جديد الكاتب

نشيد الأعمى (حــواريّة)

إنك تدخلنا، فيما لا قِبل لنا به ولا طاقة، وهذه ليست إلا محاورة عميان بسطاء للتخفيف من وطأة الضجر والعزلة وتسليك عبور الساعات.
(الأعمى لصداه الأعمى)

 

(الأعمى، على دكته وهو يحاول النهوض من النوم بتكاسل وببطء شديد، يذكّر بمخلوقات أهل الكهف، متوجهاً الى قرينه الذي يحاول هو الآخر الظهور من قلب تلك المذبحة المتلاطمة للظلام).

 

الأعمى : الشمس طلعت بنورها اللألاء الجميل، أضاءت رحابَ المقابر، فانتشتْ أرواحُ سكّانها بعد خمودها المزمن الطويل.
الأعمى: وصفك للشمس هذا، يؤسفني وليس فيه قسط من صدق وعدالة.
الأعمى: لماذا يا صديق العتمة؟
الأعمى: تستطيع الشمس أن تفعل كل هذا السحر المعجز، على كل هذه المساحات المهولة من المقابر والتُرب والجبّانات ، المتراكمة منذ ملايين السنين، ولا ترسل قطرة ضوء واحدة لحفرة صغيرة معتمة مثل عيني وعينيك؟!
الأعمى: إنها العدالة بعينها ولبّها..
دعنا هكذا يا صديقي، فلو منحتنا الشمس خيطاً شفيفاً من ضوئها، لن أستطيع وصف حياة المقابر بمثل هذه الشاعريّة والحنين.
الأعمى: دعنا نجرِّب
الأعمى: هناك آخرون جربوا قبلنا، حيث صرعتهم المرارةُ ورغبة العودة الى حفرتهم الفسيحة المظلمة.. وربما ردّدوا نشيد العميان الأثير
(تعالي أيتها الظلمة فأنت ضوئي)

الأعمى : ربما هذه واحدة من الاشاعات الكثيرة، التي روّجها الأقدمون كي يهبوا اللاحقين دروساً في الحكمة والزهد.. وربما روّجتها الشمس ذاتها كدليل على الانحراف الأزلي للعدالة والحقيقة.
الأعمى: لكن أي انحراف، في أن تستلَّ عيونُنا قطرةَ ضوء كي نرى الوجود في كمالِ خرابه وجلالِ تعفّـنه.
الأعمى: يمكنك أن تراه كذلك، وأفظع، وأنت على هذه الحال، كما يمكنك أن تصغي إلى تعفّن كيانكَ ودبيب اندثارك الذي يتناغم على نحو هارموني عذْب مع اندثار العالم والوجود، ولو بعد حين.
الأعمى: هذا الجدَلُ، يا صديقي، لا ينتهي عند حدود الشمس، التي كانت بالأمس تنير حقولَ النيسان ، وتوشك على الغروب، معمّقة عتمة الأحداق الضريرة؛ من غير دفئ، بل وحشة المغيب الكاسرة.
الأعمى: آه، المغيب، إنني أحسّه يخترق كياني بسهامه الصفراء صفرة الورس، أشتَمه، أشتمُّ رائحة أشلاء الأرواح التائهة في مجرّات بعيدة، بحثاً عن مُستقرِّها الأخير.
الأعمى: المغيب، المغيب، راقبتُ مغيبات كثيرة عبر بحار ومحيطات، نحن أبناء الصحراء يستبد بنا سحر البحار أكثر: مغيب البحر الأحمر بحر القلزم، من مدينة جدّه، وعبر منارة: بيروت والإسكندريّة. أو عبر هضاب طنجة المتاخمة للجزر الإيبيريّة، هناك يلتقي المتوسط بالمحيط، ذلك اللقاء المتوّج بهيبة الأزل المحتشد على خفَرٍ وغموض..
وفي المحيط الهادي، عبر جبال كولومبيا ذات الجمال المشتبك بأشباح الثوار ورجال العصابات. وعبر المحيط الهندي ((جحيم البّحارة)) أسلافنا البّحارة. البحر الأسود عبر التلال والرُبى المزهرة لمدينة فارنا..
لكل مغيب نكهته وشحوبه الجميل، قبل ان تتساوى المغيبات والغيوب في دائرة الزحف البطيء والسريع نحو البلادة والتكرار، رتابة الدم المراق للخفاء والغروب، كما زحف العماءُ على الأمكنة والعيون.
الأعمى: نعم ، نعم، مغيب المدُن الذي يختلف عن ذلك المغيب البحريّ المتاخم للصحراء حيث كان الأنبياءُ والكهنة ينتظرون بزوغ فجر الحقيقة الذي يتأخر دائماً في الظهور.
الأعمى: وهل هناك حقيقة أخرى، واقع أعلى يكتنفه اللبس والغموض، غير هذا الميلان الحزين لدائرة الضوء الأزليّة مخلّفةً صفرةَ المغيب.
الأعمى: كنت مدمناً على مخاتلة المغيب البحريّ، والقبض على لحظته العابرة. لستُ كاهناً ولا نبياً بالطبع، كنت أنتظر انبلاجَ العبارة من تلك الكثافة الشفقيّة المضطربة، كأني أستلها من هيكل حيوان منقرض، ظلالهُ الهاربة ما زالت ترتسم على حدبات أفق عاتٍ من النأي والعتاب.
الأعمى: إنها العبارة، القصيدة، تُولد ليس من دَفْق الأنوار بل من نقيضها، من عتبات الليل الخالدة.
الأعمى: أنت ترجعنا إلى البداية، كونَ الرؤية الأكثر صفاءَ وتناسقاَ (تناسق ذؤاباتِ الأشجار المضطربة تحت عصف الريح) تنبلج من الظلام الكثيف ذي الألوان المشعّة كنجمٍ في طوْر الاحتضار، من حفر عيوننا الفسيحة المظلمة.
الأعمى: يمكنني القول ربما، ليس الظلام الجهْم القاسي، وإنما الحنون المليء بلطائف السرِّ المتواري باستمرار.
الأعمى: السر، مرةً أخرى، أما زالتْ ثمة أراضٍ وبحار (دعك من البشر المحيطين) مسكونة بالسر؟
وما هو هذا السر الذي يسكن المزبلة والمقبرة كما يسكن الغابة وحطام النيازك؟
الأعمى: السر والحقيقة، لعبة ذهنيّة افتراضيّة لا تخطئها عين التسلية والعذوبة والعمق.. لعبّة عزيزة على قلب الفلاسفة والشعراء والعشّاق والمتصوفة.
الأعمى: بالفعل. فلو تسطّحت الأمور على ما هي عليه، وفقدت أبعادها وأوهامها الخفيّة، لكان المصير الارتطاميّ، أكثر قسوةً، وعنفاً لهذا الكائن السارح في برّية العَدَم الدمويّ والغموض.
الأعمى: نوع من تلطيف المواجهة مع الموت والمصير.
الأعمى: فعلا… وترويضاً لعذابات الروح، شكلا من أشكال التخفيف للشروط الضارية المحدِقة، والتي على جذرها، نبتَ هذا الكائن العجيب، ونبتت حياتُه ومصيره.

