جديد الكاتب

مقالات ودراسات حول سيف الرحبي

  قراءات في تجربة الشاعر سيف الرحبي

مفيد نجم

(ع25)عتبة الكلام

(ع1)قبل أكثر من ثلاثين عاماً التقيت بالشاعر سيف الرحبي عرضاً أمام مدخل أهم مكان كان يرتاده المثقفون السوريون في تلك المرحلة، وهو مقهى ومطعم ((اللاثيرنا)) بينما كنت أغادة المكان مع الشاعر السوري المعروف علي الجندي بعد أن كنت أجريت حواراً مطولاً معه حول تجربته الشعرية، وعلى الرغم من إقامة الرحبي في دمشق آنذاك، إلا أن الفرصة لم تتح لنا أن نلتقي مرة أخرى، إذ كانت تلك المرحلة تمور بالأحداث السياسية المتسارعة، والتحديات، التي تستدعي موقفاً مما يحدث فوحد الأرض العربية المضطربة، وقد جاءت تجربة السجن السياسي الطويلة والمريرة، التي استمرت ثلاثة عشر عاماً لتدخلني في عزلة حقيقية عن الحراك الثقافي والإبداعي العربي. لكنني بعد خروجي من هذه التجربة وجدت أن عليَّ ردم الفجوة التي حضرتها هذه السنون ثقافياً، والرد على التهميش بمزيد من الحضور والفاعلية والعمل في حقل الثقافة والأدب.

في إحدى زياراتي إلى دار المدى بدمشق وكانت آنذاك في بداية انطلاقتها، حصلت على ديوان ((يد في آخر العالم)) للشاعر، وخلال قراءتي لنصوص الديوان اكتشفت أنني أمام نص شعري يمتلك لفته وأدواته البلاغية والفنية الخاصة، ويحاول أن يوازي بين حداثة التجربة، والإنشغال بمصير الإنسان الأعزل في هذا العالم، وبين تجربة تنتمي إلى جغرافية الأرض التي تحدد منها ((رجل الربع الخالي)) حاملاً عبء إرثها وتاريخها. وبين جهات الأرض التي تغويه بالرحيل، دون أن تمنحه السلام والخلاص اللذين ظل وما زال ينشدهما في عالم يزيد من شعور الكائن البشري بالغربة والعزلة والقلق والخوف، فكانت يد الشاعر هي تلويحة الكائن الغريق قبل أن تبتلعه لجة الطوفان القادم.

لقد ساهمت تجربة الشاعر في هذا الديوان بتعزيز علاقتين مع تلك التجربة دون أن أعرفه أو أن يكون بيننا أي اتصال وقد شجعني ذلك على أن أكتب عن أعمال الجديدة أكثر مرة، إلى أن التقينا قبل عام صدفة في مقهى الروضة بدمشق، وكان على عجل من أمره بسبب موعد إقلاع الطائرة التي ستعود به إلى عمان.

إن أول ما لفت الإنتباه في تجربة سيف هو العلاقة مع المكان، والحفر في ذاكرته التاريخية والثقافية التي هي ذاكرة الإنسان والحياة في تداخلها الحي، والواسع مع الطبيعة والأشياء، فهذه الشعرية التي تستحضر جماليات المكان، وتمنحه حضوراً خاصاً ذا دلالات مفتوحة على فضاءات متعددة من سيرة الكائن والتاريخ والطفولة والحياة، لا يمكن أن تتجلى قيمتها بمعزل عن هذه العلاقة، وعن ثنائية ضدّية تمنح النصر توتره الدرامي، وتتمثل في ثنائية الماضي والحاضر، الآن وهنا بعد أن تعززت مفارقات الواقع بين حداثة مزعومة، وثقافة اجتماعية ما زالت تنتمي إلى الماضي، وتسعى لفرض زواج الإكراه بين الإثنين.

السمة الأخرى التي ميزت النص الشعري هي السردية الشعرية، أو استثمار السرد الحكائي في هذا النص، إلى جانب استخدام نص الومضة أو الفكرة الذي يقوم على التكثيف والاقتصاد الشديد في اللغة والصورة إضافة إلى محاولة هذا النص من خلال استثماره للسرد الحكائي أن يكتب نصه الطويل بنفس ملحمي أوقعه في بعض الأحيان في النثرية. إلا أن الكثافة الحسية والوجدانية منحت هذا النص قدرته على التأثير في المتلقي، وخلق حالة استقبال إيجابية.

بعد هذه المتابعة الطويلة والمتواصلة لتجربة الشاعر جاء هذا الكتاب للوقوف على العناصر الأكثر بروزاً ودلالة في هذه التجربة جمالياً وفكرياً. وتحديد القيمات والعلامات الدالة فيها، ولذلك ارتأيت أن أوزع هذه الدراسات على محورين أساسيين، أولهما محور البنية الشعرية للنص، وثانيهما محور القيمات الأساس التي شكلت محاور مهمة في هذه التجربة. وقد ركزت الدراسات في كلا المحورين على الدلالات والوظائف، التي تقدمها بنية اللغة الشعرية وخصائصها الأسلوبية ورغم ذلك لا تدعي هذه الدراسات التي ضمّها الكتاب أنها استطاعت أن تغطي الجوانب اللغوية والبلاغية والتعبيرية والفكرية التي قدمتها هذه التجربة، واتسمت بها تاركة مهمة استكمال هذا النقص لدراسات أخرى، ومساهمات نقدية لاحقة.

في الدراسة الأولى تناولت موضوع العتبات النصيّة من حيث السياق والوظائف، وقد حاولت أن أستعين بآراء نقدية متعددة غربية وعربية تعينني على التعريف بأهمية الدور الذي تلعبه هذا العتبات أو الهوامش في عملية القراءة والتلقي، وفي مقدمتها العناوين التي تمثل نصاً صغيراً يوازي النص الكبير. ويحيل عليه، وكان التركيز على وظائف العنونة لاسيما في الاتجاهات النصية والسيمائية.

الدراسة الثانية انشغلت بشعرية المكان والدلالات التي توحي بها، وعلاقة هذه الشعرية بالرؤية التي يقدمها الشاعر إلى العالم، إضافة إلى تجليات هذه الشعرية وعلاقتها بالنص الرعوي الغنائي الرومنتي الذي تنتمي إليه تلك النصوص. وقد توزعت الدراسة على محاور فرعية تحدثت عن علاقة هذه الشعرية بتجربة الطفولة والرؤية الرومنتية التي تكشف عن تمجيدها الزمن الطفولة وعن حنينها إلى الماضي وتغنيها بالطبيعة الشاعرية التجلي والحضور، إضافة إلى ما تعكس العلاقة مع المكان من قلق وشعور بالغربة يدفعه إلى الارتحال الدائم، كتعبير عن قلق وجودي حاولنا أن نضيء أبعاده في الدراسة الأخيرة من الكتاب، في حين عادت الدراسة للبحث في عدد من سمات بنية النص الشعري عند الرحبي، وفي مقدمة هذه السمات بنية التكرار وبنية السرد الحكائي، إضافة إلى عدد من الظواهر الفنية التي ميّزت هذا النص.

الدراسة ما قبل الأخيرة انشغلت بموضوع الحداثة، وتوزعت على محورين اثنين، محور الرؤية إلى حداثة التجربة الشعرية ومقوماتها الفنية والفكرية، ومحور الرؤية إلى حداثة الواقع الاجتماعية، والعلاقة القائمة بين الحداثتين. إذ حاول أن يقدم في تجربته نوعاً من الحداثة المتوازنة التي تنفتح على المنجز الشعري الحداثي، دون الإيغال في مغامرة اللغة والتجريد والمخيلة الشعرية الجامحة، وقد ارتبط ذلك برؤية الشاعر الفكرية التي ظلت تلح على وظيفة الشعر وجمالياته المتصلة بدوره الاجتماعي وتعبيره عن الضمير الجمعي الإنساني وتوقه إلى تحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة والحرية وقيم الخير والجمال والتعاطف البشري كبدائل عن قيم المادة والاستهلاك والقوة العمياء المدمرة التي تميز حضارة اليوم والعلاقات الإنسانية القائمة.

إن الشاعر في هذه التجربة الممتدة على مدار ربع قرن يحاول أن تنشئ سياقها الخاص من خلال تفكيك التاريخ والواقع وإعادة بنائهما بصورة دالة على اختلاط الأزمنة والأمكنة في سيرة الذات، وسيرة الجماعة بانفتاحها على الكون وتداخلها معه في مشهدية نافرة بملامح قسوتها، وألفتها الضارية، وبما يساعد في إعادة فهم هذا التاريخ بدلالاته الموحية ومفارقاته المدهشة.

لم تحاول الدراسات أن تلغي العلاقة بين النص والشاعر، أو النص ومرجعياته الخارجية، لأنه غذا كان للكتابة منطقها الذي تفرضه على الكاتب، فإن الكاتب ليس أداة مجردة من أي دور أو وعي أو حضور يتجلى في فعل الكتابة، وهذا الكاتب هو كائن تاريخي وثقافي واجتماعي يحمل ذاكرته ورؤيته التي شكلتها اللغة باعتبارها وسيلة إدراكنا للعالم، وأداة تعبيرنا عن علاقتنا معه في آن معاً، ولذلك برز التأكيد على دلالية البنية، وكيفية اشتغالها ومطارحاتها في هذه التجربة، التي نأمل أن تكون مقاربتنا لها قد استطاعت أن تضيء جوانب مهمة فيها، تسهم في تعزيز عملية استقبال وتلقي هذه التجربة الفنية، وإن لم تحقق ذلك تكون قد دفعت باتجاه تفعيل الممارسة النقدية حول تجربة تميزت بخصوبتها الإبداعية.

