جديد الكاتب

نسور لقمان الحكيم

الإهداء إلى:
ناصر الأب وناصر الإبن
وإلى عزّان
حضوركم في أعماقي وهَبَني
قدرةَ الاستمرار في الحبَّ والحياة

 

 

 

الفهرس

1 – نسور لقمان الحكيم (محاولة الصعود إلى الجبل الأخضر).
– في الطريق إلى الجبل الأخضر.
2 – من يوميّات الأفق المفتوح.
3 – هذه الموسيقى القادمة من بلاد النهرين.
4 – طفولة اليمام في غسق الأوقات والمسافات.

 

 

 

 

 

نسور لقمان الحكيم

(محاولة الصعود إلى الجبل الأخضر)
“من أين تنبثق أعلى الجبال؟ هكذا سألت نفسي ذات مرة. وعندما عرفتُ أنها من البحر تطلع.. هذه الشهادة مرسومة على صخورها وعلى جدران قممها. من أعمق الأعماق، ينبغي على أعلى القمم أن تصعد إلى ذروتها”.
فريدريك نيتشه

“مضت الغيومُ وشرَّدتني
ورمت معاطفها الجبالُ
وخبَّأتني”.
محمود درويش

الجبل الأخضر
وهو يسترخي في ظهيرةٍ قائظة
يشبه عرين أسودٍ
تتجه برؤوسها الوبريَّة الغاضبةِ
نحو البحر..
ويتبدّى حين يكون الجو غائما، على شفا مطر، سفينةً أسطورية
تشق عباب الطوفان والزمن وغبار الصحراء، حاملةً من كل زوجين اثنين، يقودها الربّان الذي سيتحوّل لاحقاً إلى رمزٍ لإنقاذ البشريّة التي أشرفتْ على الانقراض والمحاق..
***
ذلك العناق القاسي، العناق الحميم، العناق الموغل في النأي وفي القرب. العناق الذي لا يمكن أن تعبّر عنه الكلمات والصور.
ذلك العناق بين الشجرة والصخرة، أو بصورة أكثر دقّة وجمالاً، جذور الشجرة الملتَّفة حدَّ الالتهام والتماهي شوقا، بجلمود الصخر الذي أنزلتْه عوادي الطبيعة من القمّة إلى السفح المطلَ على تلك البلدة المعلّقة في فراغ الهاويّة..
ثمة (فلج) يجري في الأسفل، ثمة أشجار رمّان وجوز، جوز الجبل الأخضر الذي يصعب كسْره، كأنما قُدت قشرته من صخوره المحيطة.. ثمة بيوت طينية تسترخي في الظلّ ، ثمة ظلال بشريّة، وحيوانات . بشر يلوذون بالسقيفة في قيلولة الكدْح والشقاء والظهيرة..
ثمة جنادب تتقافز بين الأشجار.. (ورل) يندفع من مخبئه ليشرب من الساقية الصغيرة، يرمقنا بنظرة خاطفة لا مبالية..
مشهد حياة مدهش في البلدة المحاطة بالأبراج والكهوف والصفير..
لكنّ عناق الصخرة وجذور الشجرة ظل هو مركز الروح المتشظيّة في هذا الفضاء المهيب. ظلَّ الأكثر مهابة روحيّة وتأملاً.
أكثر انغراساً في الذاكرة التي لم يزدها هذا العناق المترامي إلا عذاباً وتيهاً، كأنما كل تلك الحشود من السنين، كل تلك الحروب والبعاد، لم تزده إلا نضارةً وخفاءً يستحيل سبر أغواره الدفينة المتراكمة..
أيتها الصخرة أيتها الشجرة
حشود الغيوم الممطرة في هذه اللحظة
وفي كل الأزمان
ليست إلا انحناءة صغيرة
لجلالك العظيم..
***
في طفولة بعيدة، على رغم مرور سنواتها السريع، ظلت بسكونها العميق، مشهدَ بهاءٍ في الذاكرة، وعلى انفراط تلك السنوات وتعاقبها، ظلّتْ كأنما في حضرة الأبدِ وخارج إعصار الزمان..
منذ عهود طفولتنا البعيدة، في الداخل الحجريّ لعُمان، والجبل الأخضر، يسكن خيالات تلك الطفولة الغضّة ويعشش فيها، حكاياتٍ وخرافات، جبالاً وتلالا تتناسل في مرابضه الغيبيّة.. طيوراً كواسر وحروباً لا تهدأ في رقعة التاريخ، إلا وتستمر ويطول استمرارها في لا وعي الجماعات وفي خيال الطفولة والمراهقة الملتهب..
ويزيد الخيالُ تأثيثا واستطالة، ما ينفرد به الجبل الأخضر من الفواكه والأشجار التي تسمق في الخيال وتُزهر على مدار العام، تغذيها المنابع الجبليّة الصافية الرقراقة..
يفيض الجبل بخيراته كما بحروبه وبطولاته، على السهول والمدن التحتيّة والقرى، تتوزع على أرض السهول العُمانية خاصة مناطقها الداخلية الممتدة، حتى مشارف محافظة (مسقط)..
لم يكن الجبل الأخضر في تلك الخيالات الطفلة، إلا ظلالاً شاسعة وهواماً وصوراً تتراءى محلقة كالطيور والحيوانات القادمة من عصور ما قبل التاريخ لتنقضَّ من مغاراته ومدرجاته العصيّة، وكالطائرات، وهي تطير بسرعة الضوء، إبان الحرب الأخيرة، من حكايات أهلنا الكبار، في المجالس و(السِبل) والبلدات المأهولة بالقبائل والفخائذ المتحدرة يمناً في الأغلب، والقبائل النزاريّة التي جاء بعضها وفق رواية متداولة ، أثناء خلاف بين سادة عبْس إبان حرب داحس والغبراء، في حالة (بني رواحة) التي تستوطن السهول القريبة من الجبل الأخضر، وعلى تماس دائم كعادة القبائل العُمانية في التاريخ ، مع قبيلة (بني ريام) المهيمنة بشكل كامل على الجبل الأخضر وقرى وبلدات أخرى.. ومن (بني رواحة) خرج الشاعر الأهم في التاريخ العُماني ، (ناصر بن سالم البهلاني الرواحي) (أبومسلم)، وبهذا المنحى السلالي، يكون امتداداً جينيّا ليس لشعريّة عنترة العبسي وإنما للنابغة الذبياني أيضاً باعتبار أن عبس وذبيان أبناء عمومة قبل أن تدق الحرب بينهم “عطر منشمِ” على قول ابن أبي سلمى.. وقد عاش هذا الشاعر طفولته، على الرقعة المتاخمة للجبل الأخضر، قبل أن يمضي إلى الشرق الأفريقي (زنجبار) وهناك تتبلور شخصيته الشعريّة والثقافيّة، أسوة بأجيال نشأت وعاشت في تلك الجزر الاستوائية الثريّة، حين كان العُمانيون يسيطرون على مقاليد الحكم هناك. كنتُ في مطلع العمر أحفظ الكثير من أشعار أبي مسلم، وأنشدها بنبرة أهل (سمائل) المموسقة الفريدة. وفي مقدمة تلك الأشعار كانت (النهروانيّة) تلك القصيدة الملحميّة التي تشبه في معمارها الفني الصارم وسِعة خيالها قِممَ الجبال العُمانية وشغافها الجريحة. كان مطلعها:

“سميري وهل للمُستهام سميرُ
تنام وبرق الابرقين سهيرُ
تمزّق أحشاءَ الرباب نصاله
وقلبي بهاتيك النصال فطيرُ”

وهناك قبائل وجموع أخرى تستوطن السهول والجبال المتاخمة، للجبل الأخضر، ليس هنا محل تبيانها وسياقها..
لم يكن الجبل الخضر في مرايا خيال الطفولة التي كناها في ذلك الصَقْع النائي الذي كان نأيه مضرب الأمثال والركبان ومنتهى الصورة الشعريّة ونزوعها، من شعر صحابة مؤسسين مثل ابي بكر الصديق:

“هلموا إلى دين النبيّ محمد
ولو كان في أقصى جبال عُمان”

أو آخر من علامات الشعرية العربيّة بتاريخها، ومن فحول هجائها مثل جرير:
“إن الجهيم قبيلة ملعونة
سُط اللحى متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلةٍ أو شربةٍ
بعُمان أصبح جمعهم بعمانِ”

جرير نفسه في موضع آخر قال في مدينة (صحار) العُمانية العريقة، التي تتقاسم هذه العراقة مع مدن أخرى مثل قلهات ونزوى ومسقط وصور وسمائل و…. الخ:

“تنمّ بما فيها كأن طروسها
لطائم أهدتها إليك صحارُ”

