، هي التي تحضر، إذن، بوصفها واحدة وثلاثية في نفس الوقت للحظة همّ أي موت.‘‘
وعلى هذا النحو، تنسج خيوط علاقات جديدة بين الوجود والإنسان في مسار تحوله نحو إنيته، وهي علاقات مثّل السؤال المنعكس على نفسه بوصفه أطروحة عندما اصطبغ بأصباغ المتسائل والمتسائل عنه، لأنهما يقودان معا إلى الجوهر: ’’أن نطرح قضية الوجود يعني، أولا، القيام بتجربة جوهر الإنسان.‘‘
فانفتاح الجوهر الأفق اللامحدود الذي تسعه تجربة التجاوز، واختبار الموت. بوصفه تجديدا أنطولوجيا بفعل توسيع منافذ الإمكانات والاحتمالات. ومن ثمة، فالعملية عبارة عن تمدّد، يسمح بتجاوز الحدّ بالجمع بين الواحد وغيره، واستشراف ما وراء التخوم: لا يتمدد الإنسان في جوهره إلا بالقدر الذي يعتبر فيه مطلوبا من طرف الوجود يكتب هيدجر.‘‘
فمن الرغبة إلى إرادة العنف بوصفها ضرورة وإلزاما، تثبت الخطوة الأولى في مسار التسامي، ما دامت المسافة بين الاختيار والبداية والانخراط في المسير، استجابة لصوت أساس ونداء لسفرات يشكل القلق والهم عتادها وعدّتها، نتيجة حجم المخاطر المجهولة في التطواف المستمر والسعي الدائم للمجاوزة والتخطي، والرغبة الملحة في الاتحاد. وبناء على ذلك، يتم: ’’إجبار الإنسان على أن يبدأ في المشي فيما وراء نفسه وربطه بالوجود.‘‘
وبما أن المشي، تجدّد وتجديد، واختلاف الخطى، في حركات متّزنة أو مضطربة، أوالتحليق الرمزي، وانتهاك نواميس المكان، وانشطارات الزمن، فالاتجاه إلى البؤرة الخالصة التي ينبثق منها الإشعاع في ومضات الانبثاق الوجودي، مطلب عزيز في مسار السفرات الرؤيوية الكشفية بامتياز؛ لذلك:’’فما هو أساسي ليس هو الإنسان، وإنما هو الوجود بوصفه بعدا لافتتان الوجود.‘‘
والأداة المثلى لتحديد أفق المنظور المشاهد هو طبيعة الرؤية. وإذا اقترن البعد المنظوري بالعمق والقدرة على التمدّد والتوسع، فعملية المحو: محو الفواصل بين الإنسان بوصفه وجودا غير دال، والإنسان بوصفه جوهرا، في حقيقة الأمر تحول في الرؤية ومجالها نتيجة الانتقال مما لا معنى له إلى ما له معنى: مفارق ومطلق، أي مواجهة ولقاء مباشر مع الوجود الجوهري، وتعدي حالة الدهشة والانبهار بالموقف إلى التماهي مع الأصل والغوص في تفاصيله، وذلك بتصفية الأغشية العرضية من أجل رفع درجة انصهار العناصر للاتحاد مع اللب والانمحاء في القرار. وعلى هذا المنوال، يشتد أوار الاشتعال ليأتي على الإنية ذاتها، مما قد يسمح بالدفع بالتجربة إلى أقصاها، ما دام: ’’جوهر الإنسان الذي تم تعريفه بالعلاقة مع الوجود انطلاقا من الوجود، يترتب عنه، إذن في النهاية، بأن الإنية يجب أن تشكل ((موجودا )) من أجل الموت.‘‘
إن المسار المتداخل: العمودي والأفقي في هذه التجربة، هو، في بعض صوره، سفر نحو مجهول غير محدد ولا متعين، واصطدام بجدار العرضية، ثم تخطيه برغبة الإقامة فيما ((لا اسم له)) كخطوة ضرورية لبلوغ حالة القرب فـ:’’إذا كان يجب على الإنسان أن يصل يوما إلى القرب من الوجود، فيجب عليه أن يتعلم كيف يوجد فيما لا اسم له.‘‘
ولذلك يصبح الموت تجربة عبورية، وانتقالا من أحوال عامة، وصفات معلومة مشتركة إلى وجود أساس أكثر أصالة بعد ردم هوة التقابل بين الموت والحياة، بين الفراغ والوجود فيما يسبق أو يعقب الموت. حياتان: إحداهما غفل في حالة كمون، والأخرى جوهرية أصيلة. أما ما يسبق ويعقب فموت: فدية ضرورية لتجربة الانقشاع والإضاءة. وعلى هذا النحو: ’’تظهر لنا صورة الموت، إذن، الحياة الخالصة جدا، والأكثر أصالة لـ((لإنية))، نداؤه للوجود في اللا تحديد المطلق.‘‘
وفي هذا السياق، فإن التجربة الشعرية، تجربة غنية، تزخر بمحاولات شعراء رؤيويين، على امتداد الأزمنة والأمكنة، والثقافات الإنسانية شكلت وجه القارات، ومثلت عماراتها الثقافية في الأزمنة الحديثة معلما من معالمها، من خلال اتجاهات ومذاهب تحديثية في الفن والأدب والعلم، كما هو الشأن بالنسبة للحركات النهضوية، وما واكبها وأعقبها من حركات تنويرية في الفنون التشكيلية والأدب بوجه خاص، مثل الدادائية والسوريالية التي رفعت شعار التجاوز في جميع الجبهات، وأعلنت حالة العصيان على جميع الأصعدة. وذلك بتجريب كل الإمكانات والاحتمالات بلا احتراز أو حيطة. وفي هذا المقام، تحضر تجارب بعض الأساتذة أمثال أندري بروتون ونوفاليس: سارق النار بحدسه واكتشافاته الشعرية لعوالم الموت وما بعدها: ’’فكما كتب نوفاليس: ((الموت انتصار على الذات نفسها، ومثل كل تجاوز للذات يحقق وجودا أكثر خفة.‘‘
ومن نقطة الانطلاق إلى نقطة التوقف المرحلي، وتجريب القفز في اتجاهات ممكنة، ندرك سرّ الرعشة وتحول الخطو إلى تحليق في اتجاه الهاوية أي العدم الخالص. وهذه الخاصية هي دافع من الدوافع التي تحدو إلى تكييف وضعيات الجسد مع الحالة المجتازة، من انحناءات وتقوسات في أفق استشعار الخطر والتهيؤ لصدمة السقوط والارتطام بالحاجز. وعلى الرغم من مجموع المخاطر، بل وحجمها ودرجتها، تتولد لذة الاستقرار في اللا قرار باعتباره عصارة لعاطفة مثيرة تتمخض عنها تجربة القفز بما تضمره من فجائية وسحر. وذلك هو سر هذه الدعوة الإغرائية:’’ولكن يجب أن نذهب بعيدا لأن القفز في هاوية عدمه الخاص، يحصل في القلق. هذه النغمة العاطفية الوجودية فيما وراء ماهو بسيكولوجي، نشعر بها في حضور العدم.‘‘
ويفضي التقريب بين ما قبل التسامي وما بعده إلى فعل تمهيدي أساس يتمثل في تفريغ الما قبل من الامتلاء العرضي، من خلال تجريد الموجود ورفعه من الحدود التي رسمت له، مما ينجم عنه اختفاء هو سرّ الذهول والدهشة التي تصل إلى درجة الرعب أمام مجابهة الخواء: ’’يظهر القلق عندما يختفي كل شيء، عندما تتسامى مجموع الموجودات عن كل تحديد.‘‘
وما يجعل هذه التجربة تجربة مخاطرة، هو لزوم مداهمة الخطوط وتلبية نداء العدم بلا تحفظ أو احتراز، يمهد للانوجاد في الحضور والغياب، سواء بحالة التفرد والأحدية أم بالجمع بين الواحد والمتعدد تبعا لوضعية الارتباط أو الافلات. ومن ثمة، فـ:’’ الوجود والعدم في علاقة متبادلة:(( الوجود نفسه منته في الجوهر كما يحدد هيدجر، ولا يتمظهر إلا في تسامي الإنية المرتهنة بافتتان في العدم.‘‘
ومن المفيد الإشارة إلى تنبيه هيدجر إلى ضرورة التمييز بين الفراغ والعدمية، مما قد يوحي به اللاتحديد أو اللاتعين الصوري، كما هو الشأن بالنسبة للموضوع في بعده المرجعي بما يسبغه عليه الفضاء الظاهراتي من دلالات هي، في حقيقتها، بلا دلالة. ومن ثمة، نفهم هذا الإصرار على التجاوز، لأن حقيقة الإنسان قابعة فيما وراء وما بعد. إضافة إلى أن هذه الحركة الانتقالية تخلص من الصفات والأعراض:’’ليس الفراغ عدمية، كما أنه ليس شيئا ما على صورة موضوع ما، إنه الموجود ذاته، من خلال حقيقة الإنسان عندما يتجاوز بوصفه ذاتا، أي عندما لا يقدم الموضوع بوصفه موضوعا.‘‘ ومن هنا، فمعاينة الفراغ، بوجه من الوجوه، انخراط في ((الليلة الأصيلة)). الأمر الذي يشكل انفلاتا من المعيارية، ومحاولة لتخطي التسييج المعرفي لاستنشاق هواء صاف من مناطق سرية بعيدة. واشتراط الحرية هو اختيار ومسؤولية، مكاشفة وانكشاف، هيبة وتهيب، ومبادرة بعد امتلاء وتفريغ، وانفلات من تاريخ فكري تحركه ثنائية: روح وعقل، ظواهر وجواهر، أطياف وأحجام، حاويات ومحتويات، أحدية وتعددية. ما دامت الحرية حساب الزمن بوصفه تراكما وإرثا تسلمه الطائفة إلى الطائفة، والأمة إلى الأمة، ونشوة بانتصار عصر على عصر لا تنكشف مآزقه إلا بالتفكير في الإقامة الجوهرية، حينئذ نكتشف:’’بأن القفز في الهاوية فعل حر وإرادي كلية، مؤسس بامتلاء وبوضوح حول قاعدة الحرية.‘‘
وبناء على ذلك، فهي تجربة مفارقة خلاصة لمعاناة ومكابدة، ولعنف ممارس على الذات في أطوار خوض التجربة، تبعا للمرمى الأسمى: الإقامة في العدم، أي عيش تفاصيل الظلمة، بما تتطلبه من يقظة وحيطة نظرا للمناخ الاستثنائي في هذه الليلة التي لا مثيل لها حاضنة الموقف العجيب. وبلوغ هذه المرتبة اختيار وجودي بامتياز، ابتداء من مغادرة العالم والسكن في الوطن الأصلي: ’’من أجل أن نجد مجددا الوطن المنسي للوجود، يجب على الإنسان أن يتحمل الاختبار المحرق للنفي، ومغادرة العالم الكثير الألوان والمتعدد من أجل الدخول في الظلمة المضيئة لما هو بسيط.‘‘
والصورة الرمزية للماء في حركيتها المستمرة، سواء من خلال المكونات الأساسية أم من خلال تدرج مستويات الطهر والصفاء وتفاوتهما: من النبع إلى محطات السير، وحجم قنوات الانسياب، إلى أن يستقر في اللامحدود: البحر باعتباره فضاء جديدا، وامتدادا لا متناهيا. ومن هنا، تكتسي الرحلة البحرية كثافات إيحائية عميقة:’’حسب استعارة أخرى:)) البحارة في رحلة نحو وجودهم الأصلي.‘‘
وسرعان ما يتحول الاستكشاف، والرحلة نحو المجهول بمساراتها غير المعلومة إلى متاهة، تفقد فيها الموجهات بسبب قوة الموج، فيضيع عندئذ السكن، وبواسطة العبور تتحقق الإقامة فيما لا قرار له بفعل رمزية التحليق من فوق نتيجة القفزة المضاعفة تتحول في سياقاتها الحركات العمودية والأفقية إلى حركات متقاطعة متراكبة، تتماس وتنفصل تبعا لدرجة الارتفاع والانخفاض. وبقدر المخاطر والقتامة، ينبجس الضوء. وبقدر الحيرة والرعب والقلق تعم السكينة والسلام، ويعاين ))الظهور الخالص للحضور الكلي)). وفي هذه التجربة التأملية الخاصة تلتقي التجربة الشعرية في صفحاتها الرؤيوية المتوهجة:’’إنه ظل نوفاليس الذي يرتسم جانبيا هنا، فقد استطاع الشاعرأن يكسب الوجود مفهوم خالصا للحضورية.‘‘
الوجه، في هذه التحولات، سيرورة تذويت، تتحقق في عدة ذوات عبر الظهور والتجلي المغاير بالضرورة. إنه علامة السمو حاضر في الديوان الشعري / موضوع القراءة بقوة، كدال وجودي أسمى معادل للذات. لذلك تتعذر تسميته، لأن كينونته هي كينونة الذات مؤسسة على قلق السؤال، وانتفاء اليقين في مواقف اللقاء الصادمة، وتناسل المشاهد في اليقظة والحلم، في السكن والرحيل، في المرئي واللا مرئي، وجوه عابرة ومقيمة عبر امتداد التجربة وتعدد الدروب والأمكنة الموشومة في المخيلة والذاكرة والانفعال والواجدان.
إن تلاحق الوجوه في الشريط الممتد على طول التجربة بجروحها العميقة. وجه عابر في زمن ما ومكان ما، لكنه محافظ على حضوره في الالتباس، لا يسكن سوى الاحتمالات اللانهائية بوصفه مظهرا من مظاهر انفتاح الذات في أطوار سيرورات تذويتها. فالوجه، بهذا المعنى، حامل الكينونة وموجه الصورة وهي تتشكل داخل النقصان واللا اكتمال، منعكس على مرآة مكسورة، أجزاؤها مبعثرة في أمكنة وأزمنة متباينة، كما تشظى هو، في البداية، عن أعضاء الجسد، بل وكما تشظت اليد الملوحة هناك من بعيد. لكن ثمة إصرار على لملمة الأطراف وإعادة التشكيل في سياق محاولات سمو متواصلة. فإذا كان البارز في الجسد علامة هوية وماهية، فإنه في سياق المحو حركة علائية. فالخفي الظاهر في الذات علامة التباس لأنه مسار تحولات مستمرة.
وتراتبية أحوال البحث عن الوجه لا تختلف عن تراتبية تأسيس الحضور واكتشاف الأصل. وهنا، تحديدا، يحصل تواطؤ بين حالة الجهل والعمى وحالة المعرفة والنظر. تواطؤ ينزل معرفة ما ( نفترض إنها معرفة شعرية خالصة) في جهل ما ( نصادر أنه عمى خلاق شعري أيضا)، بالنظر إلى ما سيتولد عن الانتقال من حالة إلى حالة أخرى، نقترح مقاربة بعض أوجهها في التقابلات الموالية:
الحياة الجسد
| |
المعرفة المعرفة