مفيد نجم

أبو ظبي 2005

(ع45)العتبات النصية:

(ع55)السياق، والوظائف

(ع35)المقبوسات والإهداءات:

(ع1)أسس الدراسات اللسانية لمرحلة تحول جديدة في النظريات النقدية، تجلت في نقل الاهتمام النقدي من المتن النصي إلى هوامشه، وقد ترتب على هذا التحول إعادة الإعتبار إلى الهوامش، التي تحولت إلى موضوع لتلك الدراسات التي انشغلت بدراسة وظائفه وشعريته. ويعدُّ جيرار جينيت في طليعة الدارسين الغربيين، الذين أولوا هوامش النص، أو ما اطلق عليه تسمية (عتبات) في كتابه الذي حمل نفس العنوان اهتمامه النقدي، إذ اعتبر حدود العتبة النصية في أسماء المؤلفين والمقدمات والاستشهادات والعناوين والإهداءات ذات سياقات توظيفية، تاريخية ونصية، ووظائف تأليفية تختزل قسماً من منطق الكتابة.

إن أهمية دراسة هذه العتبات تتأتى من دورها في تأويل النص، وتعيين طبيعته، وتحديد مقاصده، سيما وأن جينيت اعتبرها نصاً، أو شيئاً من النص يدور حوله، وهو جزء لا يتجزأ من النص، يشكل سياقاً تمكننا دراسته من معرفة الخطاب واكتناه مدلولاته، والإطلال على فضاء النص الذي يروم دخوله، والتعامل معه. وفي أعمال الشاعر سيف الرحبي المختلفة تلعب هذه العتبات، التي تتألف من عناوين رئيسية وإهداءات وتصدير دوراً هاماً من خلال ما تشكله من نص ملحق أو نص صغير يمثل عتبات نصية تلعب دورها في منهجة عملية القراءة واختزال منطق الكتابة، وفي أفق انتظار القارئ وتهيئته وإكسابه المعرفة بالنص، إضافة إلى وظيفتها الشعرية ودورها في توجيه عملية القراءة.

تتمثل العتبات النصية، أو النص الملحق أو الموازي في أعمال الشاعر بصورة خاصة في العناوين والإهداءات والمقبوسات، التي تحيل على مرجعيات خارجية نصية، تستدعي معها فضاءها التخييلي والوجداني، وتختزل قسماً من منطق الكتابة كما يقول جينيت. وتفصح قراءة هذه العناوين عن مدلولاتها المتركزة حول تجربة الإنسان الوجودية، لاسيما على مستوى علاقة الإنسان مع المكان الذي ينتمي إليه، وما تكشف عنه هذه العلاقة من شعور عميق بالغربة والألم والقلق المتولد من فقدان الاتصال والتفاعل على مستوى كينونة الذات، ما يدل على حالة الضياع والغربة.

إن أهمية دراسة هذه العتبات تتحدد في أمرين أثنين، أولهما أنها تشكل سياقاً واحداً، يعكس هذا الشعور الدائم بالغربة والقلق والتوتر. وثانيهما أنها تسهم في توجيه عملية القراءة، وأفق توقع القارئ، واستقبال النص. ففي ديوان ((مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور)) يصدِّر الشاعر ديوانه بمقبوس لانتونيهرارتو يقول فيه: ((ما أقسى شعور الإنسان بعدم وجوده في مكان واحد)، فإذا كان العنوان الرئيسي يأتي في صيغة النفي، المؤكدة على قوة معنى الجمال والحرية اللذين يرمز لهما العصور، فإن المقبوس التالي يحمل دلالة وجودية تعبر عن إشكالية علاقة الكائن مع المكان، الذي يمثل شرط الوجود، وهي علاقة تشي بالتوزع والقلق والتداخل. تتكامل الوظيفة الشعرية والدلالية للعنوان الرئيس والاستشهاد في ديوان ((مقبرة السلالة))، غذ يحمل العنوان دلالة مكانية ذات سياقات تاريخية، ووجودية فالعنوان يتألف من حدين، الحد الأول يتمثل في مفردة المقبرة التي هي اسم مكان على المستوى الدلالي، في حين أنها على المستوى النحوي تأتي خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هذه، أما الحد الثاني فهو كلمة السلالة، الدالة على عرق بشري، ويؤلف هذا الحدان معنى يوحي بتاريخ الفناء والموت الخاص بالسلالة. أما التصدير الذي يمثل استشهاداً مستمداً من أقوال الكاتب الألماني نيتشه ((تلك البسمة التي فيها من العطف والحنان ما يستهوي الملائكة بالبكاء)) فإن من الصعب تحديد معناه الخفي دون ربطه بالإهداء ((إلى أمي وهي في قبرها تنام))، إذ يقوم الإهداء بتحديد الشخص المعني بهذا القول، وبالتالي تحديد سياقها التوظيفي والنصي، الذي يسهم في التحكم بعملية التأويل النصي، وفي أفق انتظار القارئ.

وفي ديوان رجل من الربع الخالي يضاف الإهداء إلى العنوان الرئيس مشكلين سياقاً متصلاً على مستوى الدلالة المكانية، يخضع لظرفية سوسيولوجية ونفسية وإدراكية (1) ص130، تتوحد فيه الطبيعة التسموية والإشارية للعنوان والتي تحدد الجغرافيا الدالة على مكان محدد هو الربع الخالي، مع حركية الخطاب الموجه من الراوي إلى (الجبال الصماء وتلك المرأة الزائفة بالغياب مثل الصحراء)، وحيث تبرز العلاقة بين المكان والمرأة من خلال أداة الربط الواو، في الوقت الذي تأتي فيه الصفة الأولى الدالة على القوة والصلابة متصلة بصورة المرأة القائمة على علاقات التشابه مع الصحراء ما يجعل علاقة التشابه بين المرأة والصحراء تقوم على أساس العنصر المشترك الذي يتحدد في صفة الليونة التي يمثلها جسد المرأة وجسد الصحراء الرملي، على العكس من الجبال الصماء التي تتسم بالقسوة والصلابة الشديدة وهذا التباين الدلالي بين الصحراء والجبال يوحي بالثبات مقابل الحركة التي توحي بها المرأة أو الصحراء التي تتحرك رمالها باستمرار.

يصّدر الشاعر ديوانه ((الجندي الذي رأى الطائر في نومه)) بمقبوسين أو استشهادين، الأول منهما لأحد شعراء الزن يقول: ((كم هو مؤسف إطلاق حصان وحيداً في الصحراء)) وثانيهما للشاعر أونفاريتي ((منحدراً من أمراء رّحل انتحر / ذلك لأن ليس له وطن / ولم يكن يعرف العيش تحت / خيمة أهله)). وكما هو واضح من مضمون المقبوسين الشعريين، فإن هذا الاختيار ينم عن مقاصد دلالية تشكل عتبة قرائية تضع القارئ في فضاء التجربة، وتهيء لعملية لعملية الاستقبال والتلقي، فكلا المقبوسين يتحدثان عن العلاقة الوجودية مع المكان، وما تفصح عنه من قلق وتوتر ومأساة وحزن، وإذا كان العنوان الأول يدل على معنى حلمي يرمز إلى الجمال والحرية من خلال رمزية الطائر، فإن المقبوسين يدلان على علاقة مختلة مع المكان على مستوى التجربة الوجودية، فهي تحمل معنى الوحدة والفراغ الذي يمثله الفضاء المكاني في المقبوس الأول، وما يجعل انطلاق الحصان في هذا الفراغ يحمل دلالة سلبية تكشف عن العدم وموت الحياة، وفي المقبوس الثاني يدل على عدم الثبات والاستقرار وعدم الارتباط بمكان ما يمكن أن يمنحه هوية الانتماء ومعناه، ويلغي هذا الشعور بالقلق والضياع.

إن هذه الهوامش التي تشكل بنية صغرى التي تمهد لعملية القراءة والاستقبال، تحيل على بنية النص الكبرى في معناها ما يدل على علاقة التوازي والمصاحبة القائمة بين النص الملحق أو العتبات، وبين نصوص العمل، من جهة، وبين هذه النصوص الملحقة في أعمال الشاعر على مستوى الوظيفة والدلالة، إذ تلعب هذه النصوص الموازية كما أشرت دوراً وظيفياً من خلال سياقاتها النصية ووظائفها التأليفية في توجيه القراءة وفي أفق توقع القارئ وفي الاستقبال وفعل التأويل لنصوص هذه التجربة المختلفة، التي يتداخل فيها السيري الذاتي مع الجمعي العام، والوجودي مع السياسي، والوطني مع الإنساني.

(ع35)العنونة: الشعرية والدلالات

(ع1)احتل العنوان الرئيس والعناوين الفرعية أهمية خاصة في الدراسات اللسانية والسيميائية والنصية والشعرية، لكونها تؤلف واجهة إشارية دلالية، وتؤدي وظيفة اتصالية أولية من خلال كونها تمثل صلة الاتصال الأولى بين العمل والقارئ، ما يجعلها تتميز بعلاقة مائزة مع نصوص العمل، وتلعب دورهاً أساسياً في اجتذاب القارئ وتحفيز فعل القراءة عنده أو العكس، فهو يؤدي وظيفة الإغراء التي هي أول الوظائف الأربع التي يتميز بها العنوان عند جيرار جينيت. وهي إضافة إلى الإغراء، الإيحاء والوصف والتعيين. ولما كانت العنونة التي تأتي عند المؤلف تالية لكتابة النص، وأولية عند المتلقي أو فعل القراءة، فإن دراستها يجب أن تكون سابقة على دراسة النص، إضافة على كونها تمثل مفتاحاً تأويلياً وعتبة نعبر منها إلى النص.

إن العنوان هو علاقة دالة ذات بعد إيحائي وإعلاني، حيث تتداخل هاتان الوظيفتان كما يؤكد جينيت، وهي تتصل اتصالاً مباشراً بالنص الذي تسمه وتمنحه هويته، الكتابية للعنوان من الوظيفة الإتصالية التي يضطلع بها بدلاً من السياق ([1])، وتتأتى أميته من الدور الذي يلعبه في إكساب القارئ المعرفة بالنص، غذ يتم تحديد هذا العنوان بقصد يحفِّز عليه. وقد اعتبر الناقد الشكلاني الروسي أوسبنسكي أن العنوان يشكل عنصراً بنائياً، ويختزل النص مبنى ومعنى، ولذلك لا بد أن يوحي إما بجزئية تمثيله للنص، أو بشموليته له، ويقول دوشيه: إن العنوان هو عنصر من النص الكلي الذي يستبقيه ويستذكره في آن بما أنه حاضر في البدء، وخلال (السرد) الذي يدشنه يعمل كأداة وصل وتعديل للقراءة، ولما كان كناية واستعارة للنص حسبما يحيِّن، أو يقوم معادلاً رمزياً (للنص)، فهو معنى معلق في التباس الوظيفتين الأخيرين اللتين باتتا الآن مبررتين الوظيفة الإرجاعية، والوظيفة الشعرية ([2]) ص15-16.