***
لم يكن ذلك الجبل الواقعيَّ الرابض على مقربة من قرى طفولتنا، إلا أسطورة، ولم يكن للواقع والتاريخ المتراكم إلا ظلال الأسطورة التي تغذيها روافد خرافات شتى كثيرة المرايا والسَحرة والأشباح، كما أناشيد البطولة والقتال في الذاكرة وعزوات الأعياد والمناسبات- كقصة المحارب الشهير، وهو جزء من منظومة قتالية يشكل الرمز والطليعة- المحارب الذي استغرق أياماً كي يستطيع القوم فكَ قبضته الغائرة في الدم المتجمد والممتزجة، بمقبض السيف وهيبة المشهد الحربي الذي يعود إلى زمن الملاحم في الماضي وأسلحة الإقدام المباشر لأجساد المتصارعين وهوامّ قيمهم وبطولاتهم المهيمنة على الذاكرة والمكان. فذلك المحارب وحوادثه يقع في زمن قريب (حرب الجبل) زمن الطائرة والقنابل والبنادق العادية والأتوماتيكية، ولا يُستخدم السيف أو السلاح الأبيض باللغة العسكريّة، إلا نادرا وثانوياً في هكذا حروب..
كانت الذاكرة البشريّة بسردها الشفويِّ المتوارث، هي التي تغذي الحكايات والحوادث، كما تغذي الجبالَ جذورها الضاربة في الامتداد الأرضي الذي يوازي ما ظهر منها واستطال على سطح الكرة وبشرها..
الذاكرة وحكاياتها، ترفع الواقع وكائناته وحوادثه إلى مستوى الأسطورة ومصبّاتها ، خاصة في خيال الأطفال الجبليين، ذلك الخيال الذاهب في البدايات الأولى إلى تلمس أشياء الوجود والعالم..
لكن ما يلاحظ، أن تلك الصورة الأسطوريّة لم تكن تعطي الجبل الأخضر والجبال الأخرى التي تموج بها الأرض العُمانية الموغلة في القِدم (متحف الجيولوجيين) (إمبراطوريّة الجبال) لم تكن تعطي أي صفة مقدسّة، أو ما يشبهها دينياً كما تفيض طقوس وشعائر معتقدات أخرى عرفتها أقوام كثيرة على امتداد العالم.. جبل (نارياما) أو السنديان الياباني الذي كان يؤمه الحجيج كمكان مقدس هو الحلم والمنتهى الذي ترتاح وتطمئن في واحته المكللة بالثلوج والأزهار أرواح الموتى والجناة في تلك الميثولوجيا الآسيوية العتيقة..
وقيل الجبل الياباني وغيره في آسيا حيث العبّاد البوذيون ينتبذون أعلى القمم ليكونوا أقرب إلى آلهتهم وجبل (الأولمب) في بلاد الإغريق المزهرة، قبل ذلك الإرث المقدس للأعالي، ما جاءت به بعض الروايات عن أقوام يمنيّة يتخذون من الجبال قبلة عبادة وتقديس.. واليمن ليست شديدة القرب من الطبيعة العُمانية فحسب وإنما يمكن القول أن هذه البلاد (الجنوبيّة) تشكل عائلة جغرافية وروحية فيها من أوجه الشبه وعناصره، الشيء الكثير.
كان الجبل الأخضر والكثير من العائلات الجبليّة الأخرى، لا تتمتع بصفات المقدّس وحُرُماته.. ربما قدّس بعض العُمانيين في أزمنة ما قبل الإسلام ، الحصان، الحصان الراكض في البراري أو ذلك الحالم على حوافّ الأفلاج التي كانت تشبه الأنهار، والمروج الخضراء.
لكن الجبل الأخضر أسطورة، أو بالأحرى مركز الأسطورة الجبليّة في عُمان، باعتبار أن الجبال المتناسلة كواكب وتخوما ومجرّات لا تُحصى، في هذه الأرض، فهو المركز واللب، ولو عرف المختصون وفكوا رموز اللغة الخفيّة التي تتحدث بها عائلات الجبال والصخور، لأمكن القول إنه، السيّد المُطاع..
أو هكذا يتمرأى في الخيال الطفل الذي يبدع القصائد والملاحم على غير نمط من كتابة وتدوين..
وحين نحاول استعادة ذلك الكنز المنهوب، لن تكون تلك الاستعادة في الكتابة إلا ناقصة نقصاناً فادحاً، في محاولة القبْض على بعض من تلك الروح الطازجة الحرّة، كأفراخ الصقور وهي تحلّق طليقةً على مهاوي وقرى الجبل الأخضر.
ذلك الخيال الذي يحمل في مناقيره وضفافه الكهوفَ الموحشة، يحمل العنقاء المجنحّة تدق أكتاف السهوب، يحمل البلاد البعيدة والشجر الذي لا تطال سوامقَه خيالات الكبار مهما شفّت وبعدت في الحكاية والتخييل..
***
كان الجبل الأخضر تيس الأسطورة الرابض على مقربة، لكن الملَّفع بالغموض والسِّر والاحتمالات. كان بصدوعه وشغافه وأسطحه الملساء، للذاهب إليه لا يتبدىّ إلا كوكباً حجرياً صلباً وقاسياً، بحيث إن الزائر لا يستطيع التخمين باحتمال خضرة قادمة حتى يستوي على القمة، حيث يمكنه أن يرى القرى ذات المدرجات الخضراء المتناثرة في عمق الصخر وعلى السهل المنضوي تحت الأضلاع الجبليّة القاتمة، يمكن أن يرى أنواع الأشجار المزهرة (وفق المواسم) من جوز ورمان. وبوت وتين. يمكن أن يرى الغيوم والضباب وهو صاعد من القعر القاحل، يتسلّق جسده المتموّج بالفضاءات والسُدُم الطالعة من المحيطات.
ليس ثمة من نبات أخضر وأعشاب على منحدرات الجسد الصخري العملاق، قبل أن تستوي على القمّة، حتى يمكن للقادم أن يدخل من خلالها إلى عالم الخضرة والنعمة المحلوم بها على غرار الجبال في البلاد الأخرى..
إنه وحيد وملّفع بالنأي وكبرياء الصخور وهي تمخر ليلها السرمديّ.. لا يرفد الجبل الأخضر ضيوفه والقادمين إليه هداياه من الوهلة الأولى، منذ النظرة الأولى. ربما يوحي بما هو عكس ذلك تماماً، حيث تتراءى كلمة (الأخضر) جزءاً من منظومة الرموز والاستعارات الخرافية، وفي السياق نفسه تأتي تسميته (رضوى) أو الجنة.
متاهة قاسية تخبئ نِعمها البسيطة، لكن العميقة، في الأعالي متآخياً بآصرة جغرافيّة روحيّة لا تزداد مع تقادم الأحقاب إلا متانة وجمالاً، جمال القسوة والعزلة، مع (جبل شمس) و(جبل الكور) أكثر، ومن ثَم باقي أفراد السلسلة التي تمتد جهة سهل (الباطنة) البحري حتى (خصب) و(رأس الخيمة)، وتتصل عبر البحر بسلسلة جبال (جوروس) الفارسيّة..
(الباطنة) التي تختلف عن الداخل الجبلي والحجري، بانفتاحها التاريخي على الضفاف الأخرى، وما تنطوي عليه من سلالات وأقوام وطوائف، ومن قيم ولغات مختلفة..
***
الطريق الذي حاولتُ صعوده لأول مرة مطلع التسعينيات من القرن الماضي، أحاول صعوده الآن مع عبدالله الريامي (الرسام). كان الشتاء في الرحلة الأولى على أشدّه. وكانت منطقة الجبل، لا يُسمح بالدخول إليها إلا بتصريح، كمنطقة عسكريّة. الشتاء يخيّم ببرده على الكائنات بأكملها، تنخفض درجات الحرارة إلى خمس درجات أحيانا مما يستدعي بالضرورة التدفئة بوسائلها الحديثة أو تلك البدائية الأكثر جمالاً، وعافية (المغاربة يسمون النار بالعافية).. يتجمع الأهل والصحبْ حول الحطب المشتعل في ذلك الليل الكثيف المبحر بأشرعته، بين الأشجار والصخور… أين أولئك الرجال الذين يقدحون زناد الحجر لتندلع ألسنة اللهب الأزرق، نار القِرى والمحبّة، نار الشَبق وهي تمتطي بدخانها عنان سماء نجميّة مجهولة؟.
أتذكر أنني دونت ملاحظات سريعة، لم أعد ، لاحقا إلى صوْغها في سياق.. منها لقطات حول نسور مسنة أثقلها البردُ والزمن تحلق ذات صباح على منحدرات (الفياضيّة) نسور تتذكر لقمان الحكيم الذي عاش بعمر ثلاثة نسور كل واحد منها عاش مائة عام.. (يبدو أن لقمان لم يكتسب حكمته إلا عبر مرارة السنين وتزاحمها، على عكس حكام عرب وأدباء، لم تزدهم تلك السنون إلا رعونة وفساد عبرة وذوق).. سرب طيور مهاجر أضاع طريقه المعتاد نحو السهل البحري فتاه فوق الجبل وثكناته الصخريّة، باحثا عن مخرج.. وذلك المسجد الصغير في حجمه على جاري العادة في بناء مساجد البلدات العُمانية.. المسجد المفْعم بالنور والخشْية الروحيّة التي لابد للعين أن تدمع في تجلي ذلك الحضور القدسي. وهو من الآثار الإسلاميّة النادرة، التي كانت قبلته، نحو أولى القبلتين (القدس) الشريف. وظلت كعلامة روحيّة على الزمن الذي تحولت بعده قبلة المسلمين إلى مكة المكرمة التي حظيت بهذا الشرف الإلهي الرفيع..
في هذه الرحلة نحو الجبل، كان الصيف على أشده، وكان الهرب إلى واحة الجبل الأخضر أحد الحلول المطروحة.. على سطح الجبل، وتوائمه من الجبال البالغة العلو، يمكنك أن تتبيَّن الفصول ومعالمها وصفاتها، على عكس مدن السهل وقراه، التي من فرط هيمنة الجو الحار والغبار الكوكبي والأرضي، تغبرُّ تلك الحدود وتميع فروقها التي تنعكس مزاجاً سيئاً على النفس والسلوك.. الصحراء تبتلع الفصول كحيّة أسطوريّة، صحراء الرمال والكثبان المتنقلة أو تلك المسمّرة بجبالها الصخريّة..
في واحات الجبل الأخضر، وإن كانت قليلة مقارنة بجبال أخرى عربياّ وعالمياً، كون الجبل يقع في قعر هذا الكوكب الملتهب، يمكنك أن ترى تدرجات الفصول بوضوح، يمكنك أن ترى زرقة السماء التي تشبه زرقة سماء المتوسط. ويمكنك أن ترى النجوم في الليل الدامس. عناقيد نجومٍ في السماء وعناقيد عنب وصخور مرجانيّة خلَّفها طمي الأزمنة على الأرض..
يمكنك أن تتذكر شيئاً من طفولتك البعيدة، بمنأى عن تلك الحُفَر النيزكيّة والغبار..
***
أنام من غير مكيف هواء، بجوار النافذة التي تطل على شجر الرمّان والتفاح.. منذ دخل الصيف اللاهب والتكييف ضرورة حياة ومصير. لا يمكن الاستغناء عنه حتى وأنت في عمق أحواض السباحة، هناك آلات تبريد داخل المياه، وإلا تحوّلت إلى مراجل تغلي بكل ما لذّ وطاب من اللحم الحي تحت شمس كليّة السطوة والحضور.
هنا لا تحتاج إلى مكيف ولا مروحة، وأنت جغرافيا في قلب صيف جزيرة العرب، أو الضلع الجنوبي منها، كما تقول الجغرافيا، وقريباً من صحراء الربع الخالي. ولذلك شعور خاص لا يوازيه شعور آخر، أنت لم تسافر لم تقطع الأميال والمسافات الطويلة بين المحطات والمطارات، وأنت تنعم بنسيم عذْب حتى في النهار، في الأماكن الظليلة..
أنام نوماً متواصلاً من غير تقطعات وما يؤرق صفوَ الرحلة الليليّة، حتى أحسست بطلائع الفجر الذي أخذت حيواته في النهوض والاستيقاظ، من الكهوف والمغارات والبيوت..
ديك يسقع في البعيد، حمار (يشحج) مذكراً، بحمير الأزمنة الآفلة، بحيائها وألفتها، بدموعها التي غالباً ما تتحجرّ على الخدّين الطويلين وهي تحدّق بحزن وتوّسل إلى البشر من فرط ثقل الحمولة على ظهورها، وحتى حين تكون بلا حمولة، ثمة حزن غامض دفين في عيون الحمير..
***
(نيتشه) تحدث على طريقته ، عن الحمار التراجيدي الذي “أن يهلك تحت ثقل لا يمكن حمله ولا الإلقاء به؟.. تلك حالة الفيلسوف”.
يمكن استعارة الفكرة نفسها، تلك القدريّة المأساوية الأكثر عتواً، لكن بنقلها من مجال الفلسفة والفلاسفة إلى الفضاء العام. يمكن القول أن الشعوب العربيّة تمثيلاً، شعوب تراجيديّة بامتياز. فهي ترزح تحت أحمال القمع والإكراه الثقيلة، تجتاز بها عقاب الزمن والحياة في هذا المسار الشاق. وحين تفكر بالتخلص من تلك الأحمال ويطوح بها نداء الحريّة البعيد، تدفع أكلافاً باهظة وينفجر الدم أكثر غزارة من الأنهار.
الشعب السوري ببسالة خارقة، بسالة حلم الفضاء الحر وطفولة النيازك الجريحة، يتبدى أكثر محنة ودمويّة في مواجهته مع جلاديه ومغتصبيه كرامةً وحياة..
تمضي آلة القمع في دفعها الشعوب أفراداً وجماعات على طريقة الحمار النيتشوي، لكن جهة مكابدة الحياة في أولوياتها الإنسانيّة، وليس جهة صراع الأفكار ودوّامات ديمها الجارفة.
***.
ضجة عصافير في الدغل المجاور، حين استيقظت، مزيحاً طرف الستارة ، لأرى الضياء قد بدأ في الانتشار على خَفَر، يغمر القرية على مسافة السفح الجبلي الذي تستطيع الرؤية الإحاطة به كاملاً حين بدأ بالانكشاف والوضوح..
انتظرتُ صوت (الصفارد) وتخيّلته يحيل الساحة والتلال والأشجار، جامعاً أطرافها في نبرته الجرسيّة الضاجة بالغيوب والأشواق، لكنه لم يأت..
حاولت العودة إلى السرير وأخذ تلك الغفوة التي كنت اصطادها كغنيمة من بين أشداق المكيّفات والعربات، لكن لم أفعل. أحسستُ بنشاط قادني إلى مواصلة قراءة مقال البارحة حول غابات الأمازون ، غرابة أشجارها وأنهارها وشعوبها.. وذلك الجمال الوحشي في الطبيعة، وما تتعرض له من إبادة وتدمير على أيدي التجار والسماسرة الأكثر وحشيّة من جميع أجيال الكواسر والمفترسات..
***
على ما كان عليه الجبل الأخضر من حضور قوي في الأحاديث والأخبار والمجالس، وعلى ما عليه من قرب. لم يتطرق الأهل إلى نفر منهم صعد إلى الجبل، ولم نشاهد أحداً بالعين من بلادنا كان قد ذهب إلى هناك.. عدا أولئك الذين يترحلون في بطون الأقاصيص والحكايات.. وعدا نفر قليل من أهل الجبل، الذين ينزلون ببضائعهم أوقات المواسم والمناسبات، وباستثناء الأسماء الشهيرة في تاريخ الصراع السياسي والقبلي، هناك أسماء شبه خفيّة، لكنها فاعلة في مسار القص والمرويات الشعبيّة..
كان الأهل يتحدثون فيما يشبه الهمس، والكثير من الحذر، عن عزيز بن سيف الرحبي، كواحد من أسماء البطولة ذات المنحى السياسي، وعلاماتها، فحتى هذا الرجل الواقعي تحول إلى ما يشبه الطيف، في تلك الأحاديث والحكايات. كأنما الجبل الأخضر لا يفتأ يصر على الإقامة في قلب الخرافة والخيال، لا يغادر إلى سطوع الواقع وفضاضته..
وفي هذا السياق يبزغ أيضا من مِزق الذاكرة اسم (علي بن سالم ود جريدة) الذي يرتفع إلى مستوى دراميِّ في الشجاعة والإقدام، بحيث يمكنه أن يواجه جماعات بكامل عتادها، ويولون الأدبار أمام قوته التي لا تقهر. كان يشبه أبطال أفلام الغرب الأمريكي المدثرين أيضاً بديكور الصحراء والجبال الجرداء.. لكن البطل الشعبي العُماني يمضي في طرق وأماكن أكثر وعورة من الغرب الأمريكي، ومن غير كاميرا ومسجلي أحداث ووقائع، عدا ما تزخر به المخيّلة والذاكرة العفويتان وتؤسطرانه… ولا يتراءى لي، يحمل مسدسين في مخدعيْ حزامه، عدا الخنجر المعقوف و(الصمع) يلمعان في ذلك المغيب.
كان ود جريدة (توبياً)، وبنو توبة هم إحدى فخائذ قبيلة بني ريام.. وتمضي الحكاية بأنه حين وصل في مسيرة حياته الحافلة بالمواجهات والقتال، كان يقطع الوادي، حين قال لمرافقه، بأنه يحس بنوع من الزوغان والغشاوة في العينين، والوهن! ساعات حتى التقى بنفر ليسوا من مكانته القتاليّة. وعلى وضاعتهم استطاعوا التغلب عليه وقتله… تلك كانت من إمارات النهاية الأكيدة.. كأنما الجبل الأخضر، أصرّ أن يبقى في قلب الخرافة والخفاء.. ومن ذلك الخفاء في خيال الصِبية تتجلى ثماره الواقعيّة من جوز ورمّان وعنب وبوت، عذوبة لا تقاربها عذوبة وجمال شكل، أي فاكهة في البلدان الأخرى، حتى لو كانت أكثر خصوبة وكرماً في الطبيعة.. لكن حتى هذه الثمار الواقعيّة التي ينزل بائعوها، إلى (حِلق) الأعياد، لا تفتأ أن تدلف جواً خرافياً بدورها: فالحمير الجبليّة التي هي أقرب إلى أحجام البغال وشكلها، تحمل البضائع الثقيلة، ويحصل أن تتعثر وتسقط في تلك المنعطفات والفجاج الصخريّة القاتلة، فيحملها أصحابها (البغال والحمولة) على أكتافهم مكمّلين رحلتهم بخفّة، سواء في النزول أو الصعود، غير عابئين بالخطر والموت.
***
وقت الضحى والشمس تتعالى وترتفع في فضائها من غير قسوة بالغة يمليها فصل الصيف الجاثم في المحيط، أذهب في جولة بالسيارة التي نترجل منها، ما ان نصل إلى مشارف القرى والواحات والوديان تلك القرى المعلّقة على مدارج السفوح بين الأطواد، والتي تتآخى في شكلها الهندسي الجمالي مع قرى شاهدتها في شمال اليمن..
مشهدها البديع الذي ينهض من بين براثن اللجة الصخريّة، يجعلك تتوقف ملياً للنظر والتحديق من الأعلى، قبل أن تنزل إليها وتتجوّل بين أشجارها وعيونها الجارية وتلك التي سحقها الجفاف.. فلم يعد الجبل الأخضر كما في الماضي بعيونه وغيوله المتدفقة ومنابعه. وهي صفة يتقاسمها مع معظم الأرض العُمانية حيث (المحل والمتق) يقلصان الكثير من واحات النخيل والأشجار المتموّجة بين الجبال والأودية والثغور..
حتى في الخواصر الجبليّة لأكثر من مكان كانت تنبت كثبان النخيل والأشجار مأهولة ومشعَّة.. مثل تلك الموجودة على خط (وادي منصح) الذي ينحدر من (نقصي) و(الرحبة) ناحية (وادي الطائيين) حتى (فنجاء) ليلتقي بمجمّع أودية وروافد، تأخذ طريقها الذي عبدّته الطبيعة منذ آلاف السنين الضوئية، ليذهب إلى السهل الساحلي والبحر..
أتذكر (وادي منصح) فيما يشبه الطيف، تلك الأسراب من طيور القطا وهي تنزل من أعالي الوادي نحو الغيول والبرك لتشرب، مصدرة ألحاناً خفيضة، غامضة، في انتفاضتها العطشى ، توقظ الفضاء الساكن من غفلة الظهيرة السادرة، تجعل النسيم وحيوات الوادي ترقص بمرحٍ تحرره من جهامة الأزل المتكاثف بين صخوره وشعابه..
لكن الجبل الأخضر ظل على حال أفضل يقيناً، من بقية مناطق السهل العُماني، عدا (ظفار) خاصة في الخريف، ظل هكذا بسبب ارتفاعه وعلوّه ، الباذخ، ظل طقسه المميز والفريد..
في غمرة تجوالي الجبلي يتصل (أبو أحمد العبري) من (فرانكفورت) حيث يقيم للاستشفاء والعلاج.. بعد سؤالي عن الأحوال والصحة، قلت له، أنا الآن في الجبل الأخضر، غير بعيد عن بلادك (الحمراء)، وخاصة (مسفاة العبريين) التي تقع في حاضنة (جبل شمس) وتشارك الجبل نصيباً وافراً من جمال الطقس وغرابة المكان الذي ينتمي إليه أيضا الزميل خلف العبري، والروائي حسين العبري.. (مسفاة العبريين) بيوتها المنحوتة في أعماق الصخر القاسي، واحدة من الشواهد على عظمة الأسلاف العُمانيين، تلك الهندسة البديعة في البناء، وتلك الأفلاج التي صُممّت بدقة جماليّة، تسترسل من الأعلى إلى الأسفل، ومنه إلى الأعلى على طريقة الأواني المستطرقة..
يفصل جبل شمس عن الجبل الأخضر ذلك (الصدْع)، الذي يتبدّى كملخّص أجيال في تراكم جروح الحجر والبشر.. رغم أن البشر شهود عبور ، بينما الحجر، شواهد ديمومة يوحدها ويؤاخي بينها نهر الجراح المتدفق في الزمان..
سألني أبو أحمد عن الطقس، وقد فعلت بالمثل، حيث إن العمانيين تندرج أسئلة الطقس لديهم ضمن ميراث طويل من التقليد المتقادم، حول أسئلة (العلوم والأخبار)، حتى لو كانوا قادمين من قرية مجاورة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً. ربما الحروب القبلية والأهلية وتلك القادمة من الخارج التي كانت ترزح تحت جحيمها عُمان ، كانت سبباً في هذا الاستنفار الدائم.. وربما العزلة والانغلاق.. وجرّنا الكلام حول أجرة الفندق الذي نزلت فيه، وحين قلت له (السعر) ضحك عاليا، وقال أن فندقه في فرانكفورت أقل كلفة بكثير، وبدوري ودعته بضحكة، كي يواصل نزهاته الألمانيّة..
فكرت في الأرض العُمانية الشاسعة المتنوّعة في طقسها، ما يغني عن السفر، جزئيا إلى البلاد البعيدة هروباً من الصيف اللاهب، وما يشكلّ جاذباً قوياً لسياحة خارجيّة خاصة الجيران الخليجيين الذين لا يملكون مثل هذه السِعة وهذا التنوع في الأماكن جبلاً وبحراً، (باستثناء العربية السعوديّة) بالإضافة إلى الجبل الأخضر، هناك مناطق (البحر الحدْري) الذي يظل الطقس البحري فيها رائعا طوال الصيف. وطبعاً خريف صلالة وجبالها الخضراء.. لو تتوافر المرافق والخيارات التي تغطي احتياجات المصطافين من الفئات الاجتماعية المختلفة.. لو تهتم الاستثمارات بإنجاز هذا المشروع الوطني الذي ستستفيد منه كافة الأطراف.. ولا ينصب ذلك المشروع على افتراس الربح السريع فحسب، من غير تفكير في (الآخرين) الذين سيكونون ضحايا هذا الافتراس وهذا الجشع.
مشيت خطوات في بريّة الجبل الأنيسة حتى في وحشتها، وأنا أفكر في هذا النوع من السياحة، حتى عاودني ذلك النزوع البريّ الصافي، ففضلت أن يستمر الجبل على ما تبقى من قيمه الروحيّة والمكانيّة، وألا يُسحق تحت حوافر الرأسمال المتوحش المجرد تجريدا عارياً ودموياً من أي بعد أخلاقي وإنساني.
وتساءلتُ، أليست هناك حلول ممكنة، لهذه الإشكاليّة التي ترزح تحت وطأتها الصعبة البلاد؟
***
استمراراً لجبل شمس، يأتي (جبل الكور) بلونه المائل إلى الحمرة المعتّقة، يلوح أكثر غموضاً ونأيا، يوصل السلسلة إلى أقصاها من جهة الصحراء المتلاطمة حتى الربع الخالي، في أعماق الهاوية الكونيّة، وبعدك النفط والقيامة..
مرة مشيت مع (أبي هشام الهنائي) من بلدة (الغافات) الرابضة، تحت سطوة (جبل الكور)، بمنازلها الطينيّة والجصيّة كأنها قلاع على وتَرِ الريبة والأهبة دوماً لأعداء مُحتملين.
مشينا في الوادي نحو السهل المرتفع المؤدي إلى شعاب عميقة البرك والأغوار متحدِّرة من قمم الجبل التي لا تلمح نهاية لها..
كانت غيوماً توشك على المطر، ثمة قربة ماء (سعن) معلقاً فوق حطبة بعمودين، على عادة البدو الرحّل. كان السعن ينضح ماء قِراحاً.. ربما جُلب من إحدى العيون الجبليّة التي كان لها صفاءُ عين الطير وفسيح خياله.. شربنا منه في غياب أصحابه المتوارين مع القطيع خلف الوهاد والهضاب.. ثمة قرى على سفوح جبل الكور منها ما دخل حيّز الخرافات والخوارق مثل هذه الحكاية “من عجائب جبل الكور أن نهر (دن) إذا اغتسل الإنسان داخل النهر (الفلج) بأعلى البلد، يصاب بداء لا يفتر ألمه حتى يتصدَّق أو يعمل معروفاً، وإذا اغتسل بأسفله حيث يغتسل الناس لم يصبْه بأس”.
***
لا غيوم في الأفق، كي تكتمل مأدبة هذا الجمال الرهيف، لكن من وراء الأكمات ألمح غيمة تتثاءب كسْلى، قادمة نحونا.. نحو بستان المنزل والأطفال.
***
شجرة التين بكل هذه الزرقة النيليّة النشيطة، تذكرني بشجرة بيتنا القديم، تلك التي زرعها والدي (رحمه الله) كان يسقيها بعواطفه الصادقة ورعايته الدائمة. وكذلك بمياه زمزم، مع نخلة الخلاص جارة التينة، كان يجلب معه في كل حجّة علباً كبيرة معبأة بتلك المياه الطاهرة، كي لا تقترب منها أنواع الأوبئة، وزحف الجفاف.
***
أجلس في فناء المنزل، ثمة بستان أشجار صغير ، لكنه كافٍ لخلق هذا الطيف لجنة صغيرة، بين زفير الجبال والوهاد، أتطلع إلى (ناصر وعزان) يقفزان مع الفراشات النشوى بين ظلال التين والرمّان والتفاح.. تفيض شفافية الطفولة والفراشات في روح واحدة، تغمر الحقل والفضاء الأزرق.. أكاد أبكي.
هذا الجمال، هذه الهشاشة، يكفيني أن أعيش هذه الهناءة العابرة ، هبة ربانية ، دفق سلام الروح، تتنزه بين أنقاض العالم والذاكرة..
الطفولة والفراشات ، رفرفة الشجر المحلّق في هذا الخلاء بنشوة الأبديّة..
***
“أطفالكم ليسوا أطفالا لكم
إنهم أبناء الحياة وبناتها في اشتياقها إلى ذاتها”
وكذلك الأرض اليباب حين ينزل عليها المطرُ، إنها الحياة في انبلاجها ونمائها، حتى مُنقلب النهاية، حين تسقط الجوارح من الأعالي إلى قعْر الأودية ومنخفضاتها، وربما في أرذل العمر تتلبد في المستنقعات اللزجة تجرجر أحشاءها جريحة حزينة.
***
سحُب ركاميّة قادمة من جهة بحر العرب، وخليج البنغال، بدأت تقترب من سماء الجبل، لتنشر مظلتها على الوديان بمرتفعاتها ومنخفضاتها السحيقة التي تتبدى من غير أرض ولا قرار.. تلك الهُوى الجبليّة التي تبعث على الرعب والدوار. تأخذك إلى مداراتها مع ظلال السُحب، ظلال عمالقة هاربة في متاهة الصَخْر، كما تأخذك الأفكار والرؤى التي لا تخشى رهاب التيارات والهُوى، وهي تغوص عميقاً في أوضاع البشر والزمن لدى ذلك الطراز من الفلاسفة والأدباء عبر التاريخ.
تأخذك السحب والغيوم والهُوى المتناسلة، قبل أن يأخذ الودْق طريقة إلى الأرض العطشى التي تستقبله بوله المتيّم المنتحب.. من ثمّ تنشر أريجها الخبيئ يغمر الفضاء والبشر والحيوانات..
***
الماعز تثغو في البستان المجاور
تنادي مراعيها
التي تأتي على أكفّ المسافة
والجديان الصغيرة..
***
تفتَّح نهدِ الصَبيّة
شُبِّه بتفتّح زهر الرّمان (الجلنّار)
في الوديان والأخاديد الخضراء..
الآن، تأكدتُ من ذلك
باندفاع يوصل الخيال
الى مشارف الرغبة
في السبي والقتال.
***
في محيط هذا الفراغ الهائج، الذي تُلطف بعضاًُ من قسوته الأشجارُ الموّزعة في (الجِلب) والجنبات، تبزغ لوحة الفنّان من دخان شعوب أوشكت أن تقضي ألماً وقهراً، على الراحلين والقتلى الذين لن يعودوا أبداً، إلى أرض الطفولة والولادات..
يحرث الرسّام بالريشة لوحته كما يحرث الحقل المليء بالبراعم والزهور::
غرقى يستغيثون وسط سديم مياه جفّتْ
يدٌ تنتزعها مخالب الجوارح
وهي تحلّق بمرح خاطف
غزاة يبقرون أحشاءَ النساء والحقول
في وليمة
تظللها أشجار الصفصاف
وفي الزاوية
حذاء مقلوب في محطة بعيدة
حقيبة منسيّة
عميان بنظاراتهم السوداء
يهرعون نحو القطار.
يسقي الرسّام بدمه اللوحةَ
كما يستقي الحقل المشرّدَ
بين النبع واليباس.
***
تحوم الفراشاتُ على غير هدى
عطشى
الى لقاء الأطفال
الأطفال الذين حلموا بالفراشات
فناموا على رفيف الأجنحة الغضّةِ
والألوان.
***
الغيوم تتجمَّع من جهاتٍ عدة، تركض، تتكاثف
في فراغ سماء كانت قاتمة
وميض طائرة تحلّق بين النجوم، لا يلبث أن
ينمحي ويتلاشى بين الأمطار البرديّة والصواعق
السيول تنحدر من شعاب الجبال
من الصدوع الكبيرة، كأنما الرحمة
تتنزل دفوقاً تجرف البلاد العطشى،
حتى تسبح في ضفاف المطر والنعيم..
***
“كالحب كالأطفال
كالموتى هو المطر”
الشجرة تخاطب الشجرة
والصخرة الجبل.
كم من الأمطار والجوائح مرّت بظلالنا وفي أوديتنا
كم من الوعول والأغربة والنسور
كم من الآماد، وأطفالنا
يمرحون على هذه الأرض؟
من زعم أن الأبديّة مضجرة؟
***
تسقي الأم أطفالها
من إناء الفخّار
تسقي الغدران عصافيرها
على مقربة من البحر
والضفاف.
***
عصفور شارد على المآذن
التائهة في لازورد
المطر والضباب.
***
قوس قزح
يعانق الجبل الأخضر
من أعلاه حتى السفح
بينما الشِعاب تجري لألأة
تتجلى قريبة
من أنهار الأمازون.
***
أمشي في البريّة المتموّجة بصخور رماديّة، مائلة إلى الزرقة يتبدى الكثير منها منحوتات مليئة بالأخاديد والخطوط العرضيّة والطوليّة. ويمكن للناظر بتمعن أن يرى رواسب أنهار جليديّة منذ ملايين السنين أو أن المحيط كان يغمر هذه البسيطة المليئة بأشجار العلعلان والعتم (الزيتون) والبوت البري وأنواع أشجار أخرى تشبه بريّات وسيوحاً في ربوع عُمان المختلفة..
ربما إن وجد هنا أول كائن في الخليقة، الكائن الإسفنجي والكائن ذو الخليّة الواحدة..
لكن ما لاحظته بوضوح أن هناك أشجاراً ضاربة في الحضور والتاريخ، لا تجدها في قمم الجبل الأخضر وبلداته وقراه إلا كنادرة وغريبة مثل أشجار الغاف والسمر (الأكاسيا) والسدر.. وكذلك شجرة النخيل التي هي رمز وجود مادي وروحي تصل إلى مشارف التقديس ، لا نجدها في الجبل إلا كمنفيّة وحزينة، ودليل حزنها أنها (إن وجدت) لا تثمر..
تلك أشجار الأماكن المدارية الجافة على الأرجح، والجبل الأخضر بعلوه، أفلت من قبضة دائرة الجفاف البالغ الحرارة التي تُسمى جغرافياً مدار السرطان وأخوه الجدي الأكثر فتكاً وحرارة، وعليه تقع بلدان الخليج والصحراء العربية التي تقصفها الكآبة جراء هذا الطقس الذي لم يكن موجودا في الأزمنة الغابرة السعيدة..
أتوقف أمام شجرة طويلة، رأسها يشبه رأس البومة بعينيها الكبيرتين تخترقان الحواجز والظلام. وأخرى تشبه صقراً على وشك التحليق.. وثالثة تشبه عنزاً في لحظة قفز بين منْحَدر وهاوية..
أرى قطيع ماعز يرعى بنشوة لا يعكر صفوها معكرِّ بعد توقف الأمطار التي بقيت روائحها العطرة تضمّخ الأشجار والحيوانات. أصغي إلى هسيس رعي الماعز السكران يرتفع وينخفض، موسيقياً. موسيقى الصمت في هذه البراري المترامية – ماعز الجبل الأشهب الذي لا يضاهيه جمالاً ورشاقة إلا ماعز (وادي الطائيين) ربما.. حين كان الوالد يأخذنا إلى هناك إلى (نقصي) و(هندروت) و(مِس) ديار الأوائل كما كان يدعوها، ونرى قطعان الماعز تنحدر من رؤوس الجبال في المساءات الكبيرة، نحو القرى والسفوح.
ونرى الوعول تشرئب برؤوسها الجميلة من فوق الصخور المطلّة والتلال، قبل أن تلحظ وجودنا وتلوذ بالفرار، أفراداً ومثنى، إلى أغوار الشعاب والكهوف..
لاحظت في ماعز الجبل الأخضر، أن بعض أفراد القطيع حُلق شعره بطريقة لم تزده إلا بهاءً وخفة، كأنما حلاقته على يد حلاق محترف وليس عفوياً للاستفادة من صوفه كما جرت العادة التي ما زال بعضها مستمراً حتى اللحظة التي عصفتْ بكل طفولة وجمال.
***
أستمر في المشي المتعثر بين النباتات والصخور، أحاول ألا أشرد كثيراُ كي لا أقع، أحاول التركيز حتى أصل نزولاً إلى مسيل الوادي، بأخاديده وبرك مياهه المتفرقة الصغيرة التي يلمع الغروبُ في مراياها كقطيع ظباء أصابه الذعر فجأة فلاذ بالفرار.. لا مياه في الوادي على شكل غيول تستمر في تدفقها السيّال، عدا هذه البرك و(الغبيب) التي خلفتها السيول القريبة.
خلف إحدى الأكمات، أشاهد عائلة حمير ترعى بهدوء وسكينة، ما إن لمحتني حتى جفلتْ وتحرّكت من أماكنها رافعةً أعناقها ورؤوسها بعصبيّة إلى الأعلى باتجاهي وبشكل جماعي. تركتْ الرعي وركزت حواسها على وجودي قريباً منها، عرفتُ على وجه اليقين أنني ضيف غير مرغوب فيه حتى كعابر (كأنما لم تكن بيننا طفولة مشتركة ذات دهر).
أحسستُ من نظراتها العدوانيّة وهي تثني رقابها باتجاهي، حتى همهم بعض أفراد العائلة فيما يشبه الصهيل الغاضب، صهيل جياد البراري العصيّة.. بنبرة عنيفة حركت رؤوسها مرات متتالية، حتى اختلجتني الهواجس بأنها قادمة لالتهامي وجبة سائغة في هذا الفضاء الوحشي..
أخذتُ بعضي راجعاً من حيث انطلقت، لكنها ظلت ترصدني في تحفّز وريبة، حتى اختفت عن ناظري تلك العائلة البريّة التي تركت فيها بعضاً من روحي… كأنما لم تكن بيننا طفولة مشتركة ذات زمن، حين كنا نهيم بين الوادي الخصيب وضواحي النخيل على ذلك النحو من التناغم الروحي تناغم البشر والطبيعة، أشبه بعائلة واحدة. وحين يحدث اختراق لسلوك التناغم الروحي ذاك يحدث نوع من الشجار أشبه بالعتب.
أتذكر حين دفعت الحمار، ليتجاوز ساقية أو سواقي أكبر من طاقته، حاول التملص والتراجع حتى البكاء.. نزلتْ دموعه غزيرة لتمتزج بمياه السواقي، لكن لا فائدة فقد كنت أصفعه بعصا العنف والغلظة، حتى رفس رفسته اليائسة التي كادت أن تذهب بأسناني..
وكيف لي في هذا السياق أن لا أستحضر حمار (الشايب عامر) الذي يقطع الوادي، وادي (سرور) بأناقة وخيلاء باتجاه (بدبد) كان عامر، لا يقتني من الحمير إلا تلك المنحدرة من سلالة تتميّز بالبنية وجمال الشكل، بحجمها الممتلئ برشاقة، وكنا نذهب إلى منزله حين تبدأ تباشير الرطب (النغال والقش) التي تزهر طلائعها في بلدة (بدبد) المأهولة على ضفتي الوادي الذي لا تفارقه المياه والأعشاب, وكان يسكن في إحدى ضفتي الوادي (أولاد الدرعيّة) وهم فخذ من الرحبيين عُرفوا بالسخريَة والشجاعة في الملّمات..
ولا أنسى حمار (زاهر المخلدي) الرجل الذي لم يكن يخشى سلطة شيوخ القبائل والأعيان. كان المخلدي بحماره الأسود ذي البنية القويّة التي لا ترهقه أعباء الحمولة الثقيلة، كان يربطه في ضواحي النخيل المليئة (بالثيّل) أو النجيل، وكان من فرط قوته يقطع الحبال مرارا ليهجم على الحمير الأخرى، أو يفرع فرج حمارة متدلّهة في الطريق..
كان وهو مشدود بأمراس قويّة إلى خيّته ، يثبُ ويندفع في الهواء وفي كل الاتجاهات بحيّوية وشكيمة..
وكان الزط (الغجر) في ذلك الزمان، يستعرضون حميرهم في عرض الوادي الخصيب، للسباق وللمبادلة ، جيئة وذهاباً، وسط جَلَبة الأصوات التي تصدرها السلاسل والجلاجل والحليّ المزركشة على أجناب الحمير الراكضة بعنفوان الفرح والجموح، ووسط أعين النساء الغجريات السافرات وزغاريدهن، مما يحيل المشهد بكامله إلى عيد من البهجة والحريّة، خاصة للصِبية والأطفال.
***
صباح هادئ كما ينبغي أن تكون صباحات الجبال العالية، حيث هواء القمم لا يجاريه صفاء ونظافة أي هواء في أماكن أخرى..
أنظر إلى تفتح الأزهار، والى أعشاش الطيور الصغيرة في غدور الأشجار، ترف بأجنحتها في رقعة العشِّ جالبة الغذاء والأمل والحنان، إلى الأفراخ أو التي ما زالت في بطن بيوضها، مشروع أفراخ.
مرة اقتربت من أحد الأعشاش، ألمسه بكثير من الرأفة والتبجيل، في غياب رعاته، حيث لم يكن إلا البيض والريش والأغصان التي يُبنى العش من نسيجها الباذخ – وجدته دافئاً دفء تلك المنطقة الواقعة بين النهدين في واحة الجسد الأنثوي، ويشبه دفء الرحِم..
وفي البعيد ألمح الأعشاش الكبيرة للنسور والجوارح، في أعماق الشِعاب الوعرة، أو في ثقوب الأبراج المهجورة التي كانت تستخدم أوقات الحروب والأزمات..
لم أقترب من تلك الأعشاش، خمنتُ الخطر المحدق هناك، فالحمير التي على نحو من ألفة ووداعة، أنذرتني بإشارات فصيحة للخطر والانقضاض، فكيف بمن كانت غريزته وجبّلته من تلك الطينة الافتراسيّة؟!
لا غربان هنا، خلال وجودي لم ألحظ غراباً يحلّق في البعيد أو القريب، أو يلتف على جيفة يولول ويتغذى، كما في مدن وقرى السواحل والسفوح حيث أقضي وقتاً أراقب الغربان وهي تبني أعشاشها على ذُرى الأشجار العالية مثل الغاف والسُمر، دائما ذكراً وأنثى في العش، أو يحومان قريبا منه.. هذه الصداقة حدَّ التوّحد، من صميم السلوك الغرابي. حيث يظل الذكر والأنثى متلازمين حتى النهاية.. يشارك الغراب، في سمو هذه العاطفة العميقة، حسب (خبراء هذا المجال) اللقلق الياباني وكذلك البطريق الامبراطوري في تلك الأصقاع الجليديّة، فحتى لو مات أحد الزوجين يظلَّ الآخر عازباً حتى يلحق بقرينه..
في المدينة من ضمن هواياتي مراقبة الغربان وهي تحوم على أعشاشها، خاصة حين أكون في حوض السباحة، مستجيراً من قسوة القائلة، وأستغرق أكثر في تأملها خاصة حين يأتي (الشخص الغليظ) للسباحة، ما إن يقفز حتى يسري ما يشبه التيار الكهربائي في المياه ليحيل الحياة إلى يباس وموات..
“قاتلكم الله، سمّمتم الماء والهواء، وأحلْتم روض الحياة إلى عاهة مستديمة، دمرّتم الإنسان والطبيعة”..
***
من خلف ستائر الظهيرة، ظهيرة قرية (الشريجة) وأشجارها، تظهر امرأة تحمل على رأسها وقراً من (البرسيم) والغّلة التي تيسرت لها في هذا اليوم..
تمضي في هدوء وحزن، حتى تبدو أمام أعيننا المتطفلة، شبحاً قادماً من الماضي.. وكانت النسوة العُمانيات في معظم أرجاء البلاد يعدن في مساءات القرى البعيدة، إلى بيوتهن في مثل هذا المشهد الذي أضحى نادراً حدَّ الانقراض..
***
أجلس على صخرة حفَر العراء والبروق عليها خدوشاً وتجاعيد ورسوماً، تطلّ على القرية، لأرتاح من تلك المنحنيات والمنعرجات الحادة والوعرة..
لاهثاً أسرّح نظري في أكاليل الصخور المتلاطمة، وثمة أبراج على الذرى الساجية في سمائها..
من عمق الطريق الملتوي من الأسفل إلى الأعلى، تظهر امرأة شقراء بقبّعة وحمولة الرحالين على ظهرها.
كانت زوجتي قد وصلت إلى المكان- الصخرة التي أمتطي حدَبَتها باتجاه القرية والفراغ، تستأذننا المرأة الشقراء بالجلوس معنا (نرحب بالطبع) تخرج من حقيبتها سندويتشاً وزجاجة ماء، تأخذ في الأكل والحديث.
تسألها بدور إن كانت سائحة؟ تجيب بأنها مقيمة في مسقط، تدّرس الانجليزية في إحدى كلياتها، وانها تقطع الجبل من أقصاه إلى أقصاه سيراً على الأقدام، وكذلك سيكون نزولها إلى (بركة الموز) حيث أوقفت سيارتها.
سألتها إن كانت انجليزيّة لكنها قالت انها من (نيوزلندا) فهمت وهي تنطق مع قضْم السندويتش ، انها من (ايسلندا). قلتُ هناك مشاهد مدهشة بدورها، للحمم البركانية المجاورة لجبال الجليد، قسوة أخرى.. وأني أعرف شاعراً هناك، تعرفتُ عليه في قرية (شوبن جن) الألمانية حيث كنا معاً في منحة تفرغ ألمانيّة.
في هذه الأثناء كانت الأخبار تحمل سحب البركان (الايسلندي) الهائج إلى أوروبا وتربك حركة الطيران والمواصلات.
سرعان ما أدركت بدور الالتباس الذي وقعتُ فيه، فقالت أنت تقصد (ايسلندا)، نيوزلندا تقع قريباً من استراليا، وقد تأسستْ كبلد ينتمي إلى أوروبا على نفس النمط الاسترالي في إبادة الشعب الأصلي، إبادة ناجزة ونهائية حتى لم يبق منه حتى ذكرى متحفيّة يتفرج عليها سيّاح العالم كما في أمريكا.. وهي مليئة بالجبال الثلجيّة وكذلك الصخريّة المرعبّة.
حين أردنا الذهاب، عرضنا عليها التوصيل، لكنها فضلت مواصلة هوايتها في المشي باتجاه (وادي بني حبيب).
تخيلت أثناء الحديث مع الشقراء النيوزلندية، عن جبال بلادها، ونحن على هذه الهُؤى العُمانية المنيعة: ان الجبال، جبال العالم قاطبة، والبحار والصحارى والغابات، أركان الطبيعة الخالقة النبيلة ذلك النبل والسموّ الذي قدّسه الرومانسيون والفلاسفة على مر التاريخ، ان تجتمع أرواحها محققة وحدتها الكونيّة، تلك التي عجز البشر ليس عن تحقيق حدها الأدنى فحسب وإنما النقيض العدواني والإبادي، رغم كل الادعاءات والنظريات.
وبتحقيق تلك الوحدة (اليوتوبيّة) يسود سلام الروح والانسجام المستحيل على الأرض البشريّة وربما ستلحق الأذى بمن امتهن كرامتها بإثبات تفوقه الفائض على الحاجة الإنسانية، وستجازيه على انتهاكاته وجشعه اللامحدود.
مثل هذه الرؤى الهذيانيّة الباحثة عن سلام ما، لابد قادمة من هكذا طبيعة هذيانية شاقة.
***
حين تنام في القرى المتناثرة تحت أقدام الجبال وفي أسفلها، يمكنك أن تسمع أنفاسها ونشيجها المكتوم، مثل وحوش مستوحشة في ليلها وجريحة..
لكن حين تكون على سطحها، تلاحظ انعكاسها على النجوم والكواكب، أو تتراءى ضمن مواكب تلك الأجرام السابحة في فضاءات الله والعَدم المترامي السرابات والأمواج.
***
في منحنى أحد الأودية الجافة، ثمة هيكل طائرة محطمة، ويمكنك أن ترى وسط ألوية السراب الخضراء، الماموثَ مع صغاره يتنزه بمرح ووداعة، حيث أغربة لم يبق من سلالتها أحد.
وثمة صبية يضرمون النار على مقربة من بيوت السحَرة، سكان الأرض اللامرئيّة، يحملون النذور وقرابين المغفرة.
***
تحدّق في المرتفعات الجبليّة بتقاسيمها وتجاعيدها التي تتخذ هيئة أشكال بشرية: شيخ بلحيته الطويلة، جنود يمتطون الجياد ، ممنطقين بالأسلحة والخوذات، فلاح يدير دفة المياه ليروي الزرع والحقول..
وهناك أشكال ومنحوتات تطل من الأعلى على هيئة (أبوالهول) وسرير من عهود العماليق، وثمة أهرام أقرب إلى أشكال اهرامات الأزنيك والمايا.. فقد بُنيت الاهرامات الفرعونية وغيرها، في الأصل لتحاكي (التلال) في الطبيعة والتي ترمز إلى الحياة الآخرى في العالم الآخر.. مدافن الملوك التي تنهض من (قاعدة الوجود) إلى نقطة العَدَم والفراغ، من أرض العبور إلى سماء الخلود..
مفازات وكهوف تصل عبر ممراتها المطلة جهة البحر العربي..
تخيلت آلهة بلاد الرافدين حين يحتدم النزاع بين أعضاء مجلس الآلهة، تدير معاركها السريّة من أعماق هذه الكهوف، تخيلت (مردوخ) ذا الأربعين وجه يختبئ خلف هذه القمم العصيّة على خيال الآلهة ذاتها.
هذا النوع من التخيل، ربما يكتسب منحى أعمق حين نعرف أن كلمة (الكور) تعني الجبل، في اللغة السومريّة..
***
بعد سماع نشرة الأخبار، سورية، ليبيا، اليمن حيث تراءت لي وجوه صديقة عرفتها في حياة يومية مشتركة خاصة في سورية، حيث اندفعت الأوضاع فيها إلى مناطق فنطازيّة في وحشيّتها ودمويّتها الغزيرة، أحالت البلاد العريقة إلى غاب يحكمه وحوش البشر..
أذهب إلى النوم، بعد أرقٍ مضنٍ امتدَّ لساعات من التقلّب والخراب، ما كان له أن يكون بعد ذلك المشي في الفيافي والأودية، حتى ذهبت في نوم، سراديبه بعيدة الغور وباهضة: رأيتني معلّقا في فراغ الفضاء الراعب، أحاول تسلّق جسم يبرق بعيداً في تجاويف الفراغ وحُفره، وكلما اقتربت منه حتى اللمس، يبتعد، أعيد المحاولة على نحو متواتر، لكن الكويكب السابح بين جثث أجرام منطفئة ترشح مياهاً سوداء وأضويةً سامة، يبتعد أكثر فأكثر حدّ التلاشي، تصل يدي (يد الغريق المستجير) أحيانا إلى لمس ذيله السيّار، لكن لا يلبث أن يقذفني في هاوية الوحشة الراعفة والاندحار.
لم يكن ذلك الجسم السابح في مجهول فضائه المظلم، إلا الجبل الأخضر، الذي ما كنت أقترب في الحلم من لمس دموعه التي تجمعت على شكل ذيل كوكب سيّار، يسحَّ ديمة بعد أخرى حتى تتضرَّج الأجرام والخلائق بأتون دمعه المدرار..
* * * تتغير الوجوه والأماكن، سحناتها وملامحها الواقعية، حين تزورنا في أحلام المنام. المخلوقات والوجوه الحلمية، غيرها في الواقع، تغادر واقِعها تتجاوزه باتجاه الأجمل والأشف أو العكس الثقل والغلظة، حسب طبيعة الحلم أو الشخص الحالم والظروف المحيطة به ربما .. كم من وجوه زارتنا في المنام، وأحداث، حيزها وحياتها وملامحها هي نفسها الموجودة في الواقع أو بعض منه، الاسم وبعض شروط المعيش . الجذور نفسها لكنها تتسلل إلى الأحلام عبر هيئة أخرى . تغير شيئا من جلدها وسلوكها عبر التكوين الحلمي المأمول والمحلوم به في خيال النائم ورغباته .. يأخذ شيئا من التجريد في هذا السياق، كأن يدخل شخصٌ آخر يتقمص إيماءة وحركة شبحيّة ما مع الشخص المحلوم به، كأنما ذلك إسقاط رغبات الشخص الحالم على المتسلل في دور بطولة ثانوية أمام الشخصية الرئيسية في مسرح الأحلام هذا . أو كما يقول (د.جونغ) “الحلم مسرح حيث الحالم هو الممثل والمنتج والكاتب والجمهور والناقد”..
لكن أنا الحالم ، من أكون؟ أمام تلك الأفعى المنقضة في سراديب الحلم الجبلية، وكأنها في سكة قطار خرافي داهم سيكتسح المدن وسائر المخلوقات في طريق رحلته اللانهائية المقلقة… والتي سيبقى طعم سُمها يسري في عروق اليقظة وضوء النهار الساطع.