* * *

(يقوم الأعمى من مكانه، يصل إلى عتبة الباب المفتوح نصفه، يلقي نظرة إلى الفراغ المحتدم بالظلمة ويعاود الرجوع ليجلس على دكته المعهودة).

الأعمى: خطوات قليلة من الدكة إلى الباب، لكني أحسستُ أنها مسافة أميال وربما سنين!
الأعمى: ربما هذا ما يُدعى بالزمن الذي لا يخضع لسيرة الجريان المعروفة، الزمن الباهض الكلفة والثقيل كشاحنة تغرق بأحمالها في لُجة سحيقة.
الأعمى: أحياناً، أحسُّ بما هو عكس ذلك، مسافة أميال وسنين، تنطوي في لحظة أو هنيهة عابرة.
الأعمى: ألق الروح، الزمن الروحي الذي نعيش إشراقه السريع العاصف. لكني أتساءل، هل هناك فرق بين الروح والنفس وحتى بين العقل والقلب؟ أليس الذين عشقوا وهاموا وَجْداً في البراري. والذين أبدعوا الأعمال العظيمةَ، لم يتبيّنوا أي ثنائيّة أو تقسيم؟
الأعمى: كذلك البشر البدائيون الذين لم يلجوا سُلّم الوعي المتكلّف الغليظ، ولم يلجوا سلّم الطبقات، لم يعرفوا هذا التشويش والتقسيم المفتعل، وكذلك الحيوان..
فضاءٌ، أمواجه الفطرة والهذيان.
الأعمى: لكن الإنسان لَبِنة أرقى في دَرَج المخلوقات الثدييّة، دعك من الزواحف والرخويّات.
الأعمى: إنك تدخلنا، فيما لا قِبل لنا به ولا طاقة، وهذه ليست إلا محاورة عميان بسطاء للتخفيف من وطأة الضجر والعزلة وتسليك عبور الساعات.
الأعمى : ثمة اكتشافات وأفكار عظيمة في التاريخ، أملتها لحظات ذهول وضجر عطالةٍ وسجن.
الأعمى: إنك طموح ومتحذلق أكثر من اللازم. أعمى مدّع، تحاول تحويل النظر عن بؤسك وهشاشتك بادعاء أفعال خارقة مدهشة.
* * *
(يتأمل الأعمى من كوة الجدار، المغيبَ والأفق، بثقة عين المبصر..
عتمة محتدمة تزأر بالهوام والحشرات.
يقوم بإعادة تجسيد المشهد، يمدّ يده نحو الفضاء كأنما يريد أن يقطف زهرة أو يحتوي قرص الشمس من السقوط)
الأعمى لزميله: أنظر إلى تلك الوردة، آه، إنها ليست وردة، إنها شتلة ورود وزهور كبيرة مُفعَمة بالأريج، ويمكن أن تقول عنها، غابة.
(الأعمى يمد ذراعيه إلى الأمام في ثقل وتباطؤ ، ثقل القائم من نوم كابوسي مبرح، يمد رأسه نحو مصدر الصوت لزميله الواقف أمام الجدار)
الأعمى: أي وردة، أي غابة أيها الأعمى المزعج، أتعتقد أنك قاب قوسين من الجنّة؟
الأعمى: فقط، تمشّ قليلاً أيها الكسول المقرف، لتشاهد معي تلك الكنوز الخفيّة، تلك الحدائق المعلقة في الفضاء اللانهائي.