ويؤكد فريد زاهي أن العنوان هو فاصل بين خارج مجهول وداخل معطى، أو بتعبير الدكتور محمد فكري الجزار خارج غير لغوي وداخل لغوي. فهو يمنح من خارج النص بعد دلالاته، ليصب فيه بعضاً من معناه، وفي موقعه ذاك ينفلت من قبضة النص ليرمي بنفسه في الدلالية المرجعية، التي تسكنه، ([3]) ص 74.

ويربط الدكتور الجزار بين مقاربة العنوان وتعليق إحالته إلى عمله انطلاقاً من كونه يمتلك نصيته، معتبراً أن هذا الربط يدخل ((التلقي)) كفاعل، ويشكل نقطة انطلاق مهمة فيما يخص إجراءات التحليل ([4]) ص 41.

ويمثل العنوان في شعرية الموضوع مرسلة موازية تختزل المرسلة أو العمل، وقد ميز جون كوهين بين نوعين من العنونة، هما العنونة الشعرية والعنونة في النثر واعتبر أن العنونة الأولى هي بمثابة خرق وانتهاك لمبدأ العنونة في النثر، في حين اعتبر رولان بارت العنوان علامة دالة مشبعة برؤية للعالم، يغلب عليها الطابق الإيحائي، وهو يكشف عن الأهداف الأيديولجية، ويقوم بتعيين طبيعة النص من خلال كونه علامة دالة، لاسيما وإن اختياره يخضع للقصدية. أما جيرار جينيت فاعتبره نصاً صغيراً يحيل على النص الأكبر، وهذه العلاقة الإحالية تختلف طبيعتها بإختلاف العناوين والنصوص ومقاصد المؤلف. كذلك أكد على السياقات التوظيفية التاريخية، والنصية والوظائف التأليفية التي تختزل قسماً من منطق الكتابة، وربط بين بنية ودلالة العنوان وخصوصية العمل لأن العنوان يتضمن العمل، مثلما أن العمل يتضمن العنوان.

يحيل العنوان في مدلوليته على مرجعية خارجية، وعندما يحيل فإنه يوجه الإنتباه نحو المرجعية، التي تفسر فيه تلك المدلولية، وإذا كان العنوان يحيل على النص سواء من خلال محدودية تمثيله للنص أو شموليته له، فإن هناك عناوين تتمتع باستقلالها عن النص، وقد يحتاج العنوان الرئيس إلى عنوان فرعي لكي (يكتمل الجزء الصريح ويضع للباحث حدوده وأبعاده ([5]). لكن هذا العنوان غالباً ما يميز بفقرة اللغوي الشديد، فإما أن يكون كلمة، أو مركباً وصفياً، أو مركباً إضافياً أو مركباً اسمياً، وقد يكون جملة اسمية، أو جملة فعلية، أو شبه جملة ([6]) أو أكثر من جملة أو حرفاً، وفي كل هذا يمكن أن يكون محوراً رئيساً بل قد يكون أحياناً المفتاح الرئيس للبنية الدلالية ([7]). ص 15. وبقدر ما يستدعي العنوان في تناصفه مع المرجعية الخارجية استحضار تلك المرجعية، لكي يتم تفسيره في ضوئها، فإنه يحيل على العناوين الفرعية التي قد تدخل في علاقة تناص معه وبالتالي فهي تحيل عليه أيضاً، ويظهر هذا التعالق بشكله الجزئي عندما يجري انتخاب أحد هذه العناوين الفرعية، وجعله العنوان الرئيس للعمل.

ونظراً لأولية العلاقة التي ينشئها العنوان مع القارئ فإن ليو هوك يطالب باستهلال دراسة النص بدراسة العنوان لأن له الأولوية على جميع العناصر الأخرى التي يتألف منها العمل فهو الذي يقوم بعملية منهجة القراءة، وبتوجيه تأويل النص، وقد حدّد هوك وظائف العنوان في ست وظائف هي الوظيفة الإخبارية والوظيفة الإشتراطية، والوظيفة التسموية، والوظيفة التعاقدية ثم الوظيفتين الإقناعية والإشارية، في حين أشار غريفل إلى ثلاث وظائف هي الوظيفة التسموية والوظيفة الإشارية والوظيفة الإشهارية. أما الباحث المغربي عبد النبي ذاكر فتكلم عن خمس وظائف هي الوظيفة الإجبارية التي يشغلها العنوان بموجب قيمته الكلامية، والوظيفة الإشتراطية بادعائه كوناً حقيقياً، والوظيفة التسموية التي يشير فيها إلى العنوان الفرعي، والوظيفة التعاقدية لنه يعد بالإخبار، والوظيفة الإقناعية التي تنبع من وظيفته التحريضية ثم الوظيفية الإشكالية المتمثلة في العلاقة الإشارية التي تختزل مجموع العلاقات الموجودة بين علامات العنوان، والموضوعات التي تحيل عليها ([8]) ص 191.

إن الوظيفة الحملية للعنوان عند الدكتور محمد فكري الجزار تتحدد أولاً بين العنوان والنص باعتبارهما مرسلتين تحيلان على بعضهما البعض في الوقت الذي تتحدد فيه بين كل من المرسل والمرسل إليه ([9]). ص 19 أي في ضوء التلقي ودخول هذه العلاقة كعنصر فاعل في إنتاج مدلولية العنوان أو النص. وتتجلى أهمية الدور الذي يلعبه العنوان على صعيد نظرية التلقي في الإسهام الذي يقوم به في حصر الإطار الثقافي والسوسيولوجي والتناصي الذي يندرج فيه الاستقبال ([10]).

* وظائف العنوان وشعريته في أعمال الشاعر:

قبل دراسة وظائف العنوان وشعريته في تجربة سيف الرحبي لا بدَّ من تحديد الأعمال الشعرية التي ستكون عناوينها مجالاً للدراسة كما لا بدَّ من الإشارة إلى أن الدراسة ستركز على علاقة التناص القائمة بين العنوان الرئيس والعناوين الفرعية، وهذه العناوين والنص انطلاقاً من وجود تلك العلاقة سواء أكانت جزئية أو شمولية، إذ لا يوجد انفصال بين بينة ودلالة العنوان وشعريته، عن بنية العمل ومدلولاته، مع الأخذ بعين الاعتبار تناص العنوان مع مرجعيته الخارجية في حال وجود مرجعية يحيل عليها في معناه، بالإضافة إلى بلاغة العنوان وبنيته اللغوية التي تتسم بالاقتصاد الشديد أو الطول النسبي، ويأتي هذا الابتداء بدراسة العنوان من كونه يتقدم على كل العناصر الأخرى المكونة للعمل، ومن دوره في منهجة عملية القراءة، وتأويل النص كما يؤكد ليو هوك، إضافة إلى دوره في أفق توقع القارئ وتقديمه للنص الذي يتوجه. والأعمال التي ستكون مجال الدراسة هي ديوان الجبل الأخضر ([11]) عام 1981 وديوان مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور ([12]) عام 1988 وديوان رجل من الربع الخالي ([13]) عام 1993 وديوان منازل الخطوة الأولى ([14]) عام 1993 وديوان جبال ([15]) عام 1996 وديوان يد في آخر العالم ([16]) عام 1998 وديوان الجندي الذي رأى الطائر في نومه ([17]) عام 2000 وديوان مقبرة السلالة ([18]) عام 2002.

وكما هو واضح من تواريخ صدور هذه الأعمال فإن الملاحظة الأولى تتمثل في التباين الواضح في الفترات الزمنية التي تفصل بين تواريخ نشر هذه الأعمال والتي قد تمتد إلى سبعة أعوام. كما هو الحال بالنسبة للتاريخ الفاصل بين صدور ديوان الجبل الأخضر عام 1981 وديوان مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور في عام 1988. في الوقت الذي قد يصدر فيه أكثر من ديوان في عام واحد كما هو الحال بالنسبة للعام 1993 الذي صدر فيه ديواناً منازل الخطوة الأولى ورجل من الربع الخالي، أو قد تمتد هذه الفترة الزمنية إلى عامين أو أكثر دون أن يعني ذلك وجود انقطاع في التجربة لإن الإشارة إلى تواريخ كتابة تلك النصوص في بداية العمل تبين أن أزمنة الكتابة قد تختلف كثيراً عن أزمنة صدورها في كتاب.

في قراءة العناوين الثمانية نلاحظ أولاً أن هذه العناوين تتألف من جلة اسمية أو أكثر من جملة، ويتميز بعضها بالطول النسبي (رجل من الربع الخالي – مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – الجندي الذي رأى الطائر في نومه). في حين تغيب الجملة الفعلية عن هذه العناوين، أو أنها تأتي في العنوان الطويل كجملة تالية. وقد انفرد عنوان واحد من هذه العناوين باقتصاده اللغوي الشديد، تتألف من كلمة واحدة هي اسم مكان طبيعي (جبال). أما الملاحظة الثانية فتتمثل في كون أغلب هذه العناوين تحمل دلالة مكانية، وتتألف من مركب وصفي، والملاحظة الثالثة أن العناوين الثمانية الرئيسة تنشئ علاقات تناصية مع العناوين الفرعية أو قد تكون عنواناً داخلياً جرى انتخابه ليكون العنوان الرئيس، وبذلك توحي بجزئية تمثيلها للنص، نظراً لكون العنوان الداخلي يأتي معبراً عن النص دلالياً أو مستغرقاً فيه، ويتميز بعض هذه العناوين بأنه استعارة يقدم (معادلاً رمزياً للعمل) أو يحيل على مرجعية خارجية غير نصية هي أسماء لأماكن محددة.

