جديد الكاتب

من كتاب (شاركتُ في الخليعة) الرحيل مصير يسكنني وأسكنه

  حوار: سلوى النعيمي

“في طفولتي، كان بيتنا يطل على واد تمر فيه قوافل الجمال. من نافذتي، كنت أرى يومياً مشهد القوافل العابرة”: يقول الشاعر سيف الرحبي، وكأن هذه الصورة الأولى طبعت مخيلته. فهو في قصائده عابر دائماً، في أمكنة عابرة وأزمنة عابرة، مع أناس عابرين. وفي أحد نصوصه يبدو الجبل نفسه موشكاً على الرحيل “هذا العبور هو المفصل الأساسي عندي، حياة وكتابة” يشرح الرحبي. فمنذ بداية مراهقته غادر عُمان، المكان الأول، لينتقل من بلد الى آخر للدراسة والحياة والاستكشاف و… الرحيل. عرف القاهرة وبيروت ودمشق والجزائرو الرباط وباريس ولندن ولاهاي و… محطات استقرار قصيرة في مشوار سفر مستمر “لم يكن السفر في شكله الواقعي فقط، بل في شكله الداخلي أيضاً، في إحساسه الأعمق بأن الحياة في النهاية هي هذه الرحلة الحقيقية والمؤلمة” يقول سيف في لقاء (عابر) معه في باريس:

* هناك مفارقة في تجربتك الشعرية: أنت عُماني، ومع ذلك فهي تندرج في سياق التجربة العربية عامة أكثر منها في التجربة الخليجية. من هنا جاء ربما تميزك، هنا وهناك؟

** هذا مرتبط بالتكوين وبالسياقات المختلفة. إن المكان الأول الذي خرجت منه، مكان الولادة هو عُمان. وتركته مبكراً باتجاه القاهرة ومدن أخرى تكونت فيها ثقافياً ومعرفياً. هاتان المحطتان: المكان الأول ثم الأمكنة المتعددة، تمتزجان في نصي ضمن وحدة وعناصر فنية ومتطلبات. المعيش الحي في هذه المناطق والاختلاط اليومي والمباشر بالبيئات الثقافية المختلفة جعلاني جزءاً من صيرورة الشعر العربي ومساره في مرحلة أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حتى الآن.

وسمتْ مرحلتي الأولى تجربتي الشعرية بميسمها الخاص. إن تكوني الثقافي حداثياً في مكان غير عماني لا يعني  أني محوت المكان الأول. بالعكس، لقد انسحب عليّ، في الوعي واللاوعي. ودخل تكوين النص الشعري وبنياته المختلفة، هذه المرحلة، بعناصرها المختلفة: بشرية وطبيعية وجغرافية، وحيوانية، بَنَتْ النص لاحقاً بآلية مختلفة، يمكن أقول: جديدة أو حديثة، عن تلك التي عرفتُها أولاً وكانت في بدايات عطاءاتها الثقافية. هاتان المرحلتان ترتبطان معاً، على صعيد النص، لتشكلا الحياة والكتابة في وقت واحد.

* هل يمكن لي أن أقول أن المكان الأول قد أعطاك خصوصية صوتك في المشهد الشعري ضمن جيل انتشار قصيدة النثر الذي تنتمي إليه والذي جاء بعد جيل التأسيس؟

