جديد الكاتب

نفي الكون والوجود عند سيف الرحبي: رؤية ملحمية متماسكة

د. حسام الخطيب*

أولا موقف نفي شمولي

1-1: مداخل

تقدم حصيلة الشاعر العماني سيف الرحبي تجربة فريدة في باب الرؤية الشعرية، تسمح للمرء بأن يصنفه في خانة شعراء الرؤى المتماسكة على المستوى العربي، وربما العالمي إلى حد ما. إنها حالة حادة جدا ومرعبة من حالات الاغتراب الروحي يمكن أن توصف بأنها موقف «نفي كوني شمولي» قائم على رفض التعامل مع أي مظهر من مظاهر الكون الذي يضم في جنباته الإنسان والمجتمع والطبيعة.

بل إن حالة شعر الرحبي تمضي إلى ابعد من ذلك، فتحول شعور الفرد الموهوب بالنفي عن الكون وتجلياته المختلفة إلى تأكيد أن هذا الكون باطل من أساسه، ولا تنفع فيه نظرة فلسفية أو إيديولوجية أو حتى لومة لائم منظمة أو عابرة. وليس القلق الذي يؤرق أشعار الرحبي محصورا في إشكالية الوجود الإنساني. أو حيرة الإنسان إزاء المصير المجهول أو فقدان قيم العدالة والتعاطف الإنساني والصداقة والهدفية في مجتمع البشر، أو الانقطاع البنيوي عن الناس وتشكلاتهم وارباكاتهم. وإنما المسألة أعمق وابعد غورا من ذلك: إنها شعور حاد جدا بانتفاء الوجود نفسه، أي لا بانتفاء معناه وقيمه، بل بانتفاء كنهه وكيانه، كأنما كل شيء زائف وعابر وهلامي وفي طريقه المحتوم نحو الدمار. إنها ليست نهاية التاريخ، بل هي نهاية الجغرافيا ونهاية نسمة الحياة ونهاية الكون.

لماذا وكيف وعلى أي أساس؟

إن الشاعر لا يكترث عادة بتسويغ أو تعليل تصويراته وتهويماته. انه ليس فيلسوفا متمنطقا بالمنطق، ولكنه شاعر فنان له رؤية، وليس من شأن الدراسة الحالية أن تدخل في تفسيرات هذه الرؤية من النواحي النفسية أو الاجتماعية أو الوطنية. ولكن حسبنا هنا أن نؤكد أن هذه الرؤية السوداوية القاتمة تبدو متماسكة في معظم أشعاره خلال العقدين الأخيرين من عمر القرن العشرين، ولها أساسها في بواكير أشعاره، وهذا مقياس مهم في عالم الرؤى المتضاربة.

وقد تفيد هنا الإشارة إلى أن الرحبي ذيّل مختاراته الشعرية التي نشرها عام 1996 بهذه العبارة التي تؤكد وعيه لتماسك رؤيته الكونية، وكذلك إصراره عليها، يقول بعد قائمة المحتويات في أخر المختارات:

«نشرت هذه النصوص، التي كتبت في أزمنة وأمكنة مختلفة، مثلما هي عليه إبان كتابتها من غير تغيير أو إعادة نظر وصياغة ضمن وعي لاحق، إنها تجارب مختلفة لمسار شعري وحياتي واحد، أو هكذا…»(1).

وقد يكون ضروريا التأكيد هنا أن المنهج الذي نستضيء به يميل إلى النأي بالدراسة عن الدخول في تقييم الرؤى الأدبية والمواقف من ناحية الصواب والخطأ، أو من خلال أي مقياس قيمي آخر، فالمهم في الرؤية طريقة تماسكها، وأسلوب تمثلها في النسيج الشعري، ووضوح أغراضها، وعدم تناقضها من الداخل، أي – مرة أخرى – تناولها من خلال منطقها الخاص بعيدا عن الإسقاطات المعتقدية والقيمية الخارجة عن إطارها. ولنتذكر أن أهل الأدب والفن لهم عالمهم الخاص وتهويماتهم التي تبدو من الظاهر خالية القيمة value free ولكنها في الحقيقة تؤسس موقفا أو تخلق مناخا. ولا مانع من أن نذكَّر هنا بصيحة كولن ولسون في «سقوط الحضارة» أو بانتهاء سيريل كونولي إلى النتيجة الحاسمة التالية، التي تكاد ترفع اليأس إلى مستوى القيمة:

«لقد أشرف الوقت على الانتهاء في حدائق الغرب، ومن الآن فصاعدا سوف يحكم على الفنان فقط من خلال جرس وحدته ونوعية يأسه»(2).

وقد آن أوان الدخول في التفصيلات، وسوف نرى أن معظمها يجد بذوره أو خلاصته في نص «ما من بلد قصدنا» الذي يمكن أن يكون «بيت القصيد»، الذي نقدمه في مطلع هذه الدراسة مصحوبا بمؤشرات موجزة، لوضع القارئ في الجو النفسي التمهيدي للدخول في التجربة التي نزعم أنها فريدة ومتماسكة، وربما ملحمية(3).

1-2: رعب النفي الكوني في لوحة

«ما من بلد قصدنا»

1-    ما من امرأة أحببناها إلا وسبقنا إليها الأعداء.

2-    ما من بلد قصدنا

إلا وهد أركانه الحريق.

3-    ما من جرح ضمدناه بعيوننا

إلا وانفتح على مصراعيه.

4-    ما من حلبة

ما من طفل ولدناه تحت حوافر الخيل

(أي خيل؟).

5-    ما من أفق، أو ذاكرة تفكك أزرارها

في بهوه.

6-    ما من طفولة ولو كانت بعيدة مثل زحل.

7-    ما من أسد، لقد غادر بعربته مع الفجر

والجبال غارت مواقعها الأزلية.

8-    لا اسمع نعيق الغربان على شجر الأراك

والعقبان شنقتها القمم.

9-    ما من أصداء

ولا من يحزنون (4).

ماذا نجد في هذا النص؟

1-3: قصيدة واحدة أم بيت القصيد؟

سيف الرحبي الشاعر(5) لا يتعب ولا يخاتل، ولا يرمي قارئه في شعاب المتاهات، ولا يطلي كلامه بالمساحيق اللغوية، ولا يحاول تضليل المتلقي عن تجربته بالعبارات الغامضة وأشكال الإيهام المصطنعة التي يقصد منها أن تصدم القارئ لتولد عنده انطباعا بأن التوائية العبارات لابد من أن تخفي وراءها أغوارا سحيقة من العمق تقصر عنها طموحات اغلب الناس. وهكذا يجد القارئ نفسه إزاء مجموعة من القصائد تعبر عن نفسها بصدق ووضوح غرض فكري إجمالي وان كانت في حالات كثيرة تغرق في تفصيلات متداخلة وغير مباشرة أو في صور مجتلبة من وديان غير مجانسة، فكأنما هذا التوازن بين الوضوح المباشر للغرض الكلي والتقرب غير المباشر للتفاصيل والصور والأخيلة يقدم حالة شعرية خاصة تعد من أهم مميزات الكون الشعري عند الرحبي، ويمكن تسميتها: الأغراب في الأثر الجزئي ضمن إطار وضوح الأثر الكلي. وقد يكون إدراك هذه الخاصية مفتاحا للولوج إلى الفضاءات التي منها يتشكل هذا الكون والسباحة في أجوائه والتماس مع كنه رسالته. وهذا النص الذي حمل عنوان «ما من بلد قصدنا(6)» أتى خاتمة لمجموعة «رجل من الربع الخالي»، وقد يوفر التمعن فيه على الدارس والقارئ جهدا ووقتا في بلوغ الأرب.

1-4: القصيدة والبيان الدادائي

لو كنت أعد هذا النص في برنامج مفرع hypertext (7) لكان أول ما ينبغي عمله «تدكيك» النص مع بيان الحركة الدادائية التي بلغت أوجها أوائل القرن العشرين (1920)، ومنها انبثقت السيريالية، وأخذت تنعي مظاهر الوجود الإنساني جميعا دون استثناء وما يصاحبها من أوهام وفلسفات ومعتقدات حول حقيقة هذه المظاهر.

والملاحظ أن اللازمة المتكررة في قصيدة الرحبي هي ذاتها اللازمة المتكررة في النص الدادائي (ما من …..) وها ها مقطع من البيان الدادائي.

«ما من رسامين ولا من أدباء، ولا من موسيقيين ولا من حفارين .. ولا من جمهوريين أو ملكيين، ولا من إمبرياليين ولا من فوضويين ولا من اشتراكيين ولا من بلاشفة ولا من سياسيين ولا من بروليتاريين ولا من ديمقراطيين ولا من بورجوزايين ولا من جيوش ولا من أمن عام ولا من أوطان .. كفى من هذه السخافات والحماقات، لم يبق شيء، لم يبق شيء… شيء.. شيء.. ولا شيء…»(8).

وفيما يلي خطوط عريضة للالتقاء المناخي بين النصين:

–       روح النصيين واحدة وهي النفي المطلق لرموز الحياة ومقوماتها، وكذلك لقيمها ومعتقداتها.

–       النهاية مشتركة تقود إلى عدمية مطلقة ولا شيئية: لا شيء، لا شيء، ولا أصداء.

–       لا ذكر لحل أو مخرج أو أي ضوء في آخر النفق، ولكن يظل ممكنا التنقيب في النص المسكوت عنه، أو ما بين السطور، كما يقولون، ويبدو لنا حتى الآن أن المسكوت عنه في النصين قد يكون اشد هولا ورعبا من الملفوظ.

–       عبارة النفي واحدة واللازمة مشتركة وقاطعة تدل على جزم نهائي دون تردد: ما من .. مدعومة بحرف النفي.

–       ولكن على الرغم من هذا الالتقاء في الموقف العام والنتيجة الإجمالية، فهناك فروق واضحة لا تسمح للإنسان بالمسارعة إلى الاستنتاج بأن قصيدة الشاعر العماني ليست إلا نسخة من البيان الدادائي. وسنرى في ثنايا البحث التي تلي أن شعر الرحبي يحمل أصداء العصر، عربيا من المحيط إلى الخليج، وعالميا من أقصى الدنيا إلى أقصاها، ويمثل مرآة للأفكار والنزعات والتطورات التي طبعت النصف الثاني من القرن العشرين بطابعها، عربيا وعالميا أيضا. ومن الحكمة أن يؤخذ كل تشابه أو تقاطع مع أفكار أخرى على انه جزء من عملية المرآة العاكسة الشاملة التي تميز شعره.

واستكمالا للمقارنة يحسن أن نشير إلى الفروق العامة بين النصين، ليكون كل ذلك مدخلا لتلمس خطوط الرؤية الفكرية لتجربة شعرية، لا تخفي أن هدفها الأساسي التعبير عن مأساة الوجود الإنساني.

أ‌-                    النفي مشترك وقاطع ويبلغ درجة العدمية nihilism دون تحفظ لدى الطرفين ولكن عدمية الرحبي أعمق واعرض، وهي تتجاوز عدمية البيان الدادائي المحصورة في إطار المجتمع الأوروبي في عصر محدد، والتي هي اقرب إلى أن تكون نفيا اجتماعيا ذا بعد وجودي. أي بركيزة اجتماعية. إنها بالتحديد رفض قاطع لفكرة الحرب (العالمية الأولى) وإدانة لكل من تحمل مسؤولية إدارة المجتمع أو توجيهه أو تثقيفه باتجاه الحرب، أي إنها رفض لرياء المجتمع وعدوانيته وانحطاطه ولا اخلاقيته ولا عدالته على اختلاف طبقاته وفئاته. أما النفي عند الرحبي فهو انقطاع بنيوي (9) يشمل الأنا والجماعة والمرأة والطفل، ويتجاوز كل ذلك إلى الطبيعة المنهارة المتداعية بجبالها وشجرها وحيوانها (الذئاب والأسود)، وطيورها من غربان وعقبان، بل انه نفي شامل يتصل بالكون كل وما وراء الطبيعة، ويتجاوز الأفق ويتحول إلى نعي نهائي للوجود بكليته، بل تنص النهاية على انه حتى الأصداء لا الأصوات معدومة ومنتهية وليس من وراء ذلك أي اثر لرد فعل بشري:

ما من أصداء … ولا من يحزنون(10).