 
(يخطو نحو زميله، نحو الجدار يمد رأسه باتجاه النافذة الوهميّة)
الأعمى: أين تلك الكنوز والجنائن التي لا يراها أحد غيرك؟
الأعمى: أنظر جيداً، ركّز، كما يليق بمن فقد نعمةَ البصر
الأعمى: أين؟
الأعمى: هناك.
الأعمى: إني لا أرى شيئا من ادعاءاتك. لا أرى غير أشلاء الظلام المحدِق.
الأعمى: ركّز،سرِّح النظر جيداً.. أطلق قطيعَ الرؤيا على مداراته.
الأعمى: ربما بدأتُ أرى، دوائر تتناسل قطعاناً سوداء تتبدّد كالدخان.
الأعمى: وماذا أيضاً؟
الأعمى: شُهباً تهوي وأخرى ترتفع وسط مخلوقات شبحيّة، تذكرني بلعب الأطفال في الأعوام المنقرضة.
الأعمى: ألا ترى الوردة والغابة؟
الأعمى: لا أرى.
الأعمى: ركز، على تلك الجهة التي تصدر منها بعض الخيوط اللونيّة، وترتفع شآبيب فوق أسوار الجنان الفسيحة المحصّنة.
الأعمى: أرى شيئا لكن ليس كما تصف، جبالاً وأسواراً، هياكل هائلة الحجم متفحّمة مظلمة.
الأعمى: ربما حطام قطارات سماويّة.
الأعمى: وربما محرقة نجوم وأجرام تسبح عظامُها وشظاياها في هذا الفضاء المتلاطم الغريب.
الأعمى: ربما أطلال مجرّات، كانت مأهولة ومزهرة، ذات دهر، انتهى زمنها كما سينتهي زمن الشمس بعد خمسة ملايين سنة ضوئيّة. وستنفجر غازاتها وأشعّتها النوويّة التي ستهرس الأرض كما يهرس فيل هائج جريح نملة. هذا إذا لم يتولّ أبناؤها إنجاز المهمة قبل ذلك الزمن بكثير، بكثير جداً .
الأعمى: ربما.
الأعمى: وربما كان ذلك الحطام الهائل الذي تتلألأ سراباتُه في عينك المنطفئة، أطلال جنان غابرة.
الأعمى: جنان غابرة لأقوام بائدة، طواها النسيان، وبقيتْ نجمة شحيحة الضوء ترفُّ في الفضاء المكفهر.
الأعمى: كعلامة على تلك الممالك والحيوات الآفلة.
الأعمى: إن هذا الوصف يروق لي، ذلك المحيط العارم بجمال الغياب الأكثر تحفيزاً وإثارة للمخيّلة، نبع سعادتها المتجدّد.
الأعمى: ما سر، أن الأشياء والحيوات حين تغيب وتتوارى خلف أسيجة الزمان، تشع بمثل هذا الجمال الذي يخطف حتى عيوننا المنطفئة؟
الأعمى: ربما لأنها تصرّمت وانقضت، وبقيت صورتها الرجراجة، تلهب خيال الشعراء والمؤرخين ، بغموض البواخر الغارقةِ في المياه والضباب.
الأعمى: ألهذا الحدّ، تجثم وقائعُ الراهن على الصدور والنفوس، حتى تتحوّل إلى هباءٍ تبعثره الريح في الجهات، كوقود يشرّع نوافذَه دوماً، لسطوع الحنين.

* * *

 

(يجلس الإثنان في وضعيّة المتذكر، الذي يحاول استعادة ماضٍ يفلت باستمرار، يخاتل الشباكَ ويراوغ الزمان)
الأعمى: أتسمع هدير الريح في الخارج؟
الأعمى: لا أسمع شيئاً على الإطلاق، إنه السكون المطبق.
الأعمى: وهذا الصوت الذي يقصف الأشجار كما يعصف بالأعماق.
الأعمى: ربما ليس الريح ولا حتى الهبوب الأول لمقدم العاصفة. ليس ثمة إلا السكون والظلام الساجي على الساحة المتاخمة للمقبرة الممتدّة الشاسعة.
الأعمى: إذن ما هذا الذي أسمعه يرغي ويزبد كالطوفان؟
الأعمى: بالتأكيد، ليس البحر القريب الذي يسوّر المقبرة. لأن هيجان البحر ومدّه يأتي مصاحباً لحركة الهواء والريح التي تفيض طلائعها عادةً على المدينة والمقبرة والزنزانة.
الأعمى: أيمكن، أن التقدم في العمر، يقضي حتى على التمييز بين الحركة والسكون، بين الهدوء والعاصفة؟
الأعمى: التقدم في العمر، أي عمر؟
أيها الأخرق، أو تظن أننا كبرنا وصرنا شيوخاً متهالكين؟ أنت من داهمك الخرَف المبكّر، أنا ما زلتُ شاباَ.. البارحة فقط كنتُ أنكح امرأة طوال الليل من غير أن أزيح جسدي عن بطنها الضامر المتموّج الرهيف… مثل هذه الأحلام الشبقيّة لا تزور إلا أصحاب الحيوية والعنفوان.
الأعمى: شاب ولا تسمع هذا الدويّ الذي يفوق جَلَبَة كل حروب العالم.
الأعمى: حروب العالم، حروب التاريخ، كم حرباً مرّت على البشريّة منذ صخرة قابيل؟
الأعمى: إذا استطعت أن تحصي كل المقابر والموتى والرمالَ والصخور عبر الأحقاب والأزمان، يمكنك أن تحصي الحروب.
الأعمى: لكن قل لي: كيف تستطيع البشريّة أن تتخلّص من داء الحروب والعدوان المضمَر الخفي والمعلن الزاعق وتعيش بسلام؟
الأعمى: ربما حين تُفنى وتُباد من قبل خالقها أو عبر الطوفان كما في الماضي، لكن من غير سفينةٍ هذه المرّة ولا حمائم ولا نوح.
الأعمى: وماذا يحلّ بعد ذلك؟
الأعمى: ربما جنس آخر غير الجنس البشري، وربما لا شيء، عوْد على بدء، سديم ومياه .

