جديد الكاتب

من يوميّات الأفق المفتوح

من يوميّات الأفق المفتوح
الأشجار والنهارات الغائمة
تتسامق تميد إلى ما وراء الأفق
كأنما لا تريدُ أن تفارق
عائلة السديم والنجوم

***

طائر يشدو بصوت آخر
يبدو أنه قادم على طيور الغابةِ
التي تستقبله
بحسنِ ضيافة الغريب

***

حنونٌ أمر هذا الليل
أحَنُّ من سلفه بكثير
لأنكِ أيتها الطفولة
لوّحت بيدك الغضّة
من النافذة
وواصلتِ الرحيل

***

ليس غيركِ
أيتها الجميلة
المختبئة بين الأشجار والأكمات
وأقمار مائلة
بلطختها الدكناء
تتبدّى في شكل وعول تركض في الفلاة
ليس غيرك
أيتها الطفولة
من ينقذ هذه الأرواح الهالكة.

***

ضوء يتسلل
من الشرفة المغلقة
ترى من خلاله
شجر الحور
يحنوْ على فسائله
الطالعة…

***

يجلس على الشرفة متضرِّعاً
أمام الأشجار والنسيم
لكن قبَسَ الرحمة
لا يدنو منه
فيشعر بسيف الجلّاد
هاوياً على رأسه المهشّمة.

***

قال لي صديق ذات مرة:
ما إن أصل إلى بلاد
حتى أقول
هذا هو الوطن النهائي
لكن ما إن تنقضي الأيام
التي لا تصل إلى أشهر
إلا بحبل واهنٍ
من الضجر والغثيان
أغادر إلى بلاد أخرى..
هكذا انفرط العمر
بحثاً عن الوطن والمكان.

***

مندفعاً
هذا الحصان الأصهبُ
في الفراغ المحتشد
وحين يصل الذروةَ
تحفه الفراشات
والملائكة والأطفال
مندفعا
هذا الناسك
في حدائق روحه
شارداً في ملاعب رؤاه
لقد أوشك على بلوغ الذروة
التي وصلتها
اندفاعةُ الحصان والفراشات.

***

الفيضانات
دموع الأرض على أبنائها
البشر التعساء.

***

قالت الغيمة لجارتها:
لقّحي فحل السماء الهائج
كي لا يدمّر البيادر والحقول

***

به غضبٌ هذه اللحظةُ
لكنه لا يريد تدمير العالم
الذي يأكل كبده ببطء
ولا يريد حرْقه
بزرِّ كبريت ذرِّي
فقط
يصغي إلى اضطراب الكواكب في بساتينها
إلى صراخ الأجنّة في أرحام الأمهات
وإلى اقتراب نجمة مهولةٍ
من هذه الأرض
ببطء تقتربُ
رويداً رويداً
وبشبق لا نظير له
حتى تُنجزَ اللقاح البهيج
وتكون النهاية..

***

أعتذر منك
أيها الطائر اللابدُ على غصن الشجرة
فالريح ستقصف بعد قليلٍ
عشَّك المبلَّل بأمطار
البارحة

***

سلاماً على الشجرة وأعشاشها
سلاماً على البرق
تثغو قطعانُه
من الجهات الأربع
باتجاه الأرض العربيّة
المثقَلة بالنعيق والجذام

***

منذ الصباح المبكر
الذي يلوح من النافذةِ
أرى صورتك المضيئة
معلقةً على جدار قلبي المهدَّم
لكنه العامر بالجمال
بسبب هذه الابتسامة
التي ترسلها في الفضاء المكفهرّ
فيستحيل مروجاً وارفة..
أراك في البعد
كما في القرب
ينبوع غبطة وابتهاج
أيها الملاك الصغير
الذي أتيتني من حيث
لا أحتسبْ.
كنت أسبح في لجة الهاوية
بين الجبال
والأودية الجافة
موشكاً على الغَرَق
أو الرحيل إلى البلاد
التي لن تعود منها
حتى سلالة الشيطان.
أتيت وغيّرتَ الخيال والذاكرة
غيرت الزمان الموحلَ
الذي تتلاطم في أتونه
جرذانٌ موبئة..
دائما في ابتسامتك
التي تلوح مع الصباح
أحلّق على أجنحة الأمل
يحملني ضوء نجمةٍ
إلى البلاد المفعَمة
بالزرقة الأبديّة
كي أعود إلى ضحكتك
التي لم تفارقني
حتى في الأحلام القصيّة
وما وراء الحياة
الحياة التي أضحتْ
ينبوع سموِّ وانبهار،
أيها الملاك الصغير