ومرة أخرى، انه موقف انهائية مطلقة لكل مقومات البقاء ورموزه، انه دعوة لا بقائية يكاد ينتهي من خلالها الماضي والحاضر، وليس المستقبل وحده.

ب – بسبب اختلاف طبيعة النصين واهدافهما، أتى النص الدادائي مباشرا وحادا وجهوريا ورفضيا، باعتباره لسان الأجيال الناشئة المسحوقة في أعقاب دمار الحرب العالمية الأولى. أما نص الرحبي فهو قصيدة إبداعية. أو نبتة نامية بسوقها وورقها وزهرها وإطلالتها فوق الحدود والسدود. كما إنها مصحوبة برنة عاطفية محزنة لا تخفى على المتمعن، وملتصقة بتجربة الذات والإطار الجماعي، الذي يشكل سياجا للفنان وملاذا له. كل شيء من حول الفنان يتداعى ويفقد معناه وينعدم رؤاه، حتى الطفل والمرأة والفرس والجبل والأسد والعقاب والغراب. ومن وراء كل ذلك، المعنى المسكوت عنه الذي يمكن استنتاجه بسهولة ليصل النفي إلى ما وراء الحدود والسدود. إنها مأساة انطولوجية شاملة باتت تنفي الوجود وتنفي العقل نفسه الذي يشك بها ويدرك انتفاءها. إن المقولة الديكارتية نفسها منفية هنا، فحتى الشك لن يثبت الوجود والموجود(11). وبذلك يتجاوز الرحبي البيان الدادائي ويغرق إغراقا شديدا في عمق مأساة الوجود الإنساني، وفي عمق تجاويف بناء الإنساني الداخلي ذاته، وكما قال الشاعر العربي القديم:

والذي حارت البرية فيه

حيوان مستحدث من جماد

ج- وبالطبع، لم يكن البيان الدادائي بداية موقف النفي والاغتراب الروحي في تاريخ الإنتاج الأدبي العالمي، ولم يكن نهايته، وكذلك لم يكن البيان أقواها تعبيرا وأعمقها تنظيرا، ولكن هذه الدراسة بدأت به لوجود مناخ فكري نفسي لغوي تعبيري بين البيان والقصيدة التي اختتم بها الرحبي ديوان «رجل من الربع الخالي»، وأعاد إثباتها في مختاراته المعنونة «معجم الجحيم» (12).

ومن الواضح أن مواقف شعر الرحبي تضرب جذورها في تجربة الشعر العربي التأملي في العقود الثلاثة الماضية، وتستقي أيضا مباشرة، أو عن طريق التجربة العربية، من ينابيع التجارب السيريالية والوجودية والاغترابية والحداثية التي سيطرت على الأجواء الغربية والعالمية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بوجه خاص، أي في النصف الثاني من القرن العشرين.

1-5: القصيدة تحت المجهر

وانطلاقا من أن ما تقدمه هذه الورقة هو قراءة استيطانية للديوان، فقد تجنبنا انتهاج مخطط صارم للدراسة، وآثرنا أن ننطلق من داخل كيان الشعر نفسه، ومن هذه القصيدة بالذات لنلم بأطراف الرؤية العامة التي تنتظم الكون الشعري عند سيف الرحبي.

تبدو هذه القصيدة لوحة متكاملة مؤلفة من سلسلة لوحات حزينة مترابطة عضويا بروابط ملحوظة وغير ملفوظة، تتقاطر لتؤلف غرفة عرض صغيرة للجوانب المختلفة التي تتكون منها المأساة الإنسانية. وقبل الإمعان في هذه الأحكام المتوالية التي تطرحها القصيدة (ما من .. ما من .. ما من) قد يخيل إلى القارئ المتسرع أن القصيدة تعتمد على جملة لطخات تلوينية عشوائية، ولكن بشيء من التبصر يحس الإنسان بوجود تسلسل مستند إلى ترابط منطقي أو اجتماعي أو نفسي أو أسطوري. ولنتابع هذه المقاطع التي يتألف معظمها من سطرين يذكران تماما بمصراعي البيت الشعري التقليدي، ويمكن الوصول في آخر كل زوج إلى قرار ووقفة تنفس. وتؤلف بمجموعها عشرة أبيات شعرية، ولكنها على الرغم من تكرار اللازمة في أول كل بيت أو زوج، تنجح في إبقاء المفاجأة حية من خلال لعبة تجاوز الرتابة واختصار الشطر الثاني جزئيا أو كليا، بحيث

يشترك القارئ في ردم الهوة.

ولنتابع دلالات الأبيات واحدا واحد، كما هي مرقمة في النص:

1-                المطلع:

ويشكل الصدمة النفسية للرجولة: صدمة العرض المستباح، والشرف الذي ينال منه الأعداء، سواء منهم الأعداء الشخصيون، أو أعداء الوطن، أو أعداء الإنسانية. إن النص مفتوح لمختلف الاحتمالات. وركيزتاه الدلاليتان وهما المرأة والأعداء تمثلان التضاد الحقيقي، وال التعريف في كلتا الكلمتين هي ال العهدية، هي أشبه بضمير المتكلمين أو الأنا الجماعي: امرأتنا وأعداؤنا.

2-                من البيت، من الأسرة، من الأم والابنة والحبيبة، إلى الوطن:

الركيزتان في هذا البيت هما البلد والحريق، فكأنما الثنائية الضدية مستمرة، واستخدام الحريق رمز لكل أشكال الدمار التي لا توصف هو في رأينا أفضل استخدام، على الأقل لان ما يبقى بعد الحريق ليس إلا الرماد، وهذا ما يوافق المناخ العام للقصيدة، كما تقدم من شرح.

3-                والانكى من ذلك والادهى والأخطر:

هل يشير البيت إلى قضية إصلاح النفس من الداخل، أو إلى إصلاح المجتمع وأسلوب العيش من خلال الملفات التي نفتحها يوميا وتعرض وتطول ولا نعرف كيف ننتهي بها إلى نتيجة؟ أو إلى قضية الوطن وقضية مجابهة المسائل الكبرى في صراعنا الحيوي مع الأعداء؟ أو ربما صراع المعرفة ومحاولاتها العقيمة تسجيل أي هدف ايجابي في حياتنا؟

هنا مأساة الإنسان العربي المجرح (بل الإنسان المجرح في دائرة المستضعفين في الأرض) مفتوحة نازفة صارخة، إنها صدمة كهربائية أخرى تقوم على ثنائية الفعلين:

ضمد            انفتح

فبدلا من أن يلتئم الجرح يزداد انفتاحا وانكشافا.

4       – ها نحن أولاء في حالة عجز دائم:

ما أحسن ما ربط سيف الرحبي بين المرأة والوطن والطفل والخيل. وهل كلمة خيل إلا مفتاح رمزي لكنوز الذاكرة الشعبية والشعرية العربية منذ أن وجد العربي، ومنذ أن وجد شعره؟ لا نساء تحميهن الخيل .. والنساء كن دائما مقرونات بالخيل، فإذا اجتمعت الخيل والنساء كانت الخيلاء، وكانت الامجاد وكانت العزة، وكان الاباء، وكانت منعة الديار.

إن الخيل مفتاح دلالي فائق الغنى، وقد اكتفى به الشاعر عن إتمام اللازمة المتكررة (إلا …)، وتركه قائما في الفراغ بعد «ما من طفل» وترك للمتلقي المشارك أن ينسج ما شاء من تهويمات حول هذا الفصل المفعم بالدراما، الذي أنهاه بمزيد من الابهام المثير (أي خيل؟).

5       – والنتيجة:

لا امرأة ولا وطن، ولا شفاء، ولا حلبة، ولا خيل، ولا طفل …

ها هنا ينتقل بنا مناخ القصيدة من الملموس إلى التجريد، ومن الزمني إلى اللازمني لينفي من الوجود شرطا أساسيا من شروطه، وهو الزمن، وسنرى فيما بعد أن لعبة الزمن لا تشغل حيزا كبيرا من اهتمام الشاعر المركز على المكان.

وتلعب هنا الثنائية الضدية للماضي والمستقبل دورها في تثبيت الجو النفسي والفني للنفي المطلق. إنها لعبة مطردة لا يمل منها الشاعر: سلكان متوازيان ممتدان من قبل ولادة الأفق إلى ما بعد انتهائه، تهتز فوقهما الثنائيات وتختلف مواقع التركيز وتختل، ولكن الامتداد مستمر باتجاه اللامتناهي واللا محدود.

6       – تهتز الثنائية وتختل، وهنا يعود بنا الاهتزاز إلى الطفولة:

ونتساءل من موقعنا بوصفنا قراء فاعلين، لماذا أتى موقع الطفولة هنا متأخرا عن موقع الطفل؟ أو ما كان من الأفضل والأوقع والأكمل للوحة السابقة (الرابعة) أن تستكمل بهذا النفي في مكانه المناسب لئلا يأتي النفي المطلق من باب الاستنتاج والمسكوت عنه، كما فعلنا آنفا؟ وإذا كان من حق النص على الناقد أن يسوغ ويرمم ويلاحظ ما هو غير ملفوظ، فمن حق الناقد بدوره أن يعترف بعجزه عن الربط، أو أن يقترح على الشاعر إضافة هذا السطر إلى موقعه من خانة الطفل (الرابعة)؟

7       – وهكذا نجد أنفسنا في رحاب المكان:

والمكان هنا الطبيعة بحيوانها وطيرها وأصدائها، لنقل أن نفي المدينة سهل عند الشاعر، وموقف يحظى بإجماع شعراء العصر جميعا، فكل المدن عند الشعراء هي «مدن الملح»، والفضل في هذا التعبير لعبدالرحمن منيف، أما نفي الطبيعة فهذا مال نكاد ندرك سره في الشعر، وأي طبيعة هنا؟ إنها الطبيعة الحية بأقوى تجلياتها.

إن المأساة تتكامل، وربما الثنائيات الضدية معها تتقارب، فمغادرة الأسد من جنس غور الجبل، فهل هذا إشارة نهاية النهاية، واختفاء الأضداد؟

8       – لا مفر من زلزلة النهاية:

يا لله لهذه الصورة المدمرة: الغراب، شاهد المآسي ونذيرها ولاعق آثارها، هذا الغراب أيضا ينتفي مع عظمة الأسود ورفعة الجبال، ولكن مهلا ليس الغراب وحده، فهناك رمز أسد الفضاء (العقاب)، بجبروته وطاقته في التحليق فوق القمم، القمة تبتلع العقاب، ولم يبق لا ثنائيات ولا ضديات: انتفى الرجل والمرأة والطفل والجبل، والماضي والحاضر، والطبيعة الراسخة، والطبيعة الطائرة، والأفق والفضاء.

9       – ولا يكتمل مشهد اللانهاية إلا بالستار الأخير:

لا حركة لا نأمة، لا نسمة، وأخيرا لا صدى

ما من أصداء      ولا من يحزنون

أما الشاعر، الشاهد الراوي، فقد أخفى نفسه منذ البدء وانتهى قبل انتهاء الكون الذي يرثيه، ففي أتون هذه المعمعة الضارية المدمرة الحارقة الهالكة العادمة ليس له من خيار انطولوجي سوى أن يضع رأسه بين الرؤوس ليكون بعض رماد المأساة، وهيهات أن يتاح له  من العزم والوقت ما يسمح باستدعاء نداء المعري الذي لا بد منه في مثل هذا الموقف:

جسدي خرقة تخاط إلى الأرض       فيا خائط العوالم خطني

ثانيا من القصيدة البؤرة إلى التفاصيل

2-1: القتامة ترخي سدولها على مظاهر الكون

ذلك الكون الذي تضيئه الشمس كل صباح، وتلتمع فيه زرقة  البحر وتزهو في أرجائه خضرة الطبيعة، ويطل عليه بهاء القمر من خلال الدجنة، وتتراقص في سمائه النجوم، كون الجمالات هذا يغدو في شعر الرحبي كتلة من الظلام الدامس المخيم الجاثم الشامل الراسخ، أي غير المرتبط بحالة معينة أو سبب عارض. فالضياء زيف وبهتان وحالة مؤقتة. والنور شرار يخفي خلفه سجفا من الظلمات بعضها فوق بعض. لا يكاد يرى الإنسان من خلالها إصبعا ممدودة أو أفقا ممتدا.