* * *
(الأعمى وقد تعثّر بشيء ما على الأرض وكاد يسقط، لولا اليد التي امتدت إليه في الظلام لتشده مما جعل الجملة التي ينوي نطقها، تتعثر حتى كاد أن يغص بها).
الأعمى: تعرف أنني في الماضي السحيق، كنت أسبح بين الجبال العالية أو في البحر بين جبالٍ أيضا وأحراشٍ ومضائق. كنتُ أغوص وأطفو مع الأسماك والطيور كأنني في السديم الأول للخليقة.
الأعمى: لهذا، أحلامك، ما زالت محورها المياه رغم ادعاءاتك النسائية الكثر، لكنها على ما يبدو مياهاً كابوسيّة سوداء حيث تستيقظ في أنصاف الليالي وأنت تهذي بالغرق والثعابين والسلطعونات لكنك لم تأت على القرش أبداً.
الأعمى: لأنني منذ ذلك الزمان الأول، لم أتخيّل (القرش) مؤذياً ومفترساً ، رغم كثرة الروايات والأساطير حوله. كنت أحتفظ نحوه برؤية خيال مختلف ، أقرب الى الوداعة والألفة والحنان، إلا حين يتعرّض إلى اعتداء وهجوم، تظهر قوته عبر ذلك الهياج المدمّر للخصم.
الأعمى: تعرف أن سمكة (الطباق) هي نوع من أنواع القرش.
الأعمى: لا يمكنني تخيلها من جنس القرش، فهي أقرب إلى الفقمة في الشكل. القرش هو ذلك الجسد المستطيل الخشن بحراشفه، لكن الجميل الفاتن كزرَد المحارب وسط عباب الصحراء.
الأعمى: يبدو أنك تطفح بالسعادة حين تتحدث عن المياه وحيواتها.
الأعمى: أي سعادة ، أي جمال.
الأعمى: هل تعرف أن (طاليس) الفيلسوف كان يعتبر الماء رمزاً لوحدة الوجود؟
الأعمى: طاليس الذي سقط في البئر وسخرتْ منه الخادمة؟!
الأعمى: هذه مفارقة بالفعل، يقدّس الماء، ويرفعه كأصل للوجود، ثم يسْقط في حفرة مليئة بالمياه.
الأعمى: هي كذلك، رغم أن الرواية تتحدث حول سهوه عن البئر جرّاء تأمله السماء والنجوم.
الأعمى: لكن المفارقة التي تكاد أن تكون قاتلة، وهي كذلك بالفعل، تحتفظ بروحها.. لماذا البئر، ولم يسقط في حفرة أخرى جافة أو مليئة بالقمامة مثلاً؟!
الأعمى: المرء في أحايين كثيرة، يقضي بسبب من يحب. وفي هذه الحالة يكون الموت أليماً وقاسياً أكثر من قضاء العدو والخصمْ.
الأعمى: لو سلمنا بالفروق بين واقعة موت وأخرى. واقعة بشعة غليظة وأخرى على شيء من رحمة ورأفة، هل يرحل الكائن من هذه الدنيا وهو أقل شقاء، إن لم نقل انه سعيد؟!
الأعمى: لا اعرف، دائما تدخلني في المسالك الوعرة وتتجاوز حدود التسلية وتخفيف ثقل العبور إلى نوع من خفة مستحبّة.
لكن حتى لو كان الراحل حزينا بعيون مليئة بالدموع، أو دموعها متحجّرة في المآقي كالرماد، لا يمكن المساواة بين موت وموت على أنه فناء ومَحو فحسب.. المساواة مثلاً بين موت رخيص وآخر بطولي ونبيل بين موت إنسان أفنى حياته في المعرفة والجمال وحب العدالة والحقيقة ولو كانت عصيّة المنال وبين قوّاد ولص ظالم أمضى حياته في مستنقع الانحطاط. .. خلط القيم والوقائع ومساواتها ببعض، ربما يوقعنا في شكلٍ من عبثيّة سفيهة وسوقيّة حياةً وموتاً.
الأعمى: قبل أن نختم هذا المقطع في غمرة هذه الحمى الهذيانية، أذكرك بالنموذج الأكثر توحداً من طاليس، في مصرعه بأيدي من عشق وهام وأحب: الجاحظ، أبوعمرو ابن بحر، الذي ضاع وتلاشى بين خرائط مكتبته الكونيّة، تلك المكتبة، التي، كان على (بورخيس) في القرن العشرين، أن يتخيّلها تلخيصاً لمتاهة العالم والتاريخ.

