جديد الكاتب

من أصيلة الى مسقط

من (أصيلة) أغادر عائداً الى مسقط، قبل انبثاق ضوء الشمس الذي سيغمر أمواج المحيط الكبير المتلاطم، ذلك المحيط الذي ربما وقف أمام أمواجه المتعاظمة ذات يوم (عقبة بن نافع) حائراً مرتبكا كما يتضح من عبارته المعروفة لدى المؤرخين، وهو على صهوة جواده مع ثلة من الفرسان القادمين تواً من تخوم الصحراء العربيّة (ليتني أعرف ما وراء هذا الماء).
مات مقتولاً وهو لم يعرف ما وراء ذلك المحيط، لكن أحفاده عرفوا وبنوا واستوطنوا حيناً من الدهر غير قصير.
أغادر أصيلة ، دائما وفي نفسي شيء منها، مسٌ من جمال وألفة ووداعة: هذه القرية التي أضحت مدينة، تضج بالعمران والسياح وقت الصيف، ويغمرها الهدوء حين يأتي الشتاء عدا عصف المحيط وصخب أمواجه العاتية.
مهرجانها الثقافي الفني الشهير، ساهم بشكل حاسم في انتقال هذه القرية من المجهول الى المعلوم عربياً وعالمياً، ثمة كتّاب من العالم من طراز جورج أمادو وليوبود سنجور وغيرهم الكثير ممن جاءوا وحاضروا وعاشوا في ربوعها فترة من زمن هذا الصيف الثقافي الجمالي. وكان السيد محمد بن عيسى مؤسس هذا الانتقال والتطور والانتعاش.
أغادر (أصيلة) يأخذني السائق الى الدار البيضاء، ساعات حتى أصل، أقطعها بين قراءة كتاب رفائيل البرتي، الذي أهداني إياه مترجمه الصديق خالد الريسوني، وبين النظر والتحديق في خضرة الشمال وغاباته وحيواناته وفلاحيه الفقراء…
أفكر في المسافة: أقول لجورج سمعان الذي ألتقيته في المطار، أحس كأني ذاهب الى الصين… كل هذه المسافة أرض عربية، تتكلم لغة واحدة… التاريخ والجغرافيا مهما كان غناهما لا يستطيعان إسناد الحاضر بوقودهما المتجدد، إذا لم يسند هذا الأخير نفسه.
بعض الأجانب لا يكاد يصدقُ ان العرب على هذه المسافات الشاسعة ببلدانها وشعوبها يتكلمون لغة واحدة.. وهي ما تبقى من إرثهم الكبير، المتنوع في الأزمنة والأمكنة عبر التاريخ المتراكم على هذه الأرض الثكلى…
المسافات الطويلة أضحت مرهقة، رغم محاولة تبديدها في القراءة، والكتابة أحياناً.. ثمة حصْر وإكراه، أحسه قاسياً في تلك العنقاء المعدنيّة وهي تحلق في السديم بين الكواكب والسحب والذكريات.
ثمة حياة تتطاير شظايا في الوهم والأثير..
مع العمر والتكرار، يفقد الواحد منا (طبعا) تلك الإندفاعات الحيوية الصاخبة ويحلم بالسكينة والهدوء لكن حين يلوذ بهما بعض الوقت، يحلم بالطيران والتغيير من جديد.
هذا الجدل المعقد في النفس بين حلم الاستقرار، والخوف من التأسّن في المكان الواحد والتبلّد في مضائق العادة اليوميّة وتسوياتها التي لا يستطيع الكل الخضوع لمتطلباتها الخانقة.
قبل إنبلاج ضوء الشمس أغادر أصيلة لأصل مسقط بنفس الوقت في اليوم التالي حيث طلائع الضوء بدأت تتسلل الى الجبال والتلال والمدينة الوادعة التي ما زالت في سباتها العميق..مسقط وأصيلة بينهما صلات قربى تاريخيّة وعمرانية بسبب الاحتلال البرتغالي لكلا البلدين وغير ذلك..
ثمة مسافة ويا لها من مسافة.