* * * الأحلام، بحار الأحلام وهي تشق طريقها وسط سُدم الغيوم النجميّة بمخلوقاتها الغزيرة التي تتجاوز بقفزات الضوء الأمكنةَ والأزمنة مغتسلة من جفاف الوقائع في مياه موج الأحلام وتدفقها اللامحدود بقرار وسقف . وربما تستحيل إلى مخلوقات صلفة، جافة وشرسة دموية مثل الحالة الكوابيسية التي تقتلع عواصفها كل سكينة واقعية وحلمية .. الأحلام في هذا السياق توأم روح وطريقة تعبير مع الفنون والآداب. الاثنان يتموضعان في حيوات جديدة، شخصياتها الواقعية حين تتحول إلى حلميّة وفنيّة، تكف عن أن تكون هي نفسها لتتحول إلى كائنات جديدة مليئة بالجاذبية والسحر، كائنات حلم وفن تغرف من المعين ذاته العقل الباطن واللامرئي القادم من شعاب الواقعي والمرئي المعيش ليلبس شكله الجديد، جنته أو جحيمه لا فرق إذ لكل شيء قيمته وسحره ، سحر الجحيم وجاذبيّة الهاويّه … صنيع الفن ذاته من مادة الأحلام الأثيرية القادمة من أعماق الذات والعالم، تلك الأعماق الغسقية المعتمة، التي هضمت الوقائع والتواريخ كما تهضم السباع فرائسها. * * * فـي الأرض العـربيّة، وأرض البشـر قاطبـة لا تسلْ عن وفرة الكوابيس البشريّة والطبيعيّة. حتى الطبيعة التي هي الملاذ الأخير ربما، أصبحت في غضبها المحتدم الكاسح مصدراً رئيساً للرعب والدمار، مصدراً يومياً وموسمياً كأنما تنتقم لما لحق بها من إهانات وانتهاك كرامة ووجود من قبل بني البشر الجشعين حدَّ أن الغنيّ المُتخم بالمال والسلطة ينسج المكائد والمصائد لسلب الفقير والمعوز لقمة عيشه وعيش أطفاله الذين رمتهم الحروب والمجاعات والأوبئة في صحراء العراء والخراب .. لا تسلْ عن وفرة الأحلام التي تأتي مجنّحة على هيئة كوابيس تسحق لحظات نومك الذي تحاول اختطافه من براثن الزمن والمسار القاسي لحياة لا تفتأ مفاجآتها بكل ما هو دنيء ووضيع إنسانيا وأخلاقياً ومعرفياً.. كأنما المحيط الذي تعيش، استحال إلى كابوس شاسع الأرجاء والاتجاهات يقضّ بمطارقه، اليقظةَ والنوم على السواء . فعبثاً ذلك الفصل بين كوابيس المنام والصحو، إذ أن الكوابيس وحّدت الزمان والمكان تحت عباءة مخلوقاتها ومنطقها العابث بصرامة وجفاف.. لا شيء يُنتظر حتى مما اصطلح على تسميته بأعز البشر وأقرب الأصدقاء، الذين هم الأقرب إلى رمي الخناجر المسمومة في مقتل منك وممن تحب. الجميع يتساوى في رغبة التحطيم والافتراس، الجاهل والعاقل و«المثقف» وهذا الصنف أصبح أقرب إلى هذه الصفات التي كرستها عهود الانحطاط القيمي والحضاري أكثر، وجعلت منها علامة الحياة الراهنة، ماركتها المسجّلة بلغة البضائع والسوق، التي هي السائدة والساحقة والمتوحّدة مع خلائقها كما يتوحّد الصوفي مع المطلق. يحلم الفرد أحياناً بالهرب من براثن هذا الكابوس المتعاظم الذي أصبح يلخص مسار حياة بكاملها، لكن نيران العنف والعدوان الرخيص والجبن ستلاحقه حتى ولو كان في أقصى كهف جبليّ سحيق نسيه التاريخ والزمان، ستلاحقه حتى اللحظة الأخيرة من حياة نافلة مُصادرة قبل أن تقارب حقيقة وجودها، قبل أن تقارب حلمَ جمالٍ هارب نحو طفولة لم يتبق منها غير شواظ الكوابيس التي توحّد الزمن البشري، العربي خاصة، ذلك الذي لا تنضب مفاجآته وهداياه لجهة الشر والغدر، والوضاعة، وكافة القيم التي تؤثث وتبِّطن عهود الانهيار الشامل، ولا نعرف إن كانت ترسم خيط نور لأفق آخر ؟