إنه بكلمات الشاعر:

ليل غير قابل للاندحار

على شواطئه تلملم الصرخة

أشلاءها من فم الغريق

ليل وعر

وقد أرخى سدوله على عنق العالم.

بهذا المقطع الحالك ختمت قصيدة عاتية مهداة إلى امرئ القيس(13).

لنتأمل هذه الحدة في وصف الليل، إنها تخفي رعبا وحقدا وضغينة وبرما بما يفعله الليل بالكون، انه ليل ظلام وظلم، وقسوة ووعورة، ليل بطش يحط على عنق العالم ليتركه هامدا دون حراك، ليل الصراخ والأنين، ليل الإصرار على القسوة والشدة والعنف، ليل الطغيان الشامل: «ليل لا يمكنك أن تقطعه بمنشار أو تعتقله في كأس».

وبما أن القصيدة مهداة إلى امرئ القيس، وبما أن امرأ القيس يعد سيد من وصف الليل، فلنحاول أن نضع أبيات امرئ القيس أمام لوحة سيف الرحبي.

وليل كموج البحر أرخى سدوله

علي بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما تمطي بصلبه

وأردف أعجازا وناء بكلكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

بصبح، وما الاصباح منك بأمثل

فيا لك من ليل كأن، نجومه

بكل مغار الفتل شدت بيذبل

كأن الثريا علقت في مصامها

بأمراس كتان إلى صم جندل(14)

لنطالع المقطعين، ومن خلال المقارنة نستوعب الفارق بينهما

ولنبدأ بالموقف:

موقف امرئ القيس موقف برم وقلق وشعور باستطالة وقت الليل وأمل بانقضائه، لان الصباح فيه الأمل والرجاء. وفي الموقف مخاطبة لليل ورجاء وأمل. والموقف هنا شخصي يتعلق بانتظار المحبوبة أو التوصل إلى غرض ما، انه الشاعر امرؤ القيس في مواجهة ليل طويل.

أما عند الشاعر الحديث فالليل هنا رمز ضلال الإنسانية المغرق الطويل القدري السديمي، الذي يستر المظالم ويخنق الشكوى، ويتعمد القسوة والخنق، ويشد قبضته على عنق العالم، ولا يبرح ولا تلتمع في سمائه ثريا ولا نجوم ولا كواكب، ولا يخفي وراء ظلماته أملا في فجر أو صباح. والشاكي ليس المدعو سيف الرحبي أو الملك الضليل، بل هو وجدان الإنسانية المعبأ بزخم المآسي والباحث عبثا عن ضوء في نهاية النفق المظلم. والأنا هنا – شأن معظم دلالات «أنا» في النص الشعري الحديث- هو الأنا الجماعي. إنها ليست قضية فرد في مواجهة الليل، بل قضية الإنسان في إطاره ومكانه، وفي كل مكان وزمان. ثم أن ليل امرئ القيس يمثل ليلة عابرة ليس لها أصداء أخرى مجانسة أو معاكسة في مجمل شعره، لكن الليل عند سيف الرحبي هو موقف وثيمة متكررة، وشبح يطارد الإنسان في كل آن حتى عند انبلاج الصباح أو سطوع الشمس.

وهذا كلام في مقارنة الموقف والرؤية، ولا شأن له بمقارنة الفن أو الإبداع، فلكل من الشاعر القديم والشاعر الحديث فلكه الإبداعي وومضاته وسحره. ومن اجل ذلك نحينا من المقارنة القسم الأول من قصيدة الرحبي، التي تتضمن شعورا حادا بالمعاصرة، والتي تأخذ الليل من خلال الاهتزازات النفسية والصور التعبيرية للإنسان المعاصر.

قلنا إن قضية الليل، أو بالاحرى ثيمة الليل، ليست إطلالة معزولة في ديوان الشاعر الحديث، وإنما هي امتداد لرؤيته تتكرر بأشكال مختلفة في ثنايا شعره، وتنقل رسالة موحدة مفادها أن الكون كله ليل مطبق طاغ ولو تجلى بشكل فجر أو صباح. بل أكثر من ذلك أن الفجر «يتفاقم ظله أمام العتبة»، في أول لوحة «صباح» وفي آخرها: «كـان صباحا معتما منذ البداية»(15). فلماذا ينجلي الليل وما الفرق بين ليل ونهار؟ إنهما غلافان ممتدان لسفر (مجلد) عذابات الإنسانية التي لها أول وليس لها آخر. ها هو كنه الليل من مقطع آخر ومن زاوية أخرى ومن مقارنة له بالضوء.

فانوس

جرح النافذة الذي أراه كل يوم

يضيء الليل

وكأنما فانوس يضيء الأعماق السحيقة

للجرح البشري(16).

والصورة واضحة ومعبرة ومكتنزة بالطاقة، فهذا الخيط الشعاعي الذي ينبثق من النافذة ليضيء شرخا بسيطا جدا في ظلمات الليل الدامس إنما يفتح ثغرة لرؤية عمق الجرح البشري على مدى العصور. وهذا ما نسميه كثافة التعبير وقوة التصوير. ولو كان المجال يسمح لوقفنا طويلا عند هذه الومضة بالمعنى الحرفي للكلمة.

والومضة تعود بنا إلى النهار، والنهار نقيض الليل، وكان الشعراء دائما وأبدا ينتظرون انجلاء الليل لينبلج الفجر ويطلع الصباح ويعود الأمل وينسحب القلق والألم.

ولكن ليل الرحبي موصول بنهاره، والنهار اشد ظلاما من الليل واشد قسوة، ولا فرق بالنسبة لدراما المعاناة الإنسانية بين ليل ونهار:

ليل بعد ليل

ونهار يجثم بمنكبيه على الثقلين

وعلى رأسه إكليل القسوة العتيد(17).

هذه المفردات وهذه الصور أنما تستعمل عادة في وصف الليل، وقد نقلت هنا ببساطة لا لتصف النهار فقط، بل لتثبت في الأذهان من خلال الصورة المحسوسة (يجثم بمنكبيه) و(إكليل القسوة)، إن الليل والنهار من جنس واحد في النتيجة، وان اختلاف اللونين ليس إلا مظهرا عابرا.

وفي أماكن أخرى كثيرة من شعره يتكرر هذا الموقف تلميحا أو تصريحا فهو- كما يجب أن يستقر في الأذهان- تعبير عن رؤية مطردة قصدية واعية لذاتها، ولها جمالياتها التي لا تنكر.

2-2: الحياة ألم وعبور إلى الموت

في وسط هذه الدجنة السابغة والقتامة المهيمنة والليل الممتد والصباح الذي يزيد الأفق جهامة، ماذا يتبقى من معنى للحياة في الكون الشعري عند سيف الرحبي؟!

مرة أخرى نسجل لشعره فضيلة تميزه عن كثير من الشعر الحديث في انه لا يتعب القارئ في إخفاء غرضه، ولا يدخله في المتاهات والإبهام. إن معانيه لعميقة وان صوره لمركبة ورافلة ومتداخلة، لكنها تظل على تخوم الوضوح ولا تغادره إلى الماوراء المستغلق إلا في حالات نادرة. في واحدة من القصائد القليلة التي يطل علينا فيها الشاعر الإنسان، وليس الأنا الجماعي، من خلال ضمير المخاطب لا الأنا المتكلم، يلخص الشاعر تجربته الكلية من منظور عمر لا يتجاوز ستة وعشرين عاما. وهذه التجربة لا تختلف كثيرا عن التقرير الواضح الذي قدمه في نهاية ديوان «رجل من الربع الخالي» موحيا بان الحياة كلها مجرد صورة مكبرة للربع الخالي، الذي يعد بؤرة رؤيته المصوغة بطابع موضوع مباشر. ولكن هنا تخدمنا القصيدة «الشخصية» في شيء آخر هو معنى الحياة لإنسان في ريعان الشباب: ستة عشر عاما من الويلات- يا ويلاه.

لنقرأ المقطع التالي بنقاطه الواضحة فوق الحروف الأشد وضوحا:

واقع مرن لا تنفع فيه أضغاث أحلام ولا طيوف معجزات

وجود بغير معنى

الحياة على الأرض ولادة- ضحكة سوداء قبر

طرق الحياة كلها تفضي إلى محطة واحدة هي الظلمة.

الأماني والمسرات هباء.

الرغبة والشهوة واللذة مجرد عواء.

حتى الأصدقاء يراهنون على الخيانة.

والنتيجة جثث ملطخة بالقاذورات، يتألف منها أديم الأرض(18).

فما الحياة إذن في عالم الرحبي؟

من مجمل قصائده يتضح أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي العبور إلى الموت، وإذا كان ألبير كامي قد أنكر أي حقيقة سوى الموت، وإذا كان ت.س.إليوت، كالمعري، أضاف الولادة والجماع إلى الموت(19)، فان الرحبي قدم صورة مائعة تكاد تكون خاصة به، وهذه الصورة ذات طبيعة شعرية شعورية أكثر مما هي فكرية فلسفية. إن الحياة عنده عبور، إنها وجود مؤقت يفضي إلى ظلمة الموت، والخيار الوحيد المتاح «في هذه البقاع القصية (الحياة)، هذه البقاع المهجورة حتى من عواء الذئب»، الخيار الوحيد لأي إنسان هو أن يظل متحركا راضيا بالمصير المحتوم، وهو الرحيل:

«أسرج ضوء الشمعة .. وأسافر»(20).

وفي لوحة أخرى «ترانزيت»(21) تصور لنا الحياة على إنها عبور مؤقت، إنها وقفة في قسم الترانزيت في المطار، ولا يبقى من الإنسان بالنتيجة سوى ظل بسيط على الحائط ورائحة تنتشر في المنزل. وأحيانا لا تبقى رائحة ولا ظل، ولا شيء سوى المغادرة. ففي لوحة «زيارة»(22) لا يترك الأصدقاء المغادرون أي اثر.

يدخلون، هكذا، كل يوم

يشربون ما تبقى في الثلاجة

ويغادرون

عبارات السفر والمغادرة والرحيل والترك والنأي والذهاب وما إليها، تملأ الديوان، ويفيد تحليل معجم الشاعر أن هذه العبارات تفسر كونه الشعري وفهمه للحياة، ربما أكثر مما تفسرها الجمل التامة، التي هي أيضا واضحة ومباشرة، مثل الجملة التالية:

«تتسلل الحياة من يدي، خلسة، بعد أن

أمسكت بها».

وهكذا يظل الناس في رحيل دائم إلى القبر، ولا يبقى من آثارهم شيء، إنها رحلة الحياة المسربلة بوحشة المصير، وهذه هي لوحتها النهائية.

الراحلون

الذين يرحلون دائما

تاركيننا لوحشة الجدار

لمصير شاهدة على قبر

القدم الهاذبة تنزلق في مساء أخير(22).

هذه اللوحة، مهما اختلف تفسيرها، هي لوحة مسافرة، لوحة رحيل تلخص الحياة من أولها إلى أخرها، ومرة أخرى أن ما يميز تصور الرحبي للحياة هو حركتها الدائمة، ولكن باتجاه واحد هو المغادرة والاختفاء. فكل شيء إلى زوال وليس أمام البشرية سوى نهاية واحدة محتومة تخبط إليها خبط عشواء، وهي طبعا عين المنية عند زهير بن أبي سلمى مع اختلاف في التوقيت، فزهير ترك اختيارا واحدا وهو الهرم الذي يجلب الملل ويحوج السمع إلى ترجمان، أما الرحبي فقد انتابه الملل في ريعان الشباب نافيا الخيار الآخر، ربما لان النتيجة واحدة.