***

الليل ينتشر بين أضلاعِ
الغابة
وفي عيون حبيبٍ
غيّبه الموت
فثوى في السديم

***

يا لهذه الذكريات
تتقاطر تباعاً
عربات قطار تشتعل فيها النيران
فتستحيل إلى رماد

***

ليلة مؤرقة
لا قمرَ فيها ولا نجوم
عتَمة خانقة
وأنت وحيد
في غرفتك البعيدة
إلا من قُميْر
في طور الاحتضار
غامراً لياليك
بأضوائه الميّتة

***

رجل يخاطب غيمة عابرة:
امطري حيث شئتِ
أيتها الغيمة
فظلُّ رحمتكِ لي
ووارفُ نسيمكِ للملاك الصغير

***

أعرف أن هذا الطائر
الذي يصدح منتشياً في الفضاء الطلْق
وبين أشجار الغابة
هو روح الحياةِ
مترحِّلة
في ممالكها اللامرئيّة

***

أصحو
على ابتسامتك التي تملأُ المسافة
بالنغَم والموسيقى
ومن لثغة الطائر
في عشه
وهذيانه الحميم
أعرف
أنك تعاتبني
ربما تقول:
أن الطقس ما زال حاراً
وأنك لا تغادر البيت إلا قليلاً
ولا تذهب إلى الحديقة.
تقول لي:
إنك تنتظرني

***

يدنو الطفلُ
من مياه البحيرة
تلحقه الأم بوجهها الأشقر
الذي يعلوه نمشٌ خفيف
ينحسر الثوبُ وهي تمسك بالطفل
تشرق من بين فخذيها
طفولةٌ ثانية
يعلوها مطر خفيف

***

أرى في وجهك الصغير
الذي يشبه وجه طفلٍ
كأنه ذاتَ دهر
أرى تاريخ البشر الباحث
عن مأوى وحنان
(الحنان سرّ الكينونة).
أرى إشراقة الخلاص
يحملها طائر يعبر الجبال
نحو البحيرات والغيوم.
طفولة الكائن
وهو يجتاز أرخبيل الموت
إلى حضن أمه الذي ما زال مفتوحاً
حتى عودة الراحل
من غياهب التيه والظلام

***

إلى ذلك الوحش المتداعي
يجلس بين تماثيل الكنغر والتماسيح
ديكة المعابد المضاءة بالشموع
تلك التي توقظ الفجر
قبل سطوعه على العالم.
ينظر إلى الحيوات حوله
في سكينةٍ باطلة
لا تنوي
إلا على نحر نفسها
يصغي إلى وقع خطا بعيدة
يقيناً ليست خطا الأحبّة
الذين رحلوا منذ أحقاب
ليست إلا خطا موتى
قادمين من جهات كثيرة
كأنما في موكب احتفال جماعي
بنهاية العام
أو بدايته
لا فرقَ بين الريح العاصفة
في خرائب مهجورة
أو في المدن العامرة والحقول
آمال يعلل بها الموتى وجودهم
يعلّقون التمائمَ
على عنق الذبيحة
ويدلجون المسافات
أقدامهم تعبتْ
والشيخوخة المريرة
تقرع الأبواب
تلك التي تجمّد الدم في الروح
وتجعل الوحش
يسقط في البركة الآسنة
تحفُّه أسراب البعوض والذباب
من غير حراك
ولا رغبة
في إزعاج الكائنات
التي تقلق أيامه ولياليه..
وأنت أيتها الصقور المحلّقة
في سهوب طفولةٍ
كأنها لم تكن يوماً
على هذه الأرض
أطلقي نشيدك الأخير
على رفيق العمر
الذي أوشك
على الوداع والرحيل

