جديد الكاتب

مياه الروح

كما ينسحب المحيط في أزمان معينة، ربما من ضجره ويأسه، مخلفا وراءه جزرا ومساحات كبيرة تتحول إلى قارات تقطنها شعوب وحيوانات وأنماط سلوك وعادات.. هكذا الذاكرة حين تحاول لمس ما مضى واضمحل، في مدن ومقاه، وجوه وذكريات..
تحاول أن تقترب من تلك الحيوات التي كانت نابضة حتى الاستحواذ والضجيج كجزء عضوي من نسيج الذات والسلوك والأحلام، تحاول أن تلامس وتقترب وتستدعي لكن الحنين الذي كان جارفا خفّ اندفاعه وهديره، وإن لم يبرح المعاودة والاختراق كدليل حياة وإبداع، وكملاذ في بعض الأحيان والهنيهات..
تحاول الذاكرة والحنين الغامض وتظفر بمحاولتها أو تنسحب حيوات الغياب تلك مخلفة، كما البحر والمحيط، تلك الفراغات والكسور والتصدّعات مخلّفة وراءها الأرق والخراب، لأن تلك الفراغات النفسية والروحية تستعصي أحيانا على ما يسد جوعها الغاضب على ما يروي عطش يباسها الذي خلفته الانحسارات والجروح المتراكمة.

هكذا داهمنا الصيف البالغ الحرارة، هذا العام، بعد إعصار “جونو” المعروف، مما يستدعي كالعادة شد الرّحال كما يفعل الأسلاف في الماضي البعيد، بحثا عن الماء والكلأ، عن نسمة عابرة وعلاقة أكثر عبورا، إذْ عزّ البقاء والخلود في هذا الشأن المنصدع باستمرار..
بعد استراحة أسبوع في جزر المالديف في بيت خشبي بجزيرة تشبه الغابة وسط المحيط الهندي المتلاطم، لا تسمع صوت سيارة أو نباح آلة طاحنة، بحر وهدوء ووطاويط تحلق بين أشجار جوز الهند تشبه المراوح البحرية، بصمت وكأنما حفيف الروح العاشق يتهادى بين الأغصان والعُذوق.
بعد هذه الاستراحة قدمت إلى بيروت المفعمة بالاحتمالات والتناقضات من ما وراء الكارثة، إذ أن هذه الكارثة خبرتها مدينة الثقافة والجمال وما هو نقيض ذلك، خبرتها حتى العظم والنخاع.
وبما أن المقاهي تشكل بالنسبة لي في الماضي ذلك الفضاء الحميم للحياة والكتابة والقراءة، صرت أقف أمام تلك المقاهي التي كانت الأشهر والأجمل في فضاء المدينة، التي يتناسل قتلتها من كل حدب وصوب، أقف في لحظة طللية باكية من عز ودموع أو مراثٍ فاجعية، وقد تحولت المقاهي مثل “المودكا” و”الوينبي” إلى محلات لبيع الملابس كما تحوّل قبلها “الهورس شو” وانقطع ماضيها الثقافي والجمالي.
بدمشق، أيضا، تحوّل “اللاتيزيا” الذي كان ملاذنا من الشتات في الأصياف الحارة، أو في الشتاءات الدمشقية الباردة، إلى مطعم فخم لمُحْدثي النعمة وفقد هويته بالكامل…
أجيء إلى باريس، في الحي اللاتيني الشهير، والشهرة هنا ليست إلا استعادة فلكلورية لماضٍ جميل وعميق. أقف الوقفة الطللية نفسها من بلاد العرب إلى بلاد الإفرنج، تلك التي أدهشت الطهطاوي وعلماء المسلمين ولخبطت عليهم معايير الفكر الوثوقي الواضح والمستقيم من غير لبس ولا أسئلة، أقف أمام مقهى “كلوني” الكبير ذي الطوابق المتعددة الذي كنّا نلتقي فيه من بلدان وأصقاع مختلفة لنشكل عائلة دفء وسجال وأحلام، وقد تحول إلى مطعم بيتزا للسياح. وليس مقهى “البيري جوردين” الواقع على ضفة نهر السين بـأحسن حالا، فقد تحول هو الآخر إلى مطعم بيتزا من ماركة استهلاكية أخرى..
هذه “العولمة” الاستهلاكية الكاسحة في الطعام والملابس والتعبيرات الغريزية الأخرى، تنسحب أمامها مياه الروح وأماكنها مخلّفة تلك الفراغات الرهيبة المليئة بالحطام.