2-3: الزمن مجرد ضالع في المأساة

صحب الناس الزمان قبل سيف الرحبي، وعانوا من شأنه الكثير الكثير، وتولوا جميعا عنه بغصة، ولامه شعراؤهم وشتموه وحملوه وزر المأساة، لكن مركز الثقل في الدراما الإنسانية عند سيف الرحبي مختلف، بل هو عطفة لافتة للنظر في تاريخ التشاؤم الإنساني.

إن الزمان بعبوديته وهلاميته واثيريته غير الملموسة يبدو في الكون الشعري  للرحبي أوهى من أن يتحمل منكباه جسامة القتامة التي تنيخ بكلكلها الهائل على كل مظاهر الكون. إن المأساة أشد هولا وأعمق تجذرا وأرجح ثقلا من أن يتحملها مر الزمان وكر الأيام. إنها نسيج مكثف يشكل المكان لحمته وسداه.

على أن الزمان ليس بريئا ولا محايدا. لنقل: انه أشبه شيء بالبوارج الضخمة المحملة بأنواع المآسي وشحناتها وطاقاتها. ولكنها تبقى بوارج مبحرة ولا تقاس بشيء حين تقارن بالجبل والاطواد والسهول والمروج والمدن والأبنية والجدران، وكلها راسخة متجذرة في تربة ذراتها تمور بالمأساة وتنضح بالوجع وتنشر بغبارها ذرات المعاناة في الأرض على امتداد الأفق والى الأعلى حتى المجرات.

إن الزمان، ولا سيما ليله، هو «محجر الألم وطاحونة الأيام»(24)، وهو حامل الخطيئة الأبدية:

أولاد آدم، وقبله إبليس:

الاثنان ولدا من طوفان خطيئة(25).

ومعه الألم الأبدي، والفناء الذي لا يفنى، هناك أيضا عواصف الشدة والقسوة، وليالي الظلم والظلام، الموروثة من العهود الأولى لانبثاق بذرة البشرية، ومنذ أن بدأت كان واضحا انه لا نهاية لكل هذا المسلسل من العذابات، إنها دراما مأساوية متوالدة مع توالد الخلائق.

في هذا الليل الضاري في القدم

لن تقرع الأجراس بعد اليوم

لن تهدأ العاصفة(26).

ومع هذه العاصفة/الفاجعة/الأبدية، أي ذاكرة تبقى للبشر سوى الأحزان أنات المذبحة الدائرة.

احتمي بنخيل الماضي

على السفوح المغمى عليها بالشمس والنسيم

أتفقد رعايا ذاكرتي

كقائد يتفقد جيشه الهارب من مذبحة

وفي كل ما كتبه الرحبي لا يبدو الزمن مقصودا لذاته، أو متأخرا أو حقودا أو خؤونا أو شخصا مخاتلا بوسائل الغدر والتربص. كأنه هنا ليس صانع المأساة، لكنه حاملها، وفي قصيدة «هذيان الجبال والسحرة» ذات الطابع الملحمي نجد أن البيوت الطينية والبيوت كانت:

أزمنة الجفاف واللعنة الأزلية

أزمنة تتكدس أمام بابي

أزمنة كواسر… (27).

وهذه أقوى تجليات الزمن عند الشاعر. ويبدو الزمان هنا، إزاء الطبيعة والجبال، مجرد حامل لزخم المأساة وليس مولدا لها أو صانعا، كما يتمثل عادة الزمن/الدهر الغاشم في مرددات الشعر العربي.

وأحيانا تمر المأساة من خلال «السلالات The Dynasts» الحاملة للشؤوم والخراب على طريقة توماس هاردي، وأحيانا أخرى على طريقة التآكل التدريجي التي تنطوي عليها روايات عبدالرحمن منيف، ولاسيما من خلال شخصية الهذال. ونظرا لعدم بروز دور الزمان في مخيلة الرحبي، يظهر ضامرا دور الأسطورة ودور المأساة اليونانية، ودور التاريخ كذلك، فالعالم عنده جغرافيا طبيعية ومعاصرة، كما سنرى بعد قليل، ومعها شيء من التاريخ متمثل في: «النساء المجوسيات، الرجال المجوسيون، الخطيئة الأزلية، الأمطار الوثنية، اوديب، الاسكندر، نيرون، هتلر، وسواهم …» وفي مجملهم لا يمثلون أركانا راسخة لعالم القصائد، والإشارات إليهم ذات طبيعة عابرة.

2-4: المكان برسوخه هو المأساة والمأساة بدوامها هي المكان

وهكذا نرى انه من الناحية الكمية ومن الناحية الكيفية، كان دور الزمن/التاريخ/الماضي محدودا في تصوير دراما الحياة الإنسانية عند الرحبي. وتصور العالم عنده يعود على شيء من التاريخ وكثير من الجغرافيا. فالمكان هو المأساة، بل المأساة هي المكان بكل امتداداته وتضاريسه ومعانيه، ولذلك كان المكان المعاصر هو الذي يحتل الواجهة. إن التاريخ هو الماضي، والمعاصرة التي يستحضرها سيف، أو يعيشها في واجهة شعره، لم يتقادم عليها الزمان بعد، ولم تتخذ شكل تاريخ. إنها واقع راهن مخيم مهيمن محيط بالإنسان من كل الجهات، ولا فرق هنا بين مدينة، أو قرية، أو بحر، أو صحراء، أو طبيعة صناعية، أو طبيعة طبيعية، وحتى الطيور المغردة على الأغصان ليست سوى طيور الأبدية التي تزرع نذر الشؤم عند كل منحنى.

إن المكان في شعر الرحبي يستحق دراسة جغرافية خاصة، وفي التصورات المكانية عنده من الاتساع والعمق ما يغري بالدخول في التحليل والتفصيل والتأويل، وهذا ما لا تتسع له الدراسة الحالية ذات الطابع العام. ومع ذلك نحاول هنا تقديم الملامح الأساسية للمفهوم الدرامي للمكان كما تبدو من القراءة الأولى:

1-                تصوره للمكان شامل: أي أن المأساة تضرب جذورها في كل تمظهرات المكان من بر وبحر وجو وسماء ونجوم، ومن تضاريس الأرض المتنوعة، ومن رياح الجو وعواصفه وزوابعه. وهناك الطبيعة المعمورة كالبادية والقرية والمدينة، ولا سيما المدن العربية، وهناك الصحراء الشاسعة الممتدة (الربع الخالي)، وقد تبدو فيها اشراقة أمل بسيطة، وهناك الطبيعة الرديفة بجبالها وسهولها وأنهارها وشجرها، وهناك أيضا الحيوان والطير والوحش، بأشكالها المختلفة. وهناك أخيرا البحر، له وجود، ولكن – ويا للعجب – عند ابن عمان جد محدود، فالصحراء هي التي «تمتد» وهي المآل والمصير الذي إليه تنتهي تجربة الشاعر عند اللحظة التي تكون نهاية المطاف، ففي ديوانه الأخير الذي يودع القرن العشرين (1999)، يبرز وجود الصحراء بشكل لافت للنظر، وتتخذ شكل رمز جديد، ربما للانتهاء الكوني بعد مرحلة «العبور».

الصحراء تمتد

وموتك المنجز منذ الولادة (28)

وهذه لمسة أخيرة تؤكد الانتهاء في الربع الخالي.

… يد الهذيان الذي تجرفني وديانه

كل ليلة على أبواب الربع الخالي(29).

2-                تصوره للمكان معاصر جدا: وهذا أمر منتظر من تصور لا يبدي اهتماما كبيرا بالماضي والتاريخ، ومعهما التراث بالطبع. وابرز علامات هذا التصور المعاصر المدن بأسمائها ومعالمها وما حولها. وتشكل المدن إطارا متنوعا جدا لإشعار الرحبي، وهناك صف من المدن العربية ممتد من المحيط إلى الخليج، ومن بعض المدن الأجنبية المتفرقة. ويبدي الشاعر اندماجا في جو كل مدينة عاشها أو تخيل المعيشة فيها. والغريب أن أماكن طباعة دواوينه تتبعه أينما حل مكانيا، أو اقترب في تصوراته، ولهذه الظاهرة دلالات يصعب الجزم بها، ولكنها تصح مدخلا لتفحص علاقته بالمكان، ولا سيما بالمدينة. وفيما يلي التسلسل التاريخي والجغرافي لظهور مجموعاته الشعرية.

1-                نورسة الجنون، دمشق 1980.

2-                الجبل الأخضر، دمشق، 1981.

3-                أجراس القطيعة، باريس، 1984.

4-                رأس المسافر، المغرب، 1986.

5-                مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، عُمان- الإمارات، 1988.

6-                منازل الخطوة الأولى، القاهرة، 1993 (سيرة المكان والطفولة).

7-                رجل من الربع الخالي، بيروت، 1993.

8-                جبال بيروت، 1996.

9-                معجم الجحيم، القاهرة، 1996.

10-           يد في آخر العالم، دمشق، بيروت، قبرص، 1998.

إن نظرة سريعة إلى عناوين هذه المجموعات العشر تنبئ بوضوح أن المكان هو الهاجس المسيطر على مخيلة الشاعر، فهناك ستة عناوين تحمل تسمية مكانية مباشرة: الجبل الأخضر، منازل، الربع الخالي، جبال، الجحيم، آخر العالم. وهناك اثنان يحملان إحساسا مكانيا قويا، فالنورسة رحيل من مكان إلى آخر، وكذلك المسافر وربما رأسه أيضا. والمجموع ثمانية عناوين من مجمل عشرة. والزمان لا وجود له في القائمة. وهناك أيضا مقالات سيف ونثرياته التي تحمل دائما مسحة الشعر، وانظر إلى سيطرة هاجس المكان في عنوان مجموعة مقالاته: حوار الأمكنة والوجوه. والمقالة الأولى هنا تحمل العنوان المكاني المعبر: «قوة الحنين وسطوة المكان»(30).

ثم إن نظرة أخرى إلى التسلسل الزماني/المكاني (الزمكاني) لنشر الدواوين تدل بوضوح على أن هوى الشاعر موزع بين الأمكنة وهائم في رحابها، يكاد يحاول أن يمسحها (دمشق، باريس، المغرب، عمان، الإمارات، القاهرة، بيروت).

ويحظى من يسارع إلى الزعم أن هذه الملاحظة شكلية، ذلك انه من خلال تفحص هذه الدواوين المنسوب مكان طبعها إلى دمشق والقاهرة وباريس وبيروت ونجد في الإطار المكاني للقصائد إشارات نوعية إلى مواقع هذه المدن وأحيائها ومقاهيها، وربما العلامات البارزة في قسمات مظهرها. مثال ذلك قصيدة: «نجمة البدو الرحل» أو «القاهرة» من ديوان «منازل الخطوة الأولى» فهذه القصيدة الملحمية المطولة تحفل بالإشارات إلى تضاريس القاهرة وأحيائها ومعالمها ومعانيها الرمزية. وفي آخر القصيدة ينتقل المشهد إلى بيروت «قوس قزح العالم» وتذرع سطور الشاعر البسيطة بحثا عن عقد ضائع، وهكذا.

من القاهرة حتى الجزائر

حتى اسكتلندا ودمشق و…

فضاءات تلج أخرى

مثلث برمودا منتحرا بأسراره

أصقاع.. أصقاع

ولا تعنينا في مجال النقطة الحالية إيماءات القصيدة وإيحاءاتها، فهي متعددة متراكبة.

وقد أوردنا هذا المقطع بالذات لنلاحظ تلذذ الشاعر بارتياد الأمكنة، واتساع مروحية هذه الأمكنة من عربية وأجنبية لتشمل مثلث برمودا (المحفوف بالأخطار والأشرار)، ومختلف أصقاع الدنيا(31).