***

نواحك أيها الطائر
يطوي المسافة
ويذكرني بذلك الفجر السمائليّ
الذي أخذ ينسج خيوطه وأمشاجه
من نواح تلك المرأة الثكلى.
نحيبها يحتلّ الأودية والشعاب القاحلة
ويخضِّبها بمطر دموعها الغزير…
يتبدّى العالم ظلاً هائلاً في مرآة الجبال
ودموع تلك المرأة وانكسارها

***

ما الفرق
بين الأسماك الملوّنة
السابحة بوداعة ونعاسٍ
في الأكوريم
وبين تلك السابحة بوحشيّة الأعماقِ
في المحيطات؟
خيال الحريّة
يسكن الليل والعاصفة
هِبة العلوِّ والحياة.

***

الطائر يحط فوق رأس البوذا، البوذا الذي يقول (إن الإنسان الحقيقي هو الخبير باللاأذى)، يأخذ الطائر زاداً من روحه المعذّب بأهوال العالم، ليواصل التحليق والطيران في الأراضي الشاسعة والقارّات..
والنحلة الملكة تدير شعوبها المتناثرة في أرجاء الغابة الخضراء. على مقربة من بيت التماسيح التي تغط في سُبات عميق يتبدّى أزلياً، حتى تحين لحظةُ الافتراس: والسناجب تتسلق الأشجار العملاقة جيئة وذهاباً بخفّة تتساقط مع أصواتها التي ترفد نواح الطائر وذلك الصوت الدامي للمرأة السمائليّة، بنبرة نواح آخر، كأنما الانسجام الأقصى للطبيعة في هذا المسار المأساوي محمولاً على فضاءٍ من شفافية جارحة.

***

أيها الطفل الآسيويّ، الأندونيسي، التايلندي، الصيني، وأنت تسبح في البركة الصغيرة التي تمور في خيالك أكثر سعةً ورحابةً من الأكوان والبحيرات الكبرى. أيها الطفل تذكرني بذلك الذي خلفته في البلاد البعيدة، شاخصاً من حوضه المائيّ المحاط بشجيرات يتيمة، نحو الطيور والطائرات وهي تعبر دروبَ السماء، وحين يعبر سربٌ، يخبط الماء بنشوة من بلغ به الفرح أقصاه واستوى على عرش مملكته الغامضة.. ما كنت أعرف أنك ستخرّب نزهاتي، وتحتل المكان القصيّ في فؤاد أوشك الزمان أن يسلبه الحبَّ، أن يدمره، بحيث لا يُعاد له صوْغ، إذ يدخل الحلقة الأخيرة في جحيمه الخاص.

***

كم أنا فخور بك أيتها الشجرة
وأنت تظللين هذه الحشود
من الجرحى والمعذّبين
أغصانك المتطاولة في الظلال
تلامس أهدابَ سماء حانية
وجذعك الملتف بنتوءاته
التفاف أزمنة متراكمة
منذ بدء الخليقة، ضارب في الأعماق
الصافية، بعيداً عن المخلوقات
السارحة على الأديم، المتناحرة
على حبّة قمح أو جيفة حيوان.
كنت الصدر الحنون للأطفال الهاربين
من المذبحة، وكذلك الشعراء والفلاسفة،
أماً رؤوماً ، ملكة حنانٍ لا تقهر.

***

اغربي أيتها الشمس
شعاعك ما زال يتسلل إليَّ
من بين الصخور والأكمات
اغربي
فلستُ معجباً بالمآثر والمدائح
التي دبَّجها عباقرة وشعراء
اغربي
فقبل أن تدخلي طورَ الاحتضار
بعد أحقاب ضوئيّة، ساحقةً
أرض البشر (إن ظلت إلى ذلك العهد)
كما يسحق فيل أفريقي هائج نملةً مريضةً،
(رغم انكِ ما زلت
في طور الشباب، فحرارتك
على السطح تبلغ ستة آلاف درجة،
وفي المركز عشرين مليون درجة مئوية
ونشاطك الحراري الجهنمي يظهر
على هيئة غيوم بأشكال نبات الفطر،
وهو الشكل الذي اتخذته قنبلة هيروشيما
مفخرة الصناعة البشريّة
على قدم وساق).
عليك أن تتواري عن وجوهنا وعيوننا
التي بدأت أعصابها في التلف والاضمحلال.
عليك أن تتواري كثيراً قدر الإمكان
الذي تمليه قسمة حظنا النحيل، في هذه
الهنيهة العابرة..
عليك أن تغربي
فلست معجباً إلا بغروبك ومغيبكِ
الذي يشبه قلب العاشق المتيّم ويشبه (ذهبَ الزمان).
دعي السحُب والغيوم تغطي بمظلاّتها الكثيفة المنذرة بالرعود والصواعق والبروق.
اغربي
دعي الليل يتقدم بظلامه الأكثر عمقاً وخصوبةً، ليل الشعراء والمجانين، ليل المتصوفة والشُهب التي ما يفتأ جمال سقوطها ينير مسارح الوديان ، السهول والهضاب الخرساء.