* * * تباعاً يغيّبهم الموت واحداً، بعد آخر تتعدّد الأسباب والمسبِّبات كما يقول الشاعر، لكن الغياب النهائي واحد، والموت واحد. والألم الذي يعيشه الميت في حياته، وما ينتج عن غيابه لمحبيه وعائلته، إن كانت لديه عائلة، وإلا فالأصدقاء هم عائلته وملاذه إن بقي شيء من تلك القيم النبيلة على قلتها واضمحلالها المستمرين.. فاروق عبدالقادر، لم تكن له عائلة بمعنى زوجة وأطفال، كان يعيش مع أخته التي سبقته إلى حتميّة المصير . وعاش جراح غيابها بشكل مأساوي.. كان يجلس في مقهى (سوق الحميديّة) بباب اللوق، وسط البلد في القاهرة. يأتيه الأصدقاء، شعراء وروائيون، ممثلون وسينمائيون يتحلقون حوله في المقهى المستطيل الضيق . فاروق بمزاجه الحاد ونقده اللاذع الذي لا يساوم ولا يبغي حظوة من أحد . كان مكرّساً في الثقافة المصريّة كما كان قصيّا وهامشياً، وتلك حالة من حالات الكثيرين في الثقافة المصرية والعربيّة.. في الأسبوع نفسه غيّب الموت نصر حامد أبو زيد . محمد عفيفي مطر ومحمد العمري، فكان ذلك الأسبوع أشبه بمجزرة موت طبيعي، أي من غير فعل قتل بشري مباشر، وإن كمن في الخلفيّة المأساوية لحياة المصريين والعرب الساحقة على كل الأصعدة والمستويات . لدرجة أن الأحياء، حين يتلون سورة الحزن والأسى على الفقيد، لا بد أن يعرّجوا على مفردات (ارتاح، ارتاحوا من هذا الموت البطيء، من هذه الكارثة التي نعيش) . صار الاحتفاء بالموت ينافس الحزن والألم اللذين يخلفهما الفقيد . صار يغطي على الاحتفاء بالحياة ولحظات أنسها الزائل. وهي معضلة، فهذه النزعة التي لا تأتي من مقام الزهد بالحياة،والتصوف، وإنما من باب القرف وفقدان الأمل وطعم الحياة ولذتها التي ينتزعها الكائن من براثن الواقع والزمن . هذه النزعة شبه المازوشيّة، لها ما يبررها يقيناً في البرهة الراهنة للحياة العربيّة التي وصلت أقصى فسادها وانحلالها قيماً ومجتمعات، نُخباً وأحلاماً، وقبل ذلك كله طبيعة السلطات الفاسدة والحروب التي تربض على مجمل عناصر هذه الحياة المهددة دوماً تحت هواجس الرعب والقلق حدَّ التلاشي وفقدان الهويّة الانسانيّة والجماليّة. بالأمس حملت الأخبار وفاة الروائي الجزائري الطاهر وطار .. هناك من لا تحمل الأنباء إشارة إلى رحيلهم نحو العالم الآخر، فلا نعرف عنهم إلا بعد فترة من الزمن، وهناك من يتعفن داخل بيته وعزلته في حالة كمال سبتي وآخرين. وتبقى الخلاصة واحدة الغياب والفقد والأسى مهما كانت الحياة العربيّة قاتمة ومدلهمة.
* * *
أسترخي في رابية هذا الخلاء المظلم، أنظر إلى السماء ترعى قطعانها في تخوم الأنجم المترحلّة الأضواء والمسافات، ثمة مياه تجري بنشاط واندفاع في الأخاديد والتخوم..
أستحضر “عندما يقترب القطب الشمالي من القطب الجنوبي إلى حدِّ التلامس تقريباً، فسيختفي الكوكب حينئذ وسيجد الإنسان نفسه في فراغ مدوّخ مما يجعله يستسلم لاغواء السقوط”..
(كونديرا) يسوق هذا المقطع (الكوزمولوجي) في سياق تجاور المتناقضات البشريّة (الحياة والموت)، (السعادة، الشقاء)، (اللعنة ، الرحمة) حدَّ محو الفروق والاندغام والتوحد في أعماق الكائن والوجود.. (ايمانويل كانت).
وهذه العبارة الآسرة إلى درجة الدوار، وأنت تسرّح النظر في فضاء الأفكار والمثُل التي تحلق بخيال الفلسفة والشعر، إلى سماوات من اليمام والأثير، لا تحدها أي أحزمة أو تخوم… “اليمامة الخفيفة في تحليقها الحر تشق الهواء الذي تحس بمقاومته، يمكننا أن نتخيل بأنها تحلق بالفعل أفضل أيضا في الفراغ.. على هذا النحو فإن افلاطون الذي يترك العالم الحسي، الذي يحبس الذكاء في حدود ضيقة جداً فانه سيجازف بأجنحة الأفكار في الفضاءات الفارغة من الفهم المحض”.
و(كافكا) “كيف يمكننا العثور على السعادة في هذا العالم إن لم تكن مجرد تمويه”..
(جلال الدين الرومي) “الأفلاك التي تدور في سماواتها، إنما تحركها أمواج الحب، ولولا الحب لكانت كالجليد تتجمّد”.
وهكذا.. تتكاثف السحُب المتدافعة في الطبيعة والأفكار والخيالات على حافة، وفي أعماق النجود والهاويات..
***
أصغي إلى صوت الأفكار يسري مهما شطت الأماكن والأزمان، والى التاريخ عبث التاريخ المتدافع في الذاكرة والخيال.. الأحداث المدلهمّة والشخصيات التي صنعت المفاصل والعلامات، منها تلك التي اتخذت من مدينة (نزوى) التي تقبع في سهل الجبل أسطورة قائمة بذاتها ، عاصمة حكم ومعْتَقد يجعل من متبنيه حامل رسالة صعبة وشاقة، وسط هيمنة الامبراطوريات المتعاقبة على حكم العالم، العربي والإسلامي خاصة. ذلك المعتقد الذي يرى في استقلال البلاد عن الحواضر الكبرى (دمشق- بغداد) تلك التي تربطه بهما روابط جوهريّة في اللغة والدين والتاريخ، يرى في الاستقلال التام مسألة عقيدة وهويّة روحية يجب الدفاع والتضحية في سبيلهما.. فقد كان الاباضيون يرون في الشورى (الديمقراطية) والكفاءة والأهليّة، بغض النظر عن النسبَ حتى لو كان هاشمياً أو قرشيا من آل البيت، عناصر صارمة في وجه توريث الخلافة والاستئثار بها على طريقة الأمويين والعباسيين، وعلى خلاف بالطبع مع المذاهب الأخرى..
إضافة إلى صراعات تقليدية مع الجار الفارسي، وقراصنة المحيط الهندي، أولئك الذين قضى على تهديدهم الإمام غسان بن عبدالله، كما قضى الإمامان ناصر بن مرشد وقيد الأرض اليعربيان على النفوذ البرتغالي وسحقه في المنطقة بأكملها، ومدِّ النفوذ العُماني إلى خارج الحدود وما وراء البحار..
من هذه المنطقة الوعرة النائية، كان العُمانيون يشاركون بحسْم في أحداث العالم وشؤونه التجاريّة والسياسيّة والثقافيّة المختلفة..
وفي فترات ضعف الدولة المركزيّة، تستيقظ الفتن والعصبيات الداخليّة، بين يمن ونزار، ولاحقا الأكثر كارثية، وتمزيقاً، تلك الحروب التي عُرفت باصطفافاتها الثنائية بين (الهناويّة والغافريّة) والتي أضعفت لُحمة البلاد وهويتها الجامعة إلى حد كبير، وجعلتها سهلة الكسْر أمام الغزاة من كل المشارب والأقوام..
كانت الحروب العُمانية، الخارجيّة، سجالاً بين المتحاربين، فترات تنعم فيها البلاد بتحقيق حلمها في الاستقلال والسيادة، وأخرى يتم إلحاقها بإحدى الامبراطوريتين العربيّتين اللتين سادتا الوضع والعالم حقبة من الزمن..
أما الحروب مع الفرس، فلم تكن غالبا تتجاوز الاحتلال المتبادل لسواحل البلدين.. كل المناطق العمانية بسواحلها وسهولها، كانت مسرحاً للمعارك والصدامات، ولم يعرف التاريخ باستثناء (حرب الجبل) الأخيرة ذات الشروط التاريخية والتقنية الخاصة، لم يعرف ان الجبل الأخضر كان حلبة لحرب أو صراع مسلح مع القادمين من الخارج، الذين تجتاح قواتهم كل عمان “ما عدا المعقل الجبلي، حيث كانوا في أسفله يكافحون ويندفعون مثل موج غاضب يضرب جزيرة صخريّة من دون جدوى”، استعصى الجبل الأخضر على الغزاة بسبب تكوينه الجيولوجي وبطش طبيعته، استعصى حتى على الغزاة الأكثر ضراوة وبطشاً مثل تلك الفترة المتأخرة من إمامة (الصلت الخروصي) حيث، ضعفت قبضته على الدولة وبدأت الفتن تدبّ في أوصالها، حتى استعان نفر من العُمانيين بعد مقتل (موسى بن موسى) بوالي، الخليفة على البحرين (محمد نور) الذي سماه العُمانيون (محمد بور) لما ألحقه من خراب وتدمير..
بعد مباركة الخليفة في بغداد، الحملة على عُمان، ونجاحها إثر حروب بالغة القسوة في أماكن كثيرة على الأرض العُمانيّة، حتى أن هذا الوالي ، قائد جيش الخلافة، لم يكتف بهزيمة أعدائه والتنكيل بهم، بل عمد على إتلاف معالم الحياة في تدمير المزارع والواحات والقرى، ورْدم الأفلاج، والعيون التي تسقي البشر والأرض.. فكانت ملحمة في الهلاك والضغينة، أبعد من رغبة الهزيمة والسيطرة والنفوذ.
حتى دخلت هذه الحملة طور (التسحير) والخرافة فيروى أن (بور) حين احتار في كيفيّة ردم (عين الكسْفة) في الرستاق من فرط تدفقها وقوتها، كانت راعية بغنمها تقف على مقربة، فأشارت عليه كي تنجو بان يلجم مياهها ويسدها، بصوف الأغنام، فما كان من القائد (محمد نور) إلا أن بدأ بقطيعها في ردم المنابع والعيون المتفجرة من باطن الأرض الواقعة على السهل الشمالي للجبل الأخضر، وتمضي الحكاية بأنه كان يردم المياه بالأغنام الحيّة، وليس بصوفها فحسب.
استعصى الجبل الأخضر حتى لمثل هذه الحملات الأكثر بشاعة ووحشيّة، والتي لم يكتب لها النجاح، إلا فترات الوهن والانقسام والتشرذم وليس في فترة اليعاربة الأقوياء وما قبلهم من الجلندى بن مسعود، أو فترة الإمام أحمد بن سعيد الذي بلغت قوته البحريّة إلى شواطئ البصرة في العراق، وفك حصارها المتمادي من الأعداء وإنهائه..
الحدث النوعي والرهيب الذي يسجل في هذا السياق، ذلك المنبثق من فترة انحدار الإمبراطورية العباسيّة وبدء أفولها، إذ تمزقت أشلاء ومناطق نفوذ، بين قادة الجند والملل من شذاد الآفاق وأمراء الأقاليم. في الفترة الحالكة إياها، ظهر (البويهيون) مستحوذين على الجزء الرئيسي، من قوة الدولة الضاربة وبحكم قربهم من الخليفة الذي ينخره الضعف والتشظي. استولوا على بغداد التي تحولت من حاضرة العالم بما لهذه العبارة من معاني القوة والجمال والمعرفة والنفوذ، إلى “مسرح للفتن وتتابعت على أهلها المحن، فخرب عمرانها وانتقل قطانها”.. حسب أحد أبنائها ومؤرخيها الخطيب البغدادي، الذي كان يرى عز مدينته بغداد ينهار إذ تسرب سلطانها الحقيقي إلى الأعاجم الذين تولوا الكثير من أمرها، فآلت إلى ما آلت إليه من تراجع حضاري وأفول..
(البويهيون) جهزوا حملة لم يسبق لها مثيل على عُمان، مستفيدين من قوة الخلافة المنهارة، وكانت عُمان في تلك الفترة في واحدة من حلقات ضعفها، ورغم ذلك واجه العُمانيون تحت قيادة الإمام المنتخب (ورد بن زياد ونائبه حفص بن راشد)، الغزاة في مواقع ومناطق كثيرة في السهول والبلدات وقبلها على السواحل العُمانية لكن غلبة العدد والعتاد للجيش الغازي كانا حاسمين في إنهاء المعركة لصالحه، وأيضا ذلك الحقد الدفين المتراكم عبر التاريخ يجد فرصته السانحة التي ستمحو الذكريات المؤلمة للهزائم السابقة..
لأول مرة يسجل التاريخ بعد المواجهات الكثيرة، ولجوء العمانيين إلى الجبل الأخضر، كحصن منيع على الغزاة، صعود هؤلاء إلى قمم الجبل، ووقوع المواجهة الحاسمة هناك، والتي خاضها العُمانيون، على ضعفهم ببسالة قلّ نظيرها، لكن النصر لم يكن حليفهم فوقعت تلك المذبحة التي يصفها (مايلز) كالتالي: “أبحر الأسطول أولا إلى صحار وبعد ذلك إلى قريات حيث حشد الإمام ورد القبائل العربيّة، هناك على السهل بين البحر وهوة الشيطان، نشبت معركة عظيمة، والعرب رغم سوء حالهم لم يقهروا وتراجعوا إلى وادي الطائيين ولاحقهم العدو إلى نزوى حيث صمدوا ثانية، وكان القتال هذه المرة أكثر دمويّة من السابق مما أدى إلى دمار القوة العُمانية.. ذُبح الإمام ورد في ميدان المعركة وسقطت البلاد تحت أقدام المنتصرين، بقي الجبل الأخضر وحده منيعاً، وإلى المعقل الجبلي، أوى الناجون من المعركة، لم يخاطر أي مستعمر سابق في مهاجمة هذه المرتفعات الخطرة المتعذرة الوصول، تراجع العرب مستبسلين في قتالهم لعدة أيام ثم بلغوا القمة أخيراً.. وكادت المعركة أن تأخذ آخر مراحلها في ميدان مفتوح، كان الكفاح طويلا ومستميتاً، لكن بشجاعة العُمانيين اليائسة لم تستطع أن تتغلب على أسلحة خصومهم المتفوقة وتدريبهم العالي حيث قهروهم في مجزرة رهيبة.. صار نساء العرب وأطفالهم بالطبع غنائم للمنتصرين من الديلم أو الفرس”.
هذه رواية القنصل الانجليزي والرحالة (مايلز) ، لكن هناك من المؤرخين والفقهاء العُمانيين من ينكر هذه الرواية، ويذهب إلى انها التبستْ مع رواية الواقع الحقيقيّة للمعركة التي دارت رحاها فعلا بين الجيش العُماني بقيادة الإمام الآنف ذكره، من هؤلاء العُمانيين الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي، الذي يقول إن تلك المعركة الحاسمة، دارت مع (البويهيين) في جبال (الحرفان) الواقعة بين بلدتي قريّات وصور، وليس في الجبل الأخضر، والهزيمة كانت من نصيب البويهيين الغزاة. وان الإمام ورد لم يقتل في المعركة، وإنما انتهت إمامته بانتهائها وفق المبدأ الإباضي حول حكم الأئمة الشراة، وصار بعده الإمام الخليل بن شاذان.
أي أن الشيخ مهنا يذهب على نقيض (مايلز) في الوقائع والأماكن والأحداث.إنها محاولة أخرى للصعود إلى الجبل الأخضر، يختلف عليها الرواةُ والمؤرخون والرحّالة، تنتهي على هذا المنعطف، ملتبسة مرتبكة تحت الغبار الكثيف لزوابع التاريخ والحَجر.
لا يوازي حجم الجبل الأخضر في ارتفاعه وكثافته ورعبه (لكن بحطة ونذالة على عكس علوه النبيل)، إلا حقد هؤلاء الغزاة، غزاة الداخل في فترات الإنحطاط، وغزاة الخارج الذين أتاحت لهم غفلة التاريخ العربي وانحداره مثل هذه الفرصة.. ويبدو أن الأيام في مسارها الكاسح لا تُبقي على (مُشترك) وأثر مثلما تُبقي على رواسب العداء ورغبات الانتقام في لا وعي الجماعات البشريّة النائمة، مهما شطت هذه الأيام في التقادم والمسار..
“الفتنة نائمة” لكن ها هي تمدُ مخالبها إلى الأمام وتتثاءب ، لتستيقظ من بين الأنقاض والأشجار الهرِمة، عنقاءُ العصور..
***
بعد جولة المساء التي حاولتَ فيها أن تتوغّل في شقوق الأودية الخالية من المياه، لكن المليئة بالخضرة، وأريجها المسترسل حتى المحيط… وما كان يتراءى مساحة بريّة محدودة لا تكاد تُرى ، تتكشف عن كون فسيح مُفعَم بعزلة الحيوان والشجر والإنسان.
تيس القطيع المسترخي بعذوبة المساء وسط إناثه الجميلات، يفتح عينيه البنيِّتين بلامبالاة نشوى كمن يخرج من حلم ليدلفَ آخر أكثر رهافةً وجمالاً… الليل بدأ في النزول التدريجي حتى يستوي على عرش المكان..
وفي جوف هذا الليل يمكنك أن ترى مخلوقات الوادي السابحة في ظلالها وأحلامها، بوضوح أعمق، كأنما ستائر الليل تكشف أكثر مما تَحْجب، وتشفُّ عن جوهر خبيئ تحت جنح النهار الكاسر بسطوعه وصخَبه. هجْعة الليل ضوء عاطفة وحياة داخليّة تخوض غمارها كائنات الوادي ومخلوقات الوجود.
صوت جُدْجُد الليل وحشراته، يلمُّ شتات المشهد في لُحمة غناءٍ يشبه شجَن الرعيان وحُداة الجِمال وهم يوغلون في جوف الصحراء وليل الجبال.
***
ذكريات المحارب محاولاً أن يستعيد الوقائع العصيّة، وهي تهرب منه في أعماق الأخاديد المليئة بالظلمة وأزيز الزواحف والحشرات..
حين كان يهرب من هول القَصف، من أخدود إلى كهف. يقضي الأيام والليالي مع رفاقه، من غير معونة ولا إمداد، يأكل الأعشاب والثعابين الصغيرة..
لكنّ الماء، عيون الماء التي سممها الأعداءُ المدجّجون، فيجري من نبع إلى عين عرفها في طفولته، جميعها سُمِّمت وهو ببندقيته ومحزمه المليء منتصفه بالطلقات، يتهاوى أمام عدو متفوّق ولا مرئي.
***
الطائر يحلق فوق الأكمات والهضاب، يتبعه السِرب بعيونه التي تكاد تخترق حُجب الغيب باحثة هي الأخرى عن عين ماء، عن غدير ترتاح في واحته وتروي ظمأ الأسفار الطويلة، متقلبة بين حرِّها وبردها..
يدور السربُ دورات متعاقبة، تسقط نظرة الطائر على جثة المحارب الذي قضى عطشاً في هذه المسْغبة التي تعشي سرابات صخورها أعين الطير والبشر… يدور في اتجاهات شتى، يلملم أطراف الكوكب الحجريّ في نظرة تنقض على النبع المختبئ خلف الحُجب والظلال.
***
شعوب الحجر والنبات والأشباح، تسوق قطعانها في ظلام الظهيرة، في دنوِّ السُحب المحّملة بالهواجس والسيول.
حَركةُ الهواء العاصف فوق أشجار الصنوبر والبوت، رفيفُ أجنحة لصقور تخطف البصر والبصيرة، وهي تنقذف نحو الفريسة.
***
أسمع موسيقى مستوحاة من قصائد (طاغور) مع لحظة الاحتدام لغروب شمس جبليّة: ذلك الوَرع والابتهال أمام الطبيعة والآلهة. غابات البنغال بنمورها المرقطّة، تسفح دموعاً، شلال دموع خالصة نقيّة فوق تلال الجبل الأخضر اللامعة في حفل المغيب.

***
لم تعد الجبال ولا الغابات والصحارى، تخبئ خلف حُجبها الوحشيّة، بهاء القيم الإنسانية والجماليّة الأولى، تلك التي لم تتلوث بمكتسبات الوعي البشري كما كان يحلم أدباء وفلاسفة..
بل غزتها قيم ذلك الوعي (المعوْلم) في جوانبه الأكثر تدميراً لنزوعات الفطرة النقيّة والقلب .
غزتها نفايات وغازات حارقة، من غير تلك المكتسبات الحضاريّة والروحيّة الأخرى، أستحضر مقولة أحد علماء البيولوجيا، كون الإنسان أكثر الطفيليات المعدية خطراً على الأرض..
كان الانتقال من “الطبيعة” ليس إلا تحطيما لها من غير الوصول إلى “الحضارة”..
لم يعدْ ذلك الشروق الذي يضمخّ الآفاق بندى بكاراته الأولى..
لم تعدْ طيور الروح من تحليقها المضني في سماء منافيها وأشجارها العالية..
***
أيها الجبل الخضر
يا جبل الكور وجبل شمس
ويا جبال ظفار الشمّاء
التي تتناسل في أحشائها النمور
أيتها الجبال العُمانية
توائم الأحقاب
وقرّة عين الأزليّة
منذ أزمان وأزمان
ونحن نصعد إليك
لكننا لا نصل!
في الطريق إلى الجبل الأخضر
من البديهي، أن نتذكر ونستحضر بإلحاح، كل ما يمت بصلة إلى الأمطار والمياه، الخضرة الطاغية الكثيفة، واحات النخيل والأشجار الأخرى وذلك الفلج الذي يجري متدفقاً في غياهبها المخصبة على مدار العام.. نستحضر المساحات الخضراء في الذاكرة التي مهما كان حجمها الواقعي في بلاد الذاكرة تلك، تستحيل إلى أكوان مليئة بالنجوم والمجرات السائرة في سماواتها. نتذكر ونستحضر، حين تشطُّ الأصياف اللاهبة، مرتطمين ليلَ نهارَ بصخورها ورياحها القاسية، وذلك الصمت المطبق مع سُحب الرطوبة التي تطبق على الفضاء والحياة كأنما سينفجر العالم بكامل ثقله بعد قليل.. تجود الذاكرة بهداياها في مثل هذه الأوقات : واحات النخيل المزهرة بين تلك الأطواد التي كأنما قُدَّت من أساطير الأقدمين وأزمنة الطوفان .. يأخذ المشهد أبعاد الدهشة والبراءة الأولى في مثل ذلك المكان البالغ الفرادة، وهو يلتفُّ بأشجاره المتنوعة، بينابيع جباله في ليل شديد السواد، أو في صباحاته ونهاراته، وثمة النسيم الحدريّ (كوس حدرا) يحرك هذا الكون الساجي في الدعة والسبات والأحلام. * * * من (سرور) ذلك الشريط الملتحف بجناته الوارفة بالطفولة والمياه التي كنا نسبح فيها مع الضفادع والسمك الصغير والملائكة، وحتى الشياطين وقد استحالوا إلى اخوة أشقياء مشاكسين بلطف، قبل أن تتجسّد فيهم رغبة هدم العالم وتدميره. من (سرور) عبر وادي (سمائل) المعشب على دورة الأعوام، حتى بلدة (هصّاص) التي تسكن الأحلام أكثر مما تسكن الواقع فهي بلدة صغيرة شبه متوارية على منحدرات الشِعاب والأودية .. تنزل عليّ في هذه اللحظة الصيفيّة، لأتذكر (الجح والبطيخ) وأتذكر كرم أهلها الذين لم أعد أستطيع تذكر سحناتهم بالتأكيد ولا أعرف إن كانت هذه البلدة ما زالت تحتفظ بذلك الكنز الثمين من تلك الفاكهة الصيفيّة التي لا يمكن مقارنة لذة طعمها، عبر تراكم السنين، أتذكره مع كل حضور لهذه الفاكهة الجميلة وكأنها النموذج الجمالي الأفلاطوني الأصل لهذه الشجرة في الرائحة والطعم والشكل.. قرية أخرى تحضرني اللحظة َ، في الجهة الأخرى من الوادي .. نأتيها من سرور، عبر أقواس الجبال حتى نصل إليها، غارقة بين الفجاج الصخريّة، أية َ جمال وخضرة ونعيم، هي قرية (قيقا). كان الوالد رحمه الله، يأخذنا باستمرار إليها، وبجانب طيبة أهلها وكرمهم الذي يصل حدَّ الخرافة على جاري نمط السلوك العُماني في تاريخه، أتذكر (التين) الخاصيّة الإبداعيّة لطبيعة تلك القرية التي من النادر أن نجد لها مثيلاً. فليس هناك في عُمان من قرية أو مدينة فيها تلك الكميّة من التين الذي لم أذق ما يقاربه في الطعم وجمال الشكل، حتى حين أكون في جبال لبنان وسوريّة، على كل تلك التربة الخصبة والحقول الملتفة، أقول لنفسي : إنه ليس مثل تين (قيقا) القادم من قرية من قرى الجنان اللامرئيّة. * * * في مثل هذه الأوقات اللاهبة في طقسها وسلوكها، نحاول أن نتذكر مشاهد ولقطات من أماكن الذاكرة التي أضحت نائية وعصيّة . نوع من عزاء وفسحة حلميّـة وطفولة . فحين تشحُّ السماء بالغيوم الواقعيّة، تجود الذاكرة والمخيّلة، ربما بما هو أكثر جمالاً واستدراراً للحياة والأمل الممطر الخصيب. * * * قلتُ: سأطوي الجبالَ كأرضٍ خَلاءٍ وأرى ما وراءَ الأفقْ قلتُ: سأطوي الغيومَ كأرضٍ مَلاءٍ وأرى ما وراءَ النجوم قلتُ: سأطوي السماءَ كسجّادةٍ وأرى ما وراءَ السراب. ***