من هنا فإن قراءة هذه العناوين في ضوء شبكة تعالقاتها وإحالاتها وتمثيلها الجزئي أو الكلي للنص وما تحمله من أهداف أيديولوجية أو توحي به، تتطلب دراستها أفقياً على مستوى علاقات هذه العناوين الرئيسة مع بعضها البعض أولاً، وتعالقات هذه العناوين مع العناوين الداخلية على المستويات اللغوية والبلاغية والدلالية ثانياً، وما تكشف عنه من قصدية في إنشائها، وتحديد وظائفها الإرجاعية والشعرية، ومن ثم دراستها عامودياً بهدف معرفة الدور المحوري الذي يشكله العنوان، والذي يدور حوله النص الشعري وبالتالي معرفة مدى تمثيله للنص واختزاله له مبنى ومعنى، إضافة إلى مدى قراءة دوال العنوان في ضوء عمله، باعتبار العنوان كما يقول الدكتور محمد فكري الجزار مرسلة محمولة على مرسلة أخرى هي العمل وكلاهما يشكلان مرسلة مكتملة.

إن اشتغال العنوان دلالياً، وما يقوم به من وظيفة إيحائية، أو يتميز به من بنية نحوية وبلاغية تتعلق بالإيجاز أو الإطناب، يجعل من الضروري قراءته في ضوء علاقته التي ينشئها مع العناوين الرئيسة الأخرى، غذ إنها تكشف عن استراتيجيات بناء العنوان، والمقاصد والأهداف التي يتوخى تحقيقها على مستوى وظائفه الإرجاعية والشعرية والإشارية بالإضافة إلى الدور التحفيزي الذي يلعبه على مستوى منهجة القراءة وتأويل النص وافق التوقع.

تشترك عناوين الدواوين الشعرية الثمانية في سمتين أساسيتين هما السمة الدلالية التي توحي بها إذ إن هذه العناوين تحمل معنى مكانياً محدداً أو تحيل عليه، وتتحد السمة الثانية في البنية النحوية فهذه العناوين كما أشرنا سابقاً إما هي جملة اسمية ذات طابع وصفي إنشائي، أو أكثر من جملة، حيث يلعب العنوان هنا دوره في توجيه انتباه القارئ نحو مرجعيته التي يحيل عليها وهي اسم مكان جغرافي (رجل من الربع الخالي – الجبل الأخضر – جبال) في حين أن الطابع المجازي أو الإستعاري للعنوان يوحي بالمضمون الدلالي الذي يتضمن معنى وجودياً ووجدانياً (مقبرة السلالة – منازل الخطوة الأولى) أو أيديولوجياً (مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور).

يتألف عنوان الديوان الأول من جملة اسمية، يأتي لإسم فيها معرفاً وهي تحمل معنى مكانياً طبيعياً (الجبل الأخضر)، وبغض النظر عن هذا المعنى الطبيعي الذي يقع في وطن الشاعر عُمان، فإنه يدل على الارتفاع والخضرة التي تتميز بها الحياة الطبيعية هناك، ويحمل العنوان دلالة جزئية ترتبط بكونه عنواناً فرعياً لأحد نصوص الديوان، لكن اختياره ليكون عنواناً رئيساً ينطوي على مقاصد وارتباطات فهو يسهم في توجيه القراءة وافق التوقع، ويوحي بمضمون التجربة التي قدمها العنوان رغم تمثيله الجزئي لنصوص الديوان، فهي تجربة مكانية ترتبط بزمن طفولة الشاعر وتجربة حياة الأولى. أو الذاكرة المكانية، ويلعب الإيجاز أو التكثيف في بنية العنوان اللغوية دوره في اختزاله للنص مبنى ومعنى على العكس من عنواني ديوانيه التاليين (مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – الجندي الذي رأى الطائر في نومه) إذ يتألف كل عنوان منهما من أكثر من جملة، ويخلوان على المستوى الدلالي من أي معنى مكاني يمكن أن تحيلا عليه، كما أنهما يتميزان ببنيتهما الإستعارية والمجازية وهما يقدمان رؤية إلى العالم تأتي في إطار سياقات فكرية واجتماعية كما يشكلان محوراً أساسياً. يتمتع العنوان الأول منهما باستقلاله عن العناوين الداخلية، في حين يشكل العنوان الثاني عنواناً داخلياً للنص الشعري الذي يشغل أكثر من نصف الديوان، لكنهما يسهمان في تحديد طبيعة التجربة التي تقدمها نصوص الديوانين والرؤية الشعرية التي تحكم هاتين التجربتين وتوجهها.

عنوان الديوان الثالث (منازل الخطوة الأولى) يجمع بين نصوص نثرية ونصوص شعرية، وتتضمن بنيته التحوية اسماً بصيغة الجمع هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه ويجري تعريفه بالإضافة وبذلك يحيل العنوان في معناه الدلالي إلى تجربة الطفولة الأولى، خاصة وأن كلمة منازل تحيل على المكان الخاص الأليف والحميم الذي هو فضاء المنزل الذي يتميز بكونه فضاء مغلق، وتظهر هذه العنونة المعنى الاستعاري الذي تشكله والذي يحيل على تجربة الطفولة الأولى، وما تختزنه من دهشة وسحر في لحظة اكتشافها الأول للعالم، إضافة إلى مضمون تلك العلاقة التي ما زال يعيش سحرها ويعبر من خلالها عن ارتباطه بالنفسي والوجداني والشاعري معها، ويمثل العنوان في الأساس عنواناً فرعياً جرى انتخابه ليكون عنواناً رئيساً. الأمر الذي يجعله ينطوي على جزئية تمثيله لنصوص الديوان، كما هو الحال في أغلب عناوين أعماله. لكن هذا العنوان يتصل على مستوى آخر مع مضمون التجربة التي يقدمها الديوان لاسيما على المستوى السيري وعلاقة الذات مع المكان على المستوى الوجودي والإنساني.

وإذا كان الاسم الأول في العنوان السابق يأتي بصيغة الجمع فإن الاسم الذي هو خبر لمبتدأ محذوف في العنوان التالي (رجل من الربع الخالي) يأتي في صيغة المفرد، إلا أنهما يشتركان في كونهما اسمين يتم تعريفهما بالإضافة، لكن الإضافة في العنوان السابق تحيل على معنى زمني في حين أن الإضافة هنا تحيل على اسم مكان جغرافي محدد وبهذا يتم تعريف الاسم بالإضافة إلى اسم المكان، كما يتم تعريف المكان في العنوان السابق بالإضافة إلى تجربة زمنية محددة. وعلى العكس من العنوان السابق يتميز العنوان في هذا الديوان بكونه يحمل دلالة كلية إذ إنه ليس عنواناً داخلياً جرى نقله من الداخل إلى مقدمة العمل ليمنحه اسمه وهويته، وتبدو علاقته بالعناوين الفرعية واضحة من خلال البنية الدلالية التي تحمل معاني مكانية لأغلب العناوين الفرعية والبنية اللغوية التي تتميز بطولها النسبي.

العنوان الخامس (جبال) هو اسم نكرة يأتي في صيغة الجمع، ونظراً لكونه غير معرَّف فهو يحمل دلالة جغرافية عامة غير محددة كما هو الحال في العنوان السابق، ويشترك هذا العنوان في بنيته اللغوية والنحوية والدلالية مع أغلب العناوين الفرعية التي تتميز بكونها أسماء مكانية أو تحيل على معنى مكاني، وبأنها تأتي في صيغة التنكير وتتميز باقتصادها اللغوي الشديد، إذ لا تتألف إلا من كلمة واحدة، وإذا كان هذا العنوان يحمل دلالية عامة مفتوحة، ويتمتع باستقلاله بحكم أولية وجوده، فإن قراءته الثانية بعد الانتهاء من قراءة العناوين والنصوص الداخلية تظهر الموقع المحوري الذي يشغله كما سنلاحظ لاحقاً.

ويتصل هذا العنوان مع العناوين الرئيسة السابقة على صعيد البنية الدلالية المكانية، في حين يتمايز عنها باقتصاده اللغوي الشديد على صعيد البنية اللغوية. ولا يختلف هذا العنوان مع عنوان الديوان التالي (يد في آخر العالم) في علاقته معه على مستوى البنية اللغوية والدلالية والنحوية، فالعنوان هنا يتميز بطوله النسبي وعدم اقتصاده اللغوي الشديد، إلا انهما يشتركان بالدلالة المكانية وفي كونهما اسمين غير معرّفين، وإن كان العنوان السابق يأتي بصيفة الجمع، في حين يأتي العنوان الحالي بصيغة المفرد، كما أنه يختلف عنه من حيث أنه عنوان فرعي لنص داخلي، لكن هذه اليد التي تستغرق أقصى حدود المسافة تبقى غير مقيدة المعنى لأنها لا تشير إلى وضعية أو حالة محددة، ويتصل هذا العنوان مع العناوين السابقة في كونه يتألف من جملة اسمية ويحمل دلالة مكانية ذات بعد إيحائي.

يتميز العنوان الثامن والأخير من هذه العناوين من حيث مضمونه، فهو العنوان الأول الذي يحمل معنى الموت ويوحي به. لكنه يشترك مع أغلب تلك العناوين في بنيته الدلالية المكانية، وفي الاسم المفرد الذي يتم تعريفه بالإضافة، وبقدر ما تكشف بنية العنوان عن دلالة مكانية، فإنها تكشف أيضاً عن معنى زماني يكثف جانباً هاماً وأساسياً من تجربة الإنسان الوجودية، حيث يشكل المكان في هذا العنوان ذاكرة تاريخية تخص تاريخ السلالة ومسيرتها الوجودية، كما أنه يتميز ببنيته النحوية إذ يتألف من جملة اسمية أيضاً، لكنها تتميز باقتصادها اللغوي.

إن العلائق التي تنشئها هذه العناوين على المستوى الأفقي فيما بينها لغوياً ودلالياً ونحوياً، تتجلى على مستوى آخر هو المستوى العامودي أي علاقة العناوين الرئيسة مع العناوين الفرعية وإحالة كل منهما على الآخر، ومدى تضمنه فيه، وتشي قراءة هذه العناوين على المستوى بأن الاتصال فيما بينها لا يتم على صعيد البنية الدلالية المكانية فقط بل هي تتعداها إلى البنى الأخرى اللغوية والنحوية ووظائف الاتصال والتمثيل الجزئي أو الرمزي الدلالي البديل للنص، ما يدل على الاحالات المتبادلة التي يقوم بها كل من العنوان الرئيس والعنوان الفرعي على الآخر.