تشكل هذه القصيدة بامتداداتها الجغرافية وبعض أبعادها التاريخية والأسطورية (ايزيس .. سوزان، دم الفينيق)، وبتنوع إشارتها، شبه الملحمة مكانية (القاهرة والمدن الأخرى- هيمالايا- برمودا). وكل هذه الأمكنة والإشارات ذات طبيعة عابرة وقلقة ومخنوقة ومنتحرة، وتنتهي بصليل المأساة الشاملة:

كأنما بالأمس .. بالأمس فقط

مرت أسراب المذنبات

3-                وللمدن لفتة خاصة: وتتردد هذه النهاية العدمية بأشكال  مختلفة في القصائد التي تذكر المدن، ومعها دائما نفي كل أمل أو رجاء في استمرار الحياة، وفي اغلب الأحيان يأتي هذا النفي/النعي مباشرا وصارخا.

ففي قصيدة «ذكرى الحاضر»، التي يؤكد عنوانها ما تذهب إليه القراءة الحالية من حقيقة انشغال مخيلة الشاعر بالحاضر المعاصر، إلى درجة أن الذكرى نفسها تنسب إلى الحاضر بدلا من الماضي، كما هو معتاد. وفي هذه القصيدة تؤدي الذكرى إلى غرق المدينة في البحر مع سكانها، والاختيار الوحيد هو الاختفاء ولو في كأس.

وحيدا من غير أمل

ومن غير رغبة

هكذا .. هكذا

حتى اختفي مع سكان مدينة

غرقت في البحر

أو اختفي في كأس(32).

والملاحظ هنا إنها مدينة بصيغة نكرة، أي إنها مطلق مدينة، والانا الجماعي يغرق معها، أو يختفي في كأس والاختفاء في الكأس غرق آخر أقوى تعبيرا واشد إمعانا في رمز الانتهاء والانحلال في الماء، والكأس مكان، والماء شبه مكان.

وأخيرا، من المهم التأكيد أن المدينة مقدمة في شعر الرحبي بطريقة تختلف نسبيا عن مجمل الموقف من المدينة عند الشعراء العرب المحدثين من احمد عبدالمعطي حجازي حتى البياتي، الذين رأوا فيها تشويها لطبيعة الإنسان وجناية على إنسانيته وطيبته المفترضة، ومجالا للقسوة والظلم والاختناق، وربما أيضا مسخا لأخلاقية الإنسان وخنقا لنداء وجدانه (مفهوم المدينة الجانية وأحيانا كثيرة المدينة العاهرة)، ذلك أن حالة المدينة في الكون الشعري عند الرحبي هي جزء من مناخ التراجيديا المخيمة على الوجود، وهي نفسها من وقود المأساة وليست بالضبط مسببة المأساة.

ويكشف تعامل سيف الرحبي مع المدينة عن انه على الرغم من قوة تصويره لجبروت الصحراء وعدميتها في الوقت نفسه، فان تعلقه الحقيقي أو إطاره المكاني الطبيعي هو المدينة، وهذا طبعا امتداد لحس المعاصرة في أشعاره كلها. ويكاد المرء يقول انه يتلذذ بذكر المدن ويشتاق إليها (وقد يكون للتجربة الشخصية في التجوال اثر كبير في ذلك).

ونستنتج من مجمل إشارته وعنوناته أن الأنا الشعري في قصائده- حتى لو اتخذ صيغة الغائب أو المتكلم- لديه أفضليات مكانية يتفاعل في أجواء وتفاصيل تضاريسها أكثر من غيرها. فالأجواء والمناطق العمانية تأخذ منه حدا طبيعيا من التعلق والتركيز يقل بكثير عن كثافة شعر التعلق بالوطن أو المكان الذي نعرفه عند الشعراء، ولكن لا يحس المرء بان الأماكن العمانية تشكل نتوءا بارزا في التصور المكاني للمخيلة الشعرية السائدة في المجموعات. وقد ذكرت نزوى مرة مع طنجة وغيرها وذكرت قرية سرور، ولكن ليس هناك عمق عاطفي أو مفهومي لافت للنظر. انه الشاعر الرحبي، مسكون دائما بهاجس السفر من مكان إلى أخر، وان كانت هذه الصورة بدأت تتغير في إنتاجه المتأخر، وأخذت الصحراء ذات المسحة العمانية تتحفز للبروز في الواجهة، واجهة النفي، إن كان للنفي واجهة، كما سبقت الإشارة.

وبالمقابل تحظى بعض المدن العربية بتعلق خاص ومسحة من التعاطف هي أقصى ما تسمح به من شحنة عاطفية أجواء دواوينه القائمة على مبدأ الرؤية المنسلخة عن العاطفية المباشرة (على طريقة جيمس جويس وت.س.إليوت).

واهم هذه المدن بشيء من التتابع الترتيبي: دمشق (بأبرز معالمها وبنبض شخصياتها الأدبية)، ولا سيما في أشعار الثمانينيات. القاهرة (بأبرز معالمها وأحيائها). الإسكندرية (عروس البحر مع إحساس تاريخي). وتأتي بعدها مدن مثل: طنجة واللاذقية وبيروت والجزائر ووهران، ولـ«سرور» العمانية مكان خاصة.

ومن المدن غير العربية تحظى باريس بتفاعلات شعرية خاصة، وتأتي بعدها روما ولكن هنا من خلال بعد تاريخي.

والملاحظ أن كل هذه الأماكن مبرأة نسبيا من الضلوع في المأساة فهي اقرب إلى إطار للمأساة، مما هي مولدة أو حاضنة لها. بل إن سيفا في ديوانه الأخير الذي ودع فيه القرن العشرين يكاد يشيم خيطا رفيعا من برق أمل ربما أومض بنفحة حنين من خلال تجربة المدن التي احتضنته وهو يسبح في بحور المأساة الكونية:

من ربوع المغرب

مÿÿÿÿ06ÿÿ&#L&; داد وÿÿ5;575;لقاهرة

من بيروت

أتسلل إلى أحلام نائمية

صباح احلم فيه بكتابة قصيدة

لا تنسف العالم لكنها تريح قليلا

صخرة الحنين)(33).

4-                والطبيعة أيضا ضالعة: إذا كان الزمان لا يتحمل كامل المسؤولية عن خراب الكون، وكذلك المدينة، وهي طارئة في تاريخ الإنسانية الموغل في القدم. فماذا يبقى؟ إنها الطبيعة، ويا للعجب! الطبيعة بمعانيها المختلفة، وما اشد مراوغة هذه الكلمة(34). وفي شعر الرحبي تتراوح الدلالة بين الطبيعة الانسانية أو طبيعة الإنسان، أي طبعه وفطرته وتركيبه النفسي ونوازعه، وبين الطبيعة الطبيعية من ارض وسماء وجو ورياح وكواكب وماء ويابسة، وحيوان وطير، ومن ضمنها الإنسان، طبعا، ويجب ألا ننسى الطبيعة المعمورة المتمثلة في المدن، وقد سبقت إليها الإشارة.

ومهما كانت الدلالة يكفي أن نتذكر أن أكثر كلمة تتردد في المعجم الشعري للرحبي هي كلمة ذئب ومشتقاتها: ذئب، ذئاب، ذئبية (المصدر الصناعي)، فالناس كلهم ذئاب، والذئاب ذئاب، ومظاهر الطبيعة من ريح وعاصفة وربما ليل وصباح وكلها ذئبية والذئب رمز خطير في هذا السياق. انه الغدر والشره والخسة والاستقواء على الضعيف والعدوان الذي لا يرحم.

ومع ذلك يجب أن ننبه إلى أن رؤية الشاعر في مجملها تنطوي على موقف تعاطف مع الإنسان إزاء جبروت المصير العدمي، انه يتحدث كثيرا عن الألم الإنساني والشعور بالخطيئة دون ذنب واضح، فهو بذلك يختلف أيضا عن شعراء يشككون في الطبيعة الإنسانية ذاتها. إلا انه في بعض الحالات يشير إلى التاريخ الإنساني الغارق في الوحل.

يقول العلماء تملك الشمس كميات من

الغاز اليهدروجيني يكفيها كي تعيش متلألئة

عشرة مليارات أخرى من السنين

كم يلزم الإنسان من المليارات

كي يغسل تاريخه من الوحل؟(35).

على أن هذا الموقف غير مطرد، ولا نراه يتكرر كثيرا بمثل هذا الوضوح.

وهذا كله يعني أن المأساة ليست قائمة تماما في طبيعة تركيب الإنسان وكينونته، فماذا عن الجانب الأخر من الطبيعة، أي طبيعة الأشياء من حول الإنسان؟ خلافا أيضا لما نراه عند أهل الأدب والفن من تغن ببراءة الطبيعة وجمالياتها ورأفتها وصدرها المفتوح دائما لاحتضان الفنان المغترب روحيا، وإحاطته بالحنان والطمأنينة، خلافا لكل ذلك نجد الطبيعة المحيطة بالإنسان وبالمعنى الأوسع هي التي تشكل مناخ المأساة وبشائر العدم. وكنا في القسم الأول قد بينا دور الليل والنهار في إضفاء القتامة على الكون، وهما وجها الطبيعة الأساسيان، ورغبة في تجنب التكرار لنحاول استكمال الصورة من خلال الأجواء العامة للطبيعة في دواوين الشاعر.

ربما كان أهم ما تنبه إليه المقاطع القصيرة التي تمثل عنده دفقات من الأحكام المبتوت فيها هو أن الطبيعة خادعة تخفي وراء مظاهرها المشرقة من ناحية الشكل والمظهر أنواعا من القسوة والجبروت والحيف والافتراس، فحتى لو صحا وجه الأرض وراق (بتعبير ابن زيدون)، فانه لا مجال للاستبشار، لان المخبأ مرعب مخيف:

رائحة الفريسة

في حلقي

رغم الجو وصحوه الغزير(36).

وإذا أمكن أن تعطي لهذه اللوحة تسمية مثل: «الصحو المفترس» فان الصورة المكملة تأتي من خلال اللوحة التالية الصارخة التي يمكن أن تحمل عنوانا مثل: «السماء لا تضيء»:

السماء تكاد أن تنفجر مثل مخاض،

رعود وصواعق برد

لكنها لا تضيء(37).

وإذا كانت السماء لا تضيء، وكذلك الصبح والفجر والشمس والقمر- كما رأينا سابقا- فمن أين يأتي الضوء، وهل في قاموس الحياة ومضة من أمل؟

والجواب أيضا قاطعا كحد سيف، ويحذر من الاغترار بالمظاهر الأنيقة للطبيعة، التي لا تخفي وراءها سوى الخراب:

هناك في الخرائب الأنيقة

تضع البومة بيضها

وتنام على أحلام خرائب أخرى(38).

5- وكائنات الطبيعة عوارض للمأساة: على أن البيئة الطبيعية ليست مهجورة بل معمورة بمسلسل منوع من المخلوقات، من حيوان ووحش وطير وحشرة وزواحف إلى جانب الأسماك والحيتان والإخطبوط وغير ذلك.

وهكذا لا يكتمل مفهوم الطبيعة إلا بتفحص الرؤية الشعرية عند الرحبي في مجال ما يمكن أن يسمى: الطبيعة الحية. فماذا نرى هنا؟ بما أن الرؤية السائدة في الكون الشعري عنده هي رؤية ذات ميل حركي، أي أنها تعنى بما هو مرتحل أو مسافر أو منقض أو متزلزل أو عابر، حتى إلى العدم، فمن الطبيعي أن يكون الاهتمام بمخلوقات الطبيعة وأحيائها في أعلى المستويات. والحق أن أشعار الرحبي عامرة بالأحياء الطبيعية، وكلما تحدث عن الخراب الشامل- وما أكثر ما يفعل- تبرز طيور البوم والغراب والنسر والعقاب والجوارح إلى جانب الذئاب والضباع والوحوش المفترسة الأخرى، التي تتخذ من إنهاء مدة الحياة وظيفة أبدية لها.