في مطلع الأصياف دائماً، وهي تبسط حضورها وهيمنتها على مجرى حياة البشر، وعلى المفارق والطرقات، في القرى والمدن، في السهول والجبال والصحارى، ترى النخل مفرداً وجماعات تتدلى بعراجينها الخضراء، باسقة ً مهيبة ً وعلى نحوٍ من تأمل وشرود. النخلة تلك الشجرة المباركة، التي غرست ونمت فوق تراب الأساطير والقداسة منذ سحيق الأزمان، باركتها الكتب السماوية جميعها وفي مقدمتها القرآن الكريم، وباركها الإنسان وهي تمنحه الغذاء الجسدي والروحي، صامدةً أمام أعتى العواصف والسيول والاقتلاعات. النخلة ترفض الهجرة ومغادرة المكان الأول وتراب الأسلاف، مهما كانت قسوته ومكابدته .. وحين رآها عبدالرحمن الداخل (صقر قريش) في رصافة مملكته الأندلسيّة، الوارفة بالنعمة والعطاء البديل عن منبت أراضي الأجداد التي شرّدته على ذلك النحو الفاجعي . رغم ذلك رأى في مرآتها المضرّجة بدم النأي والبعاد، روحه المغتربة، فتوحّد مع روحها التي قرأ فيها مفردات المنفى وهجران الأحبة الأوائل.. ((تبدّت لنا وسط الرصافة نخلة تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرّب والنوى وطول اغترابي عن بنيّ وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيها غريبة فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي)) هذه الأبيات الفريدة في لوعة الفراق وفي المستوى الجمالي الرفيع .. تُرى أي سطوة لا تُقاوم ولا تُعوض حتى بحجم وبذخ الجنّة الأندلسيّة للصقر الأموي؟ أي جاذبيّة ما ورائيّة لأرض الطفولات التي تجعل الشعر يتدفق بمثل هذا العمق الروحي والطراء الفني الذي لا يقهره الزمان، الذي قهر الأندلس وذلك الفاتح والمؤسّس التراجيدي.؟! من منا لم يكن ذا صِلة عضويّة بالنخلة وحقل الأشجار الذي يحيط المنزل على حواف الوادي الخصيب . أو على منحدر الوديان حيث تُشـْرف كثبان النخل على الهاوية البعيدة الغور، كأنما تحرس الحياة من الغَرَق أو الانزلاق إلى القعر المظلم .. تلك الكثبان التي تشكل مع أرخبيل النخيل المجاور نسيج ماضٍ يرفض الإمحاء والنسيان . ويقاوم سطوة الأزمنة الرمليّة الزاحفة على الأخضر واليابس . وماذا عن النخلة الوحيدة في سفح الجبل أو على مدخل الوادي والقرية، وحيدة، منفصلة عن أسراب النخيل، وهي تقاوم عاديات الرياح والخلاء الدموي للوحدة والهجران؟ هل كانت في مثل هذه الأزمات العاتية تستمد حلماً من روح الجماعات النخليّة، وتسري في أوصالها رعشة التضامن والحنان؟ أم أن هذا الاختبار الصعب يمنحها فائض قوة لا مرئية لمواجهة البقاء والتحدي كنغمةٍ شريدة في خضّم إعصار.

 

من يوميّات الأفق المفتوح

تفتح النافذة بداية الصباح، يتدفق الضوء رقيقا ناعما، لا يحمل تلك الشراسة المعهودة في الصباحات الآفلة.. الضوء، رغم أن السماء مليئة بغيوم آخذة في التحول، إلى ركامية ممطرة. هذه المدارات الاستوائية بمدنها وبلداتها، قراها ومنتجعاتها دائما ممطرة. المطر لا يفارق أرجاءها، إلا لماما، سرعان ما تعود فيالق السحب والسيول التي جعلت من هذه الأرض الآسيوية، أرضا نائية وغرائبية في المخيلة العربية القديمة. أرض بمثل هذا الخصب ومثل هذه النعمة الخضراء الغزيرة، التي تنبت الزرع والضرع من غير ذلك الجهد المكلف ماديا وبشريا. تعود إلى سريرك هنيهة، لتنعم بكسلك اللذيذ، تفتح كتابا وتغلقه، تكتب نصوصا في رأسك لتتلاشى مع أول زخة مطر، لا تلبث أن تتحول إلى ديمة مدرار. تستلقي هكذا، ترقب المطر الذي يبدأ منولوجه الطويل العذب، تصغي إليه كقائد روحي واسع النفوذ والهيمنة على مريديه, وأنت واحد منهم. لا ينقصك الخشوع الروحي وانطلاقة الخيال الحر في مملكته الحرة المسيجة بكل ما هو رهيف ومدهش. تحاول أن تلملم هواجسك المبعثرة لتكون مخلصا للمعلم القائد ودفقه الروحي وتعاليمه الشاسعة. تحاول أن تبعد عن ذاكرتك وخيالك عقاب التاريخ والجغرافيا (هل تستطيع؟) على الأقل في هذه اللحظة الخاطفة التي تشبه إشراقة الأبد في المحيطات المدلهمة. أمام سلطة الذاكرة والتاريخ, الحواس، في مثل هذه الإشراقات الخاطفة تكون بحاجة إلى تدريب قاسٍ للوصول إليها، إلى رنينها الغامض الذي يحمله المطر والحب. لكنك تحاول, لا بد من المحاولة، لابد من الإمساك بناصية الحياة الحقيقية، بتجليات الجمال المبثوث في كل حياة وزاوية وركن مهما صغر وقل شأنه. الجمال الهارب دوما صوب المُحال والعاصفة. وعلينا الجري واللهاث وراءه، حتى لو أخذ شكل سرابات وأشباح. تلك السرابات أكثر قربا إلى الامتلاء والحقيقة, من الوقائع الفجة لحياة يومية توهم بالحياة، لكنها الموت في أقبح صوره ومظاهرة. المطر ما زال على تدفقه، يحضن المدينة بنضارته وحنانه، ويخلع على بشرها اللطف والابتسامات المحيية, صباح مساء. والتي تشعرك، أنت الغريب في كل الأمكنة, بشيء من الألفة المفتقدة وبأن الحياة البشرية ما زال فيها بعض الأمل. يمكن لكلمة أو ابتسامة أن تمارسا فعل السحر وتصنعا خيط أمل ما. على عكس التكشيرة والسلوك الجلف. يمكن أيضا لإيماءة امرأة تجلس في الردهة المضاءة قليلا، ولقطرة المطر على الموجة التي لا تكل عن ترجيع نغم أسطورة البقاء والزوال, أن تصنع ذلك الخيط المضيء كما تصنع المقبرة قبس جمالها الخاص. وكذلك المزبلة، يمكنها فعل ذلك حين تشاهدها في الضوء القمري, والمطر يسكب على جنانها الخبيئة تحت مظهرها المحتقر كائناته، ليصبغ عليها نِعمه الإلهية، ويوحي لها بلحظة تصالح مع الذات والعالم.. النافذة مازالت مفتوحة
المطر يواصل خطابه
الهَادرَ العذب الحنون
الذكريات تجهش بالبكاء
والسمك يرتجف من فرط النشوة
(السماء والأرض
في لحظة جماع أبدية)
***

أتذكرك يا شيخ المعرَّة من هذا الصَقْع الذي لا تعرف عنه شيئا، فأنت ربما لم تغادر إلا إلى بغداد الخلافة المحتضرة. وهناك تجلى لك بسطوع الصباح المشرق في صحراء مجدبة، أن (ظلام المحبسين) أكثر جمالاً ورأفة، من مجالسة هذا النوع من الشعراء والحاكمين وعامتهم على السواء. وأن المعرّة المهجورة الضيقة أكثر نوراً واتساعاً من السعي البليد وراء سلطة وشهرة ينخرهما الوهم والنفاق. قفلتَ راجعاً وحفرت قبرك المضيء.. ربما لم تغادر أكثر من تلك الرحلة التي كانت الدرسَ والعلامة. رغم تكسيرك ومحوك لكل الأدلة والعلامات. لكن رحيلك اللاحق الذي بزغت حدوسُه المبكِّرة، سيكون في تخوم الروح وأعماقها الجريحة. سيكون سفراً في الكينونة وهشيم الكائن، وهو يزهو بوجود مجبول من تفاهة وزوال. ستكون الرحلة شاقة، والأفق ظلاماً صلباً لا تخترق جدرانه أيُ سهامٍ تبتكرها الكائناتُ أمام سطوة فنائها الأكيد.. أتذكرك يا شيخ المعرَّة من الصَقع الذي لا تعرف عنه ربما إلا القليل، رغم ما يتجلى في أسفارك من أرومة روحيّة وفكريّة مع (البوذا). ذلك ما دُعي بحوار الفلاسفة وتواصلهم، على كتف المسافات والأزمان.
كقولك:
“والجسمُ للروح دارُ طالما لقيتْ
هدماً وحقّ لربّ البيت تحويلُ
أخذت ميثاق أيام غُررت بها
وما على ذلك الميثاق تعويلُ”

عرفتَ الجوهر الأهم، عرفتَ العزلة وهي تسكن العاصفة، عاصفة المعرفة والكرامة. فتشت في النفس حتى قعرها المظلم المخيف الذي لم يجرؤ على النزول في هاوياته المتناسلة إلا النادرون من الصفوة عبر التاريخ. عرفت تزاحم الأضداد حتى في القبور. وإن طلب المزيد ليس إلا إيغالاً في تعب حياةٍ لا تلبث أن ترتطم بوجه الحقيقة الوحيدة الكالح. عرفت أن الأرض لا تتسع لمخلوقاتها التي قفزت إلى الأرض المجهولة، ولا احدَ يستطيع التنبؤ بشيء بعدها. محوت الفرق بين شدو اليمام ونواحه، بين الفجيعة والخفة، (خفة الكائن) على نحو آسر.. عرفت (قبل فلاسفة وأدباء خارقين) ذلك الاغتناء السعيد، عن هذه المهزلة الشاسعة، شساعة الموت والحياة، العقاب والثواب، الجنس والزواج والتناسل، الفرح واللذة التي هي ليست إلا هنيهات عابرة، سريعاً ما تذروها رياح السؤال الجوهري للوجود. وغالبا ما تكون توثيقاً لمتانة الألم ودَفْق المأساة التي لم يكن طوفان نوح إلا بذرة جنينها الأول. ما أغنانا عن هذا كله، لو تحجرنا في سُدم الغيب الأولى، التي لا يعرف إله الأقدمين عنها شيئاً، قبل أن تدبَّ هذه الخليقة على أرضها ويبدأ الغمر والتكوين، تبدأ التراجيديا على قول الأوائل الإغريق، التي تتعاظم حقبةً بعد أخرى كمدِّ المحيطات الكاسرة العرِمة. مجرد خاطرة سريعة لا تليق بمقامك أيها العدميُّ الكبير.