تتعدد استراتيجيات العنونة الداخلية عند الشاعر الرحبي إذ تقوم هذه الاستراتيجية في أحد أشكالها على توزيع العناوين الداخلية على عنوانين محوريين يستغرقان في بنيتهما الدلالية النصوص الواقعة في مجال اشتغالهما. ويشكلان مفتاحاً دلالياً للدخول إلى عالمها الدلالي، وغالباً ما تتوازى هذه العناوين مع العنوان الرئيسي في بنيتها النحوية واللغوية والدلالية. أما الاستراتيجية الثانية فتقوم على الجمع بين العنونة المحورية، لكنها تستبدل عنونة قصائد أحد العناوين المحورية بالترقيم الذي يشكل خرقاً لمبدأ العنونة وإعادة إنتاج لهذا المبدأ، في حين يستخدم الشاعر في عدد من الأعمال الأخرى العنونة الخاصة بكل نص حيث يظهر التباين النسبي بين هذه العناوين على مستوى بنيتها النحوية واللغوية والدلالية.

تتكامل عتبات النص في وظائفها المختلفة، إذ اعتبر جيرار جينيت أن حدود العتبة في أسماء المؤلفين والمقدمات والعناوين والإهداءات لها سياقات توظفية وتاريخية ونصية ووظائف تأليفية تختزل قسماً من منطق الكتابة ([19]). ولو حاولنا قراءة هذه العتبات في ضوء سياقاتها التوظيفية والنصية لوجدنا أنها تأتي في سياقات دلالية تسهم في تأويل النص وفي أفق انتظار المتلقي. فهي تشكل محوراً دلالياً تشترك فيه مع العناوين الرئيسة وتؤلف معها عتبة دلالية تضع القارئ في فضاء التجربة التي يقدمها العنوان، كما تسهم في توجيه القراءة. ففي أعمال الشاعر التي تتجاوز فيها العتبات عتبة العنوان الرئيس إلى الاستشهادات والمقدمة، نجد أن اختيار الإستشهادات يقوم على أساس كثافتها الدلالية والإيحائية، التي تختزل مضمون التجربة وتوحي بها.

يشتمل التصدير في ديواني مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور والجندي الذي رأى الطائر في نومه على مقبوسين اثنين. ففي الديوان الأول هناك مقبوسان اثنان الأول مأخوذ من سورة النور القرائية (كسراب بقيعة يحسب الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئاً) والثاني مقطع شعري للسياب (يا غربة الروح في دنيا معد الحجر). أما الديوان الآخر فالمقبوسان عبارة عن مقطعين شعريين. الأول لأحد شعراء الزن (كم هو مؤسف / إطلاق حصان وحيداً في الفراغ) والثاني لأونفاريتي (ولم يكن يعرف العيش تحت خيمة أهله)، ويقدم الشاعر في ديوان رجل من الربع الخالي إهداءه (إلى الجبال الصماء وتلك المرأة الزائفة بالغياب مثل صحراء) وكما هو واضح فإن هذه العتبات القرائية توحي بمضمون التجربة الوجودية بأبعادها النفسية والروحية والفكرية المتوترة والحزينة حيث يشكل المكان فيها بؤرة دلالية موحية بمضمون هذه التجربة المعبرة عن قلق الذات ووعيها الوجودي بمأساوية وقسوة شرطها الإنساني، وبذلك تشكل علامات دالة مشبعة برؤية للعالم يغلب عليها الطابع الإيحائي كما يقول رولان بارت. وتتقاطع هذه العتبات في وظائفها الدلالية والإيحائية مع العتبات الأخرى التي تمثلها العناوين الداخلية، إذ إنها تحيل على النصوص الشعرية التي تسمّها وتشكل مفتاحاً دلالياً للولوج إلى عالمها. كما أن النصوص تحيل عليها، فهي في الغالب عناوين مكانية أو تتصل بالرؤية الشعرية التي تحكم التجربة. وقبل تناول بنية هذه العناوين ووظائفها وإحالاتها النصية لا بدَّ من استكشاف استراتيجيات العنونة الداخلية في هذه الأعمال الثمانية، لإدراك منطلقاته في إنشاء هذه العناوين ودورها في توجيه القراءة وأفق توقع القارئ. يعتمد الشاعر في ديوان الجبل الأخضر على استراتيجية العنونة التقليدية القائمة على اختيار العنوان بناء على قدرته على تكثيف واختزال التجربة في النص الشعري، وتتوزع هذه العنونة في هذا المستوى على عنونة توحي بجزئية تمثيلها للنص من خلال كونها جملة منتخبة من النص، تتميز بطاقاتها الشعرية والإيحائية، أو تكون اسماً لمكان يمثل بؤرة النص، أو إنها توحي بكلية تمثيلها للنص، وبالتالي يكون العنوان هو المحور الذي يدور حوله النص، وينشغل بتأويله وشرحه، كما في عناوين هذه النصوص (موسيقى / علاقة غاربة / ولادة / هذيان الجبال والسحرة / وصول….)، وكما هو واضح فإن هذه العناوين تتميز باقتصادها الشديد في اللغة، وتتألف من كلمة واحدة أو جملة اسمية.

ويعتمد الشاعر في ديوان مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور على استراتيجية مماثلة، فمن أصل واحد وثلاثين عنواناً، يوجد ستة عشر عنواناً يحمل دلالة جزئية، ويكون الكلمة الأولى في جملة الاستهلال، أو هو جملة الاستهلال أو جملة أو كلمة مأخوذة من متن النص الشعري وجرى نقلها لتؤدي وظيفة العنونة، في حين أن العناوين المتبقية توحي بدلالة كلية تستغرق النص، وتشكل محوره الذي يدور حوله، وتتضمن هذه العناوين دلالات مختلفة، فقد تكون أسماء لشخصيات عرفها الشاعر، أو أسماء لأماكن عاش فيها الشاعر أو معانٍ مجردة (صدفة / نهاية / الصرخة / مبارك الرحبي / يوسف الخال / خريف / جفاف…) ويمكن القول إن هذه العناوين تتوزع على عناوين شديدة الاقتصاد في اللغة، وتتألف من كلمة واحدة، أو تتميز بطولها النسبي (متسكع لا يحلم بشيء / بستان ديستويفسكي / بداية صباح ما / سيجارة بحار مسن / متحف من ظلال…) وهي تتألف من جملة اسمية. ومع ديوان منازل الخطوة الأولى منازل يطرأ تبدل على مبدأ العنونة يتجلى في استخدام استراتيجيات مختلفة، تتمثل في استخدام الترقيم إلى جانب العنونة، إذ يقسم الشاعر نصوص الديوان إلى مجموعة من النصوص تتوزع على أربعة عناوين محورية، هي منازل الصرخة الأولى التي حمل الديوان عنوانها، لكنه يلجأ إلى خرق مبدأ العنونة وإعادة إنتاجه باستخدام الترقيم للنصوص، ويدل الترقيم على الكم وهذا يتناسب مع كون تلك النصوص نصوصاً نثرية، في حين أن المحور الثاني ظل دون عنوان واكتفى بترقيم النصوص، أما العنوان المحوري الثالث فيجمع بين العنونة والترقيم بشكل متناوب، وينفرد العنوان المحوري الرابع (منازل وأصدقاء) بالعنونة للنصوص الأخرى، حيث تتميز هذه العناوين باقتصادها الشديد في اللغة، وبكونها تحمل أسماء مكانية ومعاني مجردة مقتبسة من النص (منزل / مفتاح / الرسالة / غفوة / العقاب) أو هي تتألف من جملة اسمية وتحمل أسماء أماكن عرفها الشاعر في ترحاله الدائم (فقهي في دمشق / بنسيون على بحر الشمال / بنسيون في طنجة / بنسيون في حارة القصبة بالجزائر). ويظهر التعالق واضحاً بين العنوان المحوري وعناوين النصوص التي تحيل على هذا العنوان، الذي يحيل عليها في الآن معاً.

تتوزع نصوص ديوان رجل من الربع الخالي على عنوانين محوريين الأول يحمل نفس العنوان الذي يحمله الديوان ويضم مجموعة نصوص يحمل كل نص منها عنواناً فرعياً، يستخدم إلى جانب بعضها الترقيم كما في عنوان (أصدقاء (1) / أصدقاء (2) / أصدقاء (3)) وهذه العنونة توحي بالكم والتعدد، أما على صعيد البنيتين النحوية واللغوية فإن هذه العناوين تتصف باقتصادها اللغوي الشديد، إذ تتألف من كلمة واحدة تحمل دلالة مكانية أو معنى مجرداً أو اسم حيوان أو شيء (الغريب / فانوس / مطارح / لعب / حقيبة / ضواري / الشرق م فراق / الفنان / ليل…)، أو إنها تتصف بطولها النسبي، وبكونها جملة اسمية وتحمل دلالات مكانية أو زمانية (عروق الشيبة / أودية وشعاب / الليلة الأخيرة / ذكرى الحاضر / حكاية قديمة / سماء خاصة / أرخبيل الغرقى…) أو يكون شبه جملة (في ضوء هذا الفجر الأصم).

العنوان الفرعي الرئيس الثاني (فيض الصحراء) يشتمل على مجموعة من النصوص يحمل كل نص منها عنواناً فرعياً وتشترك مع العناوين السابقة في كونها تتألف إما من كلمة واحدة (شاقة / رائحة طفولة) وهي على غرار العناوين السابقة تحيل على النص الذي اقتبست منه، أو تتألف من جملة اسمية أو جملة فعلية في صيغة النفي أو اسماً لشخصية (فيض الصحراء / طيور هيتشكوك / غرف مهجورة / لن تقرع الأجراء / مطرقة تفور في مخيم الذهب / سليمة الأزدي…) إضافة إلى شبه جملة (على تلك المرأة)، ويعود الشاعر إلى استراتيجية الترقيم للدلالة على الكم مرة أخرى في نصوص مقاطع الأولى والثانية، حيث تتصف بنية هذه المقاطع كما يدل على ذلك العنوان بالاقتصاد والتكثيف الشديد في اللغة وتجعلها أشبه بالومضة الشعرية أو الفكرة، لكن أغلب العناوين السابقة تتميز بأنها عناوين مستمدة من النص الشعري، وقد طرأ تعديل بسيط على بنية بعضها لتناسب وظيفة العنونة التي تقوم بها.

