جديد الكاتب

هذا الوجه أين رأيته، أين صادفته

 

 

2

هذا الوجه أين رأيته، أين صادفته

في مهب أحوالي ومعترك مدائني:

في الحلم أو اليقظة، في الشرق أو الغرب

بأي ساحة أو مدينة وزقاق.

في الدخان المتصاعد من حناجر الغرقى،

في المتوسط وبحر إيجة، كازنتزاكي،

يتنزه بين عظام الاغريق، في البحر الميت

أو البحر الشمالي حيث القراصنة بلحاهم

الصفراء تتطاير في البرد والضباب.

هذا الوجه الموؤود في قعر غرائزي

في ظلام ذاكرتي

أعرفه جيدا، اعرف إيماءاته الرشيقة

في الأثير، أعرف خطوته

التي تخبئ الكنز، ذهابا وإيابا

من غير معرفة ولا جهل، حالة

الخطر، المتدلّية من لهاة

برق الجنوب المشرع على النافذة،

يجعل ملامحه متلعثمة وخجلة كأنما نزل

للحظة من قريته، مخضّبا بالحنّاء

وجرس الصفارد تحت الصخرة الكبيرة،

التي دفن تحتها غزاة لا هوية لهم ولا

أطماع، غزاة البراءة التي تنبلج في فجر

العاشق للمرة الأولى والأخيرة.

وجه أمي الذي لا أجرؤ على النظر إليه كأنما أهرب من جنتي المستحيلة، الذابلة حتى التلاشي، جنة لم تكن لأحد غيري قبل أن يتصرّم حبلها.

وجه أبي، وجه المرأة التي أصبحت مجهولة لا عنوان لها، وجه الوجوه، إسورة الفيضان؛ ليل المدينة الذي ظلامه من وجوه تتدفق من الجهات كلها، من النوافذ المضاءة والمغلقة، من الحدائق والخرائب والحانات، تنخلُ الجسد الوحيد على الأريكة التي طالها البلى وعبثت بها رياح الصحراء.

الوجوه حين تنفجر هكذا، دفعة واحدة فاتحة جدول النحيب.