جديد الكاتب

مملكة الجماد

(كنا في طريقنا صوب الخليج ، الذي يعد أكبر المسطحات المائيّة الخانقة في العالم ، وهو ساخن منذ الأزل لوقوعه بين شواطئ ملتهبة حيث يندر جداً أن تسقط عليها قطرة مطر ، وحيث السهول لا تعرف ا لخضرة ، وحيث لا يتطور شئ في هذا الجدب السرمدي إلا مملكة الجماد فحسب . ومع ذلك كانت الرطوبة الخانقة ترهقنا وتجهدنا ، وكل شئ لمسناه وجدناه رطباً دافئاً ، بل كنا نتنفس البخار كأنما كنا واقفين فوق حمام ماء يغلي ، أما الشمس العنيفة فقد أبقتنا في درجة الحرارة نفسها صباح مساء ، تشرق وتغرب صفراء باهتة دون أن نرى أشعتها ، لأن البخار يحجبها بضباب الشمال)
المقطع أعلاه استُل من مقال الرحالة وضابط البحرية الفرنسيّة والكاتب (بيرلوتي) وهو الاسم المستعار لـ(جولين فيو) 1850-1923. حسب المترجم العماني يعقوب بن ناصر المفرجي.
قليلة هي الكتابات المترجمة للرحالة غير الإنجليز ، والذين جابوا صحارى الخليج والجزيرة العربية وبحارها المتراميّة حتى أعماق المحيط الهندي ، الذي سيصفه مواطن (لوتي) بعده بقليل ، أعني الكاتب الفرنسي (بول نيزان) الذي لم يكن في البحرية وإنما في الحزب الشيوعي – الفرنسي ، حين كانت ايديلوجيا هذا الحزب تشكل نوعا من حلم خلاص للنخب الثقافية في العالم – وصفه بجحيم ا لبحّارة.
عبر رؤية كاتبين فرنسييّن جابا هذه الأصقاع النائيّة الموحشة والتي تجسّد الفصل الأكثر جحيمّية ورعباً في الطبيعة .
على مستوى الكوكب الأرضي برمته ربما… تلتقي رؤيتهما في وصف هذه المناطق التي أحكمت قسوة الطقس والمعيش طوقها على كل الكائنات والأشياء. وجعلت البشر في امتحان دائم أمام هول هذا المشهد الذي تمسي فيه الحياة أشبه بمعجزة النبع الذي يتفجّر في صحراء قاحلة يسحلها بركان الجفاف من غير هوادة ولا رحمة ، أشبه بمعجزة وادي العيون في رواية عبدالرحمن منيف (مدن الملح) ..
يمكن القول في هذا السياق ، إن الطبيعة نفسها تمتحن وتختبر عنفها الخاص ،على هذه البقعة من أرض البشر والجوارح . حدود هذا العنف ، الأفق الشاسع اللامحدود للقسوة حيث يبقى الربع الخالي شاهدها الأكبر ، درة تاجها الملكي.
تختبر عنفها وقسوتها كما يختبر البشر جيوشهم وهي تستعد لخوض المعارك في تخوم الصحراء الحارقة أو في المدن المأهولة بالحدائق المخضرة والأنهار، وكما يختبر الجسد المكبوت حتى الإنفجار ، أناه الأخرى ، أناه العاشقة وقد أمطرته حناناً وشهوة بعد طول غياب …
تقرأ عن رحلة الفرنسي في ذلك الزمان البعيد القريب حيث تصعد سيارتك الواقفة أمام العمارة ، وقد تحولت إلى كتلة من اللهب . تدير زرَّ التكييف (هذا ما يميزك عن الأسلاف) تتحدث بقسوة إلى امرأتك التي تبادلك نفس الحدّة ، تدير زر الراديو ، تنهال عليك أخبار وتقارير الزحف القادم ، (ضيوف الحداثة والعولمة) فيروسات الخنازير.
وأوبئة أخرى في الطريق لتكتمل عناصر هذا المشهد القيامي السعيد.