جديد الكاتب

مقدمة العدد الأول من مجلة نزوى

منذ فترة ، والجدل بمستويات عدة  يدور حول المتطلبات الثقافية والابداعية التي أفرزها سياق تطور المجتمع العماني بإرثه الكتابي والمعرفي العريق ،الذي تدل  عليه الاف المخطوطات فى شتى الحقول المعرفية . .

هذا الجدل يبحث عن بلورة تلم شتاته وتستجلي ملامحه بعمقها وسطحها وجديتها وثرثرتها،اذ لايستقيم الجدل والسجال حول أى وضعية معرفية وتاريخية، الا عبر سياقات محتلفة، هذه السياقات التي تتجه صوب وجهة أو وجهات ، باحثة عن منابرها وأماكنها الطبيعية التى يمكن أن تنتج فيها..

في هذا المنحى، ربما تاتي مجلة (نزوى) كمتطلب ثقاقي ضروري قي مسار الثقافة العمانية ومحاولة بلورة خصوصيتها وأصواتها، وروافدها المتعددة . .

ورغم مكانة عمان في التاريخ العربي والعالمي لكنها ظلت تعاني من جهل “الآخر” بها على الصعيد المعرفي. فقلما نجد صدى لمختلف النتاجات العمانية النثرية فى محيط الثقافة العريية، وهي نتاجات تتسمم بالغزارة والتنوع والعمق في أقانيم شتى، ارتادها  الاسلاف بذهن خلاق رغم شراسة الجغرافيا وناي الامكنة.

لم تكن هذه الجغرافيا وعناصرها كما يتصور البعض ، عامل انغلاق وعقدة  تقهقرا في الفكر العماني ، بل استطاع المبدع العماني ان يتجاوز هذا العامل بعطاء خلاق كفا تدل على ذلك النتاجات الكلاسيكية للثقافة العمانية التي تتوزع بين شتى العلوم والمعاوف والابداعات ،في  الفلك وعلوم البحاروالطب والتاريخ وعلم الكلام واللغة وأصول الفقه وكذلك الشعر والنثر الفني الرفيع .

هذه الحقول المعرفية تكشف لقارئها المعاصر عن صلات بالغة الثراء بتاريخ الفكر البشري ، كما تكشف عن ملامح الشخصية العمانية وأنماط حياتها وتفكيرها المرتبطة بمصير مشترك وشامل بمحيط عروبتها واسلامها.

كأن لهذا الانتاج وهذه الثقافة، لو درست وتواصلت وسلط ضوء البحث على تخومها، أن تمد الثقافة العربية برافد حيوي ومتميز يصب في نهرها الكبير وهو ما يلزم القيام به ليس عبر مجلة فحسب ، وانما عبر حركة شاملة للثقافة العمانية قديما وحديثا.

نحن الآن إمام مواجهة عارمة مع قيم وأنماط ينتجها “إلأخرون ” وأصبح تسويقها كاسحا على المستوى الكوني يساعد على ذلك انتشار مفاهيم الاستهلاك والاسفاف والسطحية عبر الوسائل السمعية والبصرية التي أصبحت تحتل الحيز الأكبر من العقل البشري المعاصر، وهذا لأ يتاتى الا عبر اظهار الروح الأبداعية وارثها وخصوصيتها المتجددة  في الزمان والمكان .

لسنا بصدد نقاش غالبا ما ينتج العقم بين ثنائية متضادة حول قديم وجديد، أصالة ومعاصرة.. و. . . . الخ ،

فمثل هذا النقاش أو السجال الذي سفح حول جثته حبر كثيرلم يبعث اي نبض في هذه الجثة من فرط منظوره الضيق ” شاملا الابداعات البشرية عبر أزمنتها المتعددة. فليس هناك تناقض بهذه القطيعة إلا في ذهن فرسان هذه الثنائية المفتعلة، الذين يعلو صراخهم وكأننا في حلبة مصارعة بين الحديث والقديم ، بما تتطلبه هذه الحلبة من تعبئة وأحقاد مريبة يصبها هذا الطرف على الآخر حيث تتغذى هذه النزعة من أرضية اجتماعية وفكرية مرضية لا صلة لها بما تتذرع بمناقشته والذود عن حياضه من أدب وابداع وقيم . . ويتذكر المعنيون بالثقافة ما حصل ويحصل على صعيد وضعنا الثقافي بعمان في هذا السياق .