الروح الموت
| |
الجهل الجهل

الوجه، من هذا المنظور، صورة رمزية للحضورية، فهو وجه الذات، وقد تحققت عبر الانمحاء، من خلال الكثرة البانية للوحدة، ومن خلال حالة العمى الحاصل بين المعرفة والجهل، ومن خلال الظهور فيما يجاوز الزمن والمكان، أي باستعادة الوجه الأصلي: الفطري. وهو في المحصلة وجه الكينونة الأولى: طفولة الذات وطفولة الكينونة مجتمعتان. ويتمخض عنهما في سياق عمليات الاتحاد: وجه الأم ووجه الأب الحاضران في الغياب، ليس من خلال ما استقر في المخيلة والذاكرة، ولكن من خلال الحضور المجاوز للحس عبر الصور المتجلية، كل مرة على نحو مخالف مغاير لما سلف، بوصفه فيضا عن الأصل: وجه الوجوه:
- وجوه تتدفق من الجهات كلها..
-الوجوه حين تتفجر هكذا دفعة واحدة فاتحة جدول النحيب
الرهان مركزي، إذن، على تحويل الرؤية من دال مشاهدة حسية إلى دال كشف ولقاء أولي فطري بالذات والكائنات, ومن ثمة، فالصورة مكون اختراقي بامتياز، يسم اللغة الشعرية بالكثافة والاقتصاد الشديد، ويميزها بنوع من السرد المركز والمتقطع: سرد شعري تتشظى فيه الذات، وقد تطايرت أمامها الكائنات وأشياء العالم المحيط، لذلك تتحول المعرفة الشعرية إلى حوار داخلي عنيف مع أحوال صادمة تجس منابع الجروح وتراجيدية الكائن، في نكوصه وتصاغره وفي نزواته ومغامراته، ورسالته الجمالية النبوئية العليا.
وصورة الباشق الطائر الجارح تثبت الرؤية. طائر يجوب الآفاق، ويطارد النجوم الغاربة في ترحال دائم، وسكن في الأعالي والقمم، كما يلاحق الزرقة هناك في الأبعاد والأقاصي. هي صورة حسية ورمزية لوجه من وجوه الذات وهي في طور التسامي، وقد سرت في أوصالها خفة رفعتها عن المحيط الفينومينولوجي. هي وليدة رؤية الراهن واللحظة المنفلتة والملتبسة، تعيد بناء المشاهد العابرة وفق مشيئة اختلاف ومغايرة وجودية. مغايرة رديفة المغامرة وتخليص الذات من الروابط المصطنعة، ومحاولة تجريب السمو والنفاذ إلى الأعماق والتخوم والمشارف. ومن خلال قلب الأوضاع والمواقع، ومن خلال رؤية الهنا في الهناك، أو بالأحرى رؤية الكائن هنا في الكائن هناك، وما يقتضيه من تداخل الأكوان وتماس أطرافها، تنفتح العناصر على احتمالات وممكنات وجودية لا نهائية. ومن خلال التقاط صور لمشهد الطائر في الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.. تتشكل صورة جامعة لا تفصح أو تبين بقدر ما توحي وتشير إلى مواقف وأحوال لصيقة بخفة الذات وشفافيتها القصوى. وتسهم اللغة من خلال اعتماد تقنية التقطيع وإعادة التشكيل، ولحم جزئيات المشهد بالاعتماد على أزمنة الأفعال وصيغها في توسيع دوائر الاحتمالات الوجودية للوجوه المتجلية: [ كان ----- أراه الآن --- يتنزه.....]:
الباشق الذي كان ينقض على السلاحف
والأسماك في القيعان البحرية المثلمة،
و في الكهوف والخلجان، أراه الآن
يحوم مع إناث خياله في هدوء سماء
لم تحلم بالنجوم والمفاجآت
(...)
على خطمه دم المسافة.

الباشق الشريد قنفذ المتاهة الذي
لا يفصله عن الأبد إلا أرخبيل قزحي
يتنزه في مرآة عدم كاسر ...

قدرات عجيبة على الحضور يملكها هذا الوجه المتجلي في الحلم والصورة، يكسر التراتبية لينوجد في الداخل والخارج، مؤكدا حيوية وجودية موصولة عبر الماضي والمستقبل، وسيرورة انبثاق مختلفة للذات. والجسور، لا محالة متراكبة في دوائر مفتوحة عبر المكان في انغلاقه وانفتاحه، وفي تفاعل الذات وحركية صراعها المستمرة. فبين ))ما كان)) و))ما سيكون)) تعالق معنوي-شكلي على مستوى الكشف الشعر، يعضده الحفر في الذاكرة الفردية والجمعية، وكتابة صراعية بامتياز عبر المحو منذورة للمجهول في بحث ذواتها عن المنسي في السيرة والتاريخ والوجدان والهواجس والرغبات. نداءات متجاوبة عبر أرجاء المكان تؤكد الحضور الأول: الطفولة بوصفها حالة عمى ونسيان لا باعتبارها تساوق أحداث في الزمن المنفلت. فهي، في المحصلة لقاء خالص للذات بالكائنات، وحالة حضورات متتالية وانبثاقات مستمرة للوجوه التي تجسد، بحق، سيرورات الذات في وحدتها وكثرتها.


القصيدة سفر نحو الهاوية


مبرر الكتابة ومسوغها هو سيرورة تذويت تتم عبر عمليات إفراغ كلية وعمى شفاف وصمم عما يشوش الإنصات الحكيم لدبيب الكائنات وهمسها البليغ وحركات الموجودات في توق بعضها إلى بعض. وتلك تجربة عبورية بامتياز تفنى فيها الأنا الفينومينولوجية لتعيش الذات أحوال تجليات صور بعثية من عمق الهاوية وظلمتها الخلاقة.
والظهور حاصل بعد أحوال غيبوبة وهذيان لتعبر بعده الذات إلى العالم الآخر: العالم الأعلى والعالم الأسفل والعالم المتوسط. إنها سكرات الإشراف على النهاية، يبرز على السطح تجارب حياتية خصبة، ورفقة موشومة في الذاكرة والوجدان تشرب من ينابيعها الذات في عطش الرحلة، ووحشة الطريق وظلمة القبر. وإذا ما انفلتت الذات من قبضة هذه اليد المتجبرة لم يستقر في القاع سوى ما يؤجج الحنين، ويثبت مشاهد الفقد والغياب:
- وبما يشبه هذيان النائم
وسط تهاويل السفوح
تطوي الحياة موجتها
تحت قدم التيه.