***

غيابك
يجعل السماء مقبرة شعثاء
النجمة تهجر موطنَها
تائهة في دروب المجرّات
ويجعل النبعَ يَجف.

***
جنود ذاهبون إلى حرب
لا أحد في وداعهم، لا أحد يذرف الدمعَ أو يلوح بمناديل شبحيّةٍ من خلف الشرفات، على الراحلين إلى الديار التي لن يعود منها أحد.. القطار والعربات المكتظة، انطلقت من محطات مهجورة ومعسكرات..
صيّادون يبحرون في صباح العواصف، يشيّعهم نباح كلاب في شواطئ مظلمة..
فلاحون يحرثون الأرض ليلَ نهارَ، لتذهب الغلال إلى مُترَفين وحمقى.
ليس بين النائحة المأجورة والثكلى من فرق، في أزمنة القحل والجفاف.
وتعويذة السَحرة والمشعوذين لا تذهب أبعد من جثّة الغريق.

***

آه أيتها المرأة السابحة
في البحر والسديم
فرجك يتلمّظه الملحُ والسمك العاشق
توغلين في الليل
فخذاك جنّة مُستعادة
ونهداك حران كالنسيم
توغلين في البحر والليل
لا أرى فيك ملامح الذاهب إلى الانتحار
رغم أن هذا الجمال
لا يليق به إلا الذهاب أبعد فأبعدَ
في خزائن الأعماق
في جروف المرجان
الحياة بانتظارك على الشاطئ
فكري في الرمل الأبيض
والكتاب.

***

دائما ترفع الجماهير القبضات
وتلهج بالهتاف
تحمل الزعماء على المناكب والأكتاف
الحناجر منتفخة الأوداج
والأحذية تجرف الأرضَ
وتكاد تبلغ الجبال طولا
لكن ما إن يهدأ المهرجان
حتى تعود النفوس
كما الحقول العطشى،
إلى دورتها الأولى، ليبدأ مهرجان آخر..
إلى آخر الحكاية الأزليّة
للإنسان وأحلامه المحطّمة.

***

لا الصلابة
التي مهما قويت شكيمتها
لا رادَّ لها من الكسْر والتحطيم
ولا الرقّة المائيّة
التي مهما أوغلت في اللطافة والنَدى
اللطافة الأقوى
من صلابة الماس والحديد
هازمة القوّة بمرونة تكوينها الشفيف..
الاثنتان لم تنقذا تاريخ الإنسان
من الشرور والهلاك
لكن لحكمةِ الفيلسوف الصيني
مكانها المفارق
وبطشها اللطيف.