* * *

الأعمى: إذن، هذا الصوت الذي أسمعه هذا الدويُّ الحطاميُّ هو صوت الضحايا والمنكوبين.
الأعمى: أو لغط الموتى في المقبرة المجاورة.
الأعمى: أو صوت الأحياء، ما الفرق بين الاثنين؟
الأعمى: الفرق، أن الميّت مغْمض العينين، ولا أستطيع استحضاره أو تخيّله إلا على هذه الشاكلة.
الأعمى: ويظل كذلك يا أعمى يا عجوز.. أليس ثمة أطوار مختلفة؛ وحتى بعد الموت مباشرة، لقطة العينين المغمضتين، ليست هي الصفة النهائيّة. هناك صفات أخرى تقتضيها أحوال الراحلين إلى ضفاف الأموات.
الأعمى: كيف؟
الأعمى: مثلا… أما رأيت في الأفلام حين كنت مبصراً في الماضي، أن الإنسان حين يهوى صريعاً، يبقى مفتوح العينين، خاصة تحت رحى التعذيب أو في المعركة؟
الأعمى: ربما ليلقي النظرة الأخيرة على مغتصبي روحه، على جلاّديه.
الأعمى: لكن متى رأيت أول ميت في حياتك؟
الأعمى: سمعتُ قبل أن أرى. نبتت شجرة الموت في مخيلتي عبر السماع قبل الرؤية. وكنت أتخيّله هكذا.. وحين شاهدته لأول مرة، كان مُسجىّ على خشبة الغسيل والتكفين، مغمضَ العينين كأنه يحلم.
الأعمى: ماذا أحسست؟
الأعمى: كنتُ رابط الجأش على نحو ما، أتأمل المشهد- عكس ما هو عليه الآن من ارتباك وغموض حيث أنني أؤجل باستمرار موعد النوم تحت إلحاح ذلك الهاجس التدميري للموت الذي أراه كل صباح ينام خلف العتبة، كالحارس الأمين، متنكراً في هيئة قطة جميلة، وبأنني سأنام نومتي الأبدية ولن ألتقي الصباح من جديد-. لكنني أصدقك القول رغم تلك الصلابة الظاهرة في ذلك الزمن البعيد أحسستُ بلدغة الأفعى في عمق كياني كبداية زلزال تنهار على وقعه الدنيا والآخرة، بعد أن يأخذ السُم مجراه في كامل خلايا الجسد وأعضائه.
الأعمى: آه، أفهمك يا صديقي، أنت لست غبيّا كما وصفتك.. وما زلت أتذكر الأفعى في ذروة الصائفة على ضوء القمر بين الصخور المضاءة المسنّنة.
الأعمى: لكنك قتلت تلك الأفعى على ما أظن
الأعمى: وهل هناك أفعى واحدة؟ ألا تتناسل كالبشر والمقابر وأحلام الموتى.
تتناسل منذ الجدّة الكبرى للأفاعي، التي مكرت بالجدة الأولى للبشر. وعاشت الذرّية التي لا ينقصها الإخلاص لتلك الخيانة، لتلك الخطيئة، التأسيسيّة، بحق، مبتكرة كل السُبل الممكنة والمستحيلة لإنمائها ودفعها دوماً نحو المستقبل- عاشت كل هذا المنفى، كل هذا العقاب.