والحاصل أن تجربة العبور في: ))يد في آخر العالم))، عصارة الرحلتين الواقعية والمتخيلة، تجربة ظلامية. خلاصة أحوال من صميم المعاناة الحسية، والإشراف الفعلي على الموت، انقطعت فيها الصلات بالحياة، فأشرفت الذات على العالم الآخر، ملبية نداء اليد الملوحة من بعيد، وقد تناسخت في أيادي الأحبة. هناك في التخوم البعيدة من الذات والعالم، يرتفع نداء اللحاق واللقاء. مشاهد ملتبسة مشوشة، سرعان ما تبرز الوجه والعين كمجاوزين للمحو.
الموت، بهذا المعنى، حياة أخرى: حضور في الغياب أكثر شفافية وكثافة وحدة ومضاء يسمح بمساءلة الكائن هنا وهناك. وهي مساءلة تبدأ بالذات أولا ومن فترة الطفولة، أي البداية وكأنها استمرار لتجربة ما بعد العبور وتجربة القبر وظلمته. وعلى هذه الإيقاعات يتحقق الاتصال والانفصال في المسارات الحياتية والنصية بين الهنا والهناك، وبين المقاطع الموزعة على جسد القصيدة في استقلالها واتصالها، وفي امتلائها ونقصانها في المخيلة والحساسية ينافي الحد بين الموت في الحياة والحياة في الموت. الطفولة لحظة بدئية استشرافية، هي طفولة الكينونة وطفولة اللقاء المباشر الأول. توحد بالطبيعة في صفاء السريرة وشفافية المخيلة. وعمليات العبور استرجاع لهذا الصفاء وهذه الشفافية العليا مبتغاها تأكيد الحضور، واستعادة اللقاء البدئي بالكائنات. اتصال وانفصال يجمع ويفرق العالمين يبدأ بالطفولة وينتهي بالموت، بداية جديدة وطفولة أخرى تصل الما قبل بالما بعد. فمن أصلاب السيرة التراجيدية الجمعية، تتولد السيرة الفردية مؤصلة العلاقة بالمكان: الواقعي والمتخيل. وهو مكان قصي يحتضن الطفولة بتفاصيلها وإشراقاتها، ببساطتها وعفويتها، بسحرها وعجائبيتها.
سؤال القصيدة والسيرة سؤال البداية من النهاية سؤال الكتابة المتعددة الأصوات. ولا نجانب المغامرة إذا زعمنا انه إجراء اختراقي إلى أبعد الحدود. اختراق الأجناسية عماده ممكنات التداخل بين السجلات القولية المتعددة، يتقدمها التداخل المركزي بين النثري والشعري في المشاريع والمقترحات الخطابية الحداثية. تتشكل القصيدة في لحم الذات كبؤرة استقطاب قابلة للتشكيل والغزو والتجاوز من غير أن تتماهى وتذوب في حركية الانعكاس، بل تتأسس في الامتداد الرؤيوي. فحسب الاكتفاء والاستقلالية تتحكم آليات خاصة في تفاعل خطاب القصيدة وخطاب السيرة. وما يمكن أن يحصل من لقاء بين الخطابين يتأسس وفق مبدأ تفاعلي. تضيء السيرة القصيدة وتضيء القصيدة السيرة كشكل من أشكال مقاومة النسيان، ومواصلة الخطو وتأسيس المعرفة بالذات وبالعالم. والغائية التواصلية والتأويلية، على الرغم من حضورها، إراديا وغير إرادي، في الفعلين الكتابيين ليست شرطا وحيدا أو حافزا فردا في انتهاج هذا السبيل أو ذاك. فاليد التي تتورط في فعل الكتابة في هذا الخطاب أو ذاك لا تختار في جميع الأحوال، قدرها ومكانها وزمانها. قد تستجيب لنداءات باطنية فتنساق في مضايق ومسالك سرية تجهل فرجاتها وفسحاتها. وقد تبين أوجه رحلة صراع الزمن في بداية النداء، لكن مع الحفر والإمعان في السير تترسخ القدم في التيه، وتتسمر العين في بهاء الفراغ، ثم تتضافر جميع الحواس في بلورة سؤال الكينونة في وباللغة. لقاء حيوي داخل التجربة الشعرية الواحدة بين مختلف الأشكال والأنماط التعبيرية، ومن تجربة إلى تجربة أخرى مشتركة في اليتم والجرح المرتبط بالمكان. وتلك نفس الحالة التي تولدت في غرب الشعر العربي لدى الشاعر محمد بنيس، عندما خبر بأن: ’’للصرخة تاريخها، كما للعين واليد، كل ما يرتطم بالمكان يستحم في نهر التاريخ. أشياء تبدت لليد وهي تحفر السطر المأهول بساكني البياض.‘‘
مسقط. سرور. مسقط الرأس حضن الكينونة وفرحة لقاء الأبدية والامتداد المشرف على الأقاصي. فمن هنا إلى هناك المعلوم منه والمجهول انفتاح يحرر الرؤية لتنطلق من الجبل إلى البحر إلى ما وراءه، وقد انبهرت بجلال المشهد في حسيته وفيما يتاخمه ممزوجا مع أحلام الطفولة الباذخة، وحركية المشاهد والصور والأحداث. والمعول عليه هو تثبيت العلاقة الأولى بالطبيعة عبر عناق الجبل والبحر، وبالآخر عبر العنف، وبالأنثى عبر اللذة والجنس، ولقاء الأجساد. لكن أوضاع امتداد وتقليص المشاهد والأحوال والمواقف تسيج بدائرة صارمة تبدأ بيوم معلوم:
- في ذلك اليوم..... اليوم نفسه
وتنتهي بيوم معلوم، هو نفسه اليوم الأول. لكن، هذه المرة، في سنة مجهولة وزمن آخر غير بشري:
- في اليوم نفسه، ربما من عام آخر
- وزمن آخر غير موجود في الذاكرة البشرية..
التماثل، كما يبدو، حاصل بين البداية والنهاية، أو بالأحرى بين البداية والبداية بواسطة النداء. نداء السكن والإقامة ونداء السيول والكوارث.
التماعات لانفلاتات الذاكرة وإبداعية الخيال، تجسد غور الجروح وآلام البتر. فبين اللحظة وما يغايرها، وحسب آلية حواسية بعيدة عن الالتقاط المصطنع، تظهر وتختفي أنوار، وتلتهب شهب من تحت الأرض ومن فوقها، هي علامات تجربة الترحال والنفي والاغتراب والعزلة الخالقة، بقدر ما تبتعد عن التجريد تلحم الأفعال الكتابية بألق الكشف ومضاء الحفر والنبش في الذات والمحيط.
ولما تغوص الذات في عتماتها تتلبس الأنثى لتغزو رحمها مثلما غزت واستقرت في قعر الهاوية. ثمة حاجة إلى الجنس يحركها حب الحياة، وإعادة بناء العلاقات مع الكائنات. فالحب طاقة مقاومة، تستمد فعاليتها من اقتران اللذة بالألم، ومن عرضة النشوة لسرعة الزوال. ففي غمرة الانتشاء ينتشل الجسد ليوضع في دوامات القتل والرعب والدماء.
والمسافات بين الحب والحرب مقلصة إلى الحدود الدنيا، وموسعة إلى أقطاب وأطراف غير محدودة. يقلصها ويوسعها حوار اللغة، أو بالأحرى حوار كائنات الوجود في اللغة وفي المكان، عبر الجهل والمعرفة. فما يمكث في الذاكرة الفردية والجمعية هو العابر في حضوره هنا في زمن ما وفي حضوره هنا في راهن التجربة. إن عبر التشظي وانفصال أعضاء الجسد دورات حياة وموت، موت وحياة، تحيي طقوس الذكر والأنثى:[إيزيس وأوزوريس]، كما تخلد مسارات الترحال بغية لملمة أطراف الجسد. أسطورة عابرة للتاريخ والثقافة، ساكنة أفعال الانبعاث والولادة، وتجريب المشي في ظلمة الهاوية، والنهوض حيث ينبعث النور المفارق:
- نورك القليل الراشح من مغيبه
- لا يضاهيه الكمال في عرشه الكلي
كلما استوت الأنثى / المخاطبة في عين الجوارح، كلما تمازجت الأدوار وانقلبت الوظائف، وانكشفت الأوجه في الذات وفي المخاطبة بوصفها كينونة خالصة خارج التحيز الزماني والمكاني. فالحضور الأنثوي يكتسح الما قبل والما بعد، محولا مادة الخلق الأولى إلى مادة خلق ثانية، باعتماد الأصل والنواة الماثلة في صلب الكائن، وكأن أطوار التشكل والتكوين حادثة باستمرار، وأوضاع الابتهاج بالأكوان الجديدة حاصلة في كل ظهور وانبثاق بين البداية والنهاية وبين البداية وبداية النهاية، حيث تشكل الكينونة وبدايتها بعد نهاية انمحائها وتلاشيها.
تكثيف الفاجعة وضبط حكيم للإيقاع الدرامي وفق مبدأ التوازي Le parallélisme الذي يعتبر مكونا إيقاعيا محوريا في القصيدة، يحقق التوازن في انتظام الأنساق الصائتية – الصامتية. وحضور هذا المبدأ البنائي متعددة الوجوه والطبيعة والوظائف، يمكن أن نميز منه توازي البنيات النحوية: الإضافية: [- كل صباح ... / كل مساء..]، والجمل الاستئنافية: [وأنا ذاهب إلى العمل / وأنا قادم من البحر.]، ومواقع وتوزيع الصفات الحالية والنعتية المتماثلة من جهة البنيات الصرفية: [والعمائر المأهولة. – جثة العالم المتفسخ. شجر الميموزا المسترسل. النفايات السامة. الأرض الملحية. والأشجار السامقة . روحها القلقة العصية.
وتوازي شبه الجمل المكونة من الجار والمجرور: [المأهولة بالجفاف وبمخلوقات زنخة. وتوازي العطف بحرف :((الواو)): [أمام سطوة الجبال والمآذن والعمائر.. – عن محيطه وطيوره وعن الجذور.. – تصارعت عليها أرومات البشر والضباع والأشجار السامقة. – ظلت تسري في روح الفصول والأبناء والأحفاد. – وتوازي التراكيب الإضافية التي يكون المضاف إليه فيها عائدا على المذكر وعلى المؤنث:
- وقد أرخى سدول أيامه.
- عن محيطه وطيوره ..
- .. التي تصارعت على أديمها..
- لم تهدأ روحها ..
- حتى جف نسغها ..
هناك مواقع أساسية داخل المقطع في انفصاله واتصاله داخل القصيدة، يحقق فيها التوازي انكفاء البيت الشعري على نفسه، موزعا الارتكازات النبرية بين البدايات الاستهلالية والوسائط والنهايات التي تختم البيت أو المقطع أو القصيدة. ويلعب توازي الأطراف دورا إيقاعيا منفتحا على احتمالات تحقق غير معيارية، يتضافر ضمنه النحو والصرف والإلقاء والمعنى والدلالة.
ففي المقطع الكبير الأول، تتجاور توازيات نحوية ودلالية عمادها النداء، والابتهال، تمتد وتوسع التجاوبات مع باقي المقاطع في القصيدة، المقطع الأخير بخاصة. والأصداء المتجاوبة بين جنبات المكان: الجرح والهاوية. توازي مبني على تماثلات في الصيغ والمركبات الإسمية والفعلية والتراكيب يتنامى بواسطتها الحفر والاختراق في اللغة وباللغة في الذات والعالم. وتشكل الدلالة، تبعا لذلك، ليس عموديا أو أفقيا في اتجاه الإفصاح والإبانة، بل يتكون جنينيا في شبكة عنكبوتية تتيح التبادل وتحقق التشكل التكويني ضمن إطار السيرورة الخطابية نفسها.
هناك بواسطة التوازي الشعري ميل إلى كسر فائض الشكل والقيمة من خلال نفي متواصل وفي جميع الاتجاهات: البلاغية والخطابية بله الشعري من خلال سردية تفتت الجملة والبيت والمقطع، وتذيب المجموع في نثرية شعرية مغايرة تمارس الحكي كإجراء وطاقة إيقاعية تحقق الانسجام، وتستبطن الحالة والموقف، وليس تنامي الأحداث وتشابك الحبكة.
وإذا تتبعنا حركية البناء السردي أدركنا أهمية التوازي كمكون تفاعلي في الخطاب. فمن التناظر والمشابهة والتوليد الداخلي:
- كانوا هناك يرتبون أحلامهم..
- كانوا هناك يرتبون الصباحات ..
- كانوا هناك يرتبون العزلات والعواصف ..
حيث الاختلاف ضمن المشابهة والتوليد: [الأحلام والصباحات والعزلات والعواصف]. وفعل ((الترتيب)) التكويني التوليدي حركي يرسخ القدرة والرغبة في الامتلاك والتحكم وتوجيه النظر نحو بؤر مضيئة في ذات/ ذوات عبرت المكان بأحلامها وآمالها، وسكنته بعزلاتها الخلاقة وبقدراتها العجيبة على التحول والتغيير.
إن تحويل بؤرة السرد إلى مونولوجات (حوارات داخلية وخارجية)، يتنزل فيها التوازي كمكون توليدي بواسطة التعريف والاشتقاق والصفة:
- ليكن بهاؤك أيتها الآفاق.
- كم أنت سعيدة أيتها الهاوية.
- أيتها المفعمة بالغبطة.
- أيتها السكينة يا من تذرفين الموسيقى كثيرا
- يا من تغدقين على الصحراء مهابتها.
- أيتها المستبدة ...
فالجملة الصغرى: ليكن بهاؤك. كم أنت سعيدة.. تتبادلان الأدوار في الظهور والإضمار (من خلال التقدير) في جميع التراكيب المتوازية، ويتحقق التماثل في حذف النداء والمنادى الوارد بلفظ ((أية)) والبدل والنعت: [الآفاق – الهاوية – المفعمة بالغبطة – السكينة – المستبدة،] مع التوليد الشكلي والمعنوي في حركات التراكم الخاضعة هي نفسها تراكمات نصية مبنية على أساس مبدأ التوازي كأساس إيقاعي بنائي تفاعلي:
- يا من تذرفين الموسيقى كثيرا.
- يا من تغدقين على الصحراء مهابتها..
وهذا المستوى النصي في القصيدة يستند إليه مستوى نصي آخر متولد عن مبدأ التوازي نفسه، لكنه يتوجه، في هذا الموطن، إلى فعل الذات، عبر انجلاء الصورة أمامها، ضمن إطار معرفة منذورة لنقصانها ولا اكتمالها:
- أعرفك
- أعرف من أي فجاج تتسللين إلى
فراشي.
- أعرفك الآن جيدا.
- أعرفك
أعرفك الغضب حين يضيء مفاتنك
أعرف الشر حين تنضحين رغبة
الفراش
تزاوج وزواج في المعرفة للعقل والمخيلة والجنس، للحب والحرب، واستسلام لقدرية المكان ومسقط الرأس أو لنقل الجسد وهو في قلب الصحراء حيث الفراغ والعزلة العظيمة. والدم على الجوانب والصرخات من كل حدب وصوب.
مسارات مجهولة في ظلمات الدروب الحياتية والكتابية، تعمق الجروح، فيما هي تعيد إحياء طقوس عشق المكان، وتثبيت رؤى الطفولة السعيدة، واللقاء الأول به: بكائناته الحاضرة والعابرة:
- في مكان قصي يتبدى مثل كهف مقذوف
في العاصفة..
وهذه اليد التي تلوح من بعيد، هناك في آخر العالم، لا تنفصل، البتة، عن يد الذات في مغامرتها ورحلتها نحو مجهولها ((هنا..)) في الهاوية والظلمة حيث الولادات: الولادة الطبيعية والولادات الإبداعية:
- هناك تعلمت السباحة في البحر.
- هناك شاهدت العناق الأول
بين الجبل والبحر
شاهدت ارتطام الصباحات
- ورأيت ميلاد الأبدية
- شاهدت العزلات تمشي وحيدة.
التوازي، بهذا المعنى، منتج الخطابية من خلال تمديد التركيب في الفضاء والزمن، والتركيز على صور ومشاهد ذاتية وغيرية، حسب مبدأ التفاعل، بمجاوزة القول الشعري المعهود، والسير بخطى غير واثقة في أراض تخومية، واستعادة ما انفلت أو في طور الانفلات عبر المغامرة نفسها, بواسطة اتصال الذات بالآخر وانفصالها عنه، على أعقاب الانتقال من فعاليات اليد إلى فعاليات العين المأخوذة بدهشة ورهبة المكان. فأفعال المشاهدة والرؤية في بنائها للتوازي النحوي والتركيبي ترسخ التوازي الدلالي، وتفتحه على الاحتمالات التأويلية:
- ...في مكان قصي...عشت...هناك...تعلمت..
- ...وحدقت
- هناك...شاهدت.
- شاهدت ارتطام الصباحات.
- ورأيت ميلاد الأبدية.
- شاهدت العزلات تمشي..
يقابل ضمن هذه السياقات الخطابية فعل الكينونة: ((كان)) مسندا إلى واو الجماعة باسم الإشارة ((هناك)) محددا المكان الحميمي: مكان الطفولة والأحلام في بوتقة نصية يستمد فيها النثر من خلال عملية الحكي إشعاع الشعر. وذلك ما يؤشر عليه زمن الأفعال في هذه المقاطع الشعرية الصادمة: الماضي القريب: ((كانوا يرتبون..)) المكررة والمتآزرة مع حركة دائمة ومستمرة: حركة الكون والطبيعة: (( كلما مرت غيمة))، وما يقترن بها من أفعال السفر والهجرة: ركلوا.. رحلوا.. ووجهته: ((المغيب))، أو بالارتباط مع شبه الجملة: ((على عجل)) الدالة على الحال، لما لانبثاق الضوء والنور من انخطاف وفجائية متآخية مع بعد الرؤيا والنظر، ممزوجة بالقلق والحيرة. فالحلم بارتياد آفاق لا نهائية، أي خوض تجربة التسامي، يتصل اتصالا وثيقا بالمكان الأرضي: أرض الصبا، وكأن حضور أوغياب المكان رهين بحضور أو غياب أهله:
(...)
مشدودين إلى مدارات
لما لها من حنين
وجبال أفرغ الطير أحشاءه في سفوحها
ما دامت منزلة الأمكنة متفاوتة تبعا لما يربط الواقف عليها، حقيقة أو مجازا، من وشائج العشق والهيام. أو لم يقل شاعر العربية أبو الطيب المتنبي يوما:
لك يا منازل في القلوب منازل ** أقفرت أنت وهن منك أواهل
ومن خلال ابتهالات مجروحة يغلفها الفعل المضارع المقرون بلام الأمر: ((ليكن)) يتحول الخطاب من الشكل غير المباشر: ((كانوا)) إلى الشكل المباشر. ومن خلال هذا الإجراء يحافظ السارد على مسافة بينه وبين موضوع الحكي وسير الأحداث. وفي هذه العملية أيضا تطالعنا بنية التوازي: ((ليكن..)) فاتحة المجال أمام السارد ليتحد مع مسار الأحداث:
نحدق في ظلامك الغرير
نحدق في ظلامك البهيج
إن ركن الاستقطاب والتجميع والتوحيد في هذا المقام، هو الهاوية بوصفها إقليما ليليا مقدسا يستهوي بغموضه وسحره ومجاهله الكل بصيغة المفرد والجمع على حدّ سواء. فموقف الكشف والاختراق، والوقوف على مشارف الهاوية موقف، لا محالة رهيب، لأنه انخراط جامع في تجربة ظلامية، تنقلب في خضمها المقاييس والمعايير، بما في ذلك اللغة عماد التأسيس، وفق بناءات وأنساق جديدة تهجر ضمن إطارها الألفاظ دلالاتها المعجمية، كما هو الشأن على سبيل التمثيل، بالنسبة للفعل: ((نحدق)) الذي يقترن فعل : ((التحديق)) فيه بدلالة مغايرة، من خلال تجاوره مع الليل، ليكتسب بذلك دلالة كشفية استكشافية. وبفعل هذا التفاعل يصير خلاصة للبصيرة والبصر، وذلك ما سماه الشاعر سيف الرحبي في مقطع من مقاطع هذه القصيدة الملحمية: ((عين الجوارح)). ويجسد فعل التسمية هذا إعلانا شعريا عن وعي حداثي للكتابة تتفاعل ضمن إطاره جميع الأعضاء لتشكيل إيقاع مغاير، وانغراس متأصل في التربة والأرض، بفعل قوة الجذب والانجذاب، كما يتجسد ذلك في حركتي مدّ وجزر البحر، أو في السمو والارتقاء مثلما يغري بها الجبل وتجاوره مع البحر.
وبإمكاننا أن ندرك بأن موضوعة الغياب والرحيل، غالبا ما تقترن باللانهاية والمطلق، في مدارجها يكتمل خيط التوحد بين السارد وبين موضوع السرد: ((الأحبة))، إلى درجة نستطيع أن نتحدث فيها عن الإنسان الكامل: المؤسس المغامر والمسافر الذي تغويه التخوم والأقاصي التي تتناثر فيها أشلاؤه وتضيع فيها أحاسيسه، فيصبح نتيجة ذلك جسدا أوزوريسيا وإيزيسيا في نفس الوقت. وهل هناك أجلّ من تفجير الغموض ومكنوناته، والاحتماء بالخطر في أفق مزج التجربة الروحية والتجربة الجسدية، واختراق المجالين معا ((المقدس والمدنس))؟!
وتتناسل في هذه الرحلة الجحيمية كائنات وأشياء تنم عن العنف والقسوة تارة، وعن الراحة والسكينة تارة أخرى: الحكمة والضلال، يتساوى فيهما الحضور والغياب. وتلك بعض معالم جغرافية أرض الحلم واليقظة بامتداداتها اللامحدودة:

جهاتك الكون
وعلى مقربة من هذياناتك
يلتئم جرح قادم من أزمنة سحيقة
والواقع أن المخيلة تستدعي الهذيان بوصفه جنونا معقلنا على حد تعبير الشاعر المغربي الراحل عبد الله راجع، فتعيد تشكيلة الوجود وفق مشيئة شعرية وجمالية، لها من الدهشة والصدمة ما يضمن لأنساقها الفرادة والأصالة بمعنى الإبداع والمغايرة. وبهذا المسعى الشعري تتشكل الأكوان المرة تلو الأخرى بوعي ولا وعي، وإرادة ولا إرادة، في غمارها تصبح الهاوية مجرة تدور الليالي في فلكها، فلا يملك السارد (الذات) سوى مناجاتها ليتحقق داخل اللغة الشعرية الانتقال من الخطاب الغير المباشر هذه المرة إلى الخطاب المباشر المتمظهر في أسلوب النداء المصدر بلفظ: ((أي)) محذوفة أداته:
أيتها المفعمة بالغبطة
وعلى هذا النحو، ندرك صيغ العبور والاختراق في هذا الموقف الشعري الذي تجسده ((اليد)) الثالثة، فتقلب الهاوية على أوجهها، لتبرز منها الوجه الاصطلاحي بوصفه نهاية مأساوية لأمة أسيرة تتقاذفها الانكسارات والاندحارات :
ضاحكة شاسعة
على مفرق أمة من الأسرى
والوجه العميق المحجوب بوصفه متناهي الكمال، متجاوزا الماضي والمستقبل، أي تجربة حضورية ولحظة زمنية خالصة:
وكالأزمنة وقد أفرغت من أعبائها البشرية
ولاذت بالسكينة
ومن خلال إماطة اللثام عن هذا الوجه المستور، تعيد الذات موقف الاستذكار الدرامي البدئي، مسجلة، هذه المرة، أن الأحبة الغائبين في عزلاتهم يطمحون إلى معانقة الأبدية من أرض أحلام الطفولة الضاربة في التاريخ المتجذرة في الوجدان، المتطاولة في المخيلة والذاكرة:
كانوا هناك يرتبون العزلات
والعواصف
تتماهي، إذن، هوية الغائبين مع هوية الذات: السارد، لأن آصرة قربى الشعر والطفولة هي الموحدة في تجربة التسامي. والرحلة الليلية نحو الهاوية حياة تنضح حبا وبهجة وحزنا وألما وخوفا وتوجسا ومجاهدة ومكابدة. هي إرث هذه السلالة التي تأبى إلا أن تغرد خارج السرب. ربما تنال ما تصبو إليه من ابتهاج بالتجلي الشعري. ولهذا يعاد طقس الابتهالات مشفوعا بأسلوب النداء الذي يتصادى في عدة سياقات خطابية، فاتحا جروح البداية والنهاية: البداية الجديدة. ونتتبع فيما يلي مواقف الرهبة والدهشة، وأصداء هذا الصوت الجريح الذي ألهبته جمرات الكتابة:

أسلوب النداء أداة النداء المنادى المركب الاسمي الوصفي
ليكن بهاؤك أيتها الآفاق محذوفة بلفظ أية الآفاق
أيتها الهاوية (( (( الهاوية
أيتها المفعمة بالغبطة (( (( المفعمة بالغبطة
أيتها السكينة.. (( (( السكينة
يا من تذرفين الموسيقى كثيرا يا من
يا من تغدقين على الصحراء مهابتها (( ((
أيتها المستبدة في فمك غصن الانتقام محذوفة أية المستبدة
أيتها القادمة من فجاج الرأس (( (( القادمة من فجاج الرأس
أيتها الكراهية (( (( الكراهية
يا من لا تنوء حملا بثقل طيورها يا من
يا من امتدحك الشعر (( ((
أيتها الكراهية محذوفة بلفظ أية الكراهية
يا بصقة الكائن في نزعه الأخير يا بصقة الكائن
أيتها القادمة من فجاج الرأس محذوفة بلفظ أية
انظري إليه يا إيفا يا إيفا
ألهذا يا عمرو بن قميئة (( عمرو بن قميئة
عمرك الله كيف يلتقيان يا عمرو بن قميئة (( ((

أساليب النداء المهيمنة هي المصدرة بلفظ أية المحذوفة الأداة مؤكدة قوة الحضور الأنثوي عبر الحس والمخيلة. نداء من لا يسمى ولا يحدد بوصفه فردا أو شخصية، ولكنه يتشكل عبر التعدد باعتباره ذاتا. وعندما تسمى المنادى عليها: ((إيفا))، فالتسمية نفسها حاصلة عبر الغياب، تلتقي، مثل غيرها من الأسماء، في مغايرة التماهي مع الأنا والشخصية. وتحل الصفة محل الاسم في تسمية من/ ما لا يسمى، فهي: [الآفاق، الهاوية ، السكينة، الكراهية، المفعمة بالغبطة، المستبدة، القادمة من فجاج الرأس].
إن النداء في القصيدة، بان للإيقاع من خلال التكرار والمطابقات التركيبية، يضع الذات في مواقف ابتهال واستجداء الكينونة الخالصة من خلال ابتغاء الغوص في اللامحدود، والوقوف على مشارف الهاوية بله السكن في قرارها.
نداءات تفارق المعهود بالارتماء في أحضان المجهول، والوقوف أمام المنادى مواقف دهشة ورهبة ورغبة، ابتغاء الانفلات من إكراهات اليومي وعنف المعتاد. فهي في مغاير الرؤيا الشعرية كشف وانكشاف، يندرج كلية ضمن إطار سيرورة تذويت، تؤسس للإقامة على الأرض، والانمحاء المستمر، عبر الانوجاد المتواصل ضمن تجليات أكوان صغرى وكبرى، تعضدها تجارب حياتية مريرة، وهم شعري وجودي منفتح على الاحتمالات اللانهائية:

أيتها السكينة يا من تذرفين الموسيقى كثيرا
وتعاشرين الموتى
امنحي أرواحهم بعض الهدوء
التشريف المبتغى من رحلة الأعماق هو الوقوف على مشارف الهاوية. فإذا كان الخوف والقلق الذي يحرك الكائن الشعري متوحدا ومضحيا بالسهاد والأرق والحزن والألم، والبوح بما يتعذر البوح به، فإن إدراك حالة السكينة كانقشاع في الحلكة وانبلاج في العماء هو أرب المغامر الباحث عن المغاير دائما. ولذا فاختراق عالم ما بعد الموت هو مضاعفة لتجربة المجاهدة الكتابية. فالذات تحضرها أرواح الغائبين فتمدّ لهم جسورا ما بين الماقبل والمابعد. بفعلها تشتبك الخيوط الواصلة بين القطبين، فتحمل اليد الجوهرية من هذا القطب لتوضع في ذلك القطب. وهذا التبادل هو الذي يؤرجح الذات ما بين الحلم واليقظة ليتناغم العالمان: الحسي والمجرد، مما يحفظ للهاوية توازنها:
تقفين وسط دوار العالم
ضاحكة شاسعة
على مفرقك أمة من الأسرى
وبناء على ذلك فالإحساس السحري أمام الجلال والمهابة التي تقذفها السكينة فيما لا قرار له هو الشعرة الفاصلة بين العدمية والارتطام بجدران المجهول:
يا من تغدقين على الصحراء مهابتها
وتؤثثين الهاوية
العلائق بين الذات وبين ((السكينة))، إذن، علائق محبة مبنية على أساس العرفان والتقدير والإجلال، مما يجعل الذات تنفر من عالم الحس الآهل بهذه الأكوام البشرية التي لم تتعد طور الحيوانية، فهي ما تزال تعاود الكبو والنهوض بين الحفر:
أعرف أنك الأكثر رأفة من السلالة
من هذه الحشود التي تسحب أمعاءها
في الساحات والعربات
والوديان...
وبما أن المحبوب لا يظهر إلا في التخوم فهواجس اللامحدود تحاصر الذات حصارا عنيفا:
أنت القادمة من جهات مشطورة
بالشكيمة
تتجاوب فيها الأصداء في أمداء سحرية عجيبة، يظهر فيها فعل الكينونة في مواقع تركيبية ومقطعية تنخفض وترتفع حسب هذا النشيد الذي يغمر الوجود:
- كانوا يرتبون العزلات
- وكان الدخان يتصاعد في أفواه القتلى في ميدان المعركة
وترسخ المسالك والمعابر والجسور انغراس التجربة في تربة الأرض، كما تطبع تأشيرة الالتحام القوي بين المقول والمعيش، من خلال التقاط الأحداث المشعة والمصائر التراجيدية في الحياة. ويعقب هذه العملية فعل قطع دابر أية مصالحة مع الواقع من جراء مشاهد القيامة الدنيوية:
- غرف المدن
- فتك الأساطيل الذرية بالبحر .
هي تجربة الشعر العميقة التي تلقي بالذات في معترك الحياة والكتابة، كما تفصلها عن المدينة والعمران الذي يقتل الجمال. قدر الشعر، إذن، قدر صراعي بامتياز، وحافز الرهان على ما هو جوهري. رهان يؤسسه العرفان لا البيان، كما يجسده الفعل: ((أعرف)) المقرون بكاف الخطاب العائد على المحبوب: الحاضر الغائب، الرحيم المستبد، الكاره الفاتن. تلك فسيفساء كلامية تشير ولا تسمي. وهل يبوح المفتون بمعشوقه، تصريحا أو تلميحا؟! فهو الرحم والسكن والرفيق في مجاهل الطرق التي لا تفضي إلى مكان ما:
أنا الذي كنت عاريا
فألبسني جسدك
مشردا فكان رحمك منزل الغريب
هكذا يملأ المحبوب الكيان ويتعدى الحقب والأزمان ليصبح بؤرة انصهار المتعارضات: الشقاء والبهجة، الجفاف والمطر، والملاذ من هذا الوحش الجاثم على الصدر والذي يدعى مدينة كبيرة. المحبوب جنة وارفة الظلال يهيم العاشق في ربوعها نشوان سكران، ووديعة ثمينة تعيد استحضار ذكرى الأسلاف والأحبة.
والخبرة والمراس بدروب المتاهة ومسالك المفازتين: الروحية والجسدية، محصول تعلم وإدراك ومعرفة تنبجس مع بعض الإشراقات:
أعرف الآن جيدا
عبر غياباتنا وأشلائنا
عبر انمحاء خصرك في الغابة
البنية التركيبية، كما هو جلي، تسهم في تحقيق التوحد بين الذات والآخر، كما يتضح من خلال طبيعة استخدام الضمير المنفصل ((نا)) الدال على الفاعل ليؤشر على معرفة عبر الغياب أعمق من المعرفة عبر المثول، لأن إدراك كنه الغياب يستحيل من غير تأسيس تجربة حضورية. لذلك فالغياب حضور جوهري، يستعير له الشاعر سيف الرحبي الكلمة الجامعة:
الغياب إقامة في الروح
ليبوح بهذا الجلال الإشراقي والانبجاس الضوئي:
أصبحت أكثر سطوعا في عين جوارحي
إنها الحياة القصيدة التي تلتقط الذات فيها ما يؤسس كمالها، وتتصارع باستماتة مع ما يطمس هويتها ويماهيها مع اليومي والمعتاد. لأنها فوران الفكر والقلب وبركان الغضب الذي تتقاذف حممه كل زائف سطحي: سراج الحلم وصهوة المغامر الفاتح، به ينتشي وإليه يلوذ من هذا الجحيم الأرضي:
نورك المتسلل إلى عتمة كوابيسي
نورك القليل الراشح من معينه
لا يضاهيه الكمال في عرشه العلي
ومن فرط المرارة ووطأة الضيم، يتولد الانتقام والكراهية، وتتجاوب أساليب النداء:
أيتها السكينة يا من تذرفين الموسيقى كثيرا
في فمك غصن الانتقام
أيتها الكراهية
تؤجج نوازع الحب والكراهية الكتابة، وتضفي على العوالم أجواء من القتامة والإضاءة، وكثيرا من الرهبة والرغبة والجلال: فالزائرة حاضرة في الحالتين: الليل والنهار:
تتنزهين في صباحاتي (...)
تأوين إلى فراشي
لعلها نعمة أو نقمة الشعر تقض المضجع، وتغري بملاحقة المجهول واختراق العتمة، بحضرتها تتشابك الأكوان، وتتوالى الاستعراضات والمشاهد، باعتبارها تصغيرا للكون المحسوس وتوسيعا للكون التخييلي. تجليات لا نهائية للصورهي الشهادة والجلال والرهبة، تصل باللحظة البدئية الخالصة وتخضع الموجودات لسلطانها وجبروتها:

أنت عجينة الكائن
عن سحر التحول العميق وخبايا الولادة يتولد الانبهار الذي يحرر المخيلة، فتسترسل سلسلة من التداعيات: عجينة، علة، انبلاج، رفسة... تؤثث جميعها مخاضات الولادة ولحظتها، وتؤشر على كيمياء لفظية لغوية عجيبة، وانغماس في أحوال يلتقي فيها الوعي واللاوعي والإرادة وغيرها. إنها طقوس الكتابة المغايرة التي تتجه رأسا إلى ((الأصل)) و((النبع)) تلتقي بجوهر الوجود ليتقابل الأصل الوجودي مع اللقاء الجنسي. والتحول الكوني بفعل المسارات والمجاهل التي أصبحت المعرفة الحديثة تخترقها أو تغري باكتشافها عبارة عن امتدادات في الكائن بوصفه عوالم تختزل وتوسع الفضاءات. ومن التأسيس الجوهري الأسمى، تبسط السلطة القدرة على المصائر والعوالم المحيطة: الأطفال المهجرون والمشردون، المنفيون والمقيمون. هكذا تقيم حدّا فاصلا بين إقامة وأخرى: إقامة في التيه والمنفى، وإقامة في الرضى والقناعة. بهذا الفعل الاستعاري يتحول التركيب بواسطة الجملة المعطوفة المصدرة بضمير الخطاب ((أنت)):
وأنت أيضا
التي تدربين الصبية في المخيمات
على السعي نحو العدالة
وحمل السلاح ..
ويتعمق البعد الأسطوري بمحاولة تقريب المشاهد الحلمية، وتكثيف الإيحاءات الرمزية، فالطائر الأسطوري يجسد تجربة التسامي، بواسطة التحليق:
أنت بجناحيك الكبيرين
وبصورة متدرجة تتحدد ملامح الوجه البشع الذي يأبى المثول، هو وجه الكراهية: الحركة العجيبة التي تعتلي الصفة بموجبها عرش الاسم الموصوف، وتتناسل في حضرتها الأسئلة المحيرة المقلقة عن أصل الدمار والخراب المستمر. هي آثام لا تمحى سوى بآثام أبلغ منها غواية وفتكا. ولهذا تتناوب أدوار الفعل والانفعال. وترتفع دية ودم الكتابة:
خالقة ومخلوقة
سعيدة بكونك الجديد
عند هذه الانعطافة الكتابية يتحول الشعور الرهيب بالغياب إلى وساوس يولدها القهر والإحساس الرهيب بعبثية المصير:
أيتها الكراهية
يا بصقة الكائن في نزعه الأخير
هناك، كما يتشكل في حركية القصيدة، قلب للاحتمالات، رأسا على عقب، من خلال التقاط لحظات دالة، تتمثل، ضمن مقام من المقامات الكتابية، في موقف خوف وتوجس رهيب، هو موقف الاحتضار، وتحويله إلى موقف سمو وقوة، تؤسس به إرادة النفي وإرادة الكينونة الحقيقية. وما دام مسار الكائن هو مسار تحولات فالانتقال من حال إلى حال عبور لعالم تعقبه عوالم، فإغراء المغامرة الآخذ بالأعماق كفيل بكسر الأطواق والخروج من أحوال الاختناق ومجاوزة الانغلاق والرتابة. وهذه الأسباب مجتمعة تجعل الابتهاج الكبير والتوثب المستمر لفتح المنافذ مسوّغا للظهور المغاير عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة.
الذات والعالم