ويعود الشاعر في ديوان جبال إلى استخدام العنونة الفرعية، والتي تتوزع على نوعين من العنونة، عنونة تتصف باقتصادها اللغوي الشديد وتتألف من كلمة واحدة مستمدة من النص غالباً أو توحي بدلالة كلية، وغالباً ما تكون اسماً غير معرَّفاً (صحراء / موسيقى / طائر / زيارة / غرفة / سفر / دعاء / لقالق…) وهي تحمل دلالة مكانية أو معنى مجرداً، أو اسم حيوان أما العنونة الثانية فتتسم بطولها النسبي، وبكونها جملة اسمية الاسم الأول فيها نكرة في الغالب، أو شبه جملة (عوارض التكييف / حكاية هذا الصباح / حنين الأعالي / في وصف رحلة / أرصفة الإشارة / هذه الذرى…) وهناك عنوان واحد يحمل اسم مكان استخدم الشاعر فيه الترقيم (شاطئ الجيل (1) – شاطئ الحيل (2)).

وينفرد ديوان يد في آخر العالم بكون عنوان الديوان هو عنوان فرعي لنص صغير في نهاية الديان، في حين يلجأ إلى خرق مبدأ العنونة وإعادة إنتاجه في النص الأول الذي يستغرق أكثر من نصف الديوان من خلال استخدام الترقيم في تعيين حدود المقاطع الثمانية عشرة الشعرية التي يتألف منها، أما العنونة فيستخدمها في نصوص الديوان الأخيرة التي تتصف باقتصادها اللغوي (مقاطع / عمرو بن قمئية / يد في آخر العالم).

وعلى العكس من العنوان السابق فإن عنوان الديوان السابع (الجندي الذي رأى الطائر في نومه) يتميز بأنه عنوان لنص من أطول نصوص الديوان في حين أن النصوص الأخرى تتوزع على عنوانين محوريين ويضم هذا العنوانان مجموعة من النصوص التي تحمل عناوين فرعية تتوازى مع عنوان الديوان المتميز بطوله في كون عناوينها ذات بنية لغوية تتسم بالطول النسبي وبأنها جملة اسمية في الغالب أو جملة استفهامية أو ظرفية، إلا أن النصوص الأولى في الديوان تنفرد بعنونتها المستقلة.

تتوزع العنونة الفرعية الرئيسة على عنوانين هما (البحيرة المسحورة التي غرقت فيها أخيراً) وهو يتألف من أكثر من جلة ويتوازى مع العنوان الرئيس في طوله الملحوظ، كما أن العناوين الفرعية التي يضمها هي جملة اسمية ولا تضم سوى عنوان واحد يتكون من مفردة واحدة (صوتك)، وتلك العناوين ذات بنية استعارية أو أسماء مكان، أما العنوان الفرعي الرئيس الثاني (بعصا الأعمى في ظلام الظهيرة) فتتنوع البنية النحوية للعناوين الفرعية التي يضمها فإلى جانب الجملة الإسمية الغالبة، هناك جملة الاستفهام وجملة النفي والجملة الظرفية (لا فريسة في الأفق / أحذية الجند / لمسة من يديك / تحت سقف الصباحات / صبحية يوم العيد / عرين سماء مقفرة / كيف تصنع بقفر حديقة…) وهذه العناوين من حين البنية الدلالية تتوزع على عناوين مكانية وزمانية في الغالب، في حين أن العناوين ذات الاقتصاد اللغوي الشديد، والتي تتألف من كلمة واحدة، لا تتجاوز الأربعة عناوين (رومانسية / يمامة / الصفرد / غياب) عنوان واحد من هذه العناوين المفردة، يحمل اسم طائر، بينما العناوين الثلاثة الأخرى تحمل معنى مجرداً. وتحنو العنونة في الديوان الأخير (مقبرة السلالة) منحى مماثلاً لاستراتيجية العنونة السابقة، إذ تتوزع العناوين الفرعية للنصوص على ثلاثة عناوين محورية هي (مقبرة السلالة ((محاولة أولى)) / الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة / الديكة وحدها تحاول إنقاذ المشهد وتعيد مياهاً بعيدة في الذاكرة)، وكما هو واضح من هذه العناوين فإن أهم ما يميزها هو طولها الواضح على صعيد البنية اللغوية. إذ تتألف من أكثر من جملة، ويظهر التباين بين البنية اللغوية للعناوين الداخلية المحورية وبنية عناوين النصوص من خلال التكثيف الشديد الذي تتميز به بنية العناوين الخيرة التي يمكن تصنيفها في محور الأفراد (حنين / ألم – السجين / طقس / رسالة / داليا / بحار / عصفور / عاصفة…)، أما المحور الثاني فهو محور لإضافة (حكاية هيرودوت / هواء الفرقة / عيون الثعالب). والمحور الثالث هو محور الجملة الإسمية (أخوة مجهولة / هذا الصباح / هذه اللحظة / هواء عذب / غنيمة كل يوم / بدايات لا تنتهي…).

وإلى جانب المحاور السابقة التي تستغرق العناوين الداخلية هناك محور الوصف (السرير الكبير / أنثى باذخة / مساء جنائزي / ولادة عسيرة / الجبل الأخضر) وتتوزع تلك العناوين على أسماء أشياء أو معاني مجردة، أو أسماء أشخاص وأسماء مكان وزمان، وهذه العناوين غالباً ما تكون مأخوذة من متن النص الشعري، ما يدل على طابعها الرمزي ويجعلها تحيل على جزء من النص نظراً لجزئية تمثيلها للنص. وتلعب عتبات النص الأول التي تحمل العنوان الذي جرى نقله ليكون العنوان الرئيس دوراً مهماً في توجيه القراءة وأفق توقع القارئ، إذ إن إضافة عنوان ثانٍ للعنوان الأول (محاولة أولى) متبوع باستشهاد ذي معنى أمومي موحٍ لنيتشه يشكل عتبات تختزل قسماً من منطق الكتابة كما يقول جينيت. وإذا كان العنوان الرئيس الفرعي يحمل دلالة عامة هي دلالة الموت (موت السلالة) فإن العنوان الثاني (محاولة أولى) يدل على استراتيجية الكتابة في حين أن الاستشهاد ينتقل بالمعنى العام للعنوان المحوري إلى المعنى الخاص المحدد برمزية الأم كقيمة إنسانية ووجودية كبيرة. لكن النص في رؤيته الشعرية وهواجسه الفكرية يمتد من الرؤية الذاتية الخاصة المحددة بموت الأم، إلى المعنى العام الإنساني المتحدد بصور الموت والكوارث والحروب المدمرة التي تكتسح العالم وترهق الوجود الإنساني.

إن استراتيجية إنشاء العنوان كما تجلت في أعمال الشاعر الثمانية تذهب في اتجاهين اثنين، الاتجاه الأول يقوم على مبدأ العنونة الجزئية القائمة على جزئية تمثيله للنص، وعلى وظيفته الرمزية. في حين أن العنوان المستقل وهو الأقل استخداماً فيتميز بكونه ذا علامة إشارية نظراً لاستقلاله عن النصف وكونه غير مأخوذ من متنه الشعري، أما الاتجاه الثاني فيشكل خرقاً لمبدأ العنونة وإعادة إنتاج له من خلال استخدام الترقيم أو العناوين الكتابية والترقيم معاً لاسيما في النصوص التي يحمل فيها العنوان دلالة كمية (مقاطع / أصدقاء…). ولا شك أن استراتيجية العنونة هنا لا تنفصل عن استراتيجية الكتابة لاسيما على مستوى البنية اللغوية والنحوية والدلالية.

(ع25)شعرية المكان ودلالاته

(ع1)دخل المكان كعنصر مكون في تشكيل النص الشعري من خلال اعتماد هذا النص على الصورة كوسيلة تعبير فنية وجمالية، إذ إن الصورة هي قبل كل شيء تشكيل مكاني، حيث تبرز مقدرة الشاعر في بث الحركة والحياة في المكان، وإقامة التوافق بين الحركة النفسية، وحركة الأشياء، وبين الشاعر والعالم الخارجي ([20])، كما أن شعرية المكان ارتبطت بشعرية الاستعارة التي هي في شكلها الأولي ذات أساس مكاني، إن أهمية المكان في التجربة الشعرية لا تنبع من كونه شرط الوجود الإنساني ووعاء تجربتنا الوجودية، وإنما من كونه أشبه بخزان للأفكار والمشاعر والحدوس، حيث لا تتبدى صورته خارج صورة إدراكنا له، أو خارج مضمون التجربة الشعورية والرؤية التي تقدمها التجربة الشعرية. ولا شك أن المكان قد اتخذ دلالات متعددة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمضمون الرؤية وحركة الشعور ومضمون المغامرة التي نعيشها فيه ومعه وعلاقتنا العاطفية معنى، إذ تعكس صورة المكان المجازية ثنائية العلاقة بين الداخل والخارج، أو بين الفضاء الداخلي للشاعر والفضاء المكاني المادي بما تحمله هذه العلاقة من انفصال وانقطاع وغياب الشعور بالألفة، أو من انسجام وتوافق وألفة وشعور بالسحر والجمال، فإلى جانب الرؤية الفلسفية للمكان، هناك الرؤية الأيديولوجية / الاجتماعية، والرؤية التاريخية، إضافة إلى الرؤية الوجودية، والرؤية الأسطورية… وقد تتداخل مستويات هذه الرؤى بحكم تداخل مستويات التجربة وطبيعة النص الشعري، كما قد يحمل المكان دلالات رمزية كما كان الحال في التجربة الشعرية عند جيل الستينيات الشعري إذ تداخلت رمزية الأرض مع رمزية الأم والوطن وأصبح الحديث عن أحدهما هو استدعاء للآخر.

