جديد الكاتب

يا غربة الروح في دنيا من الحجرِ السيابّ

 

 

1

كانوا هناك يرتّبون أحلامهم

كلما مرت غيمةٌ

أو جناح قطاة

ركلوا الأودية بحوافر أفراسهم

ذابوا في هباء المغيب.

كانوا هناك

يرتبون الصباحات على عجل

ويرشقون سماء جارحةً

بنظرات ملؤها التوجسُ

والوحشة

مشدودين الى مدارات

لم يعدُ لها من حنين

وجبال أفرغ الطير أحشاءه في سفوحها.

ليكن بهاؤك أيتها الآفاق

طريدة أشباحهم

منابر أطياف عميقة لنسور عابرة

وهاويات:

كم أنت سعيدة

أيتها الهاوية

نحدق في ظلامك الغزير

لنستجدي هداياك الغامضة

أشلاءك المبعثرة في تخوم بعيدةٍ

كانت مأوى لشريد

وحكمةً لضلال محتشد بوعوله

حيث تقشعر أفئدة القساة

في ليل بربريّ المزاج.

نحدق في ظلامك البهيج

ظلامك الممطر نيازك

وأحياء يتذكرون موتهم

يتذكرون النعمة

جهاتك الكون

وعلى مقربة من هذياناتك

يلتئم جرحٌ قادمٌ من أزمنة سحيقة.

تطوف الليالي على طبقاتك

كمياه راكدة

مياه مزدانة بالضفاف والأساور

أيتها المفعمة بالغبطة

تقفين وسط دوار العالم

ضاحكة وشاسعة

على مفرقك أمة من الأسرى.

لأنك الوحيدة التي بلا عيب

بلا ماض ولا مستقبل

كالمصير نفسه

كالمحْو والمحاق

وكالأزمنة وقد فرغت من أعبائها البشرية

ولاذت بالسكينة.

كانوا هناك يرتبون العُزلات

والعواصف

لا يفصلهم عن الأبدية

إلا قوس جبال ضارب في البحر

وأساطير بحّارة غرقوا

واقفين أمام الله

يتامى

يخبط الموج أقدامهم

أمام شمس نازفة في العيون.

أيتها السكينة يا من تذرفين الموسيقى كثيرا

وتعاشرين الموتى

امنحي أرواحهم بعض الهدوء

حلّي رتاج العواصف عنها

ذكريهم بأطفال غائبين

ونساء يسكنّ المتاهة.

حلّي رتاج العواصف

يا من تغدقين على الصحراء مهابتها

وتؤثثين الهاوية

أعرف أنك الأكثر رأفة من السلالة

من هذه الحشود التي تسحب أمعاءها

في الساحات والعربات

والوديان

أنت القادمة من جهات مشطورة

بالشكيمة

حيث السلالات أضاعت خاتمها

في بطن حوت.

وكان الدخان يتصاعد من أفواه القتلى في ميدان المعركة، معركتهم التي ما فتئنا نردد أناشيدها جيلاً بعد آخر مأخوذين بالرنين الباهر للضحيّة في نزوعها الجماعي نحو الموت، نردد الأناشيد الباسلة لموت لم يعد له طعم الموت، لأيام تعيش خواءها ومدن تغرق في بحر تفتك به الأساطيل الذرية وزحف الأوبئة المحيق.

أعرفك

أعرف من أي فجاج تتسللين الى

فراشي

أيتها المستبدة في فمك غصن الانتقام

أنا الذي كنتُ عارياً

فألبستني جسدك

مشردا فكان رحمك منزلَ الغريب

مدبوغا بالأرق والمحنة

فكنت فتنة النبيذ حين يندلق

بحانة القطار

في ليلنا الأخير.

المستبدة عن شقاء وعن بهجة

عن جفاف وعن مطر

تعوين من فرط اللذة، أمام

القمر المعتم الذي يقتحم النافذة

في المدينة الكبيرة التي يعلوها

الدخان والعويل.

جنّتكِ المغلقة

أحوم حولها سكران من ترف

الصدمة، ألعق فيض اللعاب والعطر

واشتم رائحة الأسلاف في كهوفهم

البعيدة.

أعرفك الآن جيداً

عبر غياباتنا واشلائنا

عبر انمحاء خصرك في الغابة

–         الغياب إقامة في الروح –

أصبحت أكثر سطوعا في عين جوارحي

أكثر اقتناصا لبروق اليتم

أغالب موجك اليومي كي أستطيع السير

واستجديه للسبب نفسه

أيتها القادمة من فجاج الرأس

مسوقةً بأحلامك

مسوقة بالدمع ينسكب من

أفواه الجبال

بشعوب أنهكها القيظ وحيوانات

الصحراء

نورك المتسلل الى عتمة كوابيسي

نورك القليل الراشح من مغيبه

لا يضاهيه الكمال في عرشه الكلّي.

أعرفكِ

أعرفكِ الغضب حين يضيء مفاتنك

أعرف الشر حين تنضحين رغبة

الفراش

يا ذهباً يبحث عنه العميان

في مناجم منهارة.

في فمك غصن الانتقام

أيتها الكراهية

يا من لا تنوء حملا بثقل طيورها

تتنزهين في صباحاتي

صباحات البشر الكئيبة

في هذه المدينة المقصوفة بالشهُب

والدكاكين

تأوين الى فراشي

مدللة، جميلة، باذخة،

موغلة في استعراضات حشودك

في حظائر مخلوقاتك

وأبقارك

في دولك الكبرى والصغرى

موغلةً في الصرخة مقذوفة من

فم الملاك

يا من امتدحك الشعر

وخضعت لك المحيطات

لستِ القيامة ولا نذيراً بها

أنت عجينة الكائن

علّة الجنس بين عشيقين

انبلاج فجر الذرة

رفسة الطفل لجدران الرحم

وأنت أيضا

التي تدربين الصّبْية في المخيمات

على السعي نحو العدالة

وحمل السلاح

المنفيين على حب الخيانة

والمقيمين على البلادة

أنت بجناحيك الكبيرين

تجوبين البسيطة

بحثاً عن لمسة الرجل نحو المرأة

التي يفترسها السرطان.

أنجزت المهمة بضراوة السباع

بفداحة الطوفان الذي جرف

السفينة والحمائم

وبقي وجهك على غمر الماء

خالقة ومخلوقة

سعيدة بكونك الجديد

سعيدة بزواج أبنائك من بنات آوى

ينتحبن فوق قمم الجبال

أيتها الكراهية

يا بصقة الكائن في نزْعه الأخير.