**
الأشجار والنهارات الغائمة تتسامق تميد إلى ما وراء الأفق كأنما لا تريدُ أن تفارق عائلة السديم والنجوم
***
طائر يشدو بصوت آخر يبدو أنه قادم على طيور الغابةِ التي تستقبله بحسنِ ضيافة الغريب
***
حنونٌ أمر هذا الليل أحَنُّ من سلفه بكثير لأنكِ أيتها الطفولة لوّحت بيدك الغضّة من النافذة وواصلتِ الرحيل
***
ليس غيركِ أيتها الجميلة المختبئة بين الأشجار والأكمات وأقمار مائلة بلطختها الدكناء تتبدّى في شكل وعول تركض في الفلاة ليس غيرك أيتها الطفولة من ينقذ هذه الأرواح الهالكة.
***
ضوء يتسلل من الشرفة المغلقة ترى من خلاله شجر الحور يحنوْ على فسائله الطالعة…
***
يجلس على الشرفة متضرِّعاً أمام الأشجار والنسيم لكن قبَسَ الرحمة لا يدنو منه فيشعر بسيف الجلّاد هاوياً على رأسه المهشّمة.
***
قال لي صديق ذات مرة: ما إن أصل إلى بلاد حتى أقول هذا هو الوطن النهائي لكن ما إن تنقضي الأيام التي لا تصل إلى أشهر إلا بحبل واهنٍ من الضجر والغثيان أغادر إلى بلاد أخرى.. هكذا انفرط العمر بحثاً عن الوطن والمكان.
***
مندفعاً هذا الحصان الأصهبُ في الفراغ المحتشد وحين يصل الذروةَ تحفه الفراشات والملائكة والأطفال مندفعا هذا الناسك في حدائق روحه شارداً في ملاعب رؤاه لقد أوشك على بلوغ الذروة التي وصلتها اندفاعةُ الحصان والفراشات.
***
الفيضانات دموع الأرض على أبنائها البشر التعساء.
***
قالت الغيمة لجارتها: لقّحي فحل السماء الهائج كي لا يدمّر البيادر والحقول
***
به غضبٌ هذه اللحظةُ لكنه لا يريد تدمير العالم الذي يأكل كبده ببطء ولا يريد حرْقه بزرِّ كبريت ذرِّي فقط يصغي إلى اضطراب الكواكب في بساتينها إلى صراخ الأجنّة في أرحام الأمهات وإلى اقتراب نجمة مهولةٍ من هذه الأرض ببطء تقتربُ رويداً رويداً وبشبق لا نظير له حتى تُنجزَ اللقاح البهيج وتكون النهاية..
***
أعتذر منك أيها الطائر اللابدُ على غصن الشجرة فالريح ستقصف بعد قليلٍ عشَّك المبلَّل بأمطار البارحة
***
سلاماً على الشجرة وأعشاشها سلاماً على البرق تثغو قطعانُه من الجهات الأربع باتجاه الأرض العربيّة المثقَلة بالنعيق والجذام
***
منذ الصباح المبكر الذي يلوح من النافذةِ أرى صورتك المضيئة معلقةً على جدار قلبي المهدَّم لكنه العامر بالجمال بسبب هذه الابتسامة التي ترسلها في الفضاء المكفهرّ فيستحيل مروجاً وارفة.. أراك في البعد كما في القرب ينبوع غبطة وابتهاج أيها الملاك الصغير الذي أتيتني من حيث لا أحتسبْ. كنت أسبح في لجة الهاوية بين الجبال والأودية الجافة موشكاً على الغَرَق أو الرحيل إلى البلاد التي لن تعود منها حتى سلالة الشيطان. أتيت وغيّرتَ الخيال والذاكرة غيرت الزمان الموحلَ الذي تتلاطم في أتونه جرذانٌ موبئة.. دائما في ابتسامتك التي تلوح مع الصباح أحلّق على أجنحة الأمل يحملني ضوء نجمةٍ إلى البلاد المفعَمة بالزرقة الأبديّة كي أعود إلى ضحكتك التي لم تفارقني حتى في الأحلام القصيّة وما وراء الحياة الحياة التي أضحتْ ينبوع سموِّ وانبهار، أيها الملاك الصغير
***
الليل ينتشر بين أضلاعِ الغابة وفي عيون حبيبٍ غيّبه الموت فثوى في السديم
***
يا لهذه الذكريات تتقاطر تباعاً عربات قطار تشتعل فيها النيران فتستحيل إلى رماد
***
ليلة مؤرقة لا قمرَ فيها ولا نجوم عتَمة خانقة وأنت وحيد في غرفتك البعيدة إلا من قُميْر في طور الاحتضار غامراً لياليك بأضوائه الميّتة
***
رجل يخاطب غيمة عابرة: امطري حيث شئتِ أيتها الغيمة فظلُّ رحمتكِ لي ووارفُ نسيمكِ للملاك الصغير
***
أعرف أن هذا الطائر الذي يصدح منتشياً في الفضاء الطلْق وبين أشجار الغابة هو روح الحياةِ مترحِّلة في ممالكها اللامرئيّة
***
أصحو على ابتسامتك التي تملأُ المسافة بالنغَم والموسيقى ومن لثغة الطائر في عشه وهذيانه الحميم أعرف أنك تعاتبني ربما تقول: إن الطقس ما زال حاراً وإنك لا تغادر البيت إلا قليلاً ولا تذهب إلى الحديقة. تقول لي: إنك تنتظرني
***
يدنو الطفلُ من مياه البحيرة تلحقه الأم بوجهها الأشقر الذي يعلوه نمشٌ خفيف ينحسر الثوبُ وهي تمسك بالطفل تشرق من بين فخذيها طفولةٌ ثانية يعلوها مطر خفيف
***
أرى في وجهك الصغير الذي يشبه وجه طفلٍ كانَه ذاتَ دهر أرى تاريخ البشر الباحث عن مأوى وحنان (الحنان سرّ الكينونة). أرى إشراقة الخلاص يحملها طائر يعبر الجبال نحو البحيرات والغيوم. طفولة الكائن وهو يجتاز أرخبيل الموت إلى حضن أمه الذي ما زال مفتوحاً حتى عودة الراحل من غياهب التيه والظلام
***
إلى ذلك الوحش المتداعي يجلس بين تماثيل الكنغر والتماسيح ديكة المعابد المضاءة بالشموع تلك التي توقظ الفجر قبل سطوعه على العالم. ينظر إلى الحيوات حوله في سكينةٍ باطلة لا تنوي إلا على نحر نفسها يصغي إلى وقع خطا بعيدة يقيناً ليست خطا الأحبّة الذين رحلوا منذ أحقاب ليست إلا خطا موتى قادمين من جهات كثيرة كأنما في موكب احتفال جماعي بنهاية العام أو بدايته لا فرقَ بين الريح العاصفة في خرائب مهجورة أو في المدن العامرة والحقول آمال يعلل بها الموتى وجودهم يعلّقون التمائمَ على عنق الذبيحة ويدلجون المسافات أقدامهم تعبتْ والشيخوخة المريرة تقرع الأبواب تلك التي تجمّد الدم في الروح وتجعل الوحش يسقط في البركة الآسنة تحفُّه أسراب البعوض والذباب من غير حراك ولا رغبة في إزعاج الكائنات التي تقلق أيامه ولياليه.. وأنت أيتها الصقور المحلّقة في سهوب طفولةٍ كأنها لم تكن يوماً على هذه الأرض أطلقي نشيدك الأخير على رفيق العمر الذي أوشك على الوداع والرحيل
***
نواحك أيها الطائر يطوي المسافة ويذكرني بذلك الفجر السمائليّ الذي أخذ ينسج خيوطه وأمشاجه من نواح تلك المرأة الثكلى. نحيبها يحتلّ الأودية والشعاب القاحلة ويخضِّبها بمطر دموعها الغزير… يتبدّى العالم ظلاً هائلاً في مرآة الجبال ودموع تلك المرأة وانكسارها
***
ما الفرق بين الأسماك الملوّنة السابحة بوداعة ونعاسٍ في الأكوريم وبين تلك السابحة بوحشيّة الأعماقِ في المحيطات؟ خيال الحريّة يسكن الليل والعاصفة هِبة العلوِّ والحياة.
***
الطائر يحط فوق رأس البوذا، البوذا الذي يقول (إن الإنسان الحقيقي هو الخبير باللاأذى)، يأخذ الطائر زاداً من روحه المعذّب بأهوال العالم، ليواصل التحليق والطيران في الأراضي الشاسعة والقارّات.. والنحلة الملكة تدير شعوبها المتناثرة في أرجاء الغابة الخضراء. على مقربة من بيت التماسيح التي تغط في سُبات عميق يتبدّى أزلياً، حتى تحين لحظةُ الافتراس: والسناجب تتسلق الأشجار العملاقة جيئة وذهاباً بخفّة تتساقط مع أصواتها التي ترفد نواح الطائر وذلك الصوت الدامي للمرأة السمائليّة، بنبرة نواح آخر، كأنما الانسجام الأقصى للطبيعة في هذا المسار المأساوي محمولاً على فضاءٍ من شفافية جارحة.
***
أيها الطفل الآسيويّ، الأندونيسي، التايلندي، الصيني، وأنت تسبح في البركة الصغيرة التي تمور في خيالك أكثر سعةً ورحابةً من الأكوان والبحيرات الكبرى. أيها الطفل تذكرني بذلك الذي خلفته في البلاد البعيدة، شاخصاً من حوضه المائيّ المحاط بشجيرات يتيمة، نحو الطيور والطائرات وهي تعبر دروبَ السماء، وحين يعبر سربٌ، يخبط الماء بنشوة من بلغ به الفرح أقصاه واستوى على عرش مملكته الغامضة.. ما كنت أعرف أنك ستخرّب نزهاتي، وتحتل المكان القصيّ في فؤاد أوشك الزمان أن يسلبه الحبَّ، أن يدمره، بحيث لا يُعاد له صوْغ، إذ يدخل الحلقة الأخيرة في جحيمه الخاص.
***
كم أنا فخور بك أيتها الشجرة وأنت تظللين هذه الحشود من الجرحى والمعذّبين أغصانك المتطاولة في الظلال تلامس أهدابَ سماء حانية وجذعك الملتف بنتوءاته التفاف أزمنة متراكمة منذ بدء الخليقة، ضارب في الأعماق الصافية، بعيداً عن المخلوقات السارحة على الأديم، المتناحرة على حبّة قمح أو جيفة حيوان. كنت الصدر الحنون للأطفال الهاربين من المذبحة، وكذلك الشعراء والفلاسفة، أماً رؤوماً ، ملكة حنانٍ لا تقهر.
***
اغربي أيتها الشمس شعاعك ما زال يتسلل إليَّ من بين الصخور والأكمات اغربي فلستُ معجباً بالمآثر والمدائح التي دبَّجها عباقرة وشعراء اغربي فقبل أن تدخلي طورَ الاحتضار بعد أحقاب ضوئيّة، ساحقةً أرض البشر (إن ظلت إلى ذلك العهد) كما يسحق فيل أفريقي هائج نملةً مريضةً، (رغم انكِ ما زلت في طور الشباب، فحرارتك على السطح تبلغ ستة آلاف درجة، وفي المركز عشرين مليون درجة مئوية ونشاطك الحراري الجهنمي يظهر على هيئة غيوم بأشكال نبات الفطر، وهو الشكل الذي اتخذته قنبلة هيروشيما مفخرة الصناعة البشريّة على قدم وساق). عليك أن تتواري عن وجوهنا وعيوننا التي بدأت أعصابها في التلف والاضمحلال. عليك أن تتواري كثيراً قدر الإمكان الذي تمليه قسمة حظنا النحيل، في هذه الهنيهة العابرة.. عليك أن تغربي فلست معجباً إلا بغروبك ومغيبكِ الذي يشبه قلب العاشق المتيّم ويشبه (ذهبَ الزمان). دعي السحُب والغيوم تغطي بمظلاّتها الكثيفة المنذرة بالرعود والصواعق والبروق. اغربي دعي الليل يتقدم بظلامه الأكثر عمقاً وخصوبةً، ليل الشعراء والمجانين، ليل المتصوفة والشُهب التي ما يفتأ جمال سقوطها ينير مسارح الوديان ، السهول والهضاب الخرساء.
***
غيابك يجعل السماء مقبرة شعثاء النجمة تهجر موطنَها تائهة في دروب المجرّات ويجعل النبعَ يَجف.
*** جنود ذاهبون إلى حرب لا أحد في وداعهم، لا أحد يذرف الدمعَ أو يلوح بمناديل شبحيّةٍ من خلف الشرفات، على الراحلين إلى الديار التي لن يعود منها أحد.. القطار والعربات المكتظة، انطلقت من محطات مهجورة ومعسكرات.. صيّادون يبحرون في صباح العواصف، يشيّعهم نباح كلاب في شواطئ مظلمة.. فلاحون يحرثون الأرض ليلَ نهارَ، لتذهب الغلال إلى مُترَفين وحمقى. ليس بين النائحة المأجورة والثكلى من فرق، في أزمنة القحل والجفاف. وتعويذة السَحرة والمشعوذين لا تذهب أبعد من جثّة الغريق.
***
آه أيتها المرأة السابحة في البحر والسديم فرجك يتلمّظه الملحُ والسمك العاشق توغلين في الليل فخذاك جنّة مُستعادة ونهداك حران كالنسيم توغلين في البحر والليل لا أرى فيك ملامح الذاهب إلى الانتحار رغم أن هذا الجمال لا يليق به إلا الذهاب أبعد فأبعدَ في خزائن الأعماق في جروف المرجان الحياة بانتظارك على الشاطئ فكري في الرمل الأبيض والكتاب.
***
دائما ترفع الجماهير القبضات وتلهج بالهتاف تحمل الزعماء على المناكب والأكتاف الحناجر منتفخة الأوداج والأحذية تجرف الأرضَ وتكاد تبلغ الجبال طولا لكن ما إن يهدأ المهرجان حتى تعود النفوس كما الحقول العطشى، إلى دورتها الأولى، ليبدأ مهرجان آخر.. إلى آخر الحكاية الأزليّة للإنسان وأحلامه المحطّمة.
***
لا الصلابة التي مهما قويت شكيمتها لا رادَّ لها من الكسْر والتحطيم ولا الرقّة المائيّة التي مهما أوغلت في اللطافة والنَدى اللطافة الأقوى من صلابة الماس والحديد هازمة القوّة بمرونة تكوينها الشفيف.. الاثنتان لم تنقذا تاريخ الإنسان من الشرور والهلاك لكن لحكمةِ الفيلسوف الصيني مكانها المفارق وبطشها اللطيف.
***
يا صديقي الصغير إنني أخاطبك من مسافة بعيدة أبعد من سهيل مسافة ركضَ فيها الظبيُ (كما يقول أسلافك) حتى طارتْ أشلاؤه في دوّامات أمواجها المتلاطمة طارت في خضمها الطائرات الحديثة والأساطيل وما لا يوصف من اختراعات قصْف المسافة واستئناسها لكنها ظلت غامضةً وعصيّة صديقي من البلاد البعيدة أخاطبك والليل الآسيوي يميل إلى الانحسار. أعرف أن خيالك الطفل لم يصل بعد إلى هذه الرسوم والمرابع لم يصل ربما أبعد من حوضك المائي الملوَّن الذي تسبح فيه وتخبط ماءه كأنما في محيط.. لكنَّ الشكَّ يراودني في أنك تعرف وأن خيالك يصل أبعد مما يدعي معرفتَه أسيرُ التجربة والجراح. وأنك تخدعني بألاعيبك البريئة الأكثر حدْساً ربما من المعرفة وأوهامها.. في نظراتك الشاردة سفر آخر وقصيدة لن يكتبها إلا الملاك الصغير وهو يبحر في رحلته الفلكية التي تندفع إلى تحطيم كل شيء تصله يدُك كأنما العالم في خيالك الحر، خيال المطر والريح، يجب أن يُوجد ويستوي كي لا يفقد هذه العفوية وهذه الفوضى المشعة خارج القواعد والمواصفات.. بالبراءة نفسها، براءة القدم الأولى وهي لم تبدأ بعد في الاختبار (البالغ) للأشياء والوجود.
***
أجلس على ظهر تمساح أشرب عصير العنب وآكل فاكهة الغابة وعلى مقربةٍ أرى فرس النهر يشق عباب المياه مفرِّقاً أطنانا من الأخشاب الطافية والحطام بخطْمه الرهيب وفكيه يزدرد بلدةً بكامل سكانها لتستقر في معدته التي تشبه قعر سفينة غارقة. على ظهره الطيور تنقر رزقها والعقبان تحمل في مناقيرها الأسماكَ عشاءَ العائلة في وكْر الشجر الغابيّ المترامي.. لا نوارس في الأفق ولا يمام وأزيز الغابة جيشٌ يستلُ أسلحته ليغشى المعركة بعد قليل.. يتسع المشهد ويمتد، ليعود النظر حاسراً مشدوهاً، إلى المصطبة وظهر التمساح ونبيذ الغابة..
***
يمائم بمناقير معقوفة حادّة يحسبها غير العارف أسراب نسور وجوارحَ، تخبط مياهاً سوداء شاسعةً، أكبر من بحيرة وأقل من بحر، فتتطاير المياهُ سُُحُباً منتنةً تطبق على الأرض والأفق. تتساقط أعمدة وتنهار عمائر وأبراجٌ شاهقة تسكنها بشرية من أراضٍ مختلفة.. يهيج المحيط المتاخم مكتسحاً المدُن والبلدات والأنهار في مسار هيجانه الكبير… حلم وُلد من نظرة تمساح بعد نوم طويل، حدّق في الأعلى فرأى بومة تتفقّد بيضها وتحلم.
***
يرتعد خوفاً من ذكر الله كما ترتجف السحُب على منحدر إعصار.. لكنه لم يفعل شيئاً، لتصحيح الأمور ما زال ينام على كتف الشيطان وفي حدائقه المعشبة.
***
الطيور المهاجرة تقطع الأرض والسماوات الطبائعَ والمفازات تهرب من ضواري البشر والسباع لكن قبل محطة الوصول تقع ذاهلةً في شباك العواصف والبروق تستسلم لبطش الطبيعة تسرح مع أمواجها العاتية تراوغ منْخفضاً جارفاً تسترخي في ظل صاعقة موشكة، على الانقضاض. ما زال ثمة حلم غائم باستئناف الرحيل
***
الأمطار والبروق قبلة السماءِ على الأرض المغموسةِ بالذل والحروب الأبديّة تتجلىّ في لمسة حنان خاطفة
***
لا تعوّل على شيء ولا تستند إلى جماعة الماموث الطليق منذ آدم وما قبل الطوفان شربَ الماءَ وأكل العشب
***
(النوم هو الموت الأصغر) إذن يكفي مع توالي الأيام والسنين لهذه العادة الغريزيّة والإدمان (خاصة لغير المؤرقين) أن تدخل عرين الموت الأكبر بهدوءٍ وراحة بال. من غير هول الوصف الذي راكمته الكتب، الخيالات والأساطير. يكفي للراحل أن يغمضَ عينيه كما في كل مرة على امتداد حياته. وأثناء نومه تتداخل أطياف وطيور غريبة تحمله على محفة أو سرير، إلى نومه الأكبر… وربما هناك في الطريق ألوان قزحيّة وغابات تسرح فيها حيواناتٌ أليفة.. يدلف مملكة النهاية برهةَ نضج واكتمال.
***
أولئك المرهفون الذين تُميتهم كلمة وتحييهم إشراقة طيبة عابرة، كيف يتدبّرون العيش في واقع تفوق فيه أساطير الشر والخِسّة جهنَّم الموعودة، بشاعةً وانعدام ضمير.
***
المرأة الجالسة على الصخرة يحيطها البحر من جميع الجهات لا تفعل شيئاً غير النظر في الأفق وسحبٌ تسير ببطء نحو الضفة الأخرى من الأرخبيل
***
يتأرجح قارب الصيّادين بين تلال الأمواج العالية كما تتأرجح الهواجسُ والذكرياتُ في رأس المرأة الجالسة هناك.
***
قراصنة يبحرون في ليل دامس، ملفَّعين بالأسلحة والقسم السريِّ، حالمين بالكنز المختبئ بين تضاريس الأعماق..
***
تحت الشجرة المثقلة بالعصافير والغيوم، أجلس في مساء بحريّ، تحلّق فيه النوارسُ على أشرعة السُفن والمنارات التي تنطفئ وتضيئ، دليل البحّارة في الليالي المحتدمة بالظلام الوحشيّ، إلى الموانئ والمواخير والحانات.. بعد اجتياز الخطر البحريّ والعواصف تكون البيت والعائلة والملاذ. العصافير يغادر سربٌ منها إلى الشجرة الأخرى، والنوارس لا تكف عن الصياح والتحليق.
***
ماذا يخبئ هذا الليل البحري؟ عدا أرق، لاشك سيكون أقل فتكاً من أرق المدُن والثكنات
***
أيها المغيب يا فاكهة النهار الحزينة ترفقْ بصيّّاديك يرمون شباكهم في ضيائك الأصفر ثمة أطفال جوعى في انتظارهم ترفق بالجرحى والمشرّدين ترفق بالغرباء والموتى بالثكالى والمنكوبين أنت الأكثر صدقاً بين فصول الأوقات
***
يتحدث الموج بلسان الغيب قائلاً: ليس الغيب إلا صفرة المغيب محفوفة بسُحب حمراء وطيور قادمة من أزمنة الطوفان
***
المرأة الأربعينيّة تحمل طفلاً يبكي، يلحّ في البكاء عنُقها بدأت فيه الغضون نهداها يرتجفان بسعادة عابرة المرأة الأربعينيّة تشرد بين فاصل بكاءٍ وآخر كأنما تتذكر شيئاً لا تريد له أن يسقط في النسيان المرأة القادمة من صقيع سيبيريا أو من صوفيا المسوّرة بجبل فيتوشا المكلَّل بالثلج طوال العام المرأة التي تتجاوز الأربعين قليلاً تترك الطفل لوالده تتجوّل بين أشجار الحديقة الاستوائيّة السناجب تتسلَّق سيقان الأشجار طائر الليل كفَّ عن النواح والسحُب تتدافع كالذكرياتِ في رأس امرأة أصبحتْ حرَّة ووحيدة.
***
لا شيء يعكّر صفو هذه اللحظة التي انتزعها من براثن الأرق عدا عصيان الحرف وتوحّش الأبجديّة
***
غفرانك يا حرف (الألف) أنت الوحيد الأوحد المقدّس عند شيخ الرؤى والحدوس رحمتك على العبد الذي لا يريد من الحياة مزيداً عدا، استمرار هذه الهنيهة التي توشك على الانقراض
***
طائر يغني لحنُه الساحر الفريد يجعل الموتى يستيقظون من الأجداث مرِحين في أرجاء البيت والحديقة.
***
ليس بين الأرض والسماء إلا خيط وهم تكسره البروقُ بوميضها الخاطف ليعود الكون إلى وحدته الأولى سَديمه العميق
***
أكاد أطير من النشوة في هذه اللحظة الخاطفةِ التي تهجرني فيها الذاكرة والنسيان الأحبة والأعداء الطفولة والشيخوخة الجنّة والنار المعرفة والجهل الصيف والشتاء خريف الشعراء وكل أركان الزمان والمكان. نشوة الزَمن التي تضرب برياحها إلى ما قبل الخليقة والتاريخ حيث الهباءُ سيِّدٌ والهلام إله.