تتعدد دلالية المكان بتعدد الحالات الشعورية ومستويات التجربة التي يعيشها الشاعر، فقد تعبر هذه الدلالية عن علاقة ذاتية ذات ارتباطات خاصة كما هو الحال في تجربة الطفولة التي تظل حاضرة في وعي الشاعر وفي وجدانه، أو تعبر عن رؤية فكرية وسياسية، وغالباً ما تتداخل مستويات التعبير هذه وتتراكب حتى في النص الشعري الواحد نظراً لتداخل مستويات التجربة الشعورية والفكرية ومعطياتها في فضاء النص الواحد.

يشكل المكان في تجربة سيف الرحبي الشعرية قيمة أساسية نجدها حاضرة في هوامش النص، وفي متنه الشعري لأسباب عديدة منها ما يتعلق بطبيعة النص الغنائي المشغول بهذا القنوع الجغرافي الممتد من الصحراء إلى الوديان والجبال الصماء وشواطئ البحر حيث عاش الشاعر طفولته، ولحظة انكشاف العالم الأولى بكل سحرها ودهشتها وفتنتها أمامة، ومنها ما يتعلق بمضمون والتجربة الوجودية والاجتماعية. والسياسية التي تتولد منها رؤية الشاعر وأفكاره في عالم مكاني يفقد براءته ويتحول إلى أرض كل ما فيها بينها وتحت سطوة قيم الاستهلاك الجديدة، والمصطنعة، أو يتحول إلى أرض لهذيان والسحرة.

يهيمن العنوان المكاني على عناوين أعمال الشاعر ونصوصه، ولما كانت هذه العناوين تشكل نصاً أولياً وتختزل النص مبنى ومعنى موحية إما بجزئية تمثيلها للنص أو بشموليته، وتمثل في شعرية الموضوع مرسلة موازية ومختزلة للنص، فإن قراءتها في ضوء هذه الوظائف تشكل مفتاحاً دلالياً، وعتبة قرائية لنصوص الشاعر، التي تحيل على العناوين، كما أن العناوين تحيل عليها، لاسيما وإن أغلب هذه العناوين هي كلمات، أو عبارات مجتزأة من متون النصوص، تؤدي وظيفة رمزية.

تتصدر العناوين المكانية بامتياز عناوين النصوص الشعرية. ففي ثلاثة دوواين من دوواين الشاعر هي مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – جبال – رجل من الربح الخالي – نلاحظ كثافة حضور هذه العناوين التي يبلغ عددها ثلاثة وأربعين عنواناً موزعة على محاور عدة هي محور أسماء الأماكن المغلقة، التي تحيل على ما هو خاص (بيتنا القديم – غرف مهجورة – منازل – غرفة – أمال النافذة – نافذة)، ثم عناوين المكان المجازية (متحف من ظلال – بستان ديستويفسكي – اختلاط الجهات – أرخبيل الغرقى – مدن الملح – فيض الصحراء – مطرقة تفور في منجم الذهب – حنين الأعالي – هذيان الجبال والسحرة – كوكب العربي – أرصفة الإشارة).

وتأتي العناوين التي تحمل أسماء علم لأماكن محددة لتكشف عن الجانب السيري في علاقة الشاعر مع المكان، وهي (شاطئ الحيل 1 – شاطئ الحيل 2 – قبر هنري باربوس – عروق الشيبة – بورتريه لـ((سرور)) – بيروت أيام زمان)، وهناك العناوين التي تحمل أسماء أماكن طبيعية كما في (هذه الذرى – الصحراء – أودية وشعاب – الجبل الأخضر)ن كذلك هناك محور لإسماء التي تدل على المكان (مطارح – سماء خاصة – المياه البعيدة – الشرق).

لا تختلف العنونة من حيث وظائفها في أعمال الشاعر الأخرى عنها في الأعمال الثلاثة، إذ إنها تخترق متن النص وتشكل نواة بنية دلالية أولية. لكن اللافت في صورة المكان المجازية هو تداخل العناصر الواقعية مع الغرائبي والسحري، والرمزي، حيث تحاول الصورة الاستعارية ألا تذهب بعيداً في الإنزياح على مستوى العلاقة بين الصفة والموصوف أو تداخل الحواس. الأمر الذي يجعل التخييل الشعري يستمد عناصره من معطيات التجربة والواقع ثم يعيد تشكيل العناصر والأشياء بما يخدم رؤية الشاعر الفكرية والجمالية فثمة توازٍ في تجربة الشاعر بين طفولته وطفولة المكان، ويتجسد ذلك من خلال استخدام الضمير الغنائي، ضمير المتكلم المفرد في النص حيث تكشف هذه الغنائية عن رؤية رومتنية ملازمة لسردية الذات وهي تستعيد صور تلك الطفولة وعلاقتها مع المكان الأول الفارق في عزلته وصحته الأبدي ورهبة حضوره وفيضه:

في العاصفة بين الجبل والبحر عشق

فترة من الطفولة

هناك تعلمت السباحة في البحر

وفي عيني أسماك القرش

هناك شاهدت العناق الأول

بين الجبل والبحر

شاهدت ارتطام الصباحات ببعضها

كالنيازك

ورأيت ميلاد الأبدية ([21]) ص 143 – 144.

إن الشاعر في نصه الرعوي الغنائي لا يستحضر تفاصيل هذا المكان وطفولته بل هو يوغل بالبحث عنه مقتفياً آثار البداوة في الليل البعيد الدال على ماضي المكان القديم وحيوات ساكنيه، ويغدو هذا الاقتضاء لآثار حياة مضت في ذاكرة المكان هو اقتفاء لأثر طفولة مضت ارتبطت بتاريخ المكان وحيوات طفولته الغابرة. بسبب تلازم هاتين الطفولتين التي يذكرِّ حضور إحداهما بغياب الأخرى:

في الليل… في الليل غالباً

أقتضي اثر البداة

بكلابهم النابحة على الحافة

ومواقدهم المرشوشة بالريبة

في جوف هذا الليل الموغل

في القدم ([22]) ص 13

مع ضياع طفولة المكان، أصبحت الحياة دون ذاكرة وتاريخ وضاع ماضي الجبال والمدن التي تناسلت فيها السلالة، بعد أن نهضت المدن التي استعارت حداثتها على أنقاض الماضي، وللتعبير عن هذا التحول المفارق في سيرة المكان وتاريخه اختار الشاعر رمزاً من أكثر رموز الحياة الرعوية القديمة ألا وهو ذئب الغلاة، لكي يكثف المعاني الدلالية التي بات ينطوي عليها ضياع طفولة هذا المكان، إذ أصبح يشتم الدم المتيبس على سفح الكائن ويرد لآبار ولا يتذكر شيئاً من الماضي، ولعل هذا السرد الاستعاري الذي يقدمه نص الشاعر يكشف عن علاقة الغربة التي بات يعيشها المكان، وأبناء السلالة في آنٍ معاً:

لم يعد ذئب الغلاة قادراً على النحيب كما في الماضي صار يشتم الدم المتيبس على سفح الكائن ويرد الآبار. ولا يتذكر شيئاً من ماضي الفريسة والجبال والمدن التي تناسلت فيها السلالة ([23]) ص 68.

لقد فقد المكان ماضيه وجماله القديم، وفقد مع هذا الماضي علاقة الإتصال الحية والعميقة بينه وبين الكائن، الأمر الذي يجعل المكان في صورته الراهنة علاقة على موت الحياة وقيمها الجميلة، ما يوحي بغربة الإنسان وموته من الداخل وكذلك ذبول عناصر الحياة الجميلة التي تمثلها الأشجار وهكذا تغدو عين السارد في النص تخترق سطح الأشياء والحياة، وتستجلي أعماقها، لتدرك ما تنطوي عليه صورة الحاضر على تلك الأرض التي يعبرها كل يوم بعين المتأمل الحزين وهو يعاين ضياعها وهزيمة الجمال أما سطوة دون الحداثة التي بنيت على عجل لتغتال طفولة المكان والكائن معاً. يقول الشاعر:

الشجر الذابل أمام بيتي أرقبه كل صباح وأنا ذاهب إلى العمل، وكل مساء وأنا قادم من البحر. وقد أرخى سدول أيامه بيأس أمام سطوة الجبال.

والمآذن والعمائر المأهولة بالجفاف وبمخلوقات زنخة تفوح من أردانها جثة العالم المتفسخة منذ قرون ([24]) ص 130.

إن هذا الارتباط بين طفولة الشاعر وطفولة المكان ينبع من حنين نوستالوجي لاستعادة زمن الطفولة الأولى، وسحر المكان ودهشته عند انكشاف عالم المكان له بأسراره وتفاصيله ورهبته، حيث تأسست فيه علاقة الذات مع العالم، وبدأت مغامرة الحياة، ولذلك كثيراً ما نجد ذاكرة الشاعر تستحضر أجزاء من صورة ذلك المكان تندمج فيها سيرة الطفولة مع سيرة المكان الطبيعي بجباله ووديانه وشواطئ بحره، وقد يكون هذا الاستدعاء بما يكشف عنه من ارتباطات وجدانية ونفسية ومن موقف فكري، هو الذي يجعل النص الشعري يقوم في بنيته على السردية المفتوحة على سيرة الكائن وسيرة المكان في جدل العلاقة الدائمة بينهما، باعتبار ذلك تأكيداً على موت جمال الحياة وقيمها الأصلية، ويمكن الاستدال على ذلك بالاستخدام المكثف لفعل الماضي الناقص، الذي يحيل على فرص الماضي، وكذلك بامتزاج صورة المكان بالغرائبي والأسطوري والسحري الذي يضفي طابعاً من الإثارة والسحر على صورة ذلك المكان في ماضيه الذي كان فيه، والذي لا يظهر معزولاً في سيرته تلك عن سيرة الإنسان أبداً:

كانوا هناك يرتبون العزلات

والعواصف

لا يفصلهم عن الأبدية

إلا قوس جبال ضارب في البحر

وأساطير بحارة غرقوا

واقفين أمام الله يتامى

يخبط الموج أقدامهم

أمام شمس نازفة في العيون ([25]) ص 11-12

ويستعيد في نص آخر صوراً من تجربة الطفولة، حيث تنفتح الذاكرة على أرض الطفولة مستحضرة تفاصيل تلك الحياة الهاربة:

شجرة الفرص والأولى في مقر دارنا أتذكرها الآن

سماء عصافير يجفل فيها الغيم

مراصد الصبية في مضارب الظل

وهناك أيضاً ضفدغ السواقي

وزعيق الحطابين

حين تحفر الظهيرة مأتمها في الصخر ([26]) ص 23.