شرط الإقامة على الأرض قائم على الحرية ليس كمسعى نهائي، بل تحول لا نهائي يكفل الاستمرارية في متاهات الكينونة عبر الأزمنة في المكان الواحد، وعبر الأمكنة المتعددة في الزمن الواحد، في ارتباطها بالمغامرة والرحلة في الحياة والكتابة من خلال البياض الموشى بالسواد، طبقا لقانون تداخل أجناسي، ومحاولات تأسيس علاقات حيوية بين الأشياء والكائنات.
الحرية، بهذا المعنى، ماهية الكتابة والقراءة المنفتحتين على علامات الوجود من داخل الصراع ومن سلطة الجدارة والاستحقاق. علامات في حركية مستمرة تستعصي على الحصر والقولبة، لا تكتفي بالكلام حيث تتآزر اليد والعين لتوليد المعنى والدلالة، بل تصل الصمت البليغ الذي يولد وتتولد عنه الدهشة والفتنة: طاقة التحويل من المجرد إلى المحسوس. وهذا يفضي إلى أن الحرية شرط وجودي عبر النفي، ونقض ما استقر في الفكر والمخيلة. وهي، في المحصلة، فعل جامع مؤسس للكتابة المغايرة. وبما أن أوضاع الذات في الخطاب والعالم مشكلة من داخل التفاعلات، ومسعى الانسلاخ عن الماهية الفردية بمحو الأنا والتشكل المخالف للتجوهر والانوجاد التجريدين فإن اقتران الحرية بالاختيار انحياز غير مشروط للمغامرة، وإيغال في السفر نحو المحتمل والمستقبل وإقامة في التيه وعلى مشارف الهاوية، فـ: ’’المبدع يسكن حريته وخياره في الترحل والإقامة، في الحرب والسلم، إن وجد، يسكن شرط ألمه وتاريخه وسط اجتياحات للزمن والتاريخ.‘‘
ومن هذا المنطلق، تحاول ذات الكتابة إعادة بناء الحضور من زاوية التحولات اللانهائية في الذات والعالم على حد سواء. ولا تنفصل تجارب الاختراق هاته عن السعي الحثيث نحو امتلاك أداة إعادة تشكيل المرئيات في هندسات إرادية ولا إرادية، وتفجير مكونات باطنية: شعورية وانفعالية. وتدل جميع أشكال البحث والمعرفة، في نهاية المطاف، على طرائق واستراتيجيات جديدة مغايرة في بناء أسس وروابط صادمة بين الذات والذات، وبينها وبين المجتمع بتشكيلاته المنتهية الأبوية والأسرية والطبقية، وما يؤطرها من قوانين، هي في حقيقتها، موانع ومحرمات إيديولوجية وسياسية، تلتقي في الأخير، عند مرمى التحكم في مسار نزوعات الذات، وتوقها إلى اللامحدود، والانبثاق باستمرار في أبعاد مجهولة مرغوب فيها أو غير مرغوب فيها.
وأمام مواجهة الذات المجتمع بمؤسساته، تلوذ باللغة بوصفها واهبة الحضور المتوهج عبر تفاصيلها وتكويناتها الإيقاعية والتخييلية المتجددة. ولعل هذا الإشعاع الوجودي هو الذي دفع هيدجر إلى التأكيد بأن وجود الإنسان يتحقق باللغة وفيها، ذلك أنه: ’’إذا كانت اللغة تشكل الحدث الأساس لوجود الإنسان هنا، فإن بمقدور هيدجر التأكيد بـ((أننا عبارة عن حوار.)) ‘‘ والحوار فعالية إنسانية تنكشف فيه عوالم الذات، وينغرس حضورها في الكون وفق تفاعلات وميولات اتحادية وانفرادية باعتباره اختراقا لتخوم العالم باللغة، وامتدادا في مدارات منفتحة على المجهول، وإعادة بناء متحررة من القوالب الجاهزة التي تحكم علاقة الإنسان بالأشياء، وذلك من خلال الإنصات الحكيم لهمسها وصمتها الناطق. وفي جلال هذه المواقف الانبثاقية، يفرغ التحديد الحيزي والزماني من علاماته الحدّية القاطعة، كما يتجلى من خلال تثبيت لحظات ومشاهد وصور بعينها أمام العين حسب منظار محدود البعد ضيق الأضلاع، بحيث لا تحيط فيه العين إلا بالسطح. ثمة توليد وتوق إلى اللامحدود واللامتعين لسبر أغوار المشاهد الحاضرة أو الهاربة عبر الحس أو المخيلة. وذلك ما يؤكد مشروعية الانفلات من الزمن: ’’إن الشاعر الذي يقبض على ما يبقى خارج الزمن. كتب هيدجر يقول: ((ما يبقى يؤسسه الشعراء))
وفعل تأسيس ما هو خارج الزمن عملية جوهرية تضع الشعر على تخوم الهاوية. فهو في وجه من وجوهه، مراجعة، صريحة وضمنية، لتاريخ مثقل بالمهام الوظيفية والتوظيفية، سواء بالنسبة لعلاقته بالعشيرة قديما، أم بالأمة حديثا من تفاوتات ملحوظة بين المراكز والمحيطات المدنية؛ وما استتبع هذا التاريخ الموجه قسرا من صراعات وهمية حول إرث منذور للإندثار. بعد تحجيمه وحصره في عناصر ومكونات مفصولة عن سياقاتها النصية والخطابية. لذلك فالانحسار التصوري والمفهومي في معظم تعاريف الشعر في أغلب الثقافات الإنسانية، إنما تشكل بتركيز النظر على عنصر من العناصر بمعزل عن بقية المكونات وفق رؤى غير تفاعلية. ولقد كان من أهم مهام الحداثة الشعرية إبراز عدم كفاية التعاريف السابقة، واقتراح تعاريف جديدة تتعدى الحدود الشكلية لتصير مرهونة بالتجدد والانفتاح على الوجود في شموليته. الأمر الذي نجم عنه نسج روابط جديدة معقدة بين الذات والشعر والوجود من خلال طبيعة التشكلات اللغوية: الإيقاعية والتخييلية في الخطاب. وعلى هذا الأساس، تم النظر إلى: ’’الشعر بوصفه تأسيسا للوجود.‘‘ ولقد ترتب عن ذلك إبدالات جوهرية في طبيعة العلاقة بين الذات واللغة، وبين الذات والعالم. وفي الرحلتين: الجوانية والبرانية، انبثاقات أكوان جديدة مفارقة لعالم الظواهر والأعراض. وبناء على هذه الحجية، صحّ القول بأن: ’’الشعر يقود الإنسان نحو وجوده الخاص، نحو هاويته، نحو العمق الذي لا قرار له. ولذلك فبفضل الشعر ((يركز الإنسان وجوده هنا)) . ‘‘ لا مناص، إذن، من الرحلة نحو الأعماق رغم كونها محفوفة بالأخطار، ضرورة المجازفة، وثقل حجم مسؤوليات البوح عن المنفلت وما لا يقال، ونذر الذات في أقاليم برزخية بينية. تتحمل الذات المغامرة كل ذلك في سبيل الإقامة في الأقاليم التخومية لأن إرهاف السمع لنداء المطلق وتلبية الدعوة، في الحقيقة، إسلام القياد للرغبة بوصفها طاقة كامنة في ملاحقات محسوبة وغير محسوبة لحركات جارفة نحو الأصل الأصيل. ولقد أمكن نتيجة هذا التوق إلى المجهول نعت الشاعر بأنه: ’’مصاب بنار السماء مثله مثل الصوفي.‘‘
لقد رفع شعراء الحداثة شعار الثورة العارمة في جميع الواجهات، بما فيها الذات نفسها. وما هذا الجحيم الكتابي الذي يمزق الأوصال، والمكابدة الحياتية التي تشتت الفكر والوجدان سوى نتيجة من نتائج الكشف عن المستور والانبهار أمام الصورة الأبهى: صورة الوجود الحق. هناك في حالات الكشف الشعري حالات يقظة وحلم وسرنمات، وتحليقات إيكارية في أجواء وآفاق لا نهائية يحضر الجلال المشهدي الذي توصل إليه طرق الاستجابة لنداء المطلق الخفي. وما هذا المشاء في سلالة الشعراء الملعونين أرثور رامبو الذي قيل عنه: ((رجل ذو نعل من ريح)) إلا صوت أساس صرخ مذعورا في وجه النظام فاغتاله الزمن واغتاله الحلم، عندما فضل تلبية نداء المطلق الشعري، فأصبح الصوت الشاهد المستشهد، بدفعه فدية التجاوز والتخطي الكتابي الرؤيوي. ذلك ما نفهمه من منطوق السؤال التالي: ’’ماذا كان يعتمل في أعماق رامبو، صوفي الإشراقات والظلمات، غير هذه الرغبة في المطلق الشعري، وفي العقل الخالص للشعرالذي يهب في أي اتجاه يشاء، من غير أن نعلم من أين يأتي ولا أين يمضي.‘‘
ولذلك ارتهن الشعر مع هذا الشاعر وسلالته التي نحتت / ينحت أفرادها صخر الواقع لتفجير بعض ينابيع غير المعتاد والمألوف، مع الوقوف بإجلال وقداسة أمام انفتاح بعض مغالق المجهول والانشطار في مسالك الخطر. هجران السكينة وبوح بمدّ انفعالي وذهني مهووس به أو غامض هبائي يتشكل مع استواء الألفاظ والتراكيب. ولهذه الأسباب فما يقال ليس، في نهاية المطاف، سوى المعهود المصطلح على تداوله وفق اعتقاد الامتلاء الدلالي، والثقافة الإبلاغية التواصلية لحفظ التوازن والاستمرار الانقيادي. أما ما يتعذر قوله، أو تخون اللغة صاحبها عند البوح به فهو الجوهري والأساس. ومن ثمة، فـ: ’’إن كل أثر فني اعتراف، ولكن بعد أن نكتشف أسرار الشاعر.‘‘
وتجدر الإشارة إلى أن الرهان الأكبر في المشروع الحداثي الشعري أساسا، هو على الذات باعتبارها عصب الانشغال الكتابي في تجسداته الخطابية، ابتداء بمعاودة البحث في ماهيتها على النحو الذي تجسد في محاولات متباينة ومتفاوتة، من حيث نسبة الوعي بتمثلاتها وحدس فيوضاتها ونوازعها، لا بترسم المقدمات المنطقية والخلاصات السببية، ولكن بتجميع القوى: الإدراكية والجمالية، وتوسيع مدارج المخيلة لإزالة الأقنعة الحسية، ورفع الأغشية الحاجبة، ثم توطيد وشائج القربى بين الذات والآخر بإعادة تأمل ما بين الذات والفرد والشخص من تمايز واختلاف. ومن خلال المواجهة بين الذات والوجود، تنقشع غمامات وتنفتح مغالق تغذي مباهجها اندهاشات الذهول، وازدحام الظهورات المتجددة للأشياء والكائنات. فبالقدر الذي يضيء الوجود بموجوداته الذات، بقدر ما تضيء الذات العالم بحضورها الكثيف وانوجادها في البؤر المتألقة وفي سموها المتتالي. وعلى هذا الأساس فـ: ’’إن الحدس الشعري يجد أصله في العمق الأصيل، في الأغوار الأكثر سرية للذاتية هناك حيث ينعقد اللقاء بين الذات وكل وجود.‘‘
ومن المفيد التنبيه إلى أن الاستقراء الموسوعي الذي شكل انشغال طائفة من منظري ونقاد الحداثة الأدبية والفلسفية والسياسية، إنما انصب على الذات باعتبارها إشكالا راهنا تمخضت عنه سلسلة من الانجازات والمراجعات المجسدة للإرث الفكري والعلمي والأدبي الحديث. ومن هذا المنظور النقدي التحليلي، يندرج المشروع البنيوي التفكيكي للناقدة البولونية الأصل الفرنسية الجنسية جوليا كريستيفا Julia Kristiva وقد تجسد الإبدال النظري من خلال إعادة قراءة المنجز العلمي ضمن هذا الإطار، وفق رؤية نقدية منفتحة تنطلق من تحديد فرضيات علم التحليل النفسي كما استوى مع لاكان Lacan معرفة بأسسه وطبيعة التصور المتداول للذات، لذلك تؤكد: ’’يقترح علينا علم التحليل النفسي الحالي اللاكاني في أطروحاته الأكثر جرأة، نظرية للذات باعتبارها وحدة متفسخة، منبثقة ومحددة من خلال الحاجة: ( الفراغ، العدم، الصفر، حسب مذهب المرجعية)، ومن خلال البحث المتعطش عن مستحيل ما تصوره الرغبة الاستعارية.‘‘ وهذه الوحدة هي التي وسمت الذات بالطبيعة الأحدية لتتمحور حول كوكبة من السلط، تسيطر عليها سلطة الأب التي تكبح الجماح وتتحكم في المسار تبعا للقوانين المؤسسية: الأسرية والاجتماعية. ولذلك تذكر بأن: ’’الذات الموحدة الخاضعة لقانون الواحد، الذي يتحقق في اسم الأب، وهذه الذات المتتابعة أو ذات الابن هي، إذن، غير المقول، أو لنقل إن أردنا، هي حقيقة ذات العلم، كما أنها، أيضا، الذات الخاضعة للنظام الاجتماعي (الأسرة، والطائفة، والدولة، والمجموعة)...‘‘ تتدخل ضمن هذا الإطار اللغة باعتبارها واهبة الماهية والوجود، لأنها بذرة داخلية تضمن الاستقلالية، وتؤمن اللقاء بباقي الكائنات، نظرا لما تختزنه من طاقات على التجريد، وبناء التصورات الذهنية لامتلاك ناصية الانفلات من التحديد القوالبي. وبناء على ذلك فإن: ’’ما يشكل الذات هو الوظيفة الرمزية، والقدرة على التمييز بين الدال والمدلول التي يرى فيها لاكان التحديد لكل كبت من نظام اجتماعي، والذات الموحدة التي تتكون من هذا الكبت الناجم عن النظام الاجتماعي .‘‘
وترجع جوليا كريستيفا بالإشكال إلى بعض جذوره التاريخية، مستقصية تصور la chora، في بعض مضانه الفلسفية الأفلاطونية فتؤكد ضمن هذا الإطار: ’’تصور أفلاطون لـ la chora عبارة عن وعاء متحرك لخليط من المتناقضات، ومن الحركات الضرورية من أجل اشتغال الطبيعة قبل التدخل اللاهوتي لله، وهو يناظر الأم. إن la chora هي الرحم أو الحاضنة. العناصر فيها بلا هوية وبلا عقل.‘‘ ولعل ما يقابل الأطروحة اللاكانية التي تجد مكانها في التحليل النفسي، هو الأطروحة الماركسية الاجتماعية الفلسفية: تعوض فيها الضرورة، الحاجة، وترسم معالم الذات وفقها في قوالب منتهية. وإلى هذه المغايرة التصورية تنبه، فتستدرك: ’’غير أن التصور الماركسي للذات لا ينشغل بهذه التعددية من صيغ الرفض التي تسحق الذات الموحدة، مفهوم الإنسان الذي تحدد رغباته (حسب اصطلاحية فيورباخ) تعوض الدعاوي التي تؤسس الجدلية الهيجيلية باسم ضرورة واقعية من طبيعة الحد والنهاية والحقيقي.‘‘ إن موضعة تمظهرات الذات في خطابات تاريخية متغايرة خطوة أساسية من أجل إعادة الاعتبار للمنسي والمهمش في الثقافة والعلم، وتأكيد الرهانات المعرفية والمصادرات النقدية، لا برغبة الانحسار في حدود ثابتة معلومة، ولكن بغاية إغناء الوقفات التأملية الراهنة لبلورة معرفة قلقة ونسبية بواسطة مساءلة الأطروحات، وبناء الأطروحة الجديدة: خلاصة النقد والتفكيك. وفي هذا السياق، تجترح جوليا كريستيفا جهازا مفاهيميا معقدا لا تكتمل صياغته في بحث واحد بل في جملة من الأبحاث العميقة. ولعل من الإجراءات التصورية العميقة مصطلح ((السلبية)) la négativité الذي تبنى وفقه الأطروحة البديلة. وذلك ما توضحه في الكلمة التالية: ’’إن السلبية بعدم انفصالها عن الوجود الهيجيلي هي على هذا النحو، تحديدا، ما يميل ويحفر انغلاقه في الإدراك المجرد الوهمي، كما أنها تعين خارجا، ما كان لهيجل أن يفكر فيه تفكيرا مغايرا إلا باعتباره وجها متضامنا مع الاعتقاد، في حين تطرحه الفينومينولوحيا المستقبلية بوصفه علم لاهوت‘‘
في هذا السياق، تشدد على ضرورة تجنب الخلط بين التصور الذي تقترحه للسلبية وبين النفي ((النفي الداخلي للحكم)) أو بينه وبين ((الكميات السلبية)) التي يدرجها كانط Kant في الفلسفة تحت اسم (( القطبية)) و((التعارض)). وهذه الاحترازات ضرورية ، في تقدير جوليا كريستيفا، من أجل إدراك طبيعة الأطروحة الجديدة، ورصد مختلف التمفصلات البنائية بغية اختبار الكفاءة الإجرائية لهذا المفهوم. ويسمح لنا الطرح الجديد بموضعة جديدة للذات في الخطاب، مما ينجم عنه إعادة تشكيل العناصر المتوصل إليها في سياقات تفاعلية من قبيل الغرائز والقطع والفصل والتقسيم. ولهذه الأسباب، ننفتح على المقترح التساؤلي التالي: ’’يجب، إذن، الخروج من الانغلاق اللغوي من أجل القبض على ما يحصل في زمن توليدي ومنطقي سابق على تكوين الوظيفة الرمزية التي تمتص ما هو سلبي في المحمول.‘‘
ظهور الذات عبر النفي والسلب، كما تؤكد جوليا كريستيفا، علامة اندراجها في القصيدة. وهذا التصور مناقض للوحدة والواحدية، والهوية والماهية. فقدر الحداثة، في البدء المتجدد، هو قدر الذات المتشظية ورهانها الأول. وبناء على ذلك، نزعم بأن منسي المحاكاة والتقليد هو المفكر فيه في الحداثة بأوجهها المنفتحة على الذات، هو عينه ما ترتب عن قضاياها من أسئلة وأوضاع ومداخل واستراتيجيات تحل اللا اكتمال محل الاكتمال، متخطية الثنائيات الميتافيزيقية. وبناء على الحركية الصراعية تتأسس تاريخية الذات في القصيدة من جهة الاختراق والإبدال، وتوليد أشكال المعنى والأنساق الدالة. وحسب التشكيل المحتمل بمعزل عن المعيار القبلي والجهاز المفاهيمي المغلق، تتشكل وضعيات وفق اللا إرادي من داخل المغامرة الكتابية ذاتها. وينجم عن ذلك، رهان على المستقبل وعلى اللغة المتعدية واللازمة: لغة تفجر أزمة المعنى، فيما هي تفتت الذات والقيمة والشكل. الذات والمعنى، أو سياسة الذات في القصيدة انشغال كتابي يرهن الممارسة والتنظير والنقد والتأويل بالمجهول، لأن: ’’القصيدة بخاصة معرفة لا نعرفها، لا يمكن الرجوع إليها. ففي جهل المستقبل، والمعرفة الجزئية بالماضي القصيدة معرفة بالمستقبل بالنظر إلى أنها تدرج محددات ذات ما. لهذا السبب، فإننا لا نكتب ما نريد، بل ولا نكتب حتى ما نأمل أن نكتبه.‘‘
الفعل الكتابي، من هذا المنظور، غير مكتمل بطبيعته، منذور للنقصان، ينغلق في سياق خطابي لينفتح في سياق آخر. ضمن الرؤى والتصورات الشعرية الحداثية يتبادل الوظائف والأدوار مع فعل القراءة بوصفه اكتشافا للنسق، وإعادة تفعيل آلية التدليل. وتداخل الفعلين مولد للحركية الخطابية والإنتاجية النصية، بمقتضياته تنفتح ذات الكتابة على ذات القراءة تبعا لسيرورات بين الذوات، ينبه ميشونيك إلى ضرورة تمييزها عن الأنوية والشخصانية. علاقات معقدة تفاعلية عصية على القولبة والمراقبة القبلية. الذات، بهذا المعنى، بؤرة تتفاعل داخلها مجموعة من الذوات منبنية وفق التعدد المنتج للدلالية والتأويل داخل الخطاب المنغلق في بنياته وأنساقه، المفتوح على المحيط في حركيته وتفاعل أشيائه وكائناته، عبر امتدادات مداليله ومرجعياته، أي تحوله من ذات مسائلة إلى ذات مساءلة، تؤسس علاقات تبادلية تفاعلية بين الذوات يحكمها الحوار، فـ:’’ إذا ما أنتجت كتابة ما إعادة مباشرة لا نهائية للقراءة، فإن تذويتها هو تداخل تذويت، تعدي تذويت، وليس ما بين تذويت.‘‘
انشطارات الذات

مشهد اللقاء غوص في أعماق الذات، بأحوالها وأحلام يقظتها، وبتجربتها الحياتية المريرة، وبالمصائر التراجيدية التي تلاحق الكائن أينما حلّ وارتحل تجعل التعرف على ملامح الوجه ملتبسا، يولد حيرة وقلقا، بالقدر الذي تتفجر فيه الاحتمالات تبعا لهذا السيل من التساؤلات:
هذا الوجه أين رأيته، أين صادفته
في مهب أحوالي ومعترك مدائني:
في الحلم أو اليقظة، في الشرق أو الغرب
بأي ساحة أو مدينة وزقاق
الكتابة، إذن، هي الملاذ الوحيد: قراءة وتجريبا في رحلة التعرف واكتشاف الملامح، تستحضر في مسالكها تجربة كازانتكي الروائية العميقة التي تُجاوز زمنَها في اكتناه أغوار المغامرة البحرية العجيبة والغرائبية. وكما أن المعرفة تبدأ بالدهشة، فالخطوة نحو البداية تمحو كل عائق أمام الاكتناه وسبر الأغوار. والواقع أن الوسائل والمدارج تتغير في كل مرة، حيث يهتدى، في هذا المقام، ببوصلة الذات للعبور منها من خلال اللغة والرؤى، على النحو الذي يبرزفي الإضافات الاسمية إلى ياء الملكية: [أحوالي – مدائني –غرائزي - ذاكرتي..] والتعرف باب المعرفة، والمعرفة جامعة، بها يتحقق اللقاء الإشعاعي:
هذا الوجه الموؤود في قعر غرائزي
في ظلام ذاكرتي

وفي لحظة خاطفة ترسم تقاسيم وملامح بخفة ورهافة، كما توسع الدلالة الرمزية كاشفة الستار عن البنية المجازية: إطلاق الجزء وإرادة الكل، الإشارة إلى الخطو الذي يمثل عرقا نابضا يسري بفعله دم الحياة في الأعضاء. ومن خلال معاودة رحلة الأعماق، تتجدد الأحوال الإشراقية الخارجة عن قيود المعرفة والجهل في الاصطلاح العقلاني. فمجاوزة الطمأنينة ارتماء في أحضان الخطر، ومرمى أسمى من جرّ أذيال الذل والمهانة بين الحفر. وترقب العاصفة والحدس بالخسارات هو الدين الواجب لريح التغيير وإشراع الأبواب على المستقبل. ويبدأ فعل الاستعادة من القرية نحو عوالم جديدة، في سعي واضح لتثبيت الدهشة الأولى: [التلعثم، الخجل، الانبهار والتوجس..] وكلها أحوال براءة وطهر طفولي مسيطرة على النفس والمخيلة. فمن قعر الذات تنبجس المشاهد وتتعدد الصور، وبواسطة التركيب الإضافي يكتمل فصل من فصول المأساة والمعاناة: [وجه أمي..] ليسجل فعل القطع والانقطاع جرحا من الجروح الغائرة في الذاكرة والمخيلة نظرا لحميمية علاقة وشائج القربى الرحمية المنسوجة بدقة وبراعة متناهية تلتقط آيات البراءة والطهر إلى حد الافتتان بهذه الأمومة العربية التي تذوي منكسرة مذعورة في هذه الشعاب والأدغال الموحشة. تستحضرها الذات بعين القلب لا بعين النظر:

وجه أمي الذي لا أجرؤ على النظر إليه كأنما أهرب من جنتي
المستحيلة، الذابلة حتى التلاشي، جنة لم تكن لأحد غيري
قبل أن ينصرم عهدها.

وتناظر هذه الصورة صورة أخرى تلتقي معها في الأصل الحميمي، تبرز هي الأخرى من خلال التركيب الإضافي: [وجه أبي..] وهي، كسابقتها، مركز إشعاع ينبثق منها التعدد: [وجه الوجوه..] فيه يكتمل الحضور الجامع الذي يغمر الفضاء ويحاصر الكيان من جميع الجوانب في معترك لجي، وموقف عبثي رهيب:
الوجوه حين تنفجر هكذا دفعة واحدة فاتحة جدول النحيب

ويتم استهلال المقطع الثالث بالجملة الاسمية: [الباشق....] ليسجل فيه السارد عودة إلى الحكي: [الذي كان ...] من أجل استعادة اللحظات الماضية المضيئة. فصورة الطائر الجارح الذي يهوى العزلة، هي بوح بالحضور والمثول في الرؤيا، نتيجة ما للمستحضر من قدرة حسية ومجردة في دقة التركيز وإصابة الهدف. هي قوة خارقة تجسدها السرعة الخاطفة، والحركات المتقاطعة: الصعود والنزول، والانتقال بين المشارف [البحر والجبل]. وهذه الصورة عينها تمثل التجربة الكشفية التي تناظر التجربة الروحية، فتجدد عوالمها، وتزيح من على الصدر أوزار السكينة والثبات:
سماء خرساء بمجراتها الهرمة كأبراج مدينة منكوبة
وبرك تتموج تحت نعيق الغربان ومفارش
الخريف.

وفي هذا الأفق التخييلي، يصبح الباشق معادلا موضوعيا للذات، سواء من حيث الغواية بالهجرة والسفر نحو الأبعاد اللامحدودة، أو من حيث الطاقة الهائلة على التحول والتجدد كما يتحقق من معاودة التجربة البدئية، وولوج الأقاليم الليلية. فهذا الطائر الأسطوري يعول على اكتشاف المستور كما الذات في مسارها الكشفي: مصير مشترك تتوجه الوحدة والإقامة في الأعالي: [الجزائر الزرقاء ، ونيران الغجر...] مغامرات لا تنتهي، وإن كان المسافر يتوقف برهة في محطة من المحطات العبورية تسمح بولوجها صورة الطائر الجارح المحفز على التسامي وفق زاوية حسية:
............................ في مسودة أفق
باهظ الخرافة والعصبية بصواعقه وأمطاره المحتقنة ...
ويتجسد نتيجتها الاقتراب من الكون المحيط: [بحر عمان] بوصفه حلقة وصل بين العوالم: [بحار الهند]. إنها جغرافية مستفزة نحو أمداء وأقاليم تخومية. تفتح الصورة الرمزية بعض الكوات في أبراجها لتتسلل من العالم الخارجي: [الفضاء – البحر- الجبل]، نحو ((الذات)) فتسكنها :
إلى وقف الأفلاج التي تلمع في رأس المسافر كالسراب
المثخن بجراحه وطيوره

وفي هذا السياق، تتأسس سلسلة من التحولات ترفع التجربة من العالم المحسوس إلى العالم المجرد: يستحيل الباشق إلى قنفذ لينفتح المجال على الآفاق البعيدة التي تفضي إلى المتاهة: ويتماهى هذا الطائر الأسطوري مع الأحبة الغائبين ومع الذات المهووسة بالمنابع والأصول بواسطة محاولات السفر نحو ((العدم)) بوصفها لحظات وجودية أساسية:
يتنزه في مرآة عدم كاسر، عدم
يرتب المكان والبشر والحيوات
المسرفة في الغواية

الرحيل، إذن، هو مفتاح الحيوات المفارقة الغاوية بالاختراق، هو النداء السري الذي يأسر القلب لينقاد نحو المشارف والتخوم وقد عاث فيها الخراب هدما وتخريبا: [الشرفات المحطمة- الكنائس]. ومن خلال هذه الأقاصي يمتد البصر من خلل الثقوب نحو الأقاليم غير المرئية:
لا يفصله عن الأيدي إلا شرفات
محطمة
وكنائس مقصورة من ضلوع الموتى

وتحسن الإشارة إلى خاصية نصية جوهرية تميز اللغة الشعرية في هذا الكتاب، تتمثل في هيمنة: الجمل الاسمية، وهي مؤشر تلاحق الصور والمشاهد ورغبة الذات في السيطرة على خيوط وتفاصيل المتاهات النصية عبر الاسترسال والانفتاح على جهات الوعي واللاوعي، الأمر الذي يذكرنا بالكتابة الآلية التي كان السورياليون قد مارسوها ونظروا لها.
وعلى هذا الأساس، يبدأ المقطع الرابع مثل سابقه بالجملة الاسمية:
الشجر الذابل أمام بيتي أرقبه...

هذا المنظر المتناسخ بعينه يبعث في النفس مشاعر الحزن والكآبة خصوصا وأنه أول مشهد يقابل العين في بداية كل صباح، ومع الخطى تتوسع دائرة البشاعة. وهذا السأم والضجر نستشفه من خلال الفعل المضارع: [أرقب ..] المقترن بالضمير المتصل ((الهاء)) مرة، وغير المتصل بها مرة أخرى. وتتولد عن الاستخدامين مقابلة استعارية:
1.الشجر الذابل 2. شجر الميموزا
فإذا كان الأول قد أرخى سدوله فإن النوع الثاني قد استرسل في الغياب:
1... وقد أرخى سدول أيامه
2... المسترسل في هذيان الغياب عن محيطه وطيوره وعن الجذور.

إن للشجر في هذا السياق الكتابي، روحا وأصولا رحيمة. فهو رغم غربته وحنينه، يحمل ذاكرة مثخنة بالهموم والجراح ويقف شاهدا على اجتثاث قسري. وتتضح من خلال هذه المقابلة الامتدادات العميقة التي تتآخى فيها الأقاليم المتباعدة، فيحصل اللقاء الرمزي، بين هذا الركن من الجزيرة العربية، وبين هذه المنطقة التي تخترقها سلسلة جبال ((الأنديز)) من أمريكا الجنوبية، وفيها أيضا يعانق الجبل البحر.
أما هذه الحياة الرتيبة فتجعل الخيط الذي يربط الذات بالمحيط منفرطا: [الطيور المستوردة- الهنود الخدم – أصوات المكيفات ..] لهذا يعتري الذات إحساس رهيب بالوحشة والغربة القاتلة، تتعطل بموجبها الأعضاء:
لا أرى شيئا
لا أسمع شيئا
غارقا في ظلام مقابري

ويدفع هذا الإحساس التراجيدي إلى استرجاع بعض تفاصيل تجربة التسكع والضياع والمشي في دروب، رغم عنف عبورها، هي ينبوع الإشراق والإبداع. إن نداء الموت، هو الصوت الخفي الذي يغوي ويغري بمواصلة الرحلة إلى منتهاها بغية الخلاص من هذا الجحيم الأرضي، وما مشاهد الرؤيا وزيارات الأحياء والأموات الرمزية، سوى عيش في هذه الأقاليم السحرية لعالم ما بعد الشهادة. إنه الودّ المستبد إلى حدّ العبودية تتقلب بسلطانه ومشيئته الصور وتتماس باستقطابه الأكوان التي يلتقي فيها الأحياء بالأموات وتتجدد الروابط الأرضية عبر لحظة الولادة:
يتذكرون ميلادهم
في صرخة مباغتة
ولا يفكرون في القيامة
وعلى هذا الأساس الرؤيوي، يتطلع من عالم ما بعد الموت إلى الحياة، ومن الحياة إلى ما بعد الموت. تبادل للأدوار عبر الأزمنة والأمكنة عجيب على الرغم من أن العبور من هذا العالم إلى ذلك العالم محكوم بالتضحية والفداء. ومن هذا الباب المشرع على المغامرة، تتردد المرة تلو الأخرى، صور السفر الدائم والرحيل المستمر، والانشغال بالانمحاء من أجل حياة أعمق:
الموتى الذين لا يتذكرون موتاهم
ويتذكرون الغيمة التي تنزل مع السماء
على الأسطح والجبال
وعلى مراوح النخيل

إن سر الخلود الشعري هو هذه المطاردة الحلمية والانتقال بين الأمكنة المتشظية عبر جغرافية الذات و((الطبيعة)) في أقاليمها يطل الحي على الميت ويطل الميت على الحي((. ويا لعمق الأسرار وقوة الارتباط بالأرض من هذه الربوع القصية. ولا بد من لفت الانتباه إلى هذا الإنصات الحكيم حيث تجاوب نغمات الطبيعة والهسيس بين الكائنات في الصحراء الشاسعة الساحرة. فالإصغاء إلى دبيب الحركة في جوف الأرض وسطحها خطة أساسية لكشف الحجب الساترة، وذلك ما يحفزنا على الاعتقاد بأن الانكفاء على الذات استشعار لحجم الانكسار الجماعي وتفريغ لحمولة الشوق والحنين الواصل بين الحياتين: الحياة السابقة والحياة اللاحقة لتجربة الموت. ومن هنا، يفتح الاحتفاء بالحلم وبالطفولة السعيدة أبوابا على لحظات البداية والولادة. وهذه الحرارة التي تملأ الأزمنة الأولى والأمكنة كما تشكلها الحكاية:
حكايات الطفولة البسيطة التي ذهبت بددا
وعاث جنباتها التلف والخراب

ويساعد هذا الاستحضار على الاحتفاء بالحياة في أبهى صورها وأروع مفاتنها كما تجسدها ((طيور الصبا)) التي تجدد دماء الحياة في أوصال الذات والمجتمع. إن هذه الزيارة الرمزية تصل العالم الآخر بالعالم الدنيوي:
في مكان قصي يتبدى مثل كهف مقذوف
في العاصفة بين الجبل والبحر، عشت
فترة من الطفولة.

جغرافية غرائبية موحشة، ساحرة قاهرة، تجذب الكائن إلى دوائر لا متناهية من الأحاسيس المتناقضة: الحب والكراهية، القلق والسكينة، الإقامة والترحال، الرضى والغضب. أفعال وحركات إرادية وغير إرادية، تستقي محفزاتها من السيرة الشخصية، حسب مسعى خطابي يحقق تناغما إيقاعيا في النص والواقع، توجهه إرادة الإقامة على الأرض، بعد التخلص من اشتراطات الواقعي، والغوص في الحسية. فالتقاط المشهد عملية مركبة هي اجتثاث له من حالة مشوهة إلى حالة ظهور وحيوية. إن تبادل الوظائف بين اليد والعين، ينقل الفعل من محاكاة المتجسد إلى محاكاة احتمالاته. من هنا، فالتكرار المتصل لفعل المراقبة، ينم، عن تحولات محتملة، وانتظارات مؤجلة، هي رهانات الذات في مغامرة الكتابة والحياة.
والاستغراق في المشهد الطبيعي طريقة من طرق التوحد، وانعكاس الداخل على الخارج النفسي الانفعالي. فالمشترك بين طبيعة التأمل وحوافزه هو الاغتراب والنفي، لا يتمايز عن أوضاع الكائن المنفي المجتث من جذوره، والمقذوف به في عالم استحال ((جثة)). المشهد، في المحصلة ذريعة، تناميه الداخلي عبر الاستغراق، يحوله إلى وسيلة اختراق.
المكان الجرح والهاوية. فضاء الصحراء الربع الخالي. فضاء الفراغ والصمت والهباء. حاضن السكينة المقلقة والصمت المرعب، مبعث التوقعات وانتظار المجهول. المكان أمكنة والجرح الأول يتناسل جروحا؛ والوجه وجوه تتعدد بمواصلة المشي. صرخات من كل الجوانب والأطراف تخترق المكان لتشمل الوجود. وبقدر ما تتجاذب مواطن الطفولة والأمكنة الأولى الذات، من غير أن تكون العودة مأمونة بل باعثا على تجربة ألم مريرة، فإن ما يستقر من سيرة الترحال يوسع دوائر الجرح.
وقائع من السيرة الذاتية تجرد القصيدة من بلاغيتها القديمة من خلال نثرية سردية ممعنة في نفي تاريخيتها التقليدية، فاتحة آفاق مغايرة في التشكيل والبناء، بما ينسجم والرؤيا الحداثية العامة، بنفس القدر الذي تجرد فيه الذات والعالم من التصورات والمحمولات الذهنية والموروثات المتراكمة. بهذه القدرات الكبيرة على المحو، تهجم جملة من المشاهدات والتجارب والمواقف في معترك الحياة وفي عوالم القراءة والكتابة، دفعة واحدة ودون سابق إنذار، لكن لا تلبث فتصبح علة ألم وحنين. إن ما يستقر في البداية والنهاية، هو عنف الزمن، المجابه بتجربة الغوص في عتمات الهاوية والإيغال في المتاهات الدنيوية والأخروية. وهي جميعها تجارب قيامية ظلامية. ففعل الغياب يواجه بفعل تجاوز الزمن، وتجريب ولوج العوالم الممكنة، وهي عوالم المقابر بظلماتها ونداءات أهلها العابرين.
اللقاء البعثي بالذات وبالآخر، إذن، محصول انقطاع الأسباب بالعالم، وظهور قيامي أصلي مفتاحه التعرف. والزوال والمحو هو فاتحة البدايات الجديدة، كما أن الاستمرار في الأولى عبر السلالة لا يماثله، بالضرورة، استمرار بنفس السلالة في الثانية وما يعقبها. فعبر الموت والانبعاث يؤكد الحضور. ولذلك يأخذ صراع الموتى مع الزمن أوجها مختلفة باختلاف طبيعة الحضور الما قبلي والما بعدي. إن الحضور الأول ببساطته وتلقائيته وانفتاحه على الكائنات هو استمرار ولكن هذه المرة في الانقطاع. يحمل الموتى تواريخهم المثخنة بالجراح وصرخاتهم وآمالهم الممحوقة داخل خطابية سردية وصفية جامعة للواقعي والمصطنع، الحادث والمرغوب في حدوثه، الطبيعي والخرافي، الوضيع والنبيل بعيدا عن المحاكاة الأرسطية، حسب لحظتين إيجاديتين أساسيتين، هما: لحظة الولادة ولحظة الموت حيث تلج الولادة الموت ويلج الموت الولادة. وعلى هذا النحو، تتبدد الحكايات، وتبقى الحكاية الأصلية: حكاية الطفولة وأحلامها. فضمن مناجاة الموتى واستعادة طفولتهم ولقائهم الأول بالأشياء والكائنات، وإعادة ترتيب الأحلام والصباحات، تبرز طفولة الذات مستنيرة بالسيرة الشخصية، وقد تخلصت من فضلاتها. إنها رغبة، بلا شك، في كتابة ثم محو مستمر لطفولة مؤجلة تترنح بين مشيئتين في الزمان والمكان هنا وهناك كطائر جريح أو لنقل بلغة الشاعر مقصوص الجناح.
دوائر من الضيعة تلف هذه الذات المتشظية في هذا السديم. فالوحشة الأبدية لا يضاهيها سوى العمى الكلي والنسيان العظيم والعبثية البالغة حدود العدمية، ما دام سيل الوقائع يصب في مجرى الخسارات والفقد والغياب. وتلك سيناريوهات مشيئة عمياء، تخبط في أي اتجاه موسعة الجروح في الجسد وفي الروح. ندوب وجروح غائرة لم تعد الذات بعدها تحفل بما يطفو على السطح من غثاء وابتذال وعفن. حتى التعارضات نفسها لم تعد مدعاة للاكتراث، سواء ما تعلق منها بالمعهود اليومي أو بالمفارقات الصارخة والمهاوي السحيقة بين الكائن والكائن، أو ما تعلق منها بالصراع المستديم بين التقليد والتحديث في الكتابة والقصيدة بخاصة.
إن قسوة المكان وعنفه لا تضاهيه سوى ظلمة المقابر. من ثمة، يأخذ الاختراق اتجاهين متقاطعين مرة ومتحدين مرة ثانية: اختراق الما - قبل والما - بعد، وبين الكونين تروح وتغدو الذات مسكونة بالرفض، رغم ما تكالب عليها من صروف ومحن، إذ قذف بها في براثين الغربة والنفي. كل ذلك يفسر الكبو والنهوض المتتالي من انتكاسات وجحيم أرضي متعاقب. فكلما عظم الضجر وضاقت السبل أمام ذات مسكونة بالحركة والقلق والحرية والانطلاق ازداد الألم وامتدت الشروخ لتردي إلى الفراغ والهباء. والخروج من الدائرة المغلقة متوقف على ابتكار حتمية مغايرة للحتمية التي تواجه الكائن في الصحراء.
وتجدر الإشارة إلى أن اللغة الشعرية، تنبني وفق فسيفساء لفظية وتركيبية آرابسكية (( نسبة إلى فن الآرابيسك))، تتجاوز فيها البناءات الاستعارية والمجازية المكثفة مع الصياغة اللغوية النثرية المباشرة الصادمة في خطوط ودوائر وأشكال عجيبة تتقاطع فيها التجارب: الذاتية، الحياتية والإبداعية، الفردية والجماعية، القطرية والقومية والإنسانية. لذلك يمثل تذكر أرض الحلم والطفولة الموطن الأول، بجغرافيته العجيبة: يبعث الدهشة والانبهار والحنين إلى مرابع الطفولة الأولى: [اللعب- البراءة- الأمل- تعلم السباحة- ذكريات الكتاب...] التوق إلى الاستشراف والتطلع إلى الما وراء في جميع هذه الأفعال، الإرادية وغير الإرادية، يكتسي وجوها متعددة، وحركات متقاطعة لا نهائية:
-هناك شاهدت العناق الأول
بين الجبل والبحر
(...)
ورأيت ميلاد الأبدية
إنها ، بلا ريب، تقاليد روحية وكشفية عميقة: فتح الصبا القابع في أعماق الذات، والرضاعة من ثدي الوجود. على هذا النحو تولد عشق العزلة والسفر والمغامرة فاتحدت بذلك الصرخة الأولى مع النداء البدئي. وتلك هي الأسباب التي تغني المشاهد والرؤى التي تتداخل فيها العوالم كما تتداخل الأشياء والكائنات لتفسح المجال أمام مخيلة الطفل المتطلع إلى المغامرة والرحلة البحرية تلبية لنداء المجهول المغاير. وفي هذا المقام، تتقاطع المتناقضات: الحب والكراهية، الإقدام والخوف، والحيطة والتوجس :
كان ذلك عام 1965 أتذكر كنا ننام على حافة الوادي

ومن المفيد الإشارة إلى أن الضمير المنفصل ((نا)) الدال على الفاعل في سياق الرجوع والتذكر، يؤشر على الانفتاح والتوحد حيث لا يسع الذات في نشوة الذكرى وحرقة الحنين إلا أن تشرك ((رفقاء الصبا)) الذين غابوا و:
-...طارت بهم ريح النوى والنوائب
وفي غمرة هذا المزيج من العواطف والمشاعر يحصل البوح باسم الرحم: البيت الحميمي: قرية ((سرور)) مما يدفعنا، على التو، إلى تذكر ((جيكور)) قرية الشاعر المؤسس بدر شاكر السباب الذي كان الشاعر سيف الرحبي قد افتتح ببيت شعري له هذا الديوان / الكتاب الشعري. يأبى الشعر، إذن، إلا أن يخلد شعريا مواطن الصبا المعزولة و المنفية التي تنبعث من ربوعها أنسام نشوة غامرة هي التي تدفعهم إلى صيانة عهد الطفولة والوفاء له غير أن صور الطفولة السعيدة لا تلبث تنقلب إلى قلق وخوف نتيجة ما يحمله المستقبل من أحداث ستكون مبعث الحيرة والسؤال المقلق. وبغية إحداث هذه النقلة يتوسل بالحكي من أجل العبور من تفاصيل السيرة الذاتية إلى بعض المحطات من التاريخ الوطني: [وصول القادمين من الشرق الافريقي وزنجبار الذي يعد انقلابا في تلك المناطق، وثورة على الحكم العثماني..]
إن الوطن الذي يسع الموطن الأول هو مكان مستقطب تتجمع فيه عدة أمكنة لأنه منطقة تخومية عبورية تفور بأفواج العابرين والمقيمين. كل فوج يحمل حكايات ومغامرات هي إرثه وتاريخه الشخصي والجماعي. ومن ثمة، فلا عجب، إذن، أن يحصل في هذا المكان لقاء أصيل وعجيب. هو، في المحصلة، عصارة الحضارات الإنسانية لأنه معبر لخليط من الأمم والأجناس القادمين من الشرق الإفريقي وزنجبار والقادمين من حضرموت- ورحالة البدو من أقاصي وهيبة والربع الخالي.
ومن المفيد التنبيه إلى أن استقطاب المكان يتقلص ويتوسع من المحلي إلى العالمي تبعا لدرجة الإشعاع والتوق إلى الأبدي :


وكنا نحن عصابة الإصغاء نلملم أطراف المشهد
معيدين بناء المغامرة في مخيلاتنا المرتجفة من فرط
الهواجس وأحلام الاقتحام

ومن هذا المنطلق، فإن توازي وتساوي أطراف المقطع الشعري، ينقلنا من الرصد التاريخي الخاطف إلى الإضاءات الشعرية المكثفة الإيحائية بغية كسر الرتابة التي قد يوحي بها المقطع السردي السابق. ولهذا الغرض، يتحول السرد من المعلوم إلى المجهول كما يظهر من خلال هذه المقابلة:
سمعنا النداء الغامض
قادما من أسافل القرية
- سمعنا النداء نفسه من أعالي القرية
هذه المرة
يحصل الانتقال من الأسفل إلى الأعلى لترسيخ تجربة التسامي التي تبدأ بتحسس حجم الجروح والندوب في الجسد الفردي والجماعي، ومتابعة اتجاه العواصف من الجنوب ومن الشمال. بهذا المخزون من القيامات، يتأسس هذا الجحيم الأرضي الذي تكون بؤرته الخليج العربي.
ومن الجبل إلى البحر يواصل السارد تفاصيل الحكاية التي لا تكتمل حتما مؤشرة على لا نهائية الطريق، وغنى العوالم والاكتشافات. وفي هذا السياق، تهيئ الذات طقوس احتفاء خاصة برمز المغامرة [ابن ماجد] الذي خبر البحر بحنكته ونباهته الخارقة، كاشفا الستار عن خبايا المثول الرؤيوي:
أراه الآن وحيدا
وتمثل على هذا الشكل صورة المغامر الذي يهوى المتاهات، مما يحرك الرغبة في التوحد والانفصال، بغية تأسيس علاقات جديدة، لأن الذات الماثلة في الرؤيا تجدد فصول المأساة وضروب المكابدة والمعاناة. وذلك، بلا ريب، مصير مشترك يتقاسمه أحباء السفر والمتاه:
ربما تذكر طفولته في بحر عمان
وصحبه الذين هلكوا
وما زالت أرواحهم ترتجف على الصواري
وقيعان البحار.
هو البطل الأسطوري يقف في وجه الخطر والقدر، ويتصدى للخراب والدمار، ويصارع القوى الخارقة، ويروض قوى الظلام والعتمة أي يروض الزمن:
ابن ماجد سليل الخطر، مروض العاصفة في ليلة هاج فيها اللج
وأزبد وسط ظلام مذعور، يرتطم فيها صراخ الغرقى وتضمحل
على حائطه الإرادات.

والملاحظ أن هذه التجربة الفريدة، والخبرة السرية بالمسالك والمجاهل، توازي خبرة الأسلاف بالمعابر الجليلة، لتشكل صورة أخرى من صور المؤاخاة والعناق، إسوة بعناق الجبل والبحر. غير أن هذه الطاقات الإبداعية الخلاقة، غالبا ما تسخر لنسف الذات:
كنت نسر البحر لكشوفاتك الخاسرة
ولا ريب أن التقاط بعض مظاهر الحياة اليومية وصهرها في تجربة الشعر، يؤكد طبيعة التوجه الحداثي الذي يحفر تجاويف في الأرض والذات والمجتمع. وتوجهنا الخاصية التركيبية: البنية الإضافية، ضمن هذا الإطار، إلى الانشغال بأغوار الذات، كما يظهر من ((ياء الملكية)): [ بيتي]:
الشجر الذابل أمام بيتي

وتحسن الإشارة إلى أن الرحلة نحو الأعماق، هي استجابة لنداء الشعر الآسر، بقدر ما تثبت إشارات لارتياد أقاليم قابعة في أغوار الذات، بقدر ما تغذيها بإضاءات نقدية، بها يتحقق الالتحام مع الآخر، لأن المغامرة الشعرية مشرعة على الصدام والمواجهة لإنجاز البدائل القمينة بإحداث التصدعات في جدار السياسة. إنه قدر الرؤى المغايرة التي تتوسل بالشعر ملاذا أمام العواصف الهوجاء التي تجتث المنظومات المكتملة التي تغذيها المصلحة: المحلية والإقليمية أو الجنسية أو الطائفية أو الدينية. وهذه الخلفية هي التي تحكم الانفتاح الشعري المتجسد في تأمل حقب تاريخية ممتدة من تاريخ الأمة العربية. ولعل أهم المنطلقات التي تؤسس هذه الحوصلة الشعرية: المنطلق التاريخي الذي يعاد النظر إليه شعريا، من خلال استعادة العلاقة بالمكان الأول، والأمكنة الحاضنة للتجارب الحياتية اللاحقة: محليا وإقليميا وإنسانيا. ومن ثمة، فما يميز الوقفة التأملية، في هذا المقام، هو المعايشة من الداخل والخارج في آن واحد، والتي تسمح بالنفاذ إلى صلب التحولات الاجتماعية في المجتمع العربي عامة، والمجتمع الخليجي بخاصة قبل وبعد اكتشاف النفط. وهذه المساءلة الشعرية تتوسل بالرمز لرصد لحظات التحول وطبيعته. وهذا المسار التاريخي هو نقيض الشعر لأنه توقيف للحلم وإحكام للثبات والسكون. ولذلك يمثل الرجوع إلى الذات قياسا مع حجم الألم والمعاناة، ووطأة العادة والمألوف. ويا لثقل حياة رتيبة مستنسخة، كما تستنسخ الكائنات البهيمية والممارسات اليومية:
لا تحمل فكرة، أية فكرة، كالنظر في المرآة مثلا، فتح شباك،
إطلاق نظرة على جبل الأحقاف وصرعى الأوبئة والسراب،..

ولا ريب أن الانغلاق والانكفاء تتجدد بموجبهما فصول المعاناة: النهارية والليلية على حد سواء. والأدهى في هذه المكابدة هو نسيان الجماعة الرهيب للجروح والندوب، بعد موجات التطبيع والاستئناس بالسقوط والاندحار:
لا تفكر في شيء لا تضمر شيئا، حتى
الكراهية التي ربيتها مثل طفلك المدلل ذبلت مع الأيام وكذلك
الذكريات والمحن والعلاقات
ولما كانت المغامرة الشعرية تجاوز للمعطى الواقعي والتاريخي، فإن مقاومة الانغلاق مستمرة، لذلك تجرب الذات حالة الفراغ الصافية، تبلغ بواسطتها مرتبة التسامي التي تجعلها شاهدة على ما وراء المفارقات الواقعية: الولادة، الموت، الغنى الفاحش، الفقر المدقع، والتقليد والتحديث:
لا تبالي من رحل اليوم ومن سيأتي غدا،...
إن محاولة النسيان المرحلي فسحة من أجل التخفيف من وطأة الأوجاع والآلام، وسبب من أسباب التسامي، ومقاومة السكون من خلال مقابلة ((سكينة)) مبتذلة يومية بـ((سكينة عميقة))، تتولد عن الألم والوحشة، من أجل مجاوزة عتبة الموت. وتلك بغية الذات ووكدها لفتح باب المطلق:
تخطو نحو الباب كأنما تذرع قارة بكاملها،
ترمق الحقائب التي تبعثرت أشياؤها
كأحشاء قتيل، دمه ما زال ينزف،
حارا حرارة الصيف الساحق، دم المهرج
والشاعر، دم التائهين
في برية الله.

ومن هنا، فالتيه قدر المسافر الذي يصر على مواصلة الطريق، على الرغم من استشعار فداحة الخسارة منذ العلامات الأولى المغرية في هذه المسالك المجهولة، فهوس المكان: الطبيعي والرمزي، يملك الكيان ويزلزل الفؤاد لأن القدم تسيخ بصاحبها في هذه الأركان الحميمية القصية: عتبة الباب، الموطن الأول، التخوم، البحر، أعالي الجبال... ولعل فدية العبور هي الوعي التراجيدي بالانقلابات الخطيرة في مسار الحياة بفعل الغزو الأميركي الجديد، سواء عن طريق التدخل المباشر أو غير المباشر عن طريق الشركات الكبرى المتكالبة على ثروات المنطقة العربية. مع ما واكب ذلك من نكبات وانكسارات. كل ذلك يشكل فصلا من فصول المشهد القيامي. ومن هذا المنطلق، فالتحول غير الطبعي من مجتمع بدوي إلى مجتمع استهلاكي يرسخ التبعية في الاقتصاد والسياسة والفكر. الأمر الذي يقتل روح المبادرة الفردية والجماعية على حد سواء. وتأبى الذات أمام هذه السيول الجارفة إلا أن تضع المتاريس في سبيلها لكي تستعيد مساراتها الحقيقية كما تحفرها إرادة الشعر المؤسس على الصدام والصراع.
وتحيل الإقامة في هذه الفضاءات الذات إلى جثة خامدة لا ماضي لها ولا مستقبل، كما تعطل حركتها، فيخبو للحظة كل أمل في التسامي نظرا لسكون العالم المحيط. وتمثل، في هذا الإطار، رسائلُ الأحبة المنفيين أو الغاربين شكلا من أشكال التطلع إلى مجاوزة الانغلاق، وعنف المكان، والذكريات، مما يدفع بالذات في متاهات الحيرة والقلق، من جراء توقع الحتف في الحياة والكتابة. وفي هذا المقام، تلقي تجربة الشهيد غسان كنفاني الروائية بظلالها من خلال تصوير اللاجدوى من الخوف والتوجس ما دام الموت مراتب، والشهادة، لا شك، أسمى وأسنى من الإذعان والخضوع. وفي هذا الأفق المنغلق، تتوارد الصور القاتمة والبشعة: صور الحفر التي تتناسل وتتوالد فيها كائنات وضيعة: صور الحشود الغازية، صور الخنوع والاستسلام.. هذه المشاهد تتضافر لتأجيج درجة السخط والغضب، وتعجيل الالتحاق بركب المشائين المغامرين، ما دامت مظاهر الخراب والدمار قد استحكمت، فخيمت بذلك القتامة والحلكة على الوجوه، فانحبس نتيجتها الحلم:
يمكننا النزول إلى البحر
يمكننا تناول الطعام خارج المنزل.
ولا بأس أن نشير إلى أن الانغماس في الحياة اليومية لا يفضي إلى مصالحة الواقع أو الإذعان لمشيئة المألوف، ولكنه، على النقيض من ذلك، يؤجج نار الجحيم في الأعماق ويجرف الكيان في دوامات الحيرة ومتاهات المغامرة. فهواجس اختراق المعتاد ماثلة دائما، وهي مبعث الكراهية والنفور من المبتذل، ولا يهم، بعد ذلك حجم الوحدة والعزلة والنفي:
ربما كان سعيدا أو هادئا على الأقل من غير
مشيعين ونائحات ولا يحزنون

ولعل أهم ما يتمخض عن هذه الانطلاقة والتحرر من قيود المحسوس والعادة، هو تسريح النظر قصد ممارسة الفعل الرؤيوي شرط الكتابة المختلفة والمغايرة، ما دام تجاوز جدار اللغة والحياة رهين برؤيا وجودية شاملة يمتزج فيها الجسدي والروحي، الأرضي والسماوي. ويمتد الارتجاج، ضمن هذه الإطار، من الذات إلى العالم، ومن الواقع إلى ما يتعداه. ولا شك أن الإقامة في هذه العتبات والمعابر العجيبة إقامة جوهرية في حضن العاصفة، لأن السكينة المرحلية ليست سوى إيذانا بغربة جديدة ورحيل آخر نحو أبعاد أخرى مجهولة: حياة ثم موت ثم حياة ..
متى أتاهم هادم اللذات
فهاموا في الصحراء من جديد
إن سبيل الرؤيا هو سبيل التحرر وإنزال صواعق الغضب، ومحق هذه المظاهر والأقنعة الزائفة التي تولد السخط والنفور من هذه المدن الاسمنتية التي لا روح فيها ولا حياة، فكل شيء فيها ممسوخ، وما يحيط بالذات يمتص ما تبقى من رحيق الحلم، فلا يطفئ الظمأ سوى السير والمشي في دروب مجهولة لا تنتهي:
بينما يفكر في حانة أخرى تجرفه
نحو صباح آخر
صباح العودة إلى أرض
الضفاف والحرية قبل أن تصفعه
نوبة السكر والريح الساخنة ملفوحا
إلى أرض الحقيقة والنسيان

وفي هذا المقام النصي، توقفنا هذه الفسيفساء التي تتقاطع فيها متون وخطابات متشعبة، يتقدمها المتن الصوفي الإشراقي برؤياه الفتحية لأرض الحقيقة كما كان قد أشار إليها شيخ الصوفية محيي الدين بن عربي. ومن ثمة، تتجاوز مقامات الرؤيا الحدود الزمنية، فتخترق الماضي كما تخترق المستقبل. وقدر الذات عندئذ هو الهيام بالكشف عن الأسرار. لذلك فالاسترسال في الرؤيا استرسال في الشهادة، وإعادة لمجلى الوقوف على مشارف الهاوية حيث تتجدد الصور، وينكشف الوجود، فيمثل أمام العين الثالثة مشهد الأحبة المنفيين. وعلى هذا النحو، تتجدد اللقاءات الواقعية والرمزية من أجل إحياء طقوس الولادة والبداية، وإعادة رحلة اليتم والغربة، والسفر في اتجاه المجاهل. فهذه الزيارات الرمزية بالقدر الذي توطد صلات الذات بالكشف وتجعلها تقيم في مناطق الخطر، تحيي الكلوم والجراح، وتعيد بعث فصول من الألم والمعاناة يأبى الشعر الصادم رفعه بالحلم المغاير والاحتفاء بالمكان الذي يحضن أحباء المغامرة.
وفي قصيدة ((مقاطع)) تطالعنا المراوحة بين النفس المسترسل بواسطة الحكي، والشكل الكتابي الشذري الحكمي يتضافران لتجديد فصول المعاناة، مما يبعث ثانية الألم ويؤجج الماضي لواعج الشوق والحنين، من خلال استعادة ضروب المكابدة والمعاناة، وقوة التحمل في رحلة الاغتراب بابتهاجاتها وجروحها، فيتآزر الاغتراب والغربة لجعل الجروح أكثر غورا. في هذا المحيط، تحديدا، تمتلك الرهبة والرغبة الكيان والوجدان. ففي هذا المكان: ((الكهف)) لا سبيل إلى الخلاص إلا بالكتابة الحرة والمتحررة، المغايرة والعابرة للحدود والفواصل. إن أسلوب الاختراق، لا محالة، يفضي إلى الضلالة والغواية، لأن القيم، في هذا المرقى، نسبية غير مطلقة، كما أن عتبة الخطر مفضية، لا محالة، إلى سلم تراتبي للقيم مختلف. وتلك مسيرة الشعراء الملعونين الذين تلاحقهم الحيرة والقلق والهم منذ الأزل، لأن مواطئ الأقدام تسيخ من فوق هذه الأرض الهشة الكثيرة الانحدار. وهذا الدرس الحداثي بامتياز، هو خلاصة الإنصات إلى البحر وحركته السرمدية: المدّ والجزر. وعلى هذا النحو، يشكل الوعي الشعري الجديد القائم على أساس النقد المتوسل بالغمز واللمز الموجع، والسخرية اللاذعة من الأدعياء. خليق، إذن، بهذه الذات الغاضبة الساخطة أن تنقاد إلى سلطة الحرية فتحرر الرغبة من عقالها، وتنساق لنداءات الصباحات ومباهج الطفولة. ولا غرو في ذلك ما دامت عازمة حازمة على الغزو:
أنا توأم البحر والغروب

وتحسن الإشارة إلى أن القصيدة الثالثة المعنونة باسم العلم ((عمرو بن قميئة)) تدخلنا مجددا في عالم التيه والضلال، وذلك بانسلال رفيق الشاعر الضليل إلى المخيلة لكي يؤشر بتجربته المثيرة على رؤية جمالية حادة، تتجاوز الخط المكتوب إلى الكتابة عبر الحياة والسيرة الشخصية. ووفق هذا المنظور، تتوسع دائرة الشعر لتنغرس في الوجود عبر الكتابة، وعبر التجربة الحياتية لأن المعبرين كليهما خلاصة لتجربة كيانية يحركها السفر والرحيل الدائم نحو الأبعاد. هكذا تلتقي الذات بالذات في نقطة عليا من الصفاء الذهني والروحي، كان أقطاب السوريالية لامسوها كتابة وتنظيرا وممارسة.

وبمقدورنا القول إن القصيدة التي تحمل عنوان: ((يد في آخر العالم)) هي عصب هذا الديوان/ الكتاب الشعري، فهي الجسد الكلي الذي يتشظى عبر القصائد، وقصيدة القصائد التي تمثل بؤرة تجمع وتفرق العناصر البنائية، والعلامة التي حاولنا الاهتداء بها في هذه المقاربة الشعرية. وقد نتساءل، في هذا الموطن، عن الغاية الشعرية من تقسيم الكتاب إلى أربع قصائد علما بأن القصيدة الأولى تحتل الحيز الأكبر، فضلا عن إمكانية إدراج القصائد المتبقية في صلب القصيدة الأولى، لأنها تشكل عالما واحدا منسجما متكاملا حسب الفرضيات التي انطلقنا منها، والمسارات التطبيقية التي نهجناها. غير أن الذات الشاعرة، وكما عهدناها، مشاكسة تأبى إلا أن تخرق النظام، أو ما نعتقد أنه نظام، لتؤسس قانونها الخاص القائم على أساس الحرية والنفي. سيرة شعرية حافلة بالمفاجئات كمثل السيرة الحياتية في بداياتهما المتجددة.







الخاتمة

نخلص من تدبر هذه الوقفات الشعرية إلى أن صحبة هذا الديوان / الكتاب الشعري لقاء هيأت طقوسه كتابة مغايرة تنتهج المغامرة والسفر الدائم نحو الأقاصي لمعانقة مطلق منفلت أبدا. ليس للمسافر الشاعر فيه سوى زاد الإصرار وتحدي المألوف والمعتاد في الإنسان والوجود. وهذه اللحظة الشعرية التي عاينا بعض أنوارها توهج في مسيرة هذا الشاعر المشاكس الصادم لآفاق انتظار القارئ: حياتيا وكتابيا. ولقد كانت جملة من المؤشرات النصية إنذارا بتجريب كتابي مختلف يعيد النظر في كثير من قضايا الشعرية العربية: من قبيل الشعر الحر، الشعر الخارج عن الوزن والانتظام العروضي الخليلي.. الأمر الذي يمكن أن نعتبره لحظة مساءلة جذرية من صلب القصيدة لمفاهيم الشعر المتداولة في الثقافة العربية، واقتراح تعريف ضمني للشعر من خلال كتابة أكثر رحابة بوصفها تأسيسا للوجود.
وعلى هذا الأساس، قادتنا فرضية إدراج الديوان/ الكتاب الشعري في مسار الحداثة إلى تأكيد أولوية الإيقاع في البناء النصي وخضوع كل محاولة كتابية إلى قوانين داخلية ضمن أنساق لغوية تتولد بالكتابة وفيها، مما يكفل التجدد باستمرار. ومن هذه الزاوية، حاولنا الانطلاق إلى اكتشاف عوالم هذا الكتاب من رؤى تركيبية تؤاخي فيها بين التجربة الفلسفية الهيدغيرية والتجربة الشعرية، فانتهينا إلى أن انشغال الشاعر سيف الرحبي بتجربة الأعماق، ورحلة البحث عن المجهول، هي خلاصة مكابدات حياتية وإبداعية. ولقد مثلت الهجرة والترحال ركنا أساسيا وعتبة واقعية وخيالية. فهو الشاعر المسكون بالمغامرة وتجاوز المنجز الكتابي الذاتي والجماعي.
ومع مجابهة الذات الفراغ وجها لوجه، يكتمل فصل من فصول المعاناة، وتتأجج حدة التوتر والصراع، بغية إعادة الاعتبار للحياة شعريا عن طريق إدانة أشكال التزييف والتشويه التي تطال الإنسان والمجتمع. ومن هنا، أمكننا القول بأن الأسئلة الوجودية التي تشكل الهمّ الشعري الراهن في هذا الكتاب ترتبط عضويا بالحركة الدائبة اليومية للكائن: بحاضره ومستقبله، وبآماله وأحلامه. ومن ثمة، صح القول بأن اليد الثالثة التي رسمت برقة وعنف تضاريس هذه الطوبولوجية الكتابية تقبض على الزمن وتتجاوزه، وتحرر اليومي من عبودية العادة وإكراهات المألوف لأنها تحتمي بالوعي واللاوعي، بالمجهول والمطلق. وتلك هي المنافذ الفاتنة التي حاولنا الإطلالة منها على هذا العالم الشاسع، القصي والممتد، متواضعين أمام حكمة الشعر، والتناسل الحركي المبدع لعمليات القراءة والتأويل.


المراجع

الكتب والدراسات العربية

- أدونيس، الثابت والمتحول، ج.3، صدمة الحداثة، دار العودة بيروت، ط.4، 1986
- محمد بنيس، شطحات لمنتصف النهار، المركز الثقافي العربي، ط.1، 1996
- محيي الدين بن عربي:
* تحفة الأدوار، ضبطه وقدم له وعلق عليه عبد الناصر أبو هارون، الحكمة، ط.1، 1417-1996
* الفتوحات المكية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
- عبد القادر الغزالي، نظرية التواصل واللسانيات، رومان ياكوبسون نموذجا، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، ط.1، 2003
- عادل ضاهر، الشعر والوجود، دراسة فلسفية في شعر أدونيس، دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الأولى، 2000
- سيف الرحبي، حوار الأمكنة والوجوه، نصوص ومقالات نقدية، كتاب نزوى، مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، العدد 1، نوفمبر 1999م الموافق: رجب 1420 ه
- أرق الصحراء، يوميات، الانتشار العربي، ط.1، 2005

الكتب والدراسات المترجمة

- جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة، كاظم جهاد، دار توبقال للطباعة والنشر،
- هيراقليطس، جدل الحب والحرب، ترجمة وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار التنوير
- نيكوس كازانتزاكيس، زوربا، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، ط.7، 1989
-

الكتب والدراسات النقدية باللغة الفرنسية
- Denise Brihat, De L’être ou Rien, Heidegger et la philosophie de L’être, collection croire et savoir ,p. 39-40

- Gérard Genette, Seuils, édition du Seuil, Paris, 1987
- Henri Meschonnic:
- Modernité Modernité, Verdier,1988
- le signe et le poème, éditions Gallimard, 1975
- Critique du rythme,

- Julia Kristiva:
- Polylogue, éditions du Seuil,1977
- La révolution du langage poétique, éditions du Seuil, 1974
- Recherches pour une sémanalyse, édition du Seuil, 1969
- Paul Ricoeur, LA métaphore vive, éditions du Seuil, 1975
- Roman Jakobson, Quéstions de poétique, collection poétique, Seuil, Paris, 1973

فهرس


مقدمة 7

العتبات النصية 9
1.الصفحات الاستهلالية والختامية 11
2. لوحة الغلاف 13
3. العنوان وانفتاح التأويل 13
4. الإهداءات 17
5. التوضيحات 18
6. المقاطع الشعرية 18
7. الأبيات الشعرية 22

الحداثات الشعرية ورهانات مغايرة 27

الكتابة بوصفها أفقا حداثيا 37

التجربة الشعرية ودروب المتاه 45
- التسامي والحدود القصية 53

القصيدة سفر نحو الهاوية 65

الذات والعالم 81

انشطارات الذات 89

الخاتمة 105









صدر للكاتب

الدراسات

- اللسانيات ونظرية التواصل، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، ط.1، 2003
- الصورة الشعرية وأسئلة الذات، قراءة في شعر حسن نجمي، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط.1، 2004
- الحداثة الشعرية، في شعر أدونيس، مؤسسة النخلة للطباعة والنشر، وجدة، المغرب، ط.1، 2005

الشعر

- عتمات يليها صور في الهواء، مؤسسة النخلة، وجدة، المغرب، ط.1، 2003
- مرايا البحر، مؤسسة النخلة، وجدة، المغرب،
- فلك المنازل، تريفة كراف، بركان، المغرب، ط.1، 2006