هذه الموسيقى القادمة من بلاد النهرين …
الغضب أن تعلكَ صخرةً قُدت من جبل شمس أن تعلك خطْباً أن تبيد جيشاً مدججاً في صحراء محتشدة بالأشباح والصخور *** ذكرياتٌ مضغوطة في عُلب ديناميت تحلّق فوق الأشجار على شكل طيور مهاجرة وأحياناً تحملها الشاحناتِ الموحشة إلى جبهة الحرب *** الرعاةُ انطلقوا مع قطعانهم المضاءةِ بالشُهب والنجوم قطعوا مسافات باهظة ربما تشبه تلك التي قطعها السندبادُ أو عوليس أشرفوا على تلال البلدةِ التي وُلدوا فيها تجولوا بعيونهم الدامعة في الأفق والسياج ظلوا هكذا من غير أن تكتمل الحكاية. *** غابة حيوانات تتراكض حرّة في خيال الطفل كما كانت في سهوب أفريقيا قبل هجوم القَتلة وسماسرة القارّات. *** ها هو الفجرُ يبدأ في الانتشار وهو بالطبع لا يحمل نثار الطَلع ولا رائحة الياسمين يحمل أرقَ الرجل أرق المرأة الذي بدأت سحائبُه تغمر المكان *** الرجل الذي عادةً ما يحمل طفلاً ويتجه نحو الشرفة أو أمام الباب يشير بأصبعه الغضَّة من غير كلام نحو أسراب الطائرات والطيور متبوعة بنظرات الدهشة الممطرة في صحو سماءٍ مملوءة بالرحمة والأموات. *** «وُلدتَ حرَّا أيها الطفل وسترسف في القيود أنى ذهبت» وهذا، ما تشي به النظراتُ الطفلة حين يذهب الرجل إلى فتح الباب نحو البهو والفراغ يتبعه باب آخر والسور يتوالد إلى أسوار هكذا… «لصحراء العالم أبوابها الموصدة» *** يرفُّ الطائر الطنّان على أهداب الشجرة السكرانةِ في فضاء الربيع. يرتدُّ إلى الخلف بحركة موسيقيّة لا يعرفها غيره، يمتص الرحيقَ، تحدوه غيمة من هديل اليمام الحالم في الظهيرة.. بلونك الفردوسيّ تتغذى على الأزهار كما تتغذى المرأة العاشقة أو الصوفيُّ على الحب منحتك الآلهةُ قوة اللطافة التي تتكسر أمامها الضواري والنسور إنك التجسيد الأسمى أيها الطائر الصغير، أيها الطفل لنظرة (الطاو) إلى الأشياء والكائنات *** متسلقو الافيرست والقمم العالية تحيط بهم أحزمةُ الجوارح والانهيارات نحو الأعالي لا يرون شيئا في طريقهم أو علامة عدا ظلَّ طائر يجتاز المفازةَ نحو الضفاف المزهرة *** يعود الطائر الطنّان إلى غدران الشجرة وكأنما إلى مجرّةٍ من الحنان يعود الطفل إلى حضن أمه ملتهماً حليبَ الأعماق. *** ينام الطفلُ بين ألوانه القزحيّة والأنهار حتى في احتدام قيظ الصحراء والليل يحلم بملائكة خضْر وأيام ستكون أكثر امتلاءً بالزهور والحيوانات. *** يحدّق الطفل في النافورة المزدانة بالمياه والأضواء تنطفئ، تنبلج على ضفاف البحيرات الشاسعة في الخيال على الحواف تحلّق فراشات زرقاء وعصافير تتجمّع من كافة الجهات. *** هذه الموسيقى القادمة من بلاد النهرين تجرني إلى شباك غيمها الجريح باللحظة الحميمة في الأيام الخوالي والأطفال الذين قضوا في الكوارث والحروب. *** بماذا أكْسر حِدّة هذا الصباح لغربان نافقة تحلّق على شكل عصائبَ تنقض على فريسة وهميّةٍ في الخواء؟ بماذا أكسر استغاثة الحشود المتدفّقة من جهات لا مرئيّة تطالب بالعدالة والانتقام؟ عقبان الربع الخالي وقد أحكمت قبضتها على الذاكرة والمكان. *** يعتقد (الطاويون) أن الخواء هو المطلق وكذلك الفراغ لكن الجثَّة التي ما فتئت تتدحرج منذ ملايين السنين في دهاليز هذا الفراغ أربكت أنهار الفضاء الغزيرة أربكت منابع الخلْق حين هربَ ثور الحكاية إلى شِعاب جبالٍ مجهولة. *** مضى الطفل في حال سبيله تاركاً أثره على الرمل في ذاكرة سُحب تعبر بحر عُمان وفي قلب الزهور المتفتحة كل صباح. *** يتدفّق النبعُ من ذرى الأشجار ليستقر في مخيّلة أيلٍ نَطحتْه العاصفة. *** سلام عليك يا نبع الأزل يا طفولة الشجر والنجوم أفراخ الصقور التي تحاول الطيرانَ نحو الأعالي طفولة الظبي المذعور في الفلاة والسمك السابح تحت أضوية القمر الموشك على الغياب. *** يحاول أن يجمع أوصال قَصيدة في الحديقة حديقة الألعاب والرموز. كأن يأخذ الدبَّ القطبيَّ من مُنتَبذه ويوقعه بين الكلاب النابحة والأفيال التمساح بجوار النافذة حيث يحلّق الحمام ويتماوج العصفور الأزرق والسلحفاةُ قبل أن تُبحر نحو البعيد نقَّار الخشب بجوار الواويِّ والكباش على مقربة من الذئب تمثال بوذا الصغير الراكع من خشية وبراءة.. نَظر الطفل إلى مخلوقاته الضاجّة في الحديقة لم يعْجبه الصنيعُ ولا الاتفاق بعثر الجميع في ضربة واحدة ومشى إلى الضفة الأخرى من كونه الخصيب. *** كان يتهادى في الأفق الأجرد ذلك الطائر الوحيد تتبعه النظرةُ البكر من منْعرَج هواء إلى آخر حتى يتحدا في روح واحدةٍ تسبح في موج الأحلام. *** لم يستطع النوم طوال ليالٍ موحشة وأيام كان الأرق ربيب حياته والظلام توأمه الحكيم تقلّب بين مدُن مكتظة بالأشباح والنياشين لم يفتحْ نافذةً لم ينظر إلى أفق كان يصغي إلى زئير حيوانات تتعارك في الرأس حتى علا صوتُ الأذان بالحنوِّ القادم من أغوار قريته المضمحلّة فنام على وداعة غائبة. *** ليس الوداعُ إلا مُختَصر التاريخ والأيام. *** آفاق تترنّح تحت حوافر القصْف جوامع تسقط أبراج تبصقها الريح والأنهار التي كانت تسقي حضارات البشر، جفّت كثعابين ميّتة في خيال الطفلِ الذي وُلد من صدمة الحرب. *** في هذا المكان النائي على ضفاف بحر العندمان بأكواخه ونخيله المتمايل في الريح يأتي الطائر كلَّ مساء يجلس على نفس العمود الخشبي يطلق صياحه الأقرب إلى نواح المفطور بالغياب ساعات تمتد إلى أحقاب يجلس الطائر على عموده الخشبي يأتي الليل وتتلاطم الظلمات وهو على قمته يرقب الفضاء ويطلق الصيحات حتى ينفجر صوت صياح آخر من ظلمة الحقول يتبادلان النداء يلمّان شملَ الليل المتصدّع في صرخةٍ واحدةٍ وحدة الليل والألم وهذا الجناح الميممّ شطرَ الأبديّة. *** مضى ذلك الزمان الذي كان فيه الرجال كان فيه النسوةُ من الحضور الشفيف (حضور الشجر المفعَم بحنان الملاك) يرفعون اليتمَ عن كاهل الغرباء وعابري طريق الحياة السريع. *** أولئك المشرّدون يفترشون أرض السور المهدَّم في البرك الآسنة على مدار الأيام هكذا يشربون ويبصقون محدّقين في الطحالب والطيور وأفراس كثيرة تسبح في وحل الهذيان حتى تمتلئ البرك بالليل والبصاق. *** لستُ نادماً على شيء إلا على كوني ما زلت موجوداً على هذه البسيطة المتخَمة برفات الأسلاف. *** أمنح طفلي فرصة الحَيرة في مرأى القطط والكلاب وأمنح نفسي فرصة احتساء كأس في حانة الرأس المهشَّمة على مدار الأقوام. *** ما الذي ستسرده الريح هذه الليلة غير الحكاية المضجرة ذاتها عن قوم عاشوا ثم هلكوا تاركين أثرهم في المُدُن والكهوف خالقو أثر ممحاتُه الريح الريح مفخرة العبور والزوال. *** امنحيني أيتها الريح وقتاً كافياً لأرتب أمتعتي القليلة وأسرج رحْلي مودعاً أصدقاء غير موجودين وعائلة غربان هرِمة أطعمها الخبز من كفي كل صباح. *** مضى ذلك العُمْر الذي كانت فيه الجوارحُ تطير كسُحب جهْمة وضاحكة تخضّب السماءَ بالصياح والحنين الجوارح التي تطعم أفراخها في الذُرى حيث الأعشاش مواكب باذخة للطرائد والحبور. *** أوشك الرُسلُ على إنجاز المهمّة المقدّسة بعد وصْل الليالي بنهاراتها وقطْع القفار لكن النجمة – الدليلَ انطفأت قبل وصولهم بقليل. *** لا شيء يَلجم هذا السهلَ عن الحلم بعاشق يضاجع معشوقته بشَبق الأزمنة الغابرة، على بساطه المتموّج بالمطر والريح. *** ما الذي تقوله المرأةُ لصديقتها في اللوحة المقابلة ما الذي تقول النظرة الحائرةُ في الممر المغلق أو في زنزانة السجين؟ *** إلى: ل كافياني تعشق الضحيّة جلاّدها بعد طول عشرة ولقاح كما تعشق الزهرةُ النضِرةُ ضوءَ الفجر ومدرارَ المطر. *** الطيور في الحديقة تعوي مقلّدة أصوات ذئاب منقرضة الكلاب في بغداد تنتفض وتعوي مقلدة عاصفة الغارات والقصف الحربي. *** بنى الفراعنةُ الاهرامات آية مجدٍ لا تغيب عنها شمسٌ ولا ليل لكنّ السيادةَ كانت للفراغ والخلود أيضاً. *** العصافير العابرة المدُن والبيئات العصافير الناعمة انقضّت على الشجرة التي يسكنها النحلُ, مملكةُ النحل المشعّة في الأعالي. العصافير افترستها كطيور ضارية، طيور (جبل الكور) الجاثمة في مغيب المدُن والآفاق. *** دموعك يا صغيري تختزل دموعَ العالم هذا الكيان النبيل أخاف عليه أن ينكسرَ كبلّور أو ضفة حالمةٍ أمام غول الصواعق لكني فكّرتُ: أن الطفولة الجبليّة لها صلابةُ المعدن الكريم وحزن الضفاف. *** دموعك أمسحها بيدي المرتجفة وأتمنى لو تحلّ روحُ المسيح لحظةً عابرةً كيْ أشفي الألم الذي يدفعك إلى البكاء وتعود إلى لهوك البريء والبسمة الحانية لكن المسيح يا صغيري، رحلَ منذ زمن والأرض هجرتها الآلهة كما عبّر الأقدمون. *** ها هي الحمّى اللعينة تعود وتتركني في قَعْرِ مظلم من الوحشة وقلّة الحيلة يدك الصغيرة ترتخي إلى جانبك ورعشة تسري في الجسد الصغير. *** حينما تمرض الطفولة يمرض الكون ويفترسه السرطان: هكذا أطلق طائر صرخته وهو يعبر الأفق الأخرس باتجاه المحيط. *** يفتح الستارةَ ينظر إلى الفجر الطافي وقد ملأت أشلاؤه الآفاق يمعن النظرَ والتحديق كي يعود إلى النوم بذخيرة جيدة من الأحلام. *** غرباءُ من قبلُ ومن بعدُ وفي تلك المسافة التي بدأتْ تتشكّل فيها الخليقةُ على هيئة بشرٍ وطبقات غرباءُ عن أنفسهم وأطفالهم يحدّقون في سُحبٍ عابرةٍ ويقولون: هؤلاء أمهاتنا. ينظرون إلى الغبار ويقولون: ها هو الأب السيّدُ الموئلُ والمصير.. أيها الأب المبارك في كل الأزمنة والأقوام ترفقْ بمخلوقاتك متزاحمةً على بابك في الأعالي ترفّق بها وهي ترفس بين المضيق والهاوية. *** ساحبةً أيّامها بين الجفون والأهداب المرأةُ الجميلة بماكياجها الخفيف تحاول أن تمحو به الأثر والعلامة ما ان ترفّ الأهدابُ أو تبرق العيون إلا وتنشر مروحةُ السنين رذاذَها الجارح في المرآة أو في قلب العاشق الذي كان يحمل ثقل الليالي ساهراً في ضوء أطيافها اللاهبة *** يتناسلُ البشر على مرِّ الأزمان مولّين الأدبار للموت المتربِّص على العَتبة.. مولود هنا، وميّت هناك. أعراس هنا وحربُ إبادة هناك. لا شيء يلجم كوكب الغريزة السيّار، ولا عبره إلا الحياة في وثبتها واندفاعها من الأسفل والأعلى، حتى مُنْقلب الوادي السحيق حيث تزهر الجماجم والرفات. *** النسور تتوافد من كل فجِّ وصوب نحو الجثث الملقاة على قارعة الخلاء، تتجمّع حول مآدبها السمينة، من غير أن تنهشَ أو تخلعِ كتفاً أو عيناً، إلا من باب الدعابة والتسلية، نزهة مُتْرفين في جنان النِعَم الوفيرة على الأرض الضاجّة بالأوراد والصليل. *** ينتظرون لحظة الفرج كما تنتظر الخليقة في البرزخ الفاصل بين الجنّة والجحيم. *** في ليل العالم ليل المدُن والبحار يصحو البشر والوعول والأسماك، وقد تحجّرت في أشداق الضواري الخرافيّة وفي أعماق الظلام. *** كان المشهد الفضائي المتدافع بالغيوم والضَباب فوق الجبال المطلة على المدينة.. (حيدرة- الجزائر) أو بلد يشبهه.. كنت في التاكسي الذي يسألني سائقه عن العنوان الذي أنا ذاهب إليه.. تلعثمت كأنما الحيرة تقود السيارة إلى اتجاه غير معلوم بقيت هكذا والسائق الذي بدتْ على صوته نبرة العصبيّة يحاول المساعدة والتوضيح في هذا الجو الذي أضحى مظلماً وغامضاً كمغارة من مغارات الجان. فجأة ينبثق من فراغ المدينة ووحشتها صوت حميم أعرفه في السنين المنصرمة، يدلني على عنوان المنزل الذي سأعيش فيه.. كان خارج المدينة، منزل ريفي على نحو من تناسق روحي في عمارته وانسجام.. بحار الخضرة المحيطة تغطيه بكثافة ورقة نادرين.. تجولت في ردهاته حتى وصلت إلى الغرفة الواسعة التي من المفترض أن أمكث فيها.. وفي هذه الأثناء رأيت أشخاصاً قادمين من الماضي والحاضر، دخلت فور رؤيتهم في نقاش حول مشكلات المسافة والزمن وكيفيّة العلاج الذي يرتئيه كل واحد من هؤلاء الفانين، كي يمضي في عبوره بأقل الأكلاف فداحة وجراحاً.. كان الجو غائماً على نحو مرْعد وبخور سحرة نائمين في كهوفهم البعيدة يحتل النيام.. *** لا أدري أي مدينة، أي شارع وزقاق، لكن كما يتراءى للنائم وهو في غمرة المياه السديميّة للأحلام وهي تجري من جهات عديدة، كان المشهد يشبه ساحة (شمدين) في دمشق حيث ينحدر الشارع الذي كنا نسكنه نحو الغوطة الباسقة بالسحْر والحياة.. وغير بعيد من الساحة قبر الشيخ محيي الدين ابن عربي الذي أخاله مزعوجاً ومرهقا من أفواج السياح الذين يتوافدون لزيارة الضريح.. كنت أمضي في طريق لا يشبه ذلك الطريق المعهود الذي يؤدي إلى البيت.. فجأة سمعت صوتاً خلفي أخذت أتبينه بصعوبة كمن يفكّ شفرة معقدة، إذا به صوت إبراهيم فتحي يتحدث إلى شخص بجانبه لم أستطع معرفته في المناخ الراشح بالغموض والشتات. مضيت في الطريق الذي لا أعرفه من غير أن أسأل إبراهيم عن سبب مجيئه من مصر إلى دمشق.. ونحن في خضمّ الطريق، أدخلت يدي في جيوبي لأتأكد من مفاتيح الشقة، لكن لم أجدها فاعتراني حزن شديد.. كنت أمشي وأنا أترنح كمن أصاب قلبَه سهم مسموم. مضيت صوب العمارة الواقعة على المنحدر بين الساحة المليئة بالباصات والصخب والطريق المؤدي إلى الغوطة، فلم أجدها. وجدت مباني لا صلة لها بتلك العمارة ولا بالحي الذي كنت أعرفه. تذكرت البقال (أبوهائل) ومطعم (أبوسمير) قلت أسألهما عن أحوال المكان لكن لا أثر لأحد.. كنت أترنح محاولا انتزاع السهم الذي أصاب قلبي حين سقطت في كابوس اليقظة الرهيب. *** صوتك الجريح أيتها اليمامة يطل دائما مع الفجر على هذه المسْبَعة البشرية قادماً في رحلته الطويلة من غَبَش الأصباح الأولى حين كانت السعادة تهم بالسُكنى على هذه الأرض. *** نام الرجال عن أطفالهم في عراء هذه المسْبَعة فأنجزت خفافيشُ الليل مهمَّتها بضراوة الضباع *** يجدّف الطائر في هواء النافذة ليستقر في عشه المجاور يجدّف الشاعر في الفراغ المسفوح كبحر ينتشر على صفحته قراصنةٌ شرسون.. الطائر في عشّه ينام الشاعر يتيه في فراغه المدلهم محدقاً في غيمة تحملها الريح أو نورسٍ يبحر نحو الجزر المستحيلة *** هناك ثلاث مجموعات، بإمكانها توليد الجمال الخالص الذي يتعيّن على الأدب مقاربته وتسجيله، هي على التوالي: الأطفال الصغار، النسوة الشابات، والرجال المحتضرون. (كاوباتا) *** «لا يقبض الموت نفساً من نفوسهم إلا وفي يده من نتنها عود» أي شرح معجب، أو تعليق مهما بلغ هجاء وقذاعة، ليس فقط لا يضيف شيئاً، وإنما سيكون إساءة أكيدة لبيت المتنبي.. *** أفكر ، أنْ ليس من العدالة في شيء، بل من الظلم المطلق أن يمرض الأطفال.. هذا الابتلاء والاختبار القاسي من صفات البالغين والكبار، ومن سماتهم.. الأطفال ، تلك الكائنات الأثيريّة التي تشبه الملائكة، أو الطيور التي تشفي النفسَ من أمراضها حسب الأمير (ميشكين) في رواية (الأبله) وتشبه الموسيقى في كمال مقاماتها ودموعها، مرضهم ينمّ عن انحراف عاتٍ في الطبيعة، أعتى من انحرافات كثيرة تحفل بها حقول الخلق والحياة منذ دبيبها الأول على هذه الأرض.. ما الذي يفعله رجل وحيد أو امرأة وحيدة أمام طفل يرتجف في ساعات الفجر الأولى، غارقاً في العرق والحمى، وكأنه قُذف عارياً في شتاء من شتاءات سيبيريا.. ما الذي يفعله، أمام طفل يحتضر، طفل جريح، أطفال يتامى، أمهات ثكإلى، وسط ضراوة الحروب والفصول، وسط اجتياحات الجوع وعنف الطبيعة في تمظهراته المختلفة.. ما الذي يفعله الرجل والمرأة في أضواء الفجر الأولى أمام طفل يئن معلقاً بين الحياة والموت، كائن لم يعرف وجوداً ولا عدماً بعد.. لم يعرف إلا تفتحات البسمة في تويجاتها الأولى، إلا البراءة مطلقةً سراحها في بحار وغابات لا نهائية الخضرة واللطف والشفافية؟ *** «البقعة الحمراء على كوكب المشتري إعصار متنقل، يعادل في حجمه ضعف الأرض».. إعصار الألم المتنقل، يجوب الأعماق، عاصفة التيه لبشريّة فقدت أي إحساس بالملاذ، بالحلم والأمل.. قافلة الأعاصير هذه، هي ألم الإنسان وعذاباته في كل زمان ومكان. *** طيور القطا المعروفة بصلابة جناحها بين الطيور، هي أيضاً أهدى الطيور إلى أعشاش فراخها.. تهتدي إليها حتى وسط العواصف والأمطار وتلاطم ظلمات الليل وتكاثفها.. البشر أيضاً لهم مثل هذه المشاعر الجامحة تجاه نسلهم وأطفالهم، لكن هذا النبْل في المشاعر لا يمنعهم من إبادة أطفال الغير بدم بارد..

 
طفولة اليمام في غسق الأوقات والمسافات اليمامة التركية تستدعي الفجر القادم، بشدوها الملحاح، ذلك النَغمُ الذي ينسج للفجر خيوطَه الأولى، والثانية حتى تكتمل خيوط الجسم بلطخات، غيومه المائلة إلى الشحوب والإضاءة المتدرِّجة حتى الاكتمال، الاكتمال الفجري وسط غابة المؤذِّنين التي ترتفع أصواتها المنتشيّة بالتوسُّل إلى خالق الأكوان وهادمها، ترتفع من كافة الأرجاء، من خفايا التاريخ الضارب في جامع السلطان أحمد وأيا صوفيا، وما حولهما من جوامع ودور علم وعبادة ومعالم تدل على العَظمة الآفلة لدولة بني عثمان، آخر إمبراطورية إسلامية بمثل هذه المنعة والاتساع.. معالم وآثار تقف على مقربة من الكمال المعماري، أو تمتطي ذُرى ذلك الكمال الموشَّى بالخلود (مجرد خوف شخصي من إطلاق كلمة الكمال والخلود على البشر وصنيعهم).. شدو اليمام طفولة وصلاة… يختلط مع شدو الطيور المتنوعة وأصوات المؤذنين العذْبة العميقة، التي تستدعي قصة ذلك الرجل التائه في أزقة مدينة حَلبْ، حين سمع الأذان، ينطلق، فأشجاه صوت المؤذن، أخذه بعيداً في الذاكرة والمشاعر، اخترقه كحالة كيانيّة طوّحت به، حتى أسلم وحسُن إسلامُه… هناك أصوات مؤذنين بعيدة عن ذلك الشدو الجاذب روحياً والترتيل، تنطلق فيما يشبه الغارة الجوِّية على النيام، حسب وصف صديق. تتصادى أناشيد الطبيعة والبشر حتى جامع السلطان سليمان القانوني (السليمانية) الذي كان حزنه على غياب قرّة عينه، ابنه الأثير إلى قلبه، إثر مكيدة عائلية من تلك التي تزخر بها عروش الحكام على مختلف المقامات والأماكن والتاريخ، كان حزنه الكبير يفوق سِعة إمبراطوريته المترامية الأطراف والأعراق والثقافات. لجأ السلطان ، حسب الرواية، إلى كتابة الشعر… هكذا، حين تضيق الحياة، ويسد الحزن كل باب وأمل، يلجأون- ليس الشعراء والكتاب المحكومون أصلا بقدر الحزن والعزلة أو في الكثير منهم- وإنما أباطرة من طراز سليمان القانوني إلى الشعر للتعبير عن فداحة الخسارات وثقل الوجود العابث.. الشعر «كلمة الكائن الأخيرة». من أي صنف بشري كان هذا الامبراطور، في صدق المشاعر ونبل المأساة؟.

* * *
في مقهى البازار الشعبي الكبير، الذي سيكون سوق الحميدية بدمشق وبعض أجزاء من خان الخليلي في القاهرة، وأسواق في مدن مغاربية وعربية، نموذج منه أو بالأحرى شبيه، على تفوق السوق التركي في المساحة والنظافة وما يتعلق بتقدم حضاري بيّن ، نلاحظه في التفاصيل والأزقة والواجهات المليئة بكل أنواع البضائع والمنسوجات والتحف الكثيرة بمختلف المستويات والأثمان.. وبما أن دخول الأسواق والمحلات التجارية ليست هوايتي في التسكع، بل المشي فيها والتطلع بشرود ولا مبالاة في المعروضات والمبيعات، كأنما هي ذريعة وليست هدفاً.. وهذا الإعراض عن هذه الهواية العميقة الغور عند صنف كبير من البشر وخاصة النساء مهما كانت مستوياتهن، الثقافية والفكرية، يشتركن (معظمهن) في هذه الغريزة الشرائية والنُزَهيّة، حتى أني استحضر دائما عنوان فيلم (كلودليلوش) (المرأة هي المرأة). ذهبت رفيقة دربي إلى التّسوق، وجلستُ في المقهى الواقع ضمن سلسلة مقاهٍ، في ممرات السوق الكبير، على الطاولة المصنوعة من خشب أصيل: هنا تُقدَّم أنواع من المشروبات التراثية التركية لا تجدها في الفنادق والمقاهي الحديثة في هذه المدينة العملاقة (اسطنبول) التي أصبحت مراكزها التجارية وشوارعها ومختلف أجزاء بيئتها المعمارية والبشرية والاقتصادية الجديدة وأنماطها، تدلف في السياقات الأوروبية.. طبعا لا بد أن تنعطف على اللازمة الأثيرة في الخطاب العربي (الكليشيه) ونشير إلى أن هذا الاستيعاب لإنجازات الحداثات الأوروبية والعالمية يتم ضمن خصائص واضحة لقيم التاريخ الإسلامي والتركي وطقوسه بمختلف تجليه، وبقوة ومقدرة استيعابيتين لا تجدهما في بلد إسلامي آخر حتى البلدان الشرق آسيوية المعروفة باقتصاداتها القوية. دعك من البلاد العربية التي تتخبط منذ سنين طويلة في ظلام التخلف والفساد والطغيان وما زالت تبحث عن أفق ربما سيستفيد من الإنجاز التركي أو النموذج التركي الذي أصبح رائداً في مجالات كثيرة..
* * *

