جديد الكاتب

يد الشاعر (قراءة في مجموعة “يد في اخر العالم” لسيف الرحبي)

محمد علي شمس الدين

من أماكنه القديمة ، بأسمائها ومعالمها ، حيث ولد وجاء في نشيجه سلالات أسلافه ، يمد سيف الرحبي ، الشاعر العماني يد الشعر الى اخر العالم . والصورة المجسدة والهائلة التي يمنحهاى العنوان ، لليد البشرية التي تنتشر الى نهايات الوجود ، تذكر بسريالية سلفادور دالي المضخمة عينها ، حيث في احدى لوحاته ،حصان ينطلق من نافذة مفتوحة فى أعلى برج، واتجاهه في الفضاء. وهي سريالية ذات نكهه ملحمية ، يديرها سيف الرحبي في قصائد الديوان ، إنها جوهر صنيعه على ما أرى .والصورة الشجية والقاسية الكاسرة أيضا ، المنقضة في النص ، والتي ينتقل بها من مكان لآخر ، أشبه ما تكون بالضربات والخطوط القاسية لهذا الفنان.. الباشق ، مثلا الذي يرسمه الرحبي ، في مقطع من قصيدته الاولى ، هو هنا منقض على السلاحف والاسماك في القيعان البحرية الملتمة ، وفي الكهوف والخلجان ، وهو أيضا في جانب منه ، يحتوي الفريسة ، ويلتهم بها الفضاء كعريس “وعلى خطمة دم المسافة” والباشق ، سيد الجوارح ، الشريد المفرد ، تراه في النص ، يسافر بين جزائر زرقاء ونيران غجر مندلعة في أفق (هو كما يقول مسودة أفق) خرافي وعصبي بصواعقه وأمطاره المحتقنة.. فالمشهدية الملحمية للأمكنة وعناصر الطبيعة تحقن النص بروح هائجة ، وهي تتجه معه كيفما اتجه ، مع العواصف القادمة من بحار الهند باتجاه بحر عمان المتاخم لقلاع الفرس وأناشيد الرعاة المنحدرين الى وثب الافلاج…)

مثل هذا الوصف الملحمي نجده في أماكن اخرى ، على غرار ما نسميه نشيد الباشق.  فالشاعر المسيج بالوحشة والغربة ، نراه يفتتح كلامه بما يشبه مديح الهاوية ، الهاوية السعيدة ، حيث يتم التحديق فيها لاكتشاف ماض سحيق مثل ليال متجولة على وجه الظلمة “حيث تقشعر أفئدة القساة في ليل بربري المزاج ، وعلى زوايا الهاوية يتعلق اناس قلقون متأهبون دائما لركل الاودية بحوافز افراسهم ، او ليذوبوا في غبش المغيب .

هل يصف الشاعر بلاده؟ أماكنه؟ ” الجبال التي أفرغ الطير احشاءه في سفوحها ” كما يقول ؟ هل يصف أسلافه البحارة والمغامرين أحفاد ابن ماجد ، كيف انتهوا ملتصقين بأخشاب سفنهم المبددة والعائمة على البحار، أو طعاما لسمك مفترس وغامض ؟ وحين يأتي على ذكر الاحقاف ( وهو أقوام قديمة سكنت بين حضرموت وعمان)، والمطاريح (وهي مصبات المياه في اللهجة العمانية) والقياظة والزط وقبيلة وهيبة وقرية سرور … وما الى ذلك من أسماء  ومفردات المكان العماني ، هل يقف عند هذه العدة  من محلية المكان والقوم ، ويجلس معهم ، فقط ،ليرتب العزلات والعواصف “؟ أم ترى يد الشاعر ،تمتد بالفعل من هناك ، الى اخر العالم”؟ أي هل يقيم سيف الرحبي في المكان “والاهل” أم يغادرهما؟

الاجابة عن هذا السؤال تحدد قيمة المعنى لهذا الشاعر ، أي جوهر قوله الشعري . والقول الشعري هو تأويلات العبارة واللغة والسرد والحشد الصوري الوصفي أو الحكائي والعمود الفقري الذي تتحوم حوله هذه العناصر بمجملها ، فنحن أمام نص ملحمي سردي وشعري ، أو قصيدة نثر طويلة بمقاطع ، تليها نصوص قصيرة . وواضح ان موسيقى الرحبي متأتية من تدافعات الصور والسرد ، وتوازنات في الكتل التعبيرية ومن وخز المعنى والايحاء . وهي موسيقى قصيدة النثر . فالمحمول في هذه الموسيقى ، أو بالاحرى هذه الموسيقى بمحمولها ، هو الذي نطرح عليه السؤال : هل يقيم سيف الرحبي في “المكان ” و”الاهل” أم يغادرهما؟وكيف؟ … ما يمكن من خلاله ان نتلمس خصوصية هذا الشاعر .

لنعترف بداية ، اننا في مجموعة “يد في اخر العالم” واقفون على “قلق” حال شعري أكثر مما نحن واقفون على ركز واقامة شعرية في المكان كما في الاهل كما في العبارة . صحيح اننا نشتم أحيانا روائح المحل الخاص (عمان بجبالها وبحرها وافلاجها ومدنها)

أو يفوح من مصاحبة القصائد هذا الشميم الخاص ، الا انها روائح غير مستقرة في كل حال ، فالاقتراب من مسقط اقتراب من المتاهة أيضا ، وذاكرة التاريخ ذاكرة ضبابية ، ما يجعل  الكتابة أكثر التصاقا بالرمز منها بالتحديد ، بل باللابلاد ، اكثر منها بالبلاد … لانك (كما يقول ) “الوحيدة التي بلاعيب بلاماض ولا مستقبل ” وهذه البلاد مرتبطة بالابد اكثر من  ارتباطها بالجغرافيا .. حتى ان خطاب الشاعر لها يقود للالتباس او سرعان ما يدخل في الالتباس ، فنستطيع ان نفترض انه يخاطبها حين ينادي ” أيتها السكينة ثم ما يلبث الخطاب أن يتحول نحو انني ، بكافة عناصر شبقها ، واسرها ، جسدها ورحمها والفراش ، فتنة النبيذ ، العواء من فرط اللذة، وأين؟

“أمام القمر المعتم الذي يقتحم النافذة” .. ثم ما يلبث ان ينكسر هذا العرام الذكوري نحو الانثى المشتهاة المخاطبة ، ينكسر بالدخان والعويل المنبعثين من المدن.. يمحو خصر الانثى /الكهف/ الغابة/ ويبقى منه ما يبقى من الذهب الذي “يبحث عنه العميان في مناجم منهارة” لا ريب في ان هذه الكتابة  هي كتابة مكان في تحولاته الشديدة والصاعقة ، لا على الرقعة او البحر او الجبال او الكهوف، فحسب بل في “رأس الشاعر” وهذا المسافر في اقاليم عديدة وبلاد شاسعة ، حتى كأنه مشرد يتمشى على رصيف كوسمو بوليثي ، من مسقط الى تايلاند حيث بقايا عنادل وعصافير وطيور فجر العندمان، فبلاد الهنود وصخبهم ، فالحي اللاتيني في باريس ، فالاسكندرية حيث المنارة والبخور ، فبيروت.. وهذا التسكع في المدن والاقاليم ، يصحبه تسكع مواز له في المشهد والمعنى ، من طيور ألفريد هيتشكوك الى ذرية الاحقاف ومن بروذون الخليفة الى فراء الاميرة فجان دمو فمقهى الاتيرنا في دمشق… ومن هذا التشرد  لا يبقى في اليد الممدودة وهكذا الى آخر العالم والاشياء ، من شيء أو شيء أو معنى … يكتب الشاعر “لا أرى شيئا” ، لا أسمع شيئا غارقا في ظلام مقابري، كأنه يقدم أناشيده “لبلاد غائبة” لكأنما الشعر يعيد الغائب ، فالغياب إقامة في الروح كما يرى الشاعر .  والبلاد القديمة (بلاده) التي يقدم لها جميع هذه المراثي والمناحات ، قادمة إليه لا من تضاريسها وفجاجها بل من “فجاج الرأس” مسوقة بأحلامها بالدمع ينسكب من أفواه الجبال ، بشعوب انهكها القيظ وحيوانات الصحراء … ومع ذلك فهي بلاد معبودة ، وكمالها لا يضاهيه الكمال عينه في عرشه الكلي. هذا الكمال الشبيه باكتمال  النشوة الجنسية بين عاشقين من اجل النجاس الكائن منهما بعلة الجنس. فالرؤى الابوكالبيسية المضخمة للجبال والبلاد والفجاج في حال تكونها، مخروطة أو مشقوقة بسيف الجنس واللذة الايروثيكية بوصفها  أجسادا جميلة وحية تتناسل في ظلمات التاريخ وكهوف الماضي ، الا انها أيضا تراها في ذروة التهليل الابوكاليبس اللذي الذي يدللها به الشاعر ، ويصف فيه زيجاتها العجيبة المزاوجة بين أبنائها وبنات آوى في قمم الجبال ، والمنجزة لمهماتها (مهمات التكوين والصيرورة) بضراوة السباع وفداحة الطوفان الجارف … ترى هذه البلاد في ذروة التكوين تنحدر فجأة في خطاب الشاعر نحو الرماد والعدم … بل نحو ما هو أصعب من هذا وأشد ايلاما . فسيف الرحبي مولع بتغيير السياق في الكتابة . مولع بالفخاخ التي يزرعها هنا وهناك في حقول النص ومطامنه.. إذ نسأل أنفسنا ، من بعد انجرافنا في سياق خطابه القاسي الملحمي والايروتيكي لانثى او البلاد (سيان) ما الذي جعله يكسر هذا السياق فجأة بما يشبه تحويل دفة الطيران لمائة وثمانين درجة ، مرة واحدة .. فنسأل : يخاطب الشاعر من بقوله : ” أيتها الكراهية ، يا بصقة الكائن في نزعه الاخير ؟ ، البلاد ام الانثى ام القصيدة؟

فهو مولع دائما بانكسار النهاية والالتفاف بها نحو الكابوس والهجاء ، أو الفاجعة :

” أنت بجناحيك الكبيرين / تجوبين البسيطة بحثا عن لمسة الرجل نحو المرأة التي يفترسها السرطان.

إن بذرة من العطب أو الانتهاك ، تتدخل في الابنية الشعرية ، لسيف الرحبي وهي تأخذ تارة سمت المعنى الذي يلتف على ذاته ويكسر اصله ، او يداهمه بنقيضه، فبينما يقوم بتجوالاته في الكهوف ، تراه ينتقل أو يلتفت الى ناطحات السحاب.

وفي حين يمجد الطبيعة ومعاقري صيرورتها من الناس ، تراه يتفجع عليها ويرثي الانسان  ، وفي حين يتكلم على الاحياء ، والمغامرين من أمثال البحار العربي العماني ابن ماجد ، الذين قادوا العواصف في البحار ، مثلما قاد اسلافهم البغال والاسلحة في تلك المنعطفات الجبلية الوعرة … في   واد   مكتظ   بالافاعي والزرافات حيث الرجال الشقر يرمون اللحم للنسور ويلحقون بها خفية حتى تحط في مكان اخر من البيداء …كان ذلك دليلهم الهندسي الذي يقودهم نحو مواطن الالماس .. نقول في حين يمجد الطبيعة وصيرورتها العظيمة القاسية على أيدي الرجال الاحياء ، تراه ينكفيء  نحو الموتى لكي يعاقرهم الموتى القدماء في غسق المقابر، الموتى الذابلين الذين لا يفكرون بالقيامة ، والذين روت القابلات حكايات عن طفولتهم .

وهذه البذرة من العطب والانتهاك ، ربما اخذت شكل قطع السياق الانشادي بسرد تقريري ، يأتي على هيئة مفترضات سردية فهو على سبيل المثال ، بعد ان يبدأ بشعرية الالتباس والاسئلة حول الوجوه ، التي رأها أو خيل له ذلك ، في مهب أحواله ومعترك مدائنه .. فيسأل : هذا الوجه اين رأيته؟ اين صادقته؟ في الحلم ام في اليقظة؟ وذاك الوجه الموؤد في قعر الغرائز ،  من اين ينبثق؟ وذياك الوجه ذو الملامح المتلعثمة الخجلة كيف نتلمسه وفي أية مرآة؟ … وفي لبس هذا الحصار

الجميل للشاعر بالوجوه : وجه أمه، وجه أبيه ، وجه المرأة ، وجه الوجوه … الخ  حيث  تنفجر   الوجوه  جميعا… هكذا دفعة واحدة ، ” فاتحة جدول النحيب ” تراه يعترض هذا التدافع اللذيذ والاخاذ لاحتمالات الوجوه ، بصفحة من السرد أو النثر من ذاكرة ما كائنة في أرض الطفولة . فهنا شاعر يتأمل يتدافع الى الامام والى الوراء وفي مكانه وكل الاتجاهات ، ويقود مركبته الشعرية (يده) من أصل الامكنة والازمنة والناس ، حيث الادغال العظيمة ، والشجر يرخي غضونه، وأفعى الصيف بدأت في تجوالها الليلي في ضوء القمر ، نحو ناطحات السحاب ، أو الارصفة ، أو دهاليز الذات المنكفئة على كهوف ذاتها ..

من هنا ، فإن سيف الرحبي في “يد في اخر العالم” ينشر خياله (يده) في كل الاتجاهات.

يد في اخر العالم
شعر سيف الرحبي
منشورات المدى/دمشق