***

يا صديقي الصغير
إنني أخاطبك من مسافة
بعيدة
أبعد من سهيل
مسافة ركضَ فيها الظبيُ (كما يقول أسلافك)
حتى طارتْ أشلاؤه
في دوّامات أمواجها المتلاطمة
طارت في خضمها الطائرات الحديثة
والأساطيل وما لا يوصف من اختراعات
قصْف المسافة واستئناسها
لكنها ظلت غامضةً وعصيّة
صديقي
من البلاد البعيدة أخاطبك
والليل الآسيوي يميل إلى الانحسار.
أعرف أن خيالك الطفل
لم يصل بعد إلى هذه الرسوم والمرابع
لم يصل ربما أبعد من حوضك المائي الملوَّن
الذي تسبح فيه وتخبط ماءه كأنما في محيط..
لكنَّ الشكَّ يراودني في أنك تعرف
وأن خيالك يصل أبعد مما يدعي
معرفتَه أسيرُ التجربة والجراح.
وأنك تخدعني بألاعيبك البريئة
الأكثر حدْساً ربما من المعرفة
وأوهامها..
في نظراتك الشاردة سفر آخر
وقصيدة لن يكتبها إلا الملاك الصغير
وهو يبحر في رحلته الفلكية
التي تندفع إلى تحطيم كل شيء تصله يدُك
كأنما العالم في خيالك الحر، خيال
المطر والريح، يجب أن يُوجد ويستوي
كي لا يفقد هذه العفوية وهذه الفوضى المشعة
خارج القواعد والمواصفات..
بالبراءة نفسها، براءة القدم الأولى
وهي لم تبدأ بعد في
الاختبار (البالغ) للأشياء والوجود.

***

أجلس على ظهر تمساح
أشرب عصير العنب
وآكل فاكهة الغابة
وعلى مقربةٍ
أرى فرس النهر يشق عباب المياه
مفرِّقاً أطنانا من الأخشاب الطافية
والحطام
بخطْمه الرهيب وفكيه يزدرد بلدةً
بكامل سكانها لتستقر في معدته
التي تشبه قعر سفينة غارقة.
على ظهره الطيور تنقر رزقها
والعقبان تحمل في مناقيرها الأسماكَ
عشاءَ العائلة في وكْر الشجر الغابيّ
المترامي..
لا نوارس في الأفق ولا يمام
وأزيز الغابة جيشٌ يستلُ أسلحته
ليغشى المعركة بعد قليل..
يتسع المشهد ويمتد، ليعود النظر
حاسراً مشدوهاً، إلى المصطبة
وظهر التمساح ونبيذ الغابة..

***

يمائم بمناقير معقوفة حادّة
يحسبها غير العارف أسراب نسور وجوارحَ،
تخبط مياهاً سوداء شاسعةً،
أكبر من بحيرة وأقل من بحر، فتتطاير المياهُ
سُُحُباً منتنةً تطبق على الأرض والأفق.
تتساقط أعمدة وتنهار عمائر وأبراجٌ
شاهقة تسكنها بشرية من أراضٍ
مختلفة.. يهيج المحيط المتاخم مكتسحاً المدُن
والبلدات والأنهار في مسار هيجانه الكبير…
حلم وُلد من نظرة تمساح بعد نوم طويل، حدّق في الأعلى فرأى بومة تتفقّد بيضها وتحلم.

***

يرتعد خوفاً
من ذكر الله
كما ترتجف السحُب
على منحدر إعصار..
لكنه لم يفعل شيئاً،
لتصحيح الأمور
ما زال ينام على كتف الشيطان
وفي حدائقه المعشبة.

***

الطيور المهاجرة
تقطع الأرض والسماوات
الطبائعَ والمفازات
تهرب من ضواري البشر والسباع
لكن قبل محطة الوصول
تقع ذاهلةً
في شباك العواصف والبروق
تستسلم لبطش الطبيعة
تسرح مع أمواجها العاتية
تراوغ منْخفضاً جارفاً
تسترخي في ظل صاعقة
موشكة، على الانقضاض.
ما زال ثمة حلم غائم
باستئناف الرحيل

***

الأمطار والبروق
قبلة السماءِ
على الأرض المغموسةِ بالذل والحروب
الأبديّة تتجلىّ
في لمسة حنان خاطفة

***

لا تعوّل على شيء
ولا تستند إلى جماعة
الماموث الطليق
منذ آدم وما قبل الطوفان
شربَ الماءَ وأكل العشب

***

(النوم هو الموت الأصغر)
إذن يكفي مع توالي الأيام والسنين
لهذه العادة الغريزيّة والإدمان
(خاصة لغير المؤرقين) أن تدخل
عرين الموت الأكبر بهدوءٍ
وراحة بال. من غير هول
الوصف الذي راكمته الكتب، الخيالات والأساطير.
يكفي للراحل أن يغمضَ عينيه كما في كل مرة على امتداد حياته. وأثناء نومه تتداخل أطياف وطيور غريبة تحمله على محفة أو سرير، إلى نومه الأكبر… وربما هناك في الطريق ألوان قزحيّة وغابات تسرح فيها حيواناتٌ أليفة.. يدلف مملكة النهاية برهةَ نضج واكتمال.

***

أولئك المرهفون الذين تُميتهم كلمة وتحييهم إشراقة طيبة عابرة، كيف يتدبّرون العيش في واقع تفوق فيه أساطير الشر والخِسّة جهنَّم الموعودة، بشاعةً وانعدام ضمير.

***

المرأة الجالسة على الصخرة
يحيطها البحر من جميع الجهات
لا تفعل شيئاً غير النظر في الأفق
وسحبٌ تسير ببطء
نحو الضفة الأخرى من الأرخبيل

***

يتأرجح قارب الصيّادين بين تلال الأمواج العالية كما تتأرجح الهواجسُ والذكرياتُ في رأس المرأة الجالسة هناك.

***

قراصنة يبحرون في ليل دامس، ملفَّعين بالأسلحة والقسم السريِّ، حالمين بالكنز المختبئ بين تضاريس الأعماق..

***

تحت الشجرة المثقلة بالعصافير والغيوم، أجلس في مساء بحريّ، تحلّق فيه النوارسُ على أشرعة السُفن والمنارات التي تنطفئ وتضيئ، دليل البحّارة في الليالي المحتدمة بالظلام الوحشيّ، إلى الموانئ والمواخير والحانات.. بعد اجتياز الخطر البحريّ والعواصف تكون البيت والعائلة والملاذ.
العصافير يغادر سربٌ منها إلى الشجرة، الأخرى والنوارس لا تكف عن الصياح والتحليق.

***

ماذا يخبئ هذا الليل البحري؟
عدا أرق، لاشك سيكون أقل فتكاً
من أرق المدُن والثكنات

***

أيها المغيب
يا فاكهة النهار الحزينة
ترفقْ بصيّّاديك
يرمون شباكهم في ضيائك الأصفر
ثمة أطفال جوعى في انتظارهم
ترفق بالجرحى والمشرّدين
ترفق بالغرباء والموتى
بالثكإلى والمنكوبين
أنت الأكثر صدقاً
بين فصول الأوقات

***

يتحدث الموج بلسان الغيب قائلاً:
ليس الغيب إلا صفرة المغيب
محفوفة بسُحب حمراء
وطيور قادمة من أزمنة الطوفان

***

المرأة الأربعينيّة تحمل طفلاً
يبكي، يلحّ في البكاء
عنُقها بدأت فيه الغضون
نهداها يرتجفان بسعادة عابرة
المرأة الأربعينيّة
تشرد بين فاصل بكاءٍ وآخر
كأنما تتذكر شيئاً
لا تريد له أن يسقط في النسيان
المرأة القادمة من صقيع سيبيريا
أو من صوفيا المسوّرة بجبل فيتوشا
المكلَّل بالثلج طوال العام
المرأة التي تتجاوز الأربعين قليلاً
تترك الطفل لوالده
تتجوّل بين أشجار الحديقة الاستوائيّة
السناجب تتسلَّق سيقان الأشجار
طائر الليل كفَّ عن النواح
والسحُب تتدافع كالذكرياتِ
في رأس امرأة
أصبحتْ حرَّة ووحيدة.

***

لا شيء يعكّر صفو هذه اللحظة
التي انتزعها من براثن الأرق
عدا عصيان الحرف
وتوحّش الأبجديّة

***

غفرانك
يا حرف (الألف)
أنت الوحيد الأوحد المقدّس
عند شيخ الرؤى والحدوس
رحمتك على العبد
الذي لا يريد من الحياة مزيداً
عدا، استمرار هذه الهنيهة
التي توشك على الانقراض

***

أتذكرك يا شيخ المعرَّة
من هذا الصَقْع الذي لا تعرف عنه شيئا، فأنت ربما لم تغادر إلا إلى بغداد الخلافة المحتضرة. وهناك تجلى لك بسطوح الصباح المشرق في صحراء مجدبة، أن (ظلام المحبسين) أكثر جمالاً ورأفة، من مجالسة هذا النوع من الشعراء والحاكمين وعامتهم على السواء. وأن المعرّة المهجورة الضيقة أكثر نوراً واتساعاً من السعي البليد وراء سلطة وشهرة ينخرهما الوهم والنفاق.
قفلتَ راجعاً وحفرت قبرك المضيء.. ربما لم تغادر أكثر من تلك الرحلة التي كانت الدرسَ والعلامة. رغم تكسيرك ومحوك لكل الأدلة والعلامات.
لكن رحيلك القادم الذي بزغت حدوسُه المبكِّرة، سيكون في تخوم الروح وأعماقها الجريحة. سيكون سفراً في الكينونة وهشيم الكائن، وهو يزهو بوجود مجبول من تفاهة وزوال.
ستكون الرحلة شاقة، والأفق ظلاماً صلباً لا تخترق جدرانه أيُ سهامٍ تبتكرها الكائناتُ أمام سطوة فنائها الأكيد..
أتذكرك يا شيخ المعرَّة من الصَقع الذي لا تعرف عنه ربما إلا القليل، رغم ما يتجلى في أسفارك من أرومة روحيّة وفكريّة مع (البوذا). ذلك ما دُعي بحوار الفلاسفة وتواصلهم، على كتف المسافات والأزمان.
عرفتَ الجوهر الأهم، عرفتَ العزلة وهي تسكن العاصفة، عاصفة المعرفة والكرامة. فتشت في النفس حتى قعرها المظلم المخيف الذي لم يجرؤ على النزول في هاوياته المتناسلة إلا النادرون من الصفوة عبر التاريخ.
عرفت تزاحم الأضداد حتى في القبور. وإن طلب المزيد ليس إلا إيغال في تعب حياةٍ لا تلبث أن ترتطم بوجه الحقيقة الوحيدة الكالح. عرفت أن الأرض لا تتسع لمخلوقاتها التي قفزت إلى الأرض المجهولة، ولا احدَ يستطيع التنبؤ بشيء بعدها.
محوت الفرق بين شدو اليمام ونواحه، بين الفجيعة والخفة، (خفة الكائن) على نحو آسر..
عرفت (قبل فلاسفة وأدباء خارقين) ذلك الاغتناء السعيد، عن هذه المهزلة الشاسعة، شساعة الموت والحياة، العقاب والثواب، الجنس والزواج والتناسل، الفرح واللذة التي هي ليست إلا هنيهات عابرة، سريعاً ما تذروها رياح السؤال الجوهري للوجود. وغالبا ما تكون توثيقاً لمتانة الألم ودَفْق المأساة التي لم يكن طوفان نوح إلا بذرة جنينها الأول.
ما أغنانا عن هذا كله، لو تحجرنا في سُدم الغيب الأولى، التي لا يعرف إله الأقدمين عنها شيئاً، قبل أن تدبَّ هذه الخليقة على أرضها ويبدأ الغمر والتكوين، تبدأ التراجيديا على قول الأوائل الإغريق، التي تتعاظم حقبةً بعد أخرى كمدِّ المحيطات الكاسرة العرِمة.
مجرد خاطرة سريعة لا تليق بمقامك أيها العدميُّ الكبير.

***

طائر يغني
لحنُه الساحرُ الفريدُ
يجعل الموتى
يستيقظون من الأجداث
مرِحين في أرجاء البيت والحديقة.

***

ليس بين الأرض والسماء
إلا خيط وهم
تكسره البروقُ بوميضها الخاطف
ليعود الكون إلى وحدته الأولى
سَديمه العميق

***

أكاد أطير من النشوة
في هذه اللحظة الخاطفةِ
التي تهجرني فيها الذاكرة والنسيان
الأحبة والأعداء
الطفولة والشيخوخة
الجنّة والنار
المعرفة والجهل
الصيف والشتاء
خريف الشعراء
وكل أركان الزمان والمكان.
نشوة الزَمن التي تضرب برياحها
إلى ما قبل الخليقة والتاريخ
حيث الهباءُ سيِّدٌ
والهلام إله.