تحكم رؤية الشاعر إلى المكان، وعلاقته به ثنائيات الماضي والحاضر أو الرؤية التاريخية التي يلغي فيها الحاضر الماضي. وثنائيات البعيد والقريب، الإقامة والرحيل، وهذه الثنائيات تعبر عن إشكاليات وجودية وحضارية تتكامل في دلالاتها ومعانيها، وعلى مستوى آخر تتبدى ثنائية المحلي والكوني، ليقدم في النهاية رؤية مأساوية لعالم تحكمه إرادة الأقوياء والعنف المدمر والخراب وقيم المادة. الأمر الذي يجعل أرض العالم وليس الصحراء فقط تتحول إلى كثبان هاويات تطل على سماء مقفرة خرساء:

هكذا وسط هذا العالم وبين كثبان هاوياته المطلة على سماء مقفرة بكماء، تقيم الحياة قسمتها الأخيرة، وتستمر شتاءات الجراد في التفقيس والانتشار والهلاك ([27]) ص 9.

يبدو الشاعر محكوماً بقدر الرحيل والسفر الدائم بين مدن العالم وأقاليمه وجهاته البعيدة، حاملاً معه شوقه المتجدد لاختراق حدود المسافة بحثاً عن دهشة الاكتشاف الأول وسحره الغامض وكأنه يجدد بذلك تلك الدهشة الأولى لانفتاح وعيه على العالم وإدراك سحره. لكن هذا الرحيل المتواصل في أقاليم الأرض والدهشة يتعبه كثيراً. إذ يظل يجدد شوقه، ويورثه شعوراً مريراً بالفقد واللوعة والغياب والحزن يعبر عنه في حوار الذات المعذب مع ذاتها:

الوجوه المشطورة ب—— السنوات

المدن اللاهثة على حافة نومك

العربات النابحة خلف الأسوار

كأنما جئت إلى سفر قبل الولادة

تمضي وراء جهاز كبير من الذكريات

بقميص ملوث بدم المسافة ([28]) ص 8

ويكثف الشاعر مضمون هذه التجربة في نصوصه المختلفة فهو يصف نفسه تارة بأنه ((رجل يسكن في حقيبة)) وتارة أخرى يقول ((بين ليلة وضحاها / اكتشفت أنني ما زلت أمشي). ولذلك يكون على هذه الذات أن تواصل مسيرة سفرها الدائم، ورحيلها في المكان حتى نهاية العمر:

عليك أن تتبع قمر الرحيل الممتد

من الماء إلى اليابسة ومد اليابسة

على القبر ([29]) ص 18

لكن الشاعر في كل هذا الرحيل الممتد من اليابسة إلى البحر ومن البحر إلى اليابسة لا يدرك نهاية لقلق الإقامة في الأرض وتوتره، ولا ينهي إشكاليته الوجودية في العلاقة مع المكان بل على العكس من ذلك يتفاقم شعوره بالخيبة والمرارة والأسى لتنفتح إشكالية الطواف في الأرض، والإقامة فيها على سيرة الذات، التي هي سيرة طفولة ضائعة، ورحيل لا ينتهي، الأمر الذي يجعل سيرة الذات هي سيرة مكانية تتبدى علاماتها من خلال أسماء الأماكن الكثيرة التي نجدها ظاهرة في نصوص الشاعر (دمشق – بيروت – طنجة – القاهرة – سرور – مقهى القصبة – بواب الإسكندرية – مقهى الإليت – مقهى ((ريش)) – بحر الشمال…).

تتوزع صورة المكان في تجربة الشاعر على محاور عدة فإلى جانب صورة المكان الطبيعي والواقعي، هناك المكان المجازي وإلى جانب المكان الجغرافي الذي يحيل على أقاليم معروفة، هناك المكان الذي يحمل دلالات وجودية كالموت، دون أن يعني ذلك أن ثمة انفصالاً في صورة المكان، إذ كثيراً ما تتداخل أبعادها مع تداخل مستويات التجربة التي تعبر عنها رؤية الشاعر في النص.

ترتبط قيمة المكان الطبيعي، بطبيعة النص الرعوي الغنائي وبالذاكرة المسكونة بصور الأمكنة التي عاش فيها الشاعر طفولته، وأكثر ما تتبدى هذه القيمة في صورتي الجبال والصحراء، حيث تبرز صورة الأبدية الملازمة للأولى كدلالة على قدمها الموغل في التاريخ، وبالتالي على رهبة وقوة ما يمثله حضورها، في حين تتداخل الرؤية الأسطورية مع الرؤية التاريخية لتلخص سيرة محكومة بالوجع والقسوة… قسوة الطبيعة، وقسوة الإنسان معاً، وتحضر القيمة الولى ممثلة بصورة الجبال التي تصدرت العنوان الرئيس لأحد دوواينه:

(1) جبال تتلوها جبال

هذه الأبدية من سراب الكائن

أي أسرار تخبئها ([30]) ص 40

(2) الجبال الجبال مفازات من السراب والظل

تنحدر على سفوحها الذئاب وبنات آوى

في المساءات الكبيرة للقرى وللغزوات

وينحدر على ثغورها صليل الحديد ([31]) ص 44

أما الصورة الأخرى للمكان، فهي صورة الصحراء، أو صحراء الربع الخالي، التي احتلت هي الأخرى العنوان الرئيس لأحد دوواين الشاعر (رجل من الربع الخالي). وكما ارتبط المكان الأول بدلالاته الرزمية والتاريخية، فإن المكان الثاني ارتبط بدلالات أسطورية وغرائبية وتاريخية تلازم وجودها مع وجود الذات الجمعية حيث توحدت سيرة تاريخ المكان والإنسان معاً:

في هذه الصحراء العاتية

الصحراء التي تسيل مع الشمس كثباناً وشياطين

تناسل الأسلاف جداً بعد جد

وبنتنا مصل أشجار صخرية ([32]) ص 5

ترتبط جمالية المكان بالماضي، أو بزمن الطفولة. وكل ولادة لصور الجمال الآن توقظ في الذاكرة صور الجمال الكثيرة التي يزدحم بها فضاء المكان البهي في مخيال الطفولة البعيدة، عندما كانت طفولة الشاعر، وطفولة المكان المحتشد بأساطيره وأسراره وروعة جماله تشكلان عالماً واحداً متكاملاً. وتأتي الصورة الاستعارية للولادة العسيرة للقمر، رمز الجمال لتدل على غياب الدهشة، والشاعر يستخدم في الخطاب الضمير الدال على جماعة المتكلمين للتعبير عن موقف عام. وحالة جماعية، يأتي الفعل المضارع في مشهد الولادة العسيرة متزامناً مع فعل التذكر المصاحب له، ولاضفاء حرارة وحيوية على المشهد يستخدم في الصور المستدعاة صيغة الفعل المضارع أيضاً:

قمر يولد من سحابة

ميلاده العسير لا يدهشنا

لكنه يذكرنا بأقمار ماضية

سفن تقوم في أفق خال

وأخرى مأهولة بالأساطير

الأساطير النجمية التي كنا نقطها باليد

ذروة جبل تمتطي سماء حضيضة

تكاد تلمس بالرأس ([33]) ص 30

وتتأكد ثنائية صورة المكان في الماضي والحاضر، وما تكشف عنه من مفارقة صارخة وتحولات مرعبة أفقدت الإنسان حسه الجميل بالطبيعة، وعلاقته الحية والفنية بالمعاني الروحية والجمالية من خلال استخدام الشاعر لصيغ الأفعال المختلفة، صيغة الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرار، وصيغة الفعل الماضي الذي يدل على الفعل الذي حدث في الماضي، ويأخذ المكان / الأرض في الصيغتين دلالات مختلفة، تتوزع على ثنائية متقابلة وضدية، فالأرض التي تئن في الزمن الحاضر تحت أحذية الجند وثقل الصيارفة، هي الأرض التي كانت في زمن الماضي أرض الشعر والطهارة والجمال والأساطير، التي كان الإنسان والطبيعة والقوى الروحية فيها يعيشون في اتحاد روحي ووجداني حي وعميق، ما يدلل مرة ثانية على طبيعة النص الغنائي الرومنيتي. يقول الشاعر:

الأرض التي تئن تحت أحذية الجند وثقل الصيارفة

هي الأرض التي كانت في الماضي الأرض التي مشى عليها شعراء مرهفون وملائكة خضر

ونساء وثنيات ورجال بدائيون محمولين على النيازك والبغال ([34]) ص 37

وللحديث عن المكان / الأرض في صورتها المرعبة يستخدم الشاعر دائماً صيغة الفعل المضارع الذي، يدل على الاستمرارية والحركة للتأكد على راهنية المشهد الكوني من جهة، ومن جهة أخرى لإشراك المتلقي في المشهد يحمل صيغة الفعل الحاضر، وفي هذه المشهدية الدالية يأخذ المكان في بعديه الأعلى والأدنى دلالات متقابلة فالمكان الأعلى كالسفح يرمز إلى الروحي والسماوي، والأدنى يرمز إلى الدنيوي والمادي في تجربة الوجود الإنساني. إن صورة العالم / الأرض تبدو في قصائد الشاعر منتهكة ومستباحة من قبل القوى المدمرة العمياء، ما يجعل الإنسان فيها يرتجف رعباً تارة، وتارة أخرى ينحدر نحو القاع من أعاليه السامية:

أبواب العالم تخلعها الريح

قبائل ترتجف من الرعب

وأخرى تنحدر نