جديد الكاتب

وصول .. كوكب العري.. شاطئ الحيل (1).. شاطئ الحيل (2) … نساء غائبات … أرصفة الإشارة … لقالق … أمومة … دعاء … هذه الذرى

 

 

وصول

السماءُ مشدودةٌ مثل قوسٍ

في انتظار صيف لاهب

وأنا ما زلتُ انتظرُ الغائبين

((الذين لن يصل بهم قطارٌ أبداً)).

* كوكب العري

العزلةُ تاجُ الحياة هنا

والسماءُ كوكبُ العُري الأنقى

وليست الأرضُ، إلا ذلك القدر الهائل

من المظالم والقُروح.

* شاطئ الحيل (1)

جزُرٌ من النوارس والأحلام

كنّا نأتيه صغاراً

عبر خط ((السطوة))

حيث البحرُ ملتصقٌ بشفرة السماء

وها نحنُ كبارٌ

وهو عزاؤنا في هذا المساء القاتم.

____________________

(1) منطقة بحرية بعُمان.

* شاطئ الحيل (2)

كان الصيّادون يجرّون شباكهم،

وبينهم أعمى يجرُ بعناد بصرٍ مفقودٍ،

يسحبونها ضخمةً، فارغةً،

لا يُجدي فيها شفاعةُ الضوء الأخير للغروب.

في شاطئ الحيل

حيثُ تتكومُ المدينةُ في البعيد.

تلك حقيقتُهم اليوميّةُ

حياتُهم الممزوجةُ بزبد البحر

لا تستطيع تخمين أي شيء على وجوههم

عدا الشقوق المليئة

بمياه ملحيّةٍ.

* نساء غائبات

في الشاطئ نفسه

يقذفُ البحرُ أحشاءه المزهرة

ليلةٌ عاصفةٌ

أسماكٌ ميتّةٌ

حطامُ سفنٍ غارقةٍ

جثثُ نوارس وأخرى للغيم

عظامُ قراصنةٍ على أذرعهم القويّة

وشمُ الولادة

عملةٌ نادرةٌ

أرواحُ أباطرةٍ غرقت ممالكُهم

في البحر

أشباحُ نساء غائباتٍ

كل ذلك وغيّره، وهو يرغي

ويزبدُ في ظلامه العيمق.

* أرصفة الإشارة

من البعيدِ، حيثُ يسكنُ الغيبُ

تُشيرين إليّ بإيماءةٍ

كأنما اليمامُ حطّ على رأسك الجميل

كأنما الشهبُ وأرواحُ البحّارة

وأرصفةٌ غادرتها من سنين،

تُشيرين إليّ

طيورُ سمّان عادت من هجراتها الكثيرة

إلى شواطئ تحلمُ بالرحيل

في لحظة يشطرُها البرقُ

تلوّحين بأيدٍ متعبةٍ

في محطّات يختنقُ فيها الهواءُ

والمسافرون

على مقربةٍ من الطفولة

وكان شجرٌ، تهزّه ريحٌ خفيفةٌ

ريحُ خريف يطرقُ الأبواب والنوافذ

ليأوي إلى فراشه الأثير

على مقربة من المذبحة وأفواج

الجلاّدين، كان حلمٌ

وكان زمانُ مطلقٌ

وكان الغيابُ الذي يملأُ الصالة بالضجيج.

على مقربة من رأسي

تُحلقُ طيورك الرحيمةُ حول ملائكتها

كما تحلّقُ الأغصانُ حول جذعها المقطوع.

فأسٌ حجريّةٌ في غابر الأزمان

أو جزّارٌ،

وفي الثكنة أفكار أخرى

عن ما سوف يأتي

أفكارٌ ونقيضُها.

باذخُ مشهدُ النوم أمام الأزرق الداهم

على الحُجرات والأيّام

وباذخٌ مشهدُ البحر

نسوقُ قطعانه الخضراء في أحلامنا.

تُشيرين إليّ كأنما رفُ يمامٍ

حطّ على خصْركِ الجميل.

* لقالق

آه من يمتلكُ روح اللقالق

في عزلاتها الكبرى أمام البحر

وحيدةً تنامُ وحيدةً تستيقظُ

بعيدةً عن السرب.

كانت في الماضي تتنزهُ على أطراف النهر

بأعماق الوادي

تُطاولُ الجبال بأعناقها، وهي تمشي مليئةً بالرجفة أمام جريان الأشياء، لكنّها سعيدةٌ كمن يعرفُ غده، معرفة الأجنحة وهي توغلُ في سراب المسافة بأرض لا قرار لها.

كانت البنادقُ مهيأةً للصيد،

بنادقُ بأيدي صبيةٍ يصلون إلى رأس الوادي بنهايته في أعالي (سمائل)(1)

وكانت اللقالقُ تفصدُ الهواء الفاسد

فوق الرؤوس.

________________

(1) منطقة بعُمان.

* أمومة

أمهاتُنا اللواتي خلّفناهنّ وراءنا

يجلسن الآن في بهو البيت

بجباهٍ موشومةٍ بالأرق

وسواعد أنهكتْها الحقولُ

وفحولةُ رجالٍ ماتوا.

يجلسن الآن على عتبة رنينٍ غامضٍ

الأحاديثُ، كأنما مرّت عليها أحقابٌ،

لا نكادُ نصغي لوقع حفيفها العابر

إلاّ ويمتلئُ البهوُ بالغياب.

* دعاء

ثقيلٌ أمر هذا الليل

بمعاوله ومعادنه التي تغطسُ في القلب،

ثقيلٌ أمرُ هذه البلاد

يا إلهي أزحْها قليلاً عن كاهلي

عن قرن ثورك الذي تركته يحملُ الصخرة

هائماً في البراري،

لا موتَ يأتيه ولا حياةَ

بريقُ العذاب ينزُ من مقلتيه الحجريّتين

أزحْ قليلاً هذه الصخرة

هذه الأرض

هذه البيضة العائمة في الأفلاك

والكأس الفارغة من خمرِها.

أزحْها قليلاً

فلسنا الورثة الصالحين

إلهي.

* هذه الذرى

كلُ هذه الذُرى

ولا أحد تركلُه رغبةُ الصعود

إلى جبل.