مثل هذه النزعة في السجال الثقافي بجانب عقمها ونفيها للتعدد وإلغاء الآخر وربما بسببه ، آخذة في جلب أفدح الاضرار وخاصة على حركة ثقافية اخذة فى النشوء والتبلور وتخلق صراعات ليست في مكانها كما انها بجانب نزعات مرضية أخرى مثل تسلق الشهرة السريعة وتوهم الإبداع من غير خلفية فعلية لذلك ، وأخذ الأدب مأخذالوجاهة الموازي للثروة، تخلق صراعات ليست في مكانها وتنقل صراعات الى أرضيية الآدب ليست من صليه وطبيعته ومساره .

واذا كان النقاش واختلاف التوجهات يثريان حقل الأفكأر والأخيلة بشكل لا غنى عنه في أي تطور ثقافي ، فا نزلاقه الى هذه البؤرة العدوانية يؤدي  إلى عكس ذلك تماما.

بداهة، وهذا ما نسعى اليه في مجلة (نزوى) فكرا ونصا، ان هذا التراث الإبداعي الذي يستنكف عنه البعض بسبب الجهل به ويغيره ،هو جانب جوهري  في لحظتنا المعاصرة وذاكرتنا الكتابية الحديثة، مثلها الجانب الآخر هر الراهن والمعيش . فلحظة الكتابة هي لحظة تشظ واحتضان لأمكنة وأزمنة يحاول تجسيدها النص في متاهاته المختلفة وبمنطقه وقيمه ..واذا كانت هناك أشكال تعبيرية آلت مع الزمن الى  النمطية والشيخوخة مفسحه المجال الأشكال أخرى، كما هو تاريخ الإبداع الإنساني ، فهذا لا يعني بطلان التراث وانما تجدده في اللغة والرؤية ، ويعني استمراه باشكال وأنساق أخرى ..

التراث يسري ويتدفق عبر مراة الوعي و اللاوعي – في مائنا وعروقنا دكتابتنا كما يسري في الحياة بشتى أوجهها واندفاعتها. .

اننا نسبح في بحر من هواجس الأجداد كما يعبر”يونج”.

نزعة الأصول ألصارمة والقسرية بحرفيتها و نفيها لأي اجتهاد يخالف قولبتها للتراث و”التكابة والحياة، تجسد القطب الآخر والأكثر خطورة لحجب الجوانب المشرقة والخلاقة في هذا التراث فإما يتم الأنصياع لهذا المفهوم الذي يجمد التراث فى الزمان الذى أنتج فيه واما يتهم صاحب الرأي الآخر “الحديث وبما ” ، بالمروق والخروج عن جادة الصواب وفق التعيير المتبع ،محاكمات ومفاهيم جاهزة سلفا يقذفها أصحابها بخفة على كل من يختلف في تناوله لمفهوم التراث وأشكال التعبير المختلفة وكآنما هم الأوصياء المنزلون على البشر وقيمهم وتراثهم ،

وليس (أي التراث) ملك المجتمع بفئاته وأفراده ومثغفيه مع غض النظر عن الآراء والأجتهادت المطروحة لسجال الخطأ والصواب ..

هذه المفاهيم الجاهزة التي لا تقبل لشك في شيء ولا تقبل الحوار المعرفي أو لا تسعى إليه  مكتفية بذاتها وبلاغها القيني الناجز عن قيم ألأمة وبيان ماضيها ومستقبلهآ الأكيد، هي التي تؤدي إلى ظلامية مفرطة في الثقافة والحياة.

كل نزعة من التي أشرت لابد ألم ظ تقفي إلى تغييب عروة اكصلات الطبيعية التي تتعقد حولى كل ،اجتماع وكل ثقافة حقيقية تسعى إلى تطورما وثرائها عبر الحوار والخلاف والتعدد البناء وليس عبر الانكفاء باضفاء القداسة كهل ما نقوله من رأي أو خطاب.

هذه الاشارات تطمح مجلة “نزوى” إلى توضيحها وبلورتها عبر محاولة نشرها “للقديم ” المضيء فى تراثنا العماني والعربي و”الحديث” الجدي الباحث عن صورته وملامحه وسط تراكمات الوعي  والملابسات والتعبيرات المختلفة التي يمور جمها عالمتا المعاصر.

واذا  كانت مجلة “نزوى” فى نزوعها إلى أن تكون مجلة “عربية” بشمولية هذ” الكلمة المأساوية واتساعها، فذلك لا يأتي إلا عبر تقديم هذه الخصوصية العمانية بالدرجة الأولى وعبرها بالمعنى الابداعي للكلمة، تكون مدى مساهمتنا قي ثقافتنا إلعربية الشاملة.

النص العماني قديمه خاصة والى حد كبير حديثة ، لم يعرون بشكل مرض لدى القارئ العربي ، وغياب المنبر الثقافي المتداول على المستوى العربي هو وأحد من أسبابى غياب هذ، المعرفة ، كما ان ضمور ألبحث المعرفي المعاصر من قبلى الكتاب العمانيين وغيرهم  حول التراث الكلاسيكي للثقافة العمانية ومقاربته تقديمه برؤية معاصرة ناخذ في اعتبارها، الإنجازات المعرفية في خطابات البحث المعاصر ومناهجه وتجلياته ، أدى ذلك كله الى عدم تمكن القارئ العربي من الاطلاع على ركن ثري من أركان ثقافته ومعرفته .

بمعنى آخر ان مجلة “نزوى” ستتبنى الجدل والبحث في هذا المجال المعرفي كمسألة أساسية لوجودها استمرارها وهذه المسألة اعتقد ألنها على نحو من الجسامة قي وضع اخذ في إالأسيس وبحاجة إلى جهد وممسؤولية صادقة، فالمجلة وأي منبر ثقافى آخر لا تقوم بمساتها إلا كجزء من وضع ثقافي متحرك ومنتج ، وهو ما لم يتحقق لدينا يعد، ولا يمكن لمجلة ان تدعى بسهولة المنحى التبشيري وسيولته ، انها تقوم بذلك كله ، خاصة وهي مجلة فصلية، لكنها نافذ ة ضمن نوافذ أخرى لابد ان تتوافر في مقاربة وبلورة خطاب ثقافي ما. وهي ايضا نافذة للثقافة العربية بتجلياتها المختلفة، فالتقاط الخصوصية والتاكنيد عليها لا يمكن آن ينجز الا قي ضوء ثقافة “لأمة وهويتها الشاملة.

وفي سياق محاولات سد فراغ وثغرات الوضع الثقافي في البلاد عبر تحريك الأطر والمنابر وايجادها باتجاه القيام لهذا الدور، تطمح مجلة نزوى! أن تشكل حالة ثقافية خارج المنشور والمطبوع بش دفتيها، أي أن تكون نواة لفعالية ثقافية وابداعية، تستقطب القدرات والى أهب إالواعدة والمتحققة على مستوى السلطنة وعبر مد الجسور الثقافية على المستويين العربي والعالمي.

منبر كتابة وأجتماع ثقافي لمتطلب وطني في سياق التطورات الإنمائية والحضارية السريعة التهى شهدتها وتشهدها السلطنة تحت قيادة صاب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم . سنحاول ايضا في حدود امكاننا وفى الأعداد القادمة الا تكون الأسماء اللامعة هي دليلنا ؟الوحيد، بقدر ما هو معيار القيمة وما يحمله النص من انجاز واضافة، و انه ليس هناك “صراع اجيال ” بقدر ما هو صراع قيم واشكال تعبير ورؤى، من غير تلك التحديدات الزمنية المصارمة المتوارثة من فترة لأخرى وعمر لآخر، التي تفيد اكثر في دراسة تاريخ الأدب أكثر من فقده وسبر أعماقة وماهيته..

وسنحاول تقديم ملفات ومحاور في كل عدد بدءا من عمان والجزيرة العربية حتى المغرب الكبير محاولات ستتبين طريقها ووضوحها في مسار إلممارسة الثقافية ، اذ يبقى التنظير والوعد الذي هو غير متواز ومتداخل مع هذه الممارسة الثقافية، محض هذيان وأحلام يقظة، ربما تفيد النص لحظة كتابته أكثر مما تفيد المشروع الذي يتطلب قدر؟ من الواقعية والعمل . وما نخطئة اليوم نتوخى صوابه غد! وفي الاعداد المقبلة- العدد الأول على سبيل المثال محطة اختيار نستشف من خلال طريق المجلة ومسارها المقبل . بقيت بداهة التذكير، ان ما تبقى لنا وللشعوب قاطبة هو ما ننتجه من معرفة وفنون واداب كما تدل على ذلك الشواهد التي لا تحصى، ذلك الكنز الذي لا يفنى ولا ينضب له معين أمام الزمن الساحق الذي سد كل شيء في طريقه ، عدا ما يحمل صفة البقاء من ثمار الروح ونزوعها نحو ألأرش والأنبل ، وهو المحجب في خضم الحياة اليومية ولهاثها الفظ فى تحقيق وسائل العيش وتبعاتها وشؤونها، لتكون هذه الحياة على قدر من الاحتمال والقبول والانسانية في شكل بعيد عن بريق المظاهر وزيفها الذي أخذ يلتهم كل تاريخ واجتماع وفن بالمعنى العميق واصبح المقياس االكاسح للاشياء والقيم.

وربما هذا ايضا سبب في صدور مجلة ثقافية ضمن زمن غير ثقافي ومحيط أقرب إلى الانصراف عن الأدبى والثقافة ان لم أقل الارتياب .
رئيس التحرير