ولكن الصورة غير مقصورة على الوحوش والطيور التي ترمز إلى الافتراس والبطش أو المخاتلة والخداع (الثعالب)، فهناك مثلا الحمام بكثرة ملحوظة، وهناك النورس واللقلق في الطيور، ومن الحيوانات الأليفة هناك قائمة الخيول والجمال والحمير والكلاب التي تلقي أهمية معتدلة وتتصدر القائمة غير الافتراسية، ولكنها تحمل مدلولات ومفهومات غير متطابقة مع ما هو مألوف عنها في المرددات العامة. ولكن تبقى الغلبة في النهاية لقائمة الجوارح والكواسر والضواري. ويسيطر على شعر الشاعر بأكمله رمز الطير، ويتصدر قائمة المفردات المتكررة في مجال الطبيعة الحية. وفي إطار هذه الرؤية العامة العابرة لا يستغرب أن يكون الطير الوسيط الحامل لمختلف المدلولات. ونكاد نصادفه في كل قصيدة، وأحيانا في مقاطع مختلفة، أما بلفظه المبهم (طير وطائر وطيور)، وأما بتحديداته مثل العصفور والحمام والنورس واللقلق ولكنها في مجموعها لا تبلغ درجة تكرار لفظة الطائر والطيور. وفي الديوانين الأخيرين زمنا وهما: «رجل من الربع الخالي» (1993) و«جبال» (1996)، تتكرر هذه اللفظة بعدد متساو يبلغ عشر مرات في كل من الديوانين الصغيرين حجما (الأول 73 صفحة والثاني 94 صفحة)، وهذه نسبة عالية جدا.

وفي نصف المرات على الأقل يرد الطائر موصوفا بصفات متنوعة لا يكاد يجمعها جامع، لا سيما إذا أتى بصيغة الجمع. وأحيانا يكون التوصيف من خلال تركيب الإضافة يبدو أن الطائر المفرد يكاد لا يحتاج إلى توصيف نوعي، ربما باستثناء «طائر الفينيق».

إن هذه الصفات محيرة فعلا، ويصعب أن يجد لها المرء قاسما مشتركا، فهي مثلا: طيور وليدة، وكسيحة، وبيضاء، وعاتية، وجوارح، ومفترسة، وطيور الرغبة، وطيور الأبدية وطير الاستغاثة، والطيور والسمان، وطيور هتشكوك. ولكن أحيانا نفاجأ بطيور رحيمة، وبطيري الأليف، ولكن التتمة تأتي غير أليفة: «الطائر الذي يبتر رأسه على حافة صخرة».

وفي حالات أخرى هناك طائر الصيف القبيح، وطائر كبير، وكلها دلالات مثيرة للحيرة، كأن الطائر رمز مطلق غير مغلق، وليس له مجال دلالي محدد، اللهم إلا ضمن إطار مفهوم الارتحال والغياب، وربما كان في وجدان الشاعر علامة سيمائية لماهية الحياة، وهي العبور.

وخلافا لما هو مألوف في عالم الشعر، لا يقوم الطائر في الكون الشعري لدى الرحبي برسالة خيرة أو مبشرة أو مهدئة لتأثيرات الدراما العدمية. وفي بعض الأحوال يكاد يرمز للأمل الهارب أو الكاذب أو الخلب، كما في المقطعة التالية:

طائر

طائر كبير يقف على السطح

طائر يشبه ممحاة سحاب

وإذا حدقت فيه قليلا

نأى بجناحيه العريضين

خلف أفق من ضباب (39).

قد يرمز الطير هنا إلى أمل الوضوح وانقشاع الغمة (ممحاة سحاب)، ولكنه أمل كاذب لأنه ما أن يحدق فيه الأنا الشعري حتى يفرش جناحيه العريضين ويختفي خلف أفق من ضباب، فكيف إذن استطاع أن يعطي الانطباع بأنه يمكن أن يمحو السحاب؟

بصراحة أن رمز الطائر مهم جدا في هذا الكون الشعري، وكذلك أنواع الطيور الأخرى كالعصفور والعندليب والنورس والعقاب والنسر والديك وغيرها. ويتميز هذا الرمز تميزا قويا عن رموز الأحياء الطبيعية الأخرى.

ولا أحب أن اقفز إلى استنتاجات غير مدروسة، واكتفي بهذا القدر في المجال الحالي.

ولكن قد يكون مفيدا أن يتأمل القارئ الإحصائية التالية التي أخذت من ديوانين يمثلان مرحلة النضج في تجربة الشاعر، هما «الربع الخالي» و«جبال». وهذه الإحصائية مصحوبة بعدد المرات المتكررة، وبما يتصل بها من مفردات قريبة من المدلول أو شبيهة به.

ويلفت النظر في قراءة الأرقام:

1-                يحتل «الطائر» باشتقاقته المختلفة طيور، طير، المرتبة الأولى في التكرار، وربما كان أكثر كلمة دالة مكررة في الديوانين، بل هو المفتاح الدلالي الأساسي في رؤية الشاعر، القائمة على فكرتي العبور والعدمية.

2-                يتبعه من الطيور الحمام، وهو من جنسه على الأقل من ناحية العبور، وربما أيضا من خلال شحنة الحزن.

3-                نسبة تردد الطيور الأخرى معتدلة، ولكن مجموعة الطيور (رمز العبور) تبلغ في مجملها 48 دالة، مقابل 34 للحيوانات الأخرى المتكررة.

4-                تعد كلمة الذئب ومشتقاتها (ذئاب، ذئبة، ذئبي) أكثر الكلمات الدالة على حيوانات الطبيعة تكرارا (10+7= 17 مرة). والاهم من ذلك أن مدرج دلالتها واسع جدا، واستخدامها في السياق يدل على أنها مفتاح دلالي مقصود لذاته ومشحون بالمعاني المتعلقة بالموضوعة الأساسية، وهي درامية الوجود الإنساني والكون (العبور والعدمية)، وبالمصطلح الوجودي: عرضية الوجود الإنساني.

5-                مع الذئب نجد الضواري والوحوش الأخرى ومن بينها الضباع. بينما الأسد نال إشارة واحدة والنمر ثلاث إشارات، فهل يتجنب سياق القصيدة الإشارة إلى الوحوش التي تمثل شيئا من نبل القوة، لئلا تضر بإيحاءات القوة الخسيسة التي يمثلها الذئب.

6-                الحيوانات الأليفة تتكرر بمستوى عادي، ومجموعها 40 مرة، وهي موزعة بين قطعان المواشي والأبقار، والكلب، والجمل، والخيل والحمار. وتلفت النظر ندرة الإشارة إلى القطط (مرة واحدة).

ثالثا: نظرة إجمالية: الرؤية والفن

حتى الآن رأينا جانبا مهما من الرؤية الكونية الملحمية لسيف الرحبي كما تبدو في تجربته الشعرية. ويقتضي الإنصاف أن نذكر بوضوح أن هذه النزعة السوداوية التشاؤمية العدمية الرافضة الفاقدة لأي رجاء ربما تمثل ابرز جانب من جوانب تجربته الشعرية، لكنها ليست كل شيء، ذلك أن الشاعر وأقرانه من الشعراء المعاصرين، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، يبدون انشغالا بل انهماكا في تقصي تجربة الوجود الإنساني والمصير، ويتكئون على المفاهيم أكثر مما يركنون إلى التعبير عن ذبذبات المشاعر. وفي حالة الرحبي يبدو بوضوح انه شاعر ذو إحساس ورهافة وليس متأملا جامدا في شؤون الكون، لكن مشكلته انه، مثل كل شعراء الإنسانية ذوي الأفق الواسع، ينظر إلى الوطن والإنسانية والكون بإشفاق شديد من خلال منظور تجربته الذاتية المغلقة، والمبطنة أيضا، بالرؤى المثالية والقناعات الأخلاقية التحتية، أي المتجذرة في العروق إلى درجة انه يمكن لصاحبها أن يظن انه متجرد منها باتجاه الموضوعية.

وهكذا تقع عينه على كل ما هو سلبي وخاطئ وشرير ومنحرف، بل ودميم أيضا، ولا يكاد يبصر أي ناحية ايجابية في الحياة، وينسى أن أكثر الناس عاشوا على وهم جميل هو أن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش، وذاقوا أحيانا لذة التحقق، وعرفوا مسرات الحياة ومباهجها وجمالاتها.

وترتب على كل ما تقدم أن رؤيته الكونية، تلك التي عرضت بالتفصيل في الصفحات السابقة، أتت ملفعة بالقتامة الشاملة والتشاؤم، وكادت تسد الجهات على كل نسمة من نسمات التفاؤل.

ولا شك في أن لظروف المرحلة السياسية والاجتماعية محليا وعربيا وعالميا، وكذلك لظروف الشاعر الشخصية أثرا كبيرا في تعميق جذور هذا الموقف السلبية، وإعطائه قوة اضفائية تشمل المصير الإنساني نفسه. وهذا أمر تجنبنا الخوض فيه، ولكن مجال معالجته يبقى مفتوحا للمستقبل. وحتى لو ثبتت صحة هذه المقولة، أي لو وجدت مسوغات كافية (إطارية وشخصية) لهذا الموقف، فانه يبقى صحيحا أن منطلق الحكم العام هو ما تقدمه النصوص، وما تقوله كلماتها، وما توحي به صورها. وهنا يتضح تماما أن الرؤية الكونية المطروحة هي رؤية متماسكة، وذات شخصية خاصة، وتطرح طروحات تستحق النظر والتبصر، ولا يجوز إلغاؤها بجرة قلم؛ وهي تضاف إلى تجارب أدباء الاغتراب الروحي والانقطاع البنيوي، ابتداء من أبي العتاهية إلى أبي العلاء المعري، إلى اجناتسيو سيلونه، إلى ت.س.إليوت، إلى البرت كامو .. الخ.

وليس الحديث هنا يتعلق بموقف الصحة والخطأ، فالشعراء لا يحاكمون من خلال مقياس صوابي –، فقد كانوا حقا – وما زالوا- يتبعهم الغاوون … وفي كل واد يهيمون. وإنما يحكم عليهم من خلال معايير تماسك الرؤية، وجمال التعبير عنها، والانطلاق من الحرص على المصير العام، وربما أخيرا وجود قبسة وجدانية تضيء خبايا الموقف.

ونكاد نزعم انه من خلال العرض السابق لمواقف شاعرنا الكونية، لا يستطيع الإنسان أن يزعم أن حصيلته الشعرية بمجملها بعيدة عن تحقيق هذه الشروط، وفيما يلي تأويل ذلك من خلال عرض موجز:

3-1: تماسك الرؤية واتساقها الداخلي

من متابعة مجمل الأعمال المنشورة للشاعر يتضح تماما إنها تعبر عن رؤية عدمية متماسكة، سبق أن أوضحناها  في ثنايا هذه القراءة. وهو يتابع هذه الرؤية في أشعاره المتأخرة ويعمقها دون هوادة ولا تردد.

وهذا النوع من التماسك نفتقده عند شعراء عرب كثيرين، وهم اقرب إلى تماسك رؤية شاعر كبير مثل المعري (دون الإيحاء بالتشابه) أو رؤية أدباء الاغتراب الروحي في الغرب.

إن المجموعات الأخيرة للرحبي «رجل من الربع الخالي» و«جبال» و«يد في آخر العالم» شديدة التماسك، وأحيانا يحدث – على سبيل التخيل – أن تشرق في إرجاء قصيدة ما نسمة ربيعية، أو تهطل زخة مطر مبشرة، أو تبدي بعض النساء ومضات سعادة ويسمحن لأنفسهن ببعض التبختر، أو يفتر لهن ثغر عن ابتسامة (وهي مشاهد نادرة في مجمل شعره). ويظن القارئ أن الفرج اقترب، ولكن سرعان ما تلوي القصيدة عنقها وتطوي كشحها وتعود سيرتها الأولى إلى الهاوية والموت. هذا هو المقطع الأخير من قصيدة «عوارض تكييف»:

… سعيدات يبتسمن للأفق

والبحر زبده يصل إلى النافذة

وما يكاد المرء يرخي العنان لرفة تفاؤل حتى تصفعه القارعة التالية:

قدمان ثقيلتان

ورأس يعج بالموت(40).

إن هذه الالتواءة إلى جو الموت مقصودة جدا، وغرضها قمع البسمة، على الأقل، لان الشاعر جعل الومضة المستبشرة خيالا ووضع لها عنوانا يفسرها: «عوارض تكييف»، ولعله يقصد تكييفا عارضا.

