جديد الكاتب

مياه العالم

هذا الضبعُ الذي تلمعُ عيناه في الظلام، صديقُ السحرة الذين ألقوا أخي في غياهب الجبّ، وما زالت أمه تنتظرُ رجوعه حتى اليوم، تعدّ الأيام والشهور والسنين تتسقطُ أخباره المتضاربة من أفواه الأهالي. بعضهم شاهدوه مربوطاً على شجرة سمُر عارياً ووحيداً. وآخرون شاهدوه

أيّام تتلوها أيّام

والانتظار ينهشُ جسدها وعيونها التي أصبحت بلا ضوء، حفراً مليئة بالوحشة على الغائب الذي قذف في خضمّ التيه، ربما ثأراً لاخوة قضوا بالطريقة نفسها

وربما..

أيّام تتلوها أيّام

لا أثر للفقيد
لا أثر للأم

لا أثر للعائلة..

هذه القصةُ التي روتها جدّتي ورواها مجنونُ القرية. اتذكر اسمه، كان اسمه عليّ بن ساعدٍ، لم أعدْ الآن اتذكر غيرها، لم أعد اتذكرهم حين كانوا يضرمون النار في الخيام،عدا الصرخة التي كانت تقفزُ من قلب الحريق نحو العدم المنتصب كعصا الأعمى، وحين كانوا يبيدون الأيا

لم أعد اتذكر شيئاً،

عدا كوْني موجوداً في زاوية ما من إبط هذه الميدوزا، أحك رأسي من بقايا القمل في سجن البارحة، اتحدثُ مع نفسي وأشباحي الكثيرة التي تمرحُ سعيدةً وتقفزُ كالجنادب تحت مطر الربيع الذي لم أذق طعمه منذ قرون.

المساء ينزلُ على المدينة

يعقبهُ الليلُ والنهار

أفلاكٌ تقود بعضها كعميان شرسين، ومجرات غاضبةٌ على وشك الاقتتال، لا شك ستحصلُ على إثارة أكبر من حروب كوكبنا التي أصبحت مضجرة: يقولُ أحد أشباحي، وينطلقُ كالسهم نحو حانات الدار البيضاء.

ويتمتمُ آخرُ: آه، مر زمن لم أذق فيه طعم التفاح أو أضاجع امرأةً من الخلف في فندق هجره زبائن الصيف وبقيت صاحبتُه التي تحبُ النكاح من الخلف.

ويصرخُ ثالثٌ: لم يعد لي مستقرٌ في هذا المكان، سأفجر ثورة في غابات الأمازون، وإذا لم افلح سأحرقُ الهنود وأبقارهم وأغانيهم التي تزهقُ أعصابي في البيوت المجاورة.

ها أنا ألمحُ الجسر الذي مشت عليه الملايين قبلي وتبخرت، ألمحه من البعيد بحدبته التي تصلُ الغابة بالبحر، بعد أن أزهق التعبُ كياني، ألمحه كمخلّص ينتظرُني منذ الأزل،حيث ارتمي في الحانة المطلّة على بحر الشمال الهائج، اشتمُ رائحة القراصنة والداعرات اللاتي آخذُ

* * *

شربنا مياه العالم ودمه ولم نعد نبكي،

لم يعد ذئبُ الفلاة قادراً على النحيب كما في الماضي، صار يشتمُ الدم المتيّبس على سفح الكائن ويردُ الآبار ولا يتذكرُ شيئا من ماضي الفريسة والجبال والمدن التي تناسلت فيها السلالةُ، صار يعتكفُ متأملا ذريته الضارية، مأخوذاً بهذا الفيض الذريّ الذي انبثق كإشراقة

همْهم رعدٌ واكفر ظلامٌ وهو في حيرة من يتخذُ قراراً أخيراً. مشى خطوات كمن يراوغُ نفسه، فوق تلال طفولته المبعثرة، حاول أن يحتمي بشيء منها، شجرة أو ذكرى أو نبع. لكنه أحسّ أن لا صلة له بهذه الأمكنة ولم تكن له طفولةٌ ما على هذه الأرض، عاودتْه نوبةُ الدُوار الح

ربّما حلم بليلةٍ أخيرةٍ مع أنثاه التي اختفت منذ سنين، كانت تركضُ وهو وراؤها.
(مقطع من نص طويل)