* * *

(الأعمى لصاحبه، وكان النوم قد غلبه مما جعل رقبته تتغضن يميناً ويساراً)
الأعمى : انظر، انظر إلى تلك الذبابة التي تتسلّق الجدار.
الأعمى: اذهب الى الجحيم أنت وذبابتك. تتلاعب بي كالأبله، من الجنان المعلّقة اللامرئيّة ، الى ذبابة تتسلّق الجدار.
الأعمى: وما لها الذبابة؟
الأعمى: إنها قويّة تزحفُ كجيش لَجِب. سمينة من فرط ما أكلت من المزابل الكثيرة.
الأعمى: المزابل المليئة بالجثث والفضلات.
الأعمى: انظر إليها جيداً، إن عينيها حزينتان.
الأعمى: لأنها أدمنت نهش عيون الموتى، الموتى الوديعين كشرفة ربيعيّة مليئة بالأصُص والفراشات.
الأعمى: أهي ذبابة أم حشرة أخرى؟
الأعمى: ربما جرادة أو بعوضة أو عضاية (بورص)، مشروع تمساح.
الأعمى: بدأت التلاعب بعقلي كما تلاعبت من قبل، ونحن نحدّق في الفضاء حين التبس الأمر بين الزهرة الوحيدة والشتلة والغابة، وتطوّرت الأحداث الى سياقات أخرى غير متوقعة وصادمة.
الأعمى: لكنها ليست نملة.
الأعمى: بالمناسبة أخبرني ما الذي جعل النمل بهذا الذكاء والفطنة حيث وردت أخباره ومزاياه على لسان الأنبياء والرواة والعلماء.. ذلك المخلوق المتناهي الصغر (النمل المداري) المفعم بعاطفة الحب والتضامن لبني جنسه بشكل لا يقبل المقارنة مع بني البشر، وهو يقدّم صورة النقيض على طول الصراط . أين مركز نشاطه الذهني، أين عقله وقلبه وهو بهذا الحجم؟
الأعمى: والأعجب، من مملكة النمل، عالم النحل، نمط حياته، طريقة ممارسة الجنس والتكاثر… ملكة النحل بأنانيتها الخالقة ودوّامات إغرائها التي تجرف الذكرَ إلى هاويات لذتها السحيقة: الموت بطولة الذات العاشقة حتى الإنمحاء والتلاشي.
الأعمى: الملكة- اليعسوب التي لا تغادر عرشها عدا وقت هيجان الرغبة واللقاح. ذلك الطيران البهيج في الفضاء الطلْق. حيث تتحوّل الدكتاتورة الماسكة بكل خلايا السلطة وأسرارها، إلى طريدة جيشها الذكوري المدفوع بحنين الشهادةِ والنشوة.
الأعمى: بعد اندحار الجميع يصطفي مجدُ اللهاث والموت أحدَهم… ينفصل عضو الذكر عن جسده ليستقر في فرج الملكة، حتى وهي عائدة إلى عرشها يظلّ العضوُ مطْبِقاً على المؤخرة، مما يتيح للسائل المنويّ وقتاً كافياً للمتعة والانتقال إلى قابلة الملكة المنويّة.. ومن ثم تقوم الخادمات بتنظيف الملكة من شظايا تلك المواقعة الأثيريّة الحالمة العنيفة، والمفْعَمةِ بأطياف الغياب.
الأعمى: تلك المخلوقات الضئيلة التي يودعها الخالق أدقّ أسراره وأخطرها.
الأعمى: السِّر مرة أخرى، ثمة أسرار في الخليقة تتكشّف تباعاً ولا يشي بها المظهر الخادع.
الأعمى: أسرار ثمة أسرار!!
الأعمى: النار أيضاً لها أسرارها، ربما أحد أسرارها ، اندلاع لسانها في وجه العالم.
والمرأة سِرها في اندلاع لسانها وفرجها المفروش بعشب بني أو أشقر أو أسود. الفرج العابر للقارات والشعوب والأعراق.
الأعمى: المليء بملح بحريّ.. المضمّخ بالقرنفل والزعفران.
الأعمى: أيها الرجعي المتخلف ألا ترى في المرأة غير لسانها وفرجها؟
الأعمى: أرى كل شيء ، لكن في هذه اللحظة لا أرى غير هذين العضوين، كأنما الآلهة أرادت أن تكفر عن الأخطاء الكثيرة بخلقها على هذا النحو العدواني من الغِواية والجَمال.
الأعمى: منذ متى لم تر فرجاً أيها الغبيّ المكبوت حتى في الأحلام التي تكذب دائما في سرد وقائعها. كما انك لم تتنزه في حديقة عدا ما ينسجه خيالك المريض؟
الأعمى: ربما ما أتخيّله أجمل من الواقع الذي مهما سَما بجماله، لابد أن يرشح بالعَفن والقذارة بعد قليل.
الأعمى: صديقي الذي مات بحادث سيّارة في الجزائر منذ فترة وجيزة، كان حين تضيق عليه المسالك والدروب ويختنق بالأسئلة، يبلسم جراحه بالنظر الى فرج المرأة، يحدّق فيه، يلمسه بحنان رجل سينفّذ فيه حكم الإعدام بعد لحظات… ذلك الهلال المخضب بالرؤى والإستيهات.
الأعمى: أنا أيضاً حين يضيق بي حال الوجود، أشرب كأساً في المقهى المطلّ على الشارع العام، وأنظر في الأجساد الأنثويّة السارحة في تضاريس المكان، أمعن النظر فيها حتى أعريها بالكامل، مركّزا على كهوفها ونتوءاتها السُفليّة، متذكراً ما رأيته في الواقع بالنظر وبالفعل، حتى أخالني أسبح في منتجع من أطياف الفروج والأجساد.
الأعمى: الفروج، حديقة الفروج والنهود الكونيّة، تضلّل بأغصانها وصياح بلابلها شمس الخليقة الفاجعة .
الأعمى: لكنها نبع الفجيعة.
الأعمى: عليك أن تنسى ذلك الآن.
الأعمى: بسببها تلاشت دول وممالك.
الأعمى: وللسماء فروجها الكثيرة، أبرزها الثقب الأسود بدوّاماته التي بسبب غواياتها الكبرى، تضمحل فيها النجوم والمجرّات.
الأعمى: الفرج أقرب شبهاً الى القمر منه إلى الشمس.
الأعمى: القمر المؤنّث والشمس المذكّر.
الأعمى: لكن إذا كان القمر بمثل هذا الكرم فلماذا لا يهدينا قطرة ضوء كي يعود البصر إلى عيوننا المُطفأة؟
الأعمى: ها عدت إلى حيونتك، ألا تعرف أن القمر لا يملك ضوءه الخاص، إنه شحّات أضواء من الشمس؟
الأعمى: إذن من هذا المنطلق شبهته بالفرج الذي يختزن أسرار الشهوة ورهافتها، جنباً إلى جنب مع فيض المزابل الطافح: السموّ والجمال، الدناءة والقذارة.
الأعمى: مثل كل شيء في هذا الوجود الفاني ياكازنوفا الفروج.

* * *
(يتمشيان في ساحة الأمتار الثلاثة للغرفة المغلقة التي تشبه الكهف الجبليّ الذي لا مخرج منه والظهيرة الهائجة تحاصر المكان. يتمشيان من غير العصا التي يحملها العميان عادة. سكون مطبق. قطرات ماء متقطّعة ترشحها حنفيّة غير موجودة، مما يزيد الجو وحشةً وبما يشبه العويل الصامت)

 