لم آتِ تركيا أو اسطنبول، منذ زمن طويل، منذ كنت مقيما في سورية، مطلع الثمانينات ، أتذكر كنا نأتي إلى اسطنبول بالقطار من حلب الشهباء الأكثر جمالاً وفرادة من دمشق، كان القطار بطيئاً جداً بحيث إن المسافة التي يمكن قطعها في عشر ساعات، يقطعها في يومين، هذا القطار الذي كان ينفث دخاناً كثيفا يشبه قطارات الغرب الأمريكي (الويسترن) حين كان رجال الكاوبوي يهجمون بخيولهم المطهّمة على القطارات والعربات للنهب والقتال. وحين أقمتُ فترة عام في صوفيا ببلغاريا، كنت أيضا أسافر عن طريق اسطنبول، عبر القطار نفسه الذي يحمل الكثير من المهرِّبين والجواسيس لبلدان عربيّة وغير عربيّة إبّان ما عُرف بالحرب الباردة.. يحمل حيوانات أليفة ومثقفين وشعراء بلحاهم اليسارية على نمط لحية جيفارا ولينين وهوشي منه، وغيرها من اللحى والشنبات (شنب استالين لدى اليسار الستاليني) التي ليست للزينة فحسب أو لدواعٍ فلكلورية شعبية مع المازات والعرق والعتابا، وإنما تشكل أبعاداً فكرية ورمزية سياسيّة.. في رحلات الشتاء، يكون البرد عنيفا لا يطاق، في عربات قطار تتدحرج في ليلٍ ناءٍ ومجهول، من غير تدفئة وبنوافذ شبه مفتوحة من أثر الإهمال والتكسير.. إنه قطار الشرق (البطيء)
* * *
أجلس في المقهى ذي الكراسي الموشَّاة بالخرز والمحّار وأنواع التحف بألوانها التي تشبه جناح الطاووس: ثمة جزر نزحتْ بمياهها الزرقاء ثمة عقاعق تمرح في حقل الليلك زهر التوليب الساطع في حضوره واحمرارهِ جو غائم يضفي جمالَه على المخلوقات والحشرات.. تقدّمين الشاي بالشفافية التي تنضح من العيون اللوزيّة تكاد تذوبين في سحر الطقس وسكُّر الشاي في جناح الطاووس والزهور تكادين تذوبين في الغيوم المترحِّلة دوماً كرحيلي عنك بعد قليل
* * *
زهرة التوليب أو الخزامى، الاسم الأخير الذي يذكر بشيء خبيئ في النفس، ذكرى إلى مكان تصرَّم عهده أو زمن مضى. هذه الزهرة كنت أراها منتشرة في ربوع هولندا تضوّع بحضورها ورائحتها الآفاق، كل صباح ومساء في البلاد المنخفضة حتى القاع بحيث أن تلة صغيرة خضراء في (لاهاي) كنا نصعدها في ثوانٍ، هي أعلى قمة لدى أهلها الغابرين قبل أن ينطلقوا لغزو البلاد الأخرى، ويشاهدوا الذُرى والقمم التي تحتضن عنان السماء وغيومها، في الجزائر وعُمان وسائر البلاد التي وطأتها سفن أولئك القراصنة الشماليين. كانت زهرة التوليب، الخزامى احدى علامات أيامي المتعاقبة في هولندا التي تمنحني وعد الجمال والرؤية، وكنت أعتقد جازما بأصلها وفصلها الهولنديين بما أن هذه بلاد الزهور بامتياز.. والخزامى تشكل الجزء الأكبر من حقول تلك الزهور واقتصادها الكبير، حتى اكتشفت في اسطنبول ما يخالف ذلك، كونها ذات أصل تركي أتت بها الأقوام المترحلة من الأواسط الآسيوية (بريّة مثلهم كانت) وغرستها في بلاد الحلم الجديد، نمت وانتشرت واستوطنت مع أهلها القادمين، فهي بعراقتهم وهويتهم المتجذرة الأصول، المتجددة الفروع والفصول، حتى القرن السابع عشر، حيث تم استقدام هذه الزهرة الى أوروبا الغربيّة وفي مدينة (لايدن) الهولنديّة تحديداً على يد سفير هولندا في (القسطنطينية آنذاك)، (اسطنبول)، وتمضي قصة تاريخ هذه الزهرة الفائقة الحسن والجمال، بأنها كانت تنمو في حدائق القصر، وتعد الخزامى في تركيا الأكثر شيوعاً بعد كلمة عمامة..
* * *
ثلاثمائة عائلة قَدِمت من أواسط آسيا، حسب بعض روايات التاريخ، لتستقر فيما يعرف الآن بالأرض التركيّة. كبرت هذه العائلات ذات الأصل الطوراني القادمة من (بلاد ما وراء النهر) حسب العرب القدامى، وتشعَّبت، مثلما كبرت إرادتها الصخرية، التي لابد ان تكون امتداداً جينياً متطورا للسلالات المحاربة الأولى. هذه العائلات كانت المهاد الرحَمي الذي استطال وتعاظم حتى هزم الإمبراطورية البيزنطيّة وسائر الدول والممالك شرقاً وغرباً واستوى على عرش العالم الذي أسلم القيادَ مرغما ومهزوماً … وكان ما كان من أحداث التاريخ الجسيمة وخطوبه. إنها واحدة من الروايات الخارقة في نشوء الممالك والإمبراطوريات كأنما تفجرّت من رحم الإسطورة والمستحيل. وحين حانت لحظة الانهيار كأي دورة حضاريّة كبرى، بعد قرون مديدة من الهيمنة والغزوات والانتصارات التي ماجت بها أرض البشر، وأخذتْ في الترنح والمرض والسقوط، قُيض لها رجل بحجم كمال أتاتورك (نصبه الضخم قائم في شارع تقسيم) وأحفاده من كافة الانتماءات والمشارب العلمانية أو الدينية، حيث إن الدين الإسلامي كان هو الخطاب الجامع والمقنع، كان هو العقيدة التي اعتنقتها تلك الأقوام البربرية الشرسة التي لم تكن تعرف إلا القتال عقيدة ونبراس طريق.. توحَّد الخطاب الديني مع الإرادة المحاربة فكانت تلك الإمبراطورية التي سيكون سقوطها ثقيلاً وفادحاً على كافة الصُعُد والاتجاهات ، لكن إرادة أحفاد سليمان القانوني، استطاعت أن تنقذ تركيا المعاصرة، من الإمحاء والاندثار الحضارييّن، تحت حوافر التركة الثقيلة التي ستقودها إلى الانسحاق أمام الآخر (الأوروبي) الصاعد بقوة لا نظير لها في كافة العصور والحضارات السابقة بحكم التطور العقلاني المذهل في العلوم والتكنولوجيا. هذا المنحى الإنقاذي سيمضي على عكس ما حصل في الأرض العربية وما شهدته من قطيعة مع ماضيها المشرق، إثر سقوط الإمبراطورية العربية حيث دخلت البلاد والشعوب في العصور المظلمة (عدا إضاءات قليلة) ولم تخرج من سباتها الثقيل وأحلامها المحطمة حتى البرهة الراهنة.
* * *
اليمامة تشدو على فرع شعركِ الميّاد أيتها النادلة. (كان أبوفراس أسيراً في أحد سجون بيزنطة اسطنبول الحالية ربما في المكان عينه أو قريباً منه) في المقهى التركي في استراحاتك القليلة ترمقين المارة بنظراتٍ شاردةٍ نحو غيمٍ بعيد ربما تحلمين بالزوج أو العشيق أو بعطلة الصيف الذي يقرع الأبواب معيّة صَحبك الصاخب والعائلة (العائلة التي كانت نجمة إمبراطوريتك الغاربة) على شواطئ مرمرة في المتوسط أو البحر الأسود (بينهما مضيق البوسفور) الممتد حتى شواطئ (القرم) في أراضي الروس، منتجع الأباطرةِ أعداء بني عثمان في سالف الزمان نظراتك الشاردة لم يعد لها علاقة بذلك التاريخ إنها البراءة والبحر والحقول
* * *
المعماريون الشعراء يعتقلون الزمن في لوحة بجامع أو قصر أو ضريح خالقو الأشكال الحرة يسلخون التاريخ من غلظته يحيلوه إلى لطافةٍ وحنين المعماريون الشعراء تتذكرهم الأجيال حين تنسى قادة الجند الانكشارية وأرباب البنوك منذ الرسوم الأولى على جدران الكهوف الرسوم المذعورة من الأشباح الغامضة والنجوم التي تُوزَّع في ضيائها المصائرُ والأرزاق حتى قصر الحمراء والجامع الأزرق وصولاً إلى المدن الحديثة، الرياضيات والأبراج المعماريون الشعراء تلك القباب التي تحاور المطلق البعيد تعاشر الغيمَ العابرَ واليمام فوق المحيطات وعلى أشرعة السفن المُبحرة من (البوسفور) إلى بحر إيجه حيث الإغريق القدامى يطاردون في كهوف عُزُلاتهم وعلى ضفاف الأنهار المتغيِّرة، سرَّ الموت والحياة يصنعون ترياق الوجود المعماريون الذين قدموا من كل جهات الأرض إلى (إستانة) العالم.
* * *
كل مرة أشرب فيها القهوة أنظر إلى قعر الفنجان بغيمه المتشابك المظلم في هزيع القطرات الأخيرة (خاصة في المطارات) أحدّق فيها كما أحدق في سير حياة يطبعها اللهاث وعلى مقربة من الزوال بالأعين والشفاه أداعب ما تبقى من قهوة توشك على الرحيل في المطارات (هذا الصباح الممطر، في مطار اسطنبول) أواصل هذه الهواية بينما تتناهى إلى سمعي أخبار التلفزيون تعلن عن اسامة ابن لادن في باكستان الزعيم الذي دوَّخ أمريكا والعالم، يعانق مصرعه لتشتعل حربٌ أخرى على الشاشات والمجالس والمنتديات. أسمع رجلا ملتحياً يوشك أن ينضمَّ إلى عائلته، لا أعرف من أي جنسية هو، يردد بيتا للمتنبي: «مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة غداة ثوى إلا اشتهت انها قبرُ» فكرت أن أتعرف على الشخص الذي يستدعي هذا البيت الفريد للمتنبي، في هكذا سياق، لكني عدلت عن الفكرة خوفاً من أن يجرني إلى نقاش لا تُحمد عُقباه، واستطردت مع نفسي، إن البشر في هذه المحطات العابرة التي كان من الطبيعي أن يفكروا عَبْرها في أخطار الرحلة والانتظار وهواجس السفر، تشتعل بينهم حرب الخلافات الحادة، فهناك من يعتبر ابن لادن مجرما قاتلا وضد الإنسانية، ومن على نقيض ذلك يعتبره قديساً ولو كانوا قلة.. الرجل الذي كادتْ حياته تمضي، كأي ثري خليجي، يفجر حرب الخيال والجدَل حيَّا وميتا، يشعل العالم ويحتل مساحة كبيرة من حياته، يحفر اسمه على صفحة التاريخ المتقلب. في نشرة الأخبار نفسها مدينة (درعا)، (حمص)، (بانياس)، ومدن سورية أخرى تشتعل فيها النيران والحصارات، القتلى والجرحى والمفقودون جراء قصف قوى الجيش والأمن التي تواصل حسب المذيع- المعلق للقناة مسيرة خيانتها للأهداف الحقيقية التي طالما ادعت أنها وُجدت من أجلها وتنقض بافتراس لا يتقنه حتى الأعداء على الشعب السوري الأعزل.. رئيس الوزراء التركي يذكر بمجزرة حماة عام 1982 من القرن الماضي في ظل الرئيس الأب.. كنا نسكن في حي (الأكراد) الذي سُمي لاحقا بركن الدين حين وقعت هذه المجازر المروّعة.
* * *
في المطار نفسه كما في كل المطارات أنظر شارداً في خريطة الوجوه الملامح والسُحنات أفكر: انها تشبه محيط الفنجان وقعْره تشبه تلك القطرات في هزيع ليلها الأخير والأقدام المندفعة نحو المصير والمجهول.
* * *
ربما وحدهم الذين يستشعرون الموتَ كل هنيهة ولحظة يحسنون الاحتفاء بالحياة ولمدافعة هاجس الموت المنفلت كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من علٍ، يلجأون إلى تجميده في رشفة قهوةٍ أو كتابة قصيدة في كتاب يقرأه المسافر ورأسه مهشَّمة في غروب الآفاق.
* * *
في الطائرة أتطلع إلى شاشة (الأوقات والمسافات) المضاءة أمامي… الجملة جديرة أن تكون عنوان كتاب في الأدب بمعناه المعرفي المفتوح على ضفاف تنطلق من المجال البصري الشاسع للمشاهدات الفلكية والجغرافية.. سيكون تأثيره كبيراً، إذا أحسن صنيعه بالطبع، في المناطق الحسّية والروحيّة حين قراءته. سياحة حرّة في الرؤى والأفكار، الهواجس والاستيهامات، كما كان الأقدمون يفعلون في كتاباتهم ذات الشمول المعرفي والتأمل في الإنسان والطبيعة.. أتطلّع إلى شاشة الكرة الأرضيّة المسفوحة أمامي، التي تتوزع على أديمها ومنحنياتها المدنُ والبحار، القرى والمحيطات، أفكر في خارطة الأرض العربيّة التي أحلق فوق سديمها هذه اللحظة، مبقورة الأحشاء، والدماءُ تسيل غزيرة في تضاريس الخلجان والقارات. أقرأ في الجريدة رحيل الباحث الكويتي خلدون النقيب.. لم أرَ الراحل إلا مرات معدودة سريعة كانت إحداها مع ليلى العثمان في أبوظبي وأخرى في أحد المطارات… أقرأ هذه العبارات الآسرة: «هذه المنطقة الحضارية (الجزيرة العربية) هي أكثر مناطق الأرض ألفة ولكنها في المقابل أكثر مناطق الأرض غموضاً وشروداً وغنى، متناقضات من هذا النوع ليست بالضرورة ناتجة عن مبالغات غير موضوعيّة».
* * *
من النافذة: الغيوم والسحبُ تتدافع بين التيارات الهوائية (درجة الحرارة خارج الطائرة 60 تحت الصفر) تتدافع الغيوم كقطعان كباش فاجأها الهياج في مراعٍ ظليلة عاصفة، فأخذ منيُها يسيل بين الصوف المهتزّ والعشب الوارف.
* * *
من النافذة: تترك الغيوم والتيارات المتصارعة، فراغات قياميّة في وحشتها ودمويتها، فأرى الخلائق تتدافع في ثقوب السماء وثغورها الكثيرة كجراد أسطوري يحمل الأرضَ اليبابَ في خطْمه وقرونه ، يوم الحشر، ربما على هذا النحو سيأتي.. وتُغلق أبوابَها الحكايةُ الأزلية.. الصديق الذي تباغته نوباتُ شطح هذياني، يتخيل يوم الحشر بشكل عكسي: أفواج بشرية تنتشر كما ينتشر السمك في البحار، لتسقط في دوامات مصائد عملاقة نُصبتْ في الأعماق. ربما سيكون هناك حل وسط، في أن تتآزر الأعالي السماوية مع الأعماق البحريّة، لنصب محاكم الثواب والعقاب. فليست السماء إلا بحارا مقلوبة والعكس صحيح، على ذمة الراوي المتحدر من سلالة النيازك والرماد.
* * *
الشجرة العالية بهزالها الواضح يحُّط عليها سربُ غربانٍ في ظهيرة عارمة الأغصان تكاد أن تتكسر وهي تقفز بنشوة ونواح كُتل الغبار تمتطي السماء كسحُب غاضبة سحب الجحيم المخبأة ليوم الحشر وقد فاضت نحو دنيا البشر..
* * *
هذا النواح المتفجِّر من قلب السماء والشُهب والنجوم هل أنا الوحيد الذي يسمعه في هذه الطائرة المحلّقة نحو بيداء القصور والمفازات؟
* * *
دم النيزك رمادُه الذي خلق الله منه البشر والحيوانات.
* * *
بين البراءة ونقيضها فاصل موسيقي أو مسافة مجزرة الوعول تنحدر من مفارز الجبال لتشرب من نبعها الجاف تسمع ترجيعَ الربابة يتصادى بين الذُرى والتلال فتسرح في هواجس مرعبة: إن عصراً دموياً فيالقُه ستكتسح الجميع
* * *

المرأة التي أمامي تشبه خيمةً سوداء متنقلة بين المضارب والخيام لا فتحات ولا ثقوب يمكن أن تتنفَّس هواء الصحراء العميق لكن المرأة، الخيمة تضمُّ طفلها بحنان ظباءٍ تسرح بين الأثل والسيداف
* * *
الساعات أمامي، خط الساعات المركوز على لوح خشبيّ في المقهى. ساعات تلخص جانباً من توزيع الوقت على مساحة العالم: المكسيك 6.20، سيدني 1.30، كينيا 2.20، مومباي 2.15، كولومبيا 3.0، ساحل العاج 11.20، البرازيل 2.0، أحاول أن أربط بين هذه البلدان الموزعة على قارات ثلاث، أم اختيرت بصورة عشوائيّة؟ ربما الجامع بينها شجرة الكاكاو والقهوة. عدا مومباي، ربما للكثرة الهندية المقيمة والعابرة لمثل هذه المطارات.. استل كولومبيا متذكراً ذهابي إلى مهرجانها الشعري وتحديداً في مدينة (ميدلين) اتجهت إليها من باريس، بصحبة أصدقاء: عبداللطيف اللعبي، قاسم حداد، عيسى مخلوف… حين وصلنا (بوجوتا) العاصمة الكولومبية، بعد ما يربو على 12 ساعة على الطيران الفرنسي، كان لابد أن نأخذ هنا طائرة أخرى تقلنا إلى (ميدلين). عيسى مخلوف الذي كان يتقن الاسبانية ومن أوائل مَن قدّم بورخيس ومختارات عالية القيمة من الأدب اللاتيني إلى العربية، عزمني على كأس من شراب محلي قوي كي ننشط ونستطيع مواصلة الرحلة الشاقة.. وحين وصلنا إلى المدينة التي تحتضن مهرجان الشعر والفنون، التي هي مركز النزاع أو متاخمة له بين الحكومة والثوار اليساريين، وميليشيات العصابات. ركبنا من مطار (ميدلين) أو (ميديين) حسب نطقهم وتعني مدينة الربيع، أخذنا باصاً قَطَع بنا جبالاً بالغة العلو، متعرجة حتى أن الباص يكاد أن يسقط على أكثر من هاوية ومنعطف حاد في ذلك الليل اللاتيني المفعَم بأطياف الخضرة والأمطار والضباب. حطّت بنا الرحال في الفندق المدجج بحراسة جيدة، فترة قصيرة لتوزيع الأغراض على الغرف، حتى اجتمعنا في بهو الفندق لنحتفل بإنجاز الوصول سالمين.. كانت النشوة التي تعقب ما يشبه اجتياز الأخطار والعقبات. فترة أخرى أقصر من سابقتها، وينفجر صوت السلاح من فوهات، وأنواع مختلفة، معربداً ومدوياً على مقربة من الفندق. بعد أن خفّ الدويّ ذهبنا إلى شرفة الفندق لنشاهد ما يجري أو بقاياه وحطامه، سمعت عبداللطيف اللعبي يقول مازحاً: وضْعُنا كمن جاء برجله كلَّ هذه المسافة ، إلى عرين الأسد، وقال له ، تفضل يا أسد افترسنا..! لكن في الأيام اللاحقة، نسينا كل تلك الأحداث والمشقات التي بدأت كنذير شؤم وسوء طالع. نسيناها في خضم تلك الحميميّة العارمة، وذلك الجمال الذي حَبَا الإله به تلك الشعوب العاشقة للشعر والفنون والمسرح والحب. شعوب الطفولة الشعريّة بامتياز.. أنظر إلى تلك الساعات المركوزة في اللوح الخشبي الممتد، وأتذكر هذه الرحلة، ليس تحديقا في مرآة الزمن عبر تمظهره العميق في الساعات أو متعة استحضار الذكريات ، فحسب، وإنما دفعني أكثر، الهروب من معرض القبح والفظاعة الذي حاصرني من كل الجهات، فكنت الغريق الذي يتشبث بالزمن والحكايات.
* * *
كان يقرأ كتاباً، لم أتبيّن من عنوان الغلاف أي كلمة، بسبب غَبَش الضوء في الحافلة التي تقلنا إلى مكان الترانزيت… نادرا ما كان ينتبه إلى الضجيج المحيط.. يبدو نائيا ومستغرقا في الكتاب، لكن التفافة منه، ثم تصويب نظرة من وراء نظارته السميكة، نحوي. نظارته التي تبدو ملبّدة بضباب حزن دفين لرجل تشرّد بين الأفكار والطرُقات، حملتني في تيار الحيرة والارتباك نحو شخص غامتْ هويّته، بين ملامح شاعرٍ يسكن الخيال والكلمات، وبين قاتل محترف يطارد ضحيّته بين مدن شتى ومطارات.. (أين رأيت هذا الوجه في أي مكان وزمان؟) أيمكن أن يكون شاعراً وقاتلاً، أيختبئ الشاعر في إهاب قاتل أحياناً أو غالباً، أو ان إحدى الصفات الغالبة التي تحدد هويّته، تخفي نزوعات النقيض، وتفصح عنها إشارات غامضة، بين الفينة والأخرى؟ بما أن اللحظة تصرَّمت منذ بدايتها لم يبقَ هناك إلا الغموض والحَيْرة في هذه الرحلة القصيرة..
* * *
يتراءى من الخاطرة الآنفة، فيما يشبه الضوء المخنوق، أن الرجل قذفتْ به الصدفة، ذات زمن إلى بلاد أقوام طاعنة في القسوة وسوء الطويّة، على رغم المظهر المدني والأخلاقي الذي ينطوي على قدر غير قليل من التكلف والافتعال. وبما أن الرجل قد تعب من مسارات حياته المتشعبة، وانسدّت أمامه الخيارات، قرّر الاستسلام ليس بالضرورة على نحو قول الشاعر: «ولما أن تجهمني مرادي جريتُ مع الزمان كما أرادا» وإنما على نحوٍ من عزلة حاول أن تكون محكمة كأنما في قلعة بعيدة أيما بعد، حتى وهو بين ظهراني أولئك القوم الذين لا يمتُ بأي صلة نَسب إليهم. حياته الطويلة تلك خلقت هذا الارتباك والقلق في هويته الروحيّة وملامحه، ودمرت الفواصل الواضحة والحدود.
* * *
مشاغلُ البراءة، حياءُ النجوم أيتها النجوم لا تنتظرين جزاء من أحد حتى من أولئك الذين يقضون الليالي مخطوفين بجمالك لا تنتظرين سؤدداً أو وهمَ خلود ولا تصفيقا لكنّ غناءَ البحّارة في الظلام الموجِع متصاعداً من أعماق المحيط تحسّينه كنسيم حنونٍ يغمر أجسامكِ المتناثرةِ في الأثير.
* * *

 

اشارات:
– معركة الجبل بين العُمانيين والبويهيين على هذا النحو، أوردها (مايلز) في رحلة الجبل الأخضر، كتاب (غواية المجهول) للدكتور هلال الحجري، وكذلك بيت الشعر لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
– ولا تخفى الإحالات على القارئ في سياق النص: السيّاب، جبران خليل جبران.
– ومقطع خرافة فلج الدن، ورد في (نهضة الأعيان) لمحمد شيبه نورالدين السالمي.
– شذرة الفيلسوف نيتشه من هكذا تكلم زرادشت ترجمة علي مصباح.. شذرة الفيلسوف (كانط) من كتاب باشلار. ت: سعيد بوخليط… الخ.
– أبيات (ريتسوس) من كتاب شعراء العالم لعبده وازن وبيت الشعر المقفىّ للمعرّي.

 
السيرة الذاتية
(سيف الرحبي)

ولد سيف الرحبي في (قرية سرور – سمائل) سلطنة عُمان، درس الصحافة في القاهرة وعاش في أكثر من بلد عربي وأوروبي، عمل في المجالات الصحفية والثقافية العربية. يعمل حالياً رئيساً لتحرير مجلة نزوى الثقافية الفصلية التي تصدر في مسقط. من أعماله: “نورسة الجنون، شعر (دمشق، 1981)، الجبل الأخضر، شعر (دمشق ، 1981)، أجراس القطيعة، شعر (باريس، 1984) رأس المسافر، شعر (الدار البيضاء، 1986) ، مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، شعر (عمّان، 1988) ، رجل من الربع الخالي، شعر (بيروت، 1994)، ذاكرة الشتات، مقالات، (بيروت- الشارقة 1991) منازل الخطوة الاولى ، سيرة المكان والطفولة (القاهرة- مسقط 1993) ، جبال، شعر، (بيروت، 1996)، معجم الجحيم، مختارات شعرية (القاهرة، 1996)، يد في آخر العالم، شعر، (دمشق 1998) ، حوار الأمكنة والوجوه، مقالات، (مسقط- القاهرة 1999)، الجندي الذي رأى الطائر في نومه، شعر (كولونيا- بيروت 2000)، قوس قُزح الصحراء، تأملات في الجفاف واللاجدوى (المانيا – بيروت 2002)، مقبرة السلالة (ألمانيا- بيروت 2003)، الصيد في الظلام (ألمانيا- بيروت 2004)، أرق الصحراء (بيروت)، قطارات بولاق الدكرور (ألمانيا- بيروت)، من بحر العرب إلى بحر الصين: سألقي التحيّة على قراصنةٍ ينتظرون الإعصار (دار النهضة العربية- بيروت)..، نشيد الأعمى(بيروت )، حياة على عجل (بيروت) ، رسائل في الشوق والفراغ (بيروت – دار الآداب) ، تُرجمت مختارات من أعماله الأدبية إلى العديد من اللغات.

ويمكن مراجعة الموقع الالكتروني التالي: (www.alrahbi.info)

 
***
كيف يمكن مقاربة هذه الملحمة الصخريّة؟ جزالة الصخر وبسالته العدَميّة.. السلالات، والحيوات والأحداث المتعاقبة عبوراً على أديمها، وهي بهذا البقاء الصلب، بهذا الصمت الجارف في حضوره وتجليه، صمت الأوابد..
كيف يمكن المقاربة الكتابية لمثل هذه الملحمة الجبليّة، خاصة بالنسبة لشخص لم يعايشها رغم انتمائه إلى المكان؟
وإذا تجاوزنا شرط المعايشة، بما أن الخيال أو التخييل، قادر على تجسيد أكثر الأماكن نأيا- على دلالات هذه الكلمة المختلفة- وخرافة.. تبقى مسألة الرؤية الفنيّة والأدوات.
كنت عام 1979 في دمشق، أحاول الكتابة شعرا ونثراً.. ذات صباح معطر بالياسمين الدمشقي الأثير إلى قلب الراحل نزار قباني، وأنا أشرب القهوة الأكثر فتنة وسحراً في ذلك الجو الصباحي المبكر، ظهر لي الجبل الأخضر، مجرّة حنين وأحداثا وسلالات..
حاولت تسلقه كتابياً، بأدوات وجسد لم يتعودا تسلّق مثل هذه الوعورة والغموض.. ورغم ذلك مضيت في التجربة، وهكذا وُلدت تلك القصيدة الطويلة بأصواتها وعثراتها، والتي وسمت الكتاب بكامله، حاولت تسلق الجبل الأخضر كتابياً، مثلما أحاول اللحظة تسلقه واقعاً وإقامة، ولو بشكل عابر..
من المفارقات الطريفة، حين صدور الكتاب وتوزيعه، اتصل بي الناشر، وهو ناشر داره في طور التأسيس، عرفني عليه الصديق ابراهيم الجرادي الذي كتب كلمة رائعة على غلاف الكتاب الذي صممته الفنانة سحاب الراهب وخرج بألوان غير التي حددتها المصممة، ألوان خضراء. اتصل الناشر ليشكرني لأن الكتاب دفع بالدار إلى الأمام، حيث إن السفارة الليبيّة اشترت معظم نسخ الكتاب ظنا منها أنه الجبل الأخضر الليبي الذي تدور فيه لحظة كتابة هذه الأسطر معارك شرسة بين نظام القذافي الذي اتخذ من الأخضر لون نظريته الكونية المطلقة، وبين الثوار المنتفضين عليه.
فكرت آنذاك أن السفارة الليبيّة ستعيد النسخ إلى الناشر حين تعرف أن الجبل المقصود ليس جبلهم.. لكن ذلك لم يحصل ، ماذا يعني بضعة آلاف من الليرات السورية لدولة غنية مثل ليبيا؟