جديد الكاتب

” نعمة المطر ” وعقاب الجغرافيا

تفتح النافذة بداية الصباح , يتدفق الضوء رقيقا ناعما , لا يحمل تلك الشراسة المعهودة في الصباحات الآفلة..
الضوء , رغم أن السماء مليئة بغيوم آخذة في التحول , إلى ركامية ممطرة .
هذه المدارات الإستوائية بمدنها وبلداتها , قراها ومنتجعاتها دائما ممطرة . المطر لا يفارق أرجاءها , إلا لماما , سرعان ما تعود فيالق السحب والسيول التي جعلت من هذه الأرض الآسيوية , أرضا نائية وغرائبية في المخيلة العربية القديمة . أرض بمثل هذا الخصب ومثل هذه النعمة الخضراء الغزيرة , التي تنبت الزرع والضرع من غير ذلك الجهد المكلف ماديا وبشريا .

تعود إلى سريرك هنيهة , لتنعم بكسلك اللذيذ , تفتح كتابا وتغلقه , تكتب نصوصا في رأسك لتتلاشى مع أول زخة مطر , لا تلبث أن تتحول إلى ديمة مدرار . تستلقي هكذا , ترقب المطر الذي يبدأ منولوجه الطويل العذب , تصغي إليه كقائد روحي واسع النفوذ والهيمنة على مريديه, وأنت واحد منهم.
لا ينقصك الخشوع الروحي وانطلاقة الخيال الحر في مملكته الحرة المسيجة بكل ما هو رهيف ومدهش.
تحاول أن تلملم هواجسك المبعثرة لتكون مخلصا للمعلم القائد ودفقه الروحي وتعاليمه الشاسعة.
تحاول أن أن تبعد عن ذاكرتك وخيالك عقاب التاريخ والجغرافيا (هل تستطيع؟) على الأقل في هذه اللحظة الخاطفة التي تشبه اشراقة الأبد في المحيطات المدلهمة.

أمام سلطة الذاكرة والتاريخ, الحواس , في مثل هذه الإشراقات الخاطفة تكون بحاجة إلى تدريب قاس للوصول إليها , إلى رنينها الغامض الذي يحمله المطر والحب.
لكنك تحاول, لابد من المحاولة , لابد من الإمساك بناصية الحياة الحقيقية , بتجليات الجمال المبثوث في كل حياة و زاوية وركن مهما صغر وقل شأنه . الجمال الهارب دوما صوب المحال والعاصفة . وعلينا الجري واللهاث وراءه , حتى لو أخذ شكل سرابات وأشباح. تلك السرابات أكثر قربا إلى الإمتلاء و الحقيقة, من الوقائع الفجة لحياة يومية توهم بالحياة , لكنها الموت في أقبح صوره ومظاهرة.
المطر مازال على تدفقه , يحضن المدينة بنضارته وحنانه , ويخلع على بشرها اللطف والإبتسامات المحيية, صباح مساء. والتي تشعرك , أنت الغريب في كل الأمكنة, بشئ من الألفة المفتقدة وبأن الحياة البشرية مازال فيها بعض الأمل.
يمكن لكلمة أو ابتسامة أن تمارسا فعل السحر وتصنعا خيط أمل ما . على عكس التكشيرة والسلوك الجلف .
يمكن أيضا لإيماءة امرأة تجلس في الردهة المضاءة قليلا , ولقطرة المطر على الموجة التي لا تكل عن ترجيع نغم اسطورة البقاء والزوال, أن تصنع ذلك الخيط المضئ كما تصنع المقبرة قبس جمالها الخاص. وكذلك المزبلة , يمكنها فعل ذلك حين تشاهدها في الضوء القمري, والمطر يسكب على جنانها الخبيئة تحت مظهرها المحتقر..
يحتل المطر كائناته , ليصبغ عليها نعمه الإلهية , ويوحي لها بلحظة تصالح مع الذات والعالم ..
النافذة مازالت مفتوحة
المطر يواصل خطابه
الهَادرَ العذب الحنون
الذكريات تجهش بالبكاء
والسمك يرتجف من فرط النشوة
السماء والأرض)
في لحظة جماع أبدية)