الأعمى: لماذا لا نجلب عصاً مثل العميان الآخرين، تكون دليلنا، دليل الأعمى في صحراء ليله الطويل؟
الأعمى: لا نحتاجها، دعنا هكذا، نتخبط في الظلمة حتى نتبيّن الطريق.
الأعمى: أيمكن ذلك، من غير عصا، خارطة العُمي في جغرافيا الظلام اللانهائيّة، أيمكن من غير دليل، من غير مرشد؟
الأعمى: إذا أمكن، فأهلا به، وإلا فلسنا الوحيديْن في هذه الرحلة.
الأعمى: لكن علينا أن نتدبّر الأداة التي توصلنا، والعصا هي تلك الأداة.
الأعمى: الوسيلة التي توصلت الى الغاية.
الأعمى: الغاية أم الغابة المعلّقة في الفضاء غابة النجوم والمجرّات، غابة الحطام للجنان الآفلة من غير عودة.
الأعمى: وما هي الغاية؟
الأعمى: الطريق.
الأعمى: وبعد ان نجد الطريق؟
الأعمى: نفكر في أي الجهات نمضي.
(ينقطع الحوار فجأة يصغيان الى همهمة رعد في البعيد يجلسان كمن ينتظر سنا البروق المضطرمة، يضيء النافذة)
الأعمى: لو لامست البروق النافذة لكفّت الحنفيّة عن البكاء، عن الإزعاج.
الأعمى: ستختنق بحشرجتها وتموت.
الأعمى: وما علاقة البروق بالحنفيّة؟
الأعمى: علاقة البرق بالماء.
الأعمى: تلك العلاقة الخفيّة بين عناصر الطبيعة وحيواتها، ثمة لغة لا تستطيع تبيّنها، لا يستطيع أحد فكّ شفرتها المعقّدة.
الأعمى: علاقة موت وحياة، هدم وبناء.
الأعمى: الطبيعة أيضاً.. هل ثمة حرب بين الأجزاء والعناصر التي تشكل أمواج نسيجها العالي الذي يكاد يلامس المطلق أو هو المطلق عينه؟
الأعمى: الحرب في كل مكان، على مستوى الموجودات جميعها، من البشر، حتى الجماد والحيوان.
الأعمى: إذن ما سبب القول الإحتمائي بها (مثل الفن والشعر) كملاذ، كسلوان؟
الأعمى: ربما لأن حروبها غير واضحة، وخبيئة، حروبا أنيقة باهرة الجمال والرهافة حتى في مظاهر عنفها واكتساحها، أو هكذا تتبدّى لنا..
الأعمى: على عكس عنف التقنيات والآلات، حتى السلميّة منها والمفيدة .
الأعمى: آه ، البرق والمياه، أتذكر تلك الأودية، الشاسعة المفعمة بصفاء الحصى والمياه ، حين تضيئها البروق من كل الجهات، من الجبال والشِعاب والنخيل.. شاهدتُ كيف كانت تتشكل أفراسُ الضوء وحيواناتُه الضاحّة، ، لتدخل مع المياه في عناقٍ قاسٍ وجميل.
الأعمى: كان ذلك في الأزمنة البعيدة.
الأعمى: الآن صار الجفاف والمحل يسحق البشر والطبيعة.
الأعمى: بقيت لنا الذكرى نتوكأ عليها، بديلاً عن العصا التي زعمتَ أنها تقودنا إلى الطريق والهدف.
الأعمى: هي التي تجعلنا نعيش معاً، وتُشيع بعض ضوءٍ في هذه الزنزانة الخانقة.
الأعمى: الذكرى، الذكريات أحصنة جامحة في فضاءٍ مائج مخبول.
الأعمى: لكن، ألا ترى يا صديقي أن الذكريات ترتد أحياناً الى نقيضها، تزيد الطين بلّة، والمأساة توتراً، وتدفع الكائن إلى مشارف العُصاب والانتحار؟
الأعمى: إنك حين تستعيد ذلك المشهد، تستلّه من الماضي والضَباب، ليؤنس وحشة الحاضر، لا يلبث أن يتلاشى تدريجياً، مخلفاً وراءه وحشةً وفراغاً أكبر، هاويةً لا قعرَ لها من اليأس والاندحار، اندحار الكائن أمام سطوة الزمن.
الأعمى: إذن ما الحل؟ حين أحاول فتح كوة، خُرم صغير في هذه الزنزانة تسارع الى إغلاقه بالثرثرة وما يشبه التفلسف الفارغ، الذي سبقك إليه آخرون عبر أجيال مختلفة.
الأعمى: وهل بقي شيء في العمق لم يسبقنا إليه الآخرون والأولون، غير سماكة هذه الأسوار التي تفصلنا عن الرؤية، عن الحياة الحقيقيّة؟
الأعمى: علينا يا صديقي أن نبحث عن (عصا الأعمى في ظلام الظهيرة).

* * *

(تمتد يد بين الخيش والقمصان والدشاديش المبعثرة كأنما تبحث عن شيء ضاع، عود ثقاب، علبة دواء الضغط ربما، تبحث بنزق وتوتّـر من غير جدوى)
الأعمى: لا اعرف أين أضعتُ تلك الهدية الثمينة التي أعطتني إياها أمي.
الأعمى: أمك وليست حبيبتك؟!
الأعمى: أمي التي ماتت ومشيتُ في جنازتها في غَبَش القرية الكئيب، وكأني أمشي في جنازتي أو جنازة الحياة مجتمعة… تعرفْ، ما زاد حزني وفجيعتي أكثر، هو عودتي إلى تلك القرية التي وُلدت فيها، بعد غياب طويل، ورؤية تلك الوجوه الغابرة، تتمتم بالأدعية في موكب الجنازة البسيط.
كنتُ موزعاً بين استحضار أمي في حياتها، والتي على الأغلب ستحط الرحال في أعماق روحي وليس في تربة المقبرة، وبين تلك الوجوه التي أنهكتها الحياة فبَدتْ بمثل هذا الذبول، حدَّ العجز والتلاشي.
الأعمى: هل بكيت، بمعنى سالت دموعك فوق خدّ تربتك الأولى؟
الأعمى: حاولتُ ولم أستطع. أحس ، ان قوافل الدمع المنسكب تتساقط في الداخل، أحسّها كمياهٍ تنطلق من مصدر النبع لترتدّ بعنف إليه حتى تتلاشى في الأرجاء..
لو كانت تنهمر في الخارج، من حفرة العين الصغيرة، وتخضّب الوجه والملابس حتى تصل إلى الأرض العطشى، لعملتْ على تخفيف الضغط الذي أعاني منه والإحتقان.
الأعمى: متى بكيتَ بشكل طبيعي كالآخرين؟
الأعمى: كان ذلك في الماضي السحيق، حين ودعت أمي لأوّل مرة، كان أول انفصال عنها وعن الأرض الأولى، أتذكرها، كانت واقفة على شفا حفرة عميقة، ربما بئر مهجورة والدموع تنهمر من عينيها.. كانت تلك هي الدموع الوحيدة الصادقة من أجلي..
أتذكر أيضاً حين ودعتُ المرأة التي أحب متجهاً نحو المجهول.. كانت جالسةً على الكنبةَ، تنظر إليّ بعينيها الواسعتين وأنا أغادر المكان.. لكنها كانت دموع مؤقتة، لأنها كانت تبكي من أجل مشوار الزواج الذي لم يكتمل.
الأعمى: ما هو طعم الدموع التي تسفحها العيون والقلوب، دموع المنكوبين والعشاق بزفراتهم الحرى، دموع المقتولين والقتلة؟
الأعمى: أتذكر طعم الملوحة التي تشبه ماء الموجة القادمة من الأغوار القصيّة وبها نفس ذلك الصفاء القدسيّ المشعّ بفوسفور الأعماق.
الأعمى: أتذكّر الآن ما قرأته عن سكان الجحيم، انهم حتى في ذروة التعذيب لا يستطيعون ذرْف الدموع. يطلقون صرخات جافة مهجورة فحسب.
الأعمى: في فترة ما حين كنتُ مبصراً، استخدمتُ الدموع الاصطناعية لتلطيف جفاف العيون. أتذكر أيضاً الصيدلانيّة الجميلة في الشارع الذي كنت أسكن فيه حين تقول ضاحكة وكان ذلك بداية علاقة معها (لقد فقدتَ دموعك كلها، ذرفتها على الجبال وفي الأرصفة والطُرقات ، أخشى أن أشياء أخرى جفّت هي أيضاً وغير نافعة).
الأعمى: بمناسبة الصيدلانية نسيت أن اقول لك اني كنت ذاهباً ذات يوم إلى محطة القطارات. وسط تلك الحشود الرثّة التي كانت بالنسبة لنا تلخيصاً لحشود العالم وعماله الذين كنا نحلم بتحريرهم من ربقة الظلم وقسوة الأنظمة، في هذه الأثناء تذكرت المرأة التي أحب كانت مريضة وأنا على سريرها أبكي…
بعد ذلك لم أرها إلا بعد عشرين عاما صدفة، في احدى المدن النائية.
الأعمى: وأين وصلت أحلامكم في التحرير والحب.
الأعمى: إلى ما وصلت إليه.
الأعمى: هل تحرر الفقراء والمسحوقون؟
الأعمى: تحرروا بالإندماج في عصر (الإنسان ذي البعد الواحد) أو من غير بعد على الإطلاق. مفرد القطيع المترنح بين المدُن والمستنقعات.
الأعمى: لكن الظلم بقي بين سكان المقبرة المكشوفة الأسقف والرموز والاستعارات تحت شمسها الساطعة المحدقة!
الأعمى: إنه أكثر هولاً وتدميراً، وهذا ما يرفد الفظاظة والمأساة بأسباب وجودها المضاعف.
الأعمى: لكن قل لي قبل أن أذهب إلى الخلاء لقضاء حاجتي: لماذا الأطفال يشبهون سكان الجحيم، فهم حين ينقذفون من جحور أمهاتهم يطلقون ذلك الصراخ الجاف ومن غير دموع أيضاً؟
الأعمى: ربما وضع الخالق فيهم إحساساً مبكراً على الحدس بالقادم. كما وضع الصفات المميّزة في النمل وبعض الكائنات الصغيرة.
الأعمى: هل تعتقد أن العالم ولدته، دمعة؟!
الأعمى: بعض الأقوام القديمة يعتقدون، ضحكة.
الأعمى: وهناك معتقدات تقول، بصقة.
الأعمى: الأمطار والأعاصير والطوفانات هي بكاء السماء ومخلوقاتها على أهل الأرض المولودين من دمعة أو ضحكة أو بصقة (اختر ما شئت) ويحسبون أنفسهم عظماء وصفوة الخلق وسادته.
الأعمى: ربما هم كذلك لو اتخذت حياتهم (حياتنا) وجهة أخرى، أسلوباً آخر.
الأعمى: ما هو الأسلوب الآخر الذي تقترحه؟
الأعمى: مثانتي ممتلئة حتى الإنفجار… سأفكر في ذلك بعد رجوعي من الخلاء وقضاء حاجتي.
(يتطلع الأعمى في مرآة زنزانته المتخيَّلة ليرى وجهه وقد انشطر إلى وجوهٍ وأخاديد، إلى أطيافِ شعابٍ ووحوش.. يتطلع إلى الفضاء الشاسع، محلّقاً مع زنزانته ومرآته الصدئة وغروبه الجريح)

القاهرة/ يناير 2007
* * *

 

1