** لقد كنتُ جزءاً من هذا الجيل الذي اتسم بسمات مختلفة: أنا أكتب منذ أواسط السبعينيات، ونشرت أول مجموعة لي أوائل السبعينيات. هذا الجيل العربي اختلف شعرياً عن جيل الحداثة السابق، تعمقت في ضميره الهزائم العربية، شرخه اليأس أكثر وعاش في صحراء من الشتات الفكري والذهني والفني والمكاني، كانت مرحلة تتسم بقلق كبير. كان هناك إرث الحداثة العربية الكبير الخلاق الذي بُني في أرض وعرة وكان التأسيس والتجاوز، ثم جئنا نحن في مرحلة أكثر انكساراً وتمزقاً وتشظياً. من هنا البحث والحفر والتجريب في الأساليب الفنية بما يختلف عمّا قبل ويتلاءم مع الروح الممزقة لهذا الجيل. كان هذا الشتات، بمستوياته المختلفة، هاجساً للبحث عن شكل تعبيري مختلف،ومن هنا جاء حضور ما سُمي بقصيدة النثر. ولا أريد ان أناقش هنا هذا المصطلح وصحته أو عدمه. أخذ هذا الشكل، في هذه الفترة، مساحة تعبيرية غلبت على غيره من الأشكال. وهذا لا يعني طبعاً ثنائية الإلغاء المتبادل التي نعرفها والتي قد نجدها حتى الآن عند بعض من يكتب بهذا الشكل أو بذاك، احتلت قصيدة النثر إذن حيزاً تعبيرياً واسعا نتاج ظروف متعددة. وهذا لا يعني ان هذه القصيدة هي الحل الحاسم والنهائي لاشكاليات الشعر والتعبير. لقد حملت هذه القصيدة كثيرا من الاشراق والاضافة الى الشعر العربي الذي كان قد وصل الى نمطية وتكرار وترهل في بناه ورؤياه، ولكنها، هي نفسها، حملتْ وتحمل نماذج رديئة. هناك أناس مكرسون بقوتهم الاعلامية وحدها مثلاً. المهم ان مشهد قصيدة النثر يحمل في أحشائه تناقضاته. هناك المشرق والخلاق وهناك الرديء الذي لا معنى له. أنا، كما أشرت، أنتمي الى هذا الجيل الممزق القلق، على مستوى الحياة وعلى مستوى الابداع. يمكن لي ان أسميه: جيل اللامثال أو جيل اللانموذج. ليس هناك مثال فكري أو فني أو سياسي ناجز يكون محجاً لهذا الجيل ومرجعاً له. من هنا جاء البحث القلق. هذا له علاقة أيضاً بالسياق التاريخي والاجتماعي، في العمق. خصوصيتي العُمانية، ضمن هذا المشهد الشعري العام جعلتني لا أذوب في العموميات، كما أظن، بل احاول أن أنمي هذه الخصوصية التي تتسم بجمال طبيعي فظ وحشي وباختلاف بشري في التكوين القبلي والديني والنفسي للشخصية العُمانية التي أنا جزء منها. انسحب هذا على نمط الكتابة عندي بحيث تختلط المدينة التي أعيش فيها بعناصرها وصداقاتها وحبها وإحباطاتها وجنسها مع عناصر بالغة البدائية والفطرية، من بيئتي الأولى، هذا الخلط، ذو المرجعيات المتعددة، يسكن النصّ وحياة كاتب هذا النص.

* عندما أقرأ قصائدك يخطر لي أن هناك هوساً بـ ثيمة هي العبور: أنت عابر في مكان عابر، في زمن عابر، مع أناس عابرين. مثلاً، الأماكن المؤقتة هي الغالبة: المقهى، الفندق، البنسيون. حتى الأماكن المستقرة مثل البيت أو الغرفة تصير محطة فقط. وفي أحد النصوص رأيت جبالاً راسخات توشك أن ترحل. ما رأيك؟

** هذا صحيح، وهو مرتبط بسياق حياتي الواقعي من جهة وبإحساس بعبور الزمن، بالحياة، بالعلاقات. أنا مخترق بهذه النظرة منذ طفولتي المبكرة، ولدت في قرية تقع بين جبال وأطوار صخرية بالغة العلو، محاطة ليلاً بالذئاب وبنات آوى. بيئة ليست بدوية تماماً ولكنها أقرب الى البدائية والفطرية. أذكر أن بيتنا كان يطل على واد تمر فيه قوافل الجمال، من النافذة كنت أرى هذه القوافل يومياً. وكأنما هذا المشهد اخترقني بنظر هذا العبور الدائم للحيوات وللناس. تؤكد النظريات المعرفية أن الأشياء استعداد أيضا، ولابد أنني أملك هذا الاحساس الداخلي بأن الزمن عابر، حتى السفر لم يكن في شكله الواقعي، في التنقل من مكان إلى آخر، بل كان في شكله الداخلي، (الجوّاني) في الاحساس الأعمق بأن الحياة في النهاية تتخذ هذا المسار أو هذه الرحلة. الحياة كلها رحلة سفر حقيقية ومؤلمة إلى حد كبير.