وبالمناسبة، يأتي ذكر المرأة عند أمم الشرق والغرب ليلطف الأجواء ويسري عن النفوس المتوترة، ولكن حضور المرأة في شعر الرحبي يشكل وقودا لإذكاء حس المأساة. والملاحظ أن قصائد المرأة عنده ملفعة بالغموض، بل هي أكثر القصائد غموضا في شعره(41).

وأخيرا، إن أوضح دليل على تماسك أي رؤية فكرية هو انتهاؤها بلم أطرافها وتكثيفها في شكل نتيجة أو حل استشرافي للمستقبل. وهذا بالضبط ما فعله صاحب الرؤية في القصيدة الأخيرة من ديوان «جبال» (1996) وفيه يشير إلى أن القصائد نظمت بين عامي 1994 – 1996.

عنوان القصيدة معبر جدا: «دعاء»، أي نهاية المطاف وغاية الاستشراف. ومقطعها الأخير لا يحتاج إلى تفسير، فقد آن الأوان لوضع حد لمأساة الحياة ومحو الأرض ومن عليها من أي وجود:

أزح قليلا هذه الصخرة

هذه الأرض

هذه البيضة العائمة في الأفلاك

والكأس الفارغة من ..

أزحها قليلا

فلسنا الورثة الصالحين

إلهى (42).

إن هذا الدعاء يثير أسئلة كثيرة، واعترف أنني لم اقرأ في حياتي لشاعر من العرب أو من العجم، كلاما مثل هذا الكلام القائم على التلذذ والتلمظ بدعاء الفناء، كأنما الثور الأسطوري يريد أن يريح قرنه من ثقل الكرة، بعد أن كلّ وفرغ صبره .. فهل يرمز ذلك إلى أن الشعر نفسه تعب من الأمانة بعد أن حملها، جهولا، على مدى السنين؟

3-2: الانطلاق من الحرص على المصير الجماعي والإنساني

يسارع كثيرون إلى إدانة الأدباء والفنانين المتشائمين أو العدميين، ووصمهم بأنهم خارجون على القانون الإنساني أو قانون الحياة. وفي حالة الرحبي تقتضي الأمانة أن نعترف بان الأجواء الشعرية التي أهدانا إياها أتت مكفهرة وملبدة بالغيوم وملفعة بالقتامة، حتى كأنها تطمح بإصرار إلى محاصرة الرؤية بأشباح الظلام. ويدل خط تطور هذه الرؤية إنها متوالدة من الداخل وتزداد رسوخا وتركيزا مع تطور التجربتين الحياتية والشعرية، كما يمكن أن يستنتج الإنسان من قراءة تاريخية تسلسلية لإنتاجه.

على أن كل هذه التصورات القائمة لا ينبغي أن تحجب عن بصيرتنا، ربما من خلال ما هو مسكوت عنه فيما بين السطور والفراغات، في النص المدون، أو ما بين كل آهة وآهة في النص المسموع، إن هذه العدمية تنبض بحب الكون والإنسان، وأنها ليست عدمية شيطانية قائمة على التدمير. وهنا يرد في الخاطر دور لوسيفر على نحو ما تخيله الأدباء الثائرون، لوسيفر الرافض للخطأ الذي يبني في داخله تصورات كبرى عما ينبغي أن يكون، وحين يتفحص الذي كان يأخذه الروع وتهزه الصدمة، وتكتحل عينه الداخلية بالسواد الدامس.

والمسألة هنا لا تخص الرحبي وحده، إنها مشكلة ضمائر أهل الأدب والفن التي زرعت فيها بذور الحب والتعاطف الإنساني، والتي لا تحمل لها نوافذ حواسها سوى مآسي الإحباط والذبح والظلم في سيرورتها الدائمة المتوالدة، التي تكاد تلغي أي معنى لان تستمد الحياة.

ويسهل علينا أن نكتشف هذه السريرة المختبئة ابتداء بأبي العتاهية إلى فرانز كافكا، إلى مارسيل بروست، إلى ت.س.إليوت، إلى هنري باربوس، إلى سيريل كونولي. ولكن عند سيف الرحبي أو بالأحرى في كونه الشعري تبدو المسألة مختلفة، إذ يطرد الإصرار على إخفاء أي ومضة من ضوء أو رقة من تعاطف، أو نبضة محبة، كأنما يخشى لهذه الاهتزازات أن تكدر تماسك الرؤية العدمية. ومع ذلك نستطيع أن نلتقط عنده سمات من «نقاط الضعف» هذه، من خلال تلك القصائد القليلة التي يعود فيها الأنا من جماعيته الشاملة إلى فرديته الضيقة، لاسيما حين يكون الجو الشعوري للسياق أقوى من الجو الفكري، مثلما نجد في اللوحات المتعددة التي تحمل عنوان أصدقاء، وكذلك الإشارات المتكررة إلى الصداقة، وكذلك لوحات العودة والبيت القديم وذكريات الطفولة، ولاسيما في ديوان «مدية واحدة لا تكفي».

هذا هو المقطع الأخير من قصيدة «عودة»:

سأحملها بمراياها الألف

مع أرصفتها وخياناتها وروعتها

حتى يسقط نيزك على رأسي

سأحمل الأرض ومن عليها

كليلة حب تهرب من كفي

وأعيش صباح يوم آخر.

ونلاحظ هنا ما يلي:

1-                إن الأنا الشعري يحمل على كتفيه هم الإنسانية الكبير. انه هنا قرن الثور الأسطوري، كما اشرنا آنفا.

2-                إنه يدرك تماما أن الحمل/الأمانة عامر بالخيانات، ولكن مع ذلك لا ينكر روعة محتواه.

3-                إنه يستمر في حمل العبء/الأمانة دون أوهام بشأن الآتي، فالحالة لا بد أن تكون مؤقتة، لان النيازك اللاهبة الهابطة لابد من أن تدرك قرن الثور وتحطمه.

4-                ومع ذلك تفلت منه هنا ومضة حب وصباح آخر (مما لا نجده دائما في الأشعار الأخرى).

5-                ويلاحظ بعض الإضاءة الفنية هنا، مقابل قتامة الصور في معظم الديوان. ومثل ذلك يمكن أن يقال عن قصيدة «بيتنا القديم»، التي نرى فيها حالات نادرة من الغيوم البيضاء، ورفق الطيور، والنمور، والأحلام، وعيد الأضحى والعصافير والنساء .. وغير ذلك(43).

وإذا تركنا الإشارات النصية إلى الأجواء العامة للكون الشعري عند الرحبي، نجد أن هذه الأجواء تنبثق من دائرة الوطن الصغير (الجبال والصحراء في عمان) إلى الوطن الكبير (من الخليج ودمشق وبيروت، فالجزائر فطنجة فالمحيط)، إلى دائرة الإنسانية جمعاء:

–       تاريخيا بمستوى محدود: هنيبعل، بيزنطة، الاسكندر، نيرون، هتلر .. الخ.

–       وجغرافيا بمستوى شامل لا يكاد يترك بقعة أو مدينة معروفة على وجه البسيطة إلا ذكرها عينيا، كأنه موكل بفضاء الله يذرعه على طريقة ابن زريق البغدادي، فهناك المدن العربية، وقارات آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، والمدن الغربية، ومعظم الجبال الشاهقة المعروفة في العالم (مثل هيمالايا)، ونهر الأمازون وغير ذلك. وإذا ربطنا هذه الظاهرة بحس المعاصرة الذي تنبض به كل هذه القصائد بمفرداتها وأجوائها وأفكارها يتبين لنا أن الهم المحمول على الكتفين هو الهم المعاصر بوجه خاص. فالجغرافيا أقوى من التاريخ هنا، ولكن أيضا هناك ربط للمأساة الراهنة بجذورها السحيقة في القدم. وهذا الشاعر، وهو بارز في ثنايا المعمار الشعري والخيال ومن أمثلته قصيدة «مكيف هواء»:

ومن خياشيمه التكنولوجية

ينبض الهواء المر على جسد أكثر مرارة

من بلدة مهجورة(44).

ويستفاد من الإشارات التكنولوجية المتعددة في قصائده انه يعد التكنولوجيا جزءا من عجلة المأساة الضخمة التي تلف الكون، ولكنه لا يشير إليها بأصابع الاتهام.

وهكذا يمكن أن يعد التركيز على المعاصرة في مجمل الإنتاج الشعري للرحبي دليلا آخر على وعيه قضية الوطن (بمفهومه المحلي الواسع)، وقضية الإنسانية بمفهومها الشامل، وحرصه الوجداني على المصير الجماعي والإنساني.

ويدعم هذا الاستنتاج اطراد استخدامه للضمائر بأنواعها من متكلم ومخاطب متوهم، وغائب حاضر، بمفهوم جماعي واسع، نادرا ما يضيق به إلى دائرة الفرد الذي يحمل اسم سيف الرحبي.

3-3: قوة التعبير عن الرؤية وجمال الأداء

بصرف النظر عن الاتفاق مع الرؤية المطروحة أو الاختلاف معها، يحس القارئ انه إزاء موقف صلب تدافع عنه الكلمات والصور وتشكيلات القصيدة وفضاؤها ونهاياتها المركزة دفاعا مجيدا مستبسلا لا تلين له قناة. وما أكثر ما يقع القارئ على مشهد يحسبه الأكثر قوة في التعبير وجهارة في التفكير. ولكن سرعان ما يجد بعده ما هو أدهى وأمر. إن شعر الرحبي يوفر تراكمية متراكبة وزخما شديدا، وبامكانك أن ترفض موقفه أو تدينه أخلاقيا أو دينيا أو قوميا أو نفعيا (براجماتيا)، ولكن يصعب أن تطرحه جانبا بحجة خفوت نبرته أو عجز أدائه. ويساعده على ذلك دائما جمعه بين التصريح والتلميح أو الملفوظ والملحوظ. وفي اغلب الأحيان لا يتعبك في استجلاء المسكوت عنه، فإذا لم تتأكد من المضمر في مقطع من التشكيل تجده في مقطع أخر أو قصيدة مجاورة. وفي القصائد الأكثر طولا، أو – بالأحرى- الأقل قصرا، نراه يناوب بين العبارات المباشرة وطريقة التعبير بالصور، كأنه يود لو يغذي فضولك العقلي ويذكي حاستك التخييلية، ويجمع في آن معا رسالة الرؤية مكشوفة غير مواربة مع إيحاءات هذه الرؤية ومعادلاتها الموضوعية OBJECTIVE CORRELATIVE، كأنها لعبة تهدف إلى إشغال اكبر حيز من ملكات المتلقي. وفي الشواهد السابقة التي أوردناها يمكننا بسهولة أن نلاحظ كيف تقدم الفكرة بجسارتها وعريها، ثم تدعم بأجواء مثيرة من صور شاردة وخيالات جامحة وتلوينات إيحائية تحمل الموقف إلى الأقاصي البعيدة، وتجمع بين الإثارة الفكرية والسياحة الفنية، لتجعل من تراجيديا الفناء ملحمة ماراثونية، تنطوي على الأسى والأنين، ولا تخلو من رنة خلاص.

وتستقي صورة بالدرجة الأولى من معين الطبيعة الذي لا ينضب، كالبحر والجبل والصحراء والسماء والنجوم والعاصفة والضوء والهواء والليل. وفيها أحيانا ابتكار وإدهاش وأحيانا مجرد غرابة وإثارة. وتأتي هذه الصورة محقونة دائما بدم المأساة أو مسربلة بظلالها أو فاغمة بروائحها أو مترنحة تحت وطأتها. فهي إذن صور بصرية، حسية، سمعية، شمية، لمسية، متراكبة. وقد أتقن الشاعر توليفها في اغلب الأحيان.

وحتى حين يبتعد عن جو الطبيعة ليصف المكيف أو البيت أو الموسيقى، فان خياله يظل مرتبطا بالطبيعة، ولا يقتصر على الحاسة السمعية وحدها. لنسمع هذه المقطوعة بعنوان «موسيقى»(45):

حين اخرج من البيت

اترك الموسيقى مفتوحة

تحرس ارواح الموتى.

موسيقى القدماء التي تحمل رائحة العشب

وتحرس حدائق بابل

معلقة في الأعماق

حين اخرج من البيت

اترك كل شيء مغلقا على نفسه

عدا الموسيقى تضطرب في الردهات الخالية

وعدا بضع محارات،

التقطها من الشاطئ القريب

ليلة العاصفة

ولنلاحظ فنيا ما يلي:

–       التعرض لموضوع الموسيقى وتركها مفتوحة: حالة عصرية.

–       تذكر الموتى منذ البدء، كما لو أن شبح الموت يطارد فضاء الشعر كله.

–       الموسيقى تحمل رائحة العشب، عدنا إلى حاسة الشم والى الطبيعة (العشب)، ومعها حدائق بابل المعلقة، أي لوحة من تاريخ الطبيعة.

–       في المقطع الأخير، الموسيقى تقترن بمحار التقط من الشاطئ، فالطبيعة إطار لكل شيء. ولكن لماذا المحار هنا؟ ما نظن انه ذكر اعتباطا أو مصادفة. ولعل في ذكره إشارة إلى أسطورة أوروبية قديمة تفيد أن  الإنسان إذا التقط محارة على شاطئ البحر وقربها من أذنه يسمع أصداء هدير البحر.

–       أخيرا القفلة: لابد أن تكون الليلة ليلة العاصفة، فلا وجود عنده لليلة ساجية أو مساء رائق.

–       أخيرا، القصيدة نفسها موسيقى: تكررت فيها لفظة «موسيقى» ثلاث مرات، وتكررت لفظة «البيت» ولفظة «عدا» ولفظة «اترك» ولفظة «حين اخرج». إنها قطعة موسيقية حرة تذكر بقصيدة فيرلين المعروفة حول الموسيقى.

الموسيقى قبل كل شيء ..

الموسيقى أيضا وفي كل حين (46).

وبمناسبة الكلام عن الموسيقى تجدر الإشارة إلى أن الاختيار الموسيقي للشاعر كان منذ البدء إلى جانب الإيقاع اللاهث الأقرب إلى القصر، تعبيرا عن نفثات الإنسانية وكلومها وزفيرها الأسمى. كما يقول بول كلوديل. وبالطبع يفتقد الإنسان الوزن والقافية في شعره (النثري أن شئت)، ولكن يحس دائما عند القراءة الجهرية بانتشار إيقاع طبيعي معتدل القوة، كأنه ظلال بحر من البحور الخليلية تقترب في الغالب من الخبب أو المتدارك ولا تتقيد بنظامه الصارم. ومثلما أشرنا سابقا، يلاحظ أن كثيرا من سطوره الثنائية تشبه شطري البيت الشعري أو كأنها ظل له وفي الوقت نفسه يميل إلى الجمل القصيرة المركزة، اللاهثة أحيانا، والمتفجرة أحيانا أخرى.

وقد تكون هذه التجربة متعمدة أو متطورة تدريجيا من خلال الممارسة، ولكنها حتما علامة من علامات اتجاه خط إنتاجه الفني إلى النضج والتجارب مع تطلعاته. ويمكن تصور هذا الخط على انه اتجاه من انسيابية قصيرة المدى إلى دفقات مكثفة تحمل من العناوين والإيحاءات أكثر مما تحمل من الشرح والتفصيل.

ومن هنا غلبت على شعره المتأخر المقاطع القصيرة الدافقة التي ترمي الحصاة الصوانية في بحيرة الوعي وتترك الباقي للدوائر المنداحة:

آه، الألم يشمر ساعده

أمام النبع

وكذلك المقطع التالي وهو خاتمة ديوان «جبال»:

كل هذه الذرى

ولا احد تركله رغبة الصعود

إلى جبل

واستكمالا لسمات الأداء عند الرحبي لابد من ملاحظة تكاتف المعجم الشعري عنده، وقوة مناسبته للمقام وتلاحمه مع إشعاع الفكرة. إن المفردات الموظفة وحدها تكفي لان تكون مفاتيح عالم المأساة والعدم الذي يرسمه. وسيطول بنا الكلام لو تقصينا كل فكرة وخلاصة مفرداتها glossary، ولكن لنركز على فكرة العبور إلى الموت أو الغياب التي تمسح أجواء شعره بطابعها، هذه بعض مفرداتها:

–       أسافر، مسافر، مسافرون، السفر، الأسفار

–       غرب، اغرب، اغربوا.

–       رحلوا، تركوا، سلكوا، ذهبوا، نأى، لن يصلوا (ومشتقاتها).

وهذا غيض من فيض.

وتستحق المفردات الموظفة في شعر الرحبي مجالا أوسع من مجال الدراسة الحالية.

ونكتفي هنا بان نلاحظ أن المعجم الشعري عند الرحبي مفتوح وغير مقيد بما يمكن أن يسمى اللفظة الشعرية الإيحائية، وهو يضم من الكلمات الأجنبية المعربة، أي الدخيلة على اللغة العربية، ما لا حصر له ولا عد، كأن كل كلمات العصر التي تعد مفاتيح الحياة العربية المعاصرة المتأثرة بالتطورات العالمية موظفة في قصائد. وهو تيار بدأ معه منذ مطلع تجربته الشعرية.

وهذه بعض المفردات على سبيل المثال لا الحصر:

ترانزيت، مكيف هواء، طيور هيتشكوك، لن تقرع الأجراس، منجم الذهب، التلفزيون، الجنرالات، ناطحات السحاب، السينما، أطباق الفضاء، النفط، البورصة، نفايات العالم، عقاقير، منع الحمل، الكوليرا، الإيدز، بلياردو، اوركسترا، هيستريا، سيجارة، الجاز، كلوشار (شحاذ بالفرنسية)، فرنكان، المترو، بورتريه، ماسوشية، نرجسية، تكنولوجيا، … الخ.

هذا الشعر ابن عصره العماني والعربي والعالمي، وسجل ذبذباته، سواء حظي بالإعجاب أو قوبل بالاستهجان، وكلاهما احتمال وارد

هوامش البحث:

1-                سيف الرحبي، «معجم الجحيم». مختارات شعرية، سلسلة كتاب شرقيات للجميع، القاهرة، شرقيات، 1966 صفحة المحتويات في أخر الكتاب (بلا رقم).

2-                من اجل تصور كامل لقضية الاغتراف في إطارها الغربي يمكن مراجعة: د.حسام الخطيب، جوانب من الأدب والنقد في الغرب، دمشق، منشورات جامعة دمشق، ط 5، 1994، 270 – 291 .

3-                كانت هذه القصيدة موضع قراءة مفصلة قدمها كاتب هذه السطور في «الندوة الأولى للأدب العماني»، جامعة قابوس، 26 ، 29/2/2002، وكان ينتظر أن تصدر في وقائع الندوة، وستجري إشارات لاحقة إلى هذه القصيدة التي كانت أصلا المحرض الأساسي للدراسة الحالية.

4-                سيف الرحبي: رجل من الربع الخالي، بيروت، دار الجديد، 1994: 72 – 73. (والترقيم إضافة من عندي).

5-                أقول «سيف الرحبي الشاعر» مبعدا ما أمكن حتى آخر الدراسة، أي شبهة تتصل بسيف الرحبي الإنسان، وسوف الجم معرفتي الشخصية به لجما عن التدخل في التعامل مع النص. واعترف أنني منذ سنين أحاول أن التزم هذا المنهج، أي أن اسل الكتابة عن النصوص سلا من علاقتها بأصحابها، اللهم إلا عندما تقتضي الضرورة الاستعانة بالمعلومات المساعدة لفك رمز مستغلق أو إشارة غامضة افقدها ارتباطها العضوي بصاحب النص المقدرة على الإيصال.

6-                هذا أيضا مبدأ نقدي آخر أحاول التزامه ربما منذ فترة أقدم من المبدأ الأول، وهو التقرب من النص بعد قراءته عدة مرات، من خلال مفاتيح مجانسة لطبيعته الإجمالية، وذلك بدلا من تقحمه بعصا الصيغ الجاهزة، وينطلق هذا المبدأ من مقولة اشمل تهدف إلى إنصاف النصوص وهي «التكاملية المركزية».

7-                يقصد بالنص المفرع النص الحاسوبي المرن غير السطري، ومن اجل التفصيل يراجع كتاب: حسام الخطيب: الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المفرع، دمشق- الدوحة، المكتب العربي لتنسيق الترجمة 1996.

8-                موريس كروزيه: العهد المعاصر، بحثا عن حضارة جديدة، ترجمة يوسف وفريد داغر، بيروت 1970: 121. انظر النص والتعليق عليه في: حسام الخطيب «جوانب من الأدب والنقد في الغرب» جامعة دمشق، 1994، ط6، 263.

9-                الانقطاع البنيوي مصطلح أطلقه ناثان سكوت، ويمكن مراجعة مسائل الاغتراب الروحي وأشكاله ودرجاته ومصطلحاته ومستنداته في كتابه المفصل.

Nathan Scott. Rchersale of Discomposur, Alicnation and Reconciliation in Modern Literature. London, 1952.

10-           الرحبي، رجل من الربع الخالي: 73. وفيما بعد سنشير إلى هذا الديوان باختصار «رجل …».

11-           عفوا، للتذكير فقط: مقولة ديكارت التي تثبت الوجود من خلال الشك هي: «مهما شككت فلا يمكن أن اشك في أن لي ذاتا تشك». وذلك إلى جانب عبارة «الكوجيتو» المعروفة: «أنا أفكر إذن أنا موجود».

12-           الرحبي: معجم الجحيم. ص 275 – 276.

13-           سيف الرحبي: رجل من الربع الخالي، بيروت، دار الجديد، ص 21.

14-           امرؤ القيس: «ديوام امرئ القيس»، دراسة وتحقيق د. محمد الشوابكة ود. أنور أبو سويلم، مجلد 1: 224 – 239.

15-           رجل … ص 12.

16-           السابق، ص 24.

17-           سيف الرحبي، «جبال»، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 20. ومن الآن فصاعدا نشيرا إلى هذا الديوان بكلمة جبال ..

18-           جبال …، ص 40.

19-           هنا يمكن أن نتذكر تأكيدات سويني في «قطعة من حفل لإليوت:

ولادة، وجماع، وموت

هذا كل شيء، كل شيء، كل شيء، كل شيء

هذه كل الحقائق حين تتحرين الحقيقة:

ولادة، وجماع وموت.

راجع الخطيب: جوانب … ص 286 – 287».

20-           جبال … ص 26.

21-           السابق، ص11.

22-           السابق، ص 24.

23-           رجل …. ص46.

24-           «الاسم القديم»، السابق … ص40.

25-           السابق، ص 64.

26-           السابق، ص 48.

27-           جبال … ص 50.

28-           الرحبي: يد في آخر العالم، دمشق، دار المدى، 1998، ص 90.

29-           السابق، ص 93.

30-           سيف الرحبي: حوار الأمكنة والوجوه، مسقط، كتاب نزوى، 1999، ص 5- 12.

31-           معجم الجحيم، ص199، وتمتد القصيدة المذكورة من ص193- 199.

32-           رجل … ص15.

33-           يد …. ص 74. والمغرب في شعر سيف هو طنجة (رمز أخر).

34-           تمنيت لو يجري احد اللسانيين دراسة مدققة حول مدلولات هذه الكلمة (الطبيعة) من خلال سياقها في الاستعمالات المختلفة.

35-           رجل …. ص 67.

36-           رجل …. ص 55.

37-            السابق، ص 61.

38-           السابق، ص 60.

39-           جبال … ص 23.

40-           السابق، ص 10.

41-           تستحق هذه الظاهرة دراسة مستقلة، ونأمل أن نقدمها في مجال آخر بعد أن طالت الدراسة الحالية وتداخلت.

42-           جبال … ص 91.

43-           انظر نص القصيدتين «عودة» و«بيتنا القديم» في مجموعته «معجم الجحيم» ص، 169 – 173.

44-           رجل …. ص32.

45-           جبال … ص 7 – 8.

46-           لشيء من التوسع راجع: الخطيب، جوانب ….، سابق، ص 195 – 196.