إحساس الطفولة هذا قوي واستقر وتركز بنوع الحياة التي عشتها وبتنقلي الدائم من مكان إلى آخر. على مدى عشرين عاما لم استقر في مكان واحد أبداً، وقد ترك هذا تأثيره الوجودي والوجداني، العبور هو المصير الذي أسكنه على صعيد النص والواقع. ومحاولات الاستقرار تخترق عندي دائماً بهذا النـزوع الى الرحيل، بهذا التمزق والنـزوع الى عدم الاستقرار. ولهذا فأنا أحب الناس اللامستقرين، إنهم يشكلون جزءاً من داخلي، من أعماقي. أجتاز الآن محاولة للاستقرار، لان أكون في مكان واحد، ومنه تنبثق الأماكن الأخرى.

* “تغمض عينيك على عاصفة تقتلعك بعد قليل الى رحيل آخر”. تقول. وكل استقرار حلم برحيل آخر، كل استقرار مؤقت، تعيش نوعاً من المتواليات الزمانية- المكانية التي لا تنتهي؟

** وضعت يدك على المفصل الأساسي عندي، حياة وكتابة، هذا صحيح تماماً. إن شعوري بالأشياء هو شعور العابر، كما قلتُ، شعور اللامستقر. حتى النـزوع الى المنزل يبقى بعيداً وضبابياً. وأعتقد أن الانسان لو أراد تغيير نمط حياته فلن يغيره إلا جزئياً. إن ربع قرن من الزمن حياة وعلاقات وكتابة لا يمكن أن توضع على الرف، لا يمكن أن يتخلص منها ببساطة. إنها تمارس فعلها الخفي والمباشر على حياة الإنسان ومساره.

تحدث أحياناً تغييرات يقتضيها الزمن والعمر وواقع الحال، ولكن الرؤية الحقيقية، وبخاصة على صعيد الكتابة والحياة، هي هذا العبور الدائم للأشياء والكائنات، إنه مصير نسكنه ويسكننا باستمرار.

* عشت في عواصم عربية وأوروبية متعددة، هل تنغرز في رأسك تجربتك في كل واحدة منها؟

** لا ، أبداً، يتداخل المشهد بشكل عجيب، وكأن هذه المدن مدينة واحدة وأناسها أبناء مكان واحد. طبعاً، هناك تفاصيل تظهر بين فترة وأخرى، كإشراقات، على صعيد نزوعات الكائن حباً وكراهية واقتراباً وابتعاداً. في المحصلة هناك (لخبطة) ذهنية كاملة في التقاط المشهد.

* ما سبب هذا الاختلاط برأيك، هل يعود هذا، بالنسبة الى المدن العربية المختلفة مثلاً، الى الثقافة الواحدة؟

** لا. حتى عندما تخترقها ثقافة أخرى تبقى المسألة بعيدة من المستوى الثقافي والمعرفي والذهني، هي على المستوى الحسي الذي أركز عليه. هنا الصعوبة في تحديد الأشياء. هذه الشتاتات تتداخل في النهاية في مشهد واحد، نتيجة نوع من البعثرة وربما كان هذا نوعاً من الثراء الروحي والمعرفي معاً.

* أنت الآن في فترة مستقرة في بلدك عُمان، هل تحس أنك جزء من الحركة الثقافية هناك، وهل يمكن لك أن تفعل ضمنها؟

** هذا يتابع حديثنا في السياق نفسه، في عُمان، أتولى الآن مسؤولية مجلة ثقافية تقدم الثقافة العُمانية بإرثها وتاريخها ومعاصرتها، في حدود امكانيات مجلة فصلية. وأعتبرُ هذا بالنسبة لي، بعد كل فترة الغياب، إنجازاً. انه نوع من العزاء على الصعيد الشخصي وعلى صعيد دور اجتماعي حقيقي. إنها مسؤولية تسعدني الىحد معين، وأحس أنني جزء من هذا المكان تاريخياً وحاضراً. وإحساسي هذا يملي عليّ أن أقوم بدورّ ما في المجال الأدبي والثقافي، من خلال مسؤولتي الثقافية عن هذه المجلة التي تبنتها ودعمتها جهات رسمية. المجلة نزوى ذات بعد عربي، تقدم الثقافة العمانية بخصوصيتها المختلفة. على صعيد الأرضية الثقافية في عُمان، هناك واقع تاريخي خصب وثري، بعيداً عن (البروباغندا) الذي يمكن أن يقوم بها أي بلد من أجل ثقافته وتاريخه. الحقيقة أن هناك ثراء روحيا ونتاجا معرفيا ضخما. لو زرت عُمان ذات يوم، فسترين مكتبة تابعة لوزارة التراث القومي فيها كل المخطوطات العمانية في المجالات العلمية المختلفة وستكتشفين أهمية هذا النتاج المعرفي في مرحلة من المراحل التاريخية. ستجدين أهرامات من المخطوطات وترين عبرها أن هذا البلد عرف فعلاً التواصل المعرفي عبر علوم وفنون مختلفة: علم الفلك، علم أصول الكلام، علم الفقه. هذا كله يندرج في إطار مرحلته الزمنية طبعاً، كان هناك تواصل مع المشرق ومع المراكز المعرفية الكبيرة والعلماء المشهورين. نحاول أيضا في المجلة أن نقدم المعالم الهندسية والمعمارية العريقة التي يتصف بها هذا البلد أما على صعيد الراهن فهناك الأصوات الثقافية في القصة والشعر والبحث (الأكاديمي). يحسّ الواحد منها، تجاه هذا كله، بنوع من الارتباط، وبأنه جزء لا يتجزأ من هذا المكان، من هذه الثقافة ومن هذا التاريخ.

تبقى طبعاً الاشكاليات الخاصة (البسيكولوجية) والشتاتية التي تحدثنا عنها قبل قليل. لا يمكن لي أن أحس بالوجود الكامل في مكان واحد أنا مربوط بالغياب،بالأصدقاء الغائبين، بالأماكن الغائبة، وكأن الانسان يسكن الغياب. هذا شاغل ذهني ووجداني وشعري. وهي قضية أخرى تتعلق بوجود الإنسان وبتاريخه الشخصي.

* المجتمعات الصحراوية مرتبطة في أذهاننا بنوع من التصحر الثقافي أيضا. إنها تملك تاريخاً عريقاً ربما، ولكنها عاشت طفرة اجتماعية واقتصادية سريعة الايقاع، حالت دون التأسيس الضروري لثقافة حديثة، حتى الآن على الأقل. ما رأيك؟

** صحيح، لقد عاشت هذه المنطقة فترة طويلة وكأنها معزولة عن العالم، منقطعة عن العصر والحداثة بشتى مستوياتها (التكنولوجية) والفنية. ولكن القضية متشعبة. خذي عُمان مثلا: في مرحلة ما قبل السبعينيات، كانت تعيش عزلة ظلامية، ولكنها تملك تاريخاً معرفياً غنياً في شتى حقول المعرفة. بعدها كانت هناك سرعة في اختزال الأشياء نتيجة وضع اقتصادي واجتماعي معين. على صعيد أشكال التعبير والكتابة كان هناك نوع من السرعة في ملاحقة انجازات الثقافة العربية، بأشكالها الكتابية الشعرية والقصصية بخاصة، والنقدية الى حد ما.

هناك إبداعات مرضية على هذا المستوى. المجتمعات الصحراوية صارت مدناً بكل ما يعينه المجتمع المدني على المستوى الاجتماعي والمعماري، كأن تاريخ هذه المجتمعات لم يبدأ لحظة انفجار النفط فيها. بالمناسبة: عُمان ليست بلداً نفطياً نموذجياً، انها حالة خاصة الى حد ما. مرحلة النفط، هذا العنصر الضاغط والصاعق، الذي غير البُنى الأساسية، خلق في ولادته الاجتماعية، طلائع علمية وأدبية تتواصل مع العصر، ولكنه خلق أيضا تشوهات اجتماعية وثقافية ونزعة استهلاكية مرعبة، إن هذه التشوهات موجودة في المجتمعات العربية الأخرى ولكن بدرجة أقل من هذه المجتمعات السريعة التطور في هذا المنحى.

* ماذا تعني بالتشوهات الثقافية؟

** أعني النزعة الاستهلاكية في الثقافة مثلاً. اعتبار الثقافة واجهة تزيينية اجتماعية لا ضرورة روحة وحياتية. غلبة الاستهلاك عامة، غلبة المظهرية التي تلغي وجود الانسان. هذا كله خلقه النفط، الى جانب أنه عمل على تحديث هذه المجتمعات ووصلها بالراهن. لكل شيء ضريبته. التقويم الحقيقي للابداع في هذه المنطقة بحاجة الى دراسات جدية واسعة. هناك علامات مشرقة في الخليج والجزيرة العربية واليمن. نحن نرتبط بأواصر تاريخية وجغرافية وروحية، كما في بلاد الشام مثلا او المغرب العربي. إنها وحدات تصب جميعاً في نهر الأمة العربية الكبير. قلتُ إن هناك علامات مشرقة في هذه المنطقة في النتاج الأدبي المضاد للنزعة الاستهلاكية. وعبر أسماء كثيرة، في مجالات مختلفة، تؤكد هذه المجتمعات أنها ليست نفطاً فقط بل هي فعل ثقافي وابداعي يمكن أن يضيف الى الثقافة العربية خصوصيات عالية القيمة.

على كل حال ان الهوة بين التطور الاجتماعي والحداثة الفكرية والفنية موجودة في المجتمعات العربية كلها، وليست قاصرة على المجتمعات الخليجية فقط. قد تكون الهوة أكثر اتساعاً عندنا. خذي لبنان مثلاً ستجدين أن جمهوراً واسعاً يتجاوب مع قصيدة النثر، مما قد لا تجدينه في بلد خليجي. في مصر، أو سورية أو العراق، ستجدين هذا أيضاً، فهي قد عرفت تطوراً ثقافياً هائلاً منذ بداية القرن. هناك تفاوت إذن ولكن الاشكالية هي نفسها. والفردية هي التي تلعب الدور الحاسم في الابداع، وهذا لا يعني أبداً بترها عن الحركة الاجتماعية. إنها رائية وشاهدة ومعبرة عن هذا المجتمع، ولكن التواكب او التزامن بينهما ليس موجوداً بالضرورة. هناك أحياناً شبه قطيعة في المعرفة والتعبير بين الوعيين. وأي فعل ثقافي حقيقي، وبخاصة الشعري منه، أقرب الى الفردية المفاجئة والمباغتة والمختلفة من المحيط الاجتماعي.

هناك ايضا البنى المؤسسية التي عليها أن تتبنى المواهب الثقافية والبحث المعرفي والنتاج الثقافي. هذا دورها، لا يمكن للمجتمع أن يتكون بالجانب المادي والعمراني فقط مع إهمال الجانب الثقافي، والا فستكون هناك علة وعاهة في سياق تطور هذا المجتمع.

إن الثقافة الجديدة ليست حكراً على مجتمع دون آخر.ولكل مجتمع بشري قوانين تطوره الخاصة، السلبية والايجابية، وهذا ينطبق على الخليج كما ينطبق على غيره. ودورة التخلف ليس سببها واحداً، والنفط عامل من عوامل الخلخلة التي نعيشها عربياً وليس سببها الوحيد إنني ضد النمذجة العمياء.

* لنأخذ مثلاً ما قلته أنت قبل قليل: ربما كان أسهل على شاعر لبناني أن يكتب قصيدة النثر ويجد قارئه منك أنت الذي يكتب في محيط معادٍ غالباً لهذا النوع من الكتابة؟

** هذا صحيح. منهم من يعتبر. قصيدة النثر هرطقة، ولكن هذا يمنحنا التحدي ويجبرنا على مواجهته وهذا قد يشحذ التجربة الابداعية.

* أين أنت مع الشعر في مرحلتك العُمانية الآن؟

** صار الوضع أكثر صعوبة وبخاصة مع العمل في المجلة الذي يتطلب كثيراً من الوقت والجهد، ديواني الجديد سيصدر في الشهور القادمة في بيروت.

* وعنوانه؟

** معجم الجحيم.

* بريد الجنوب (ايلول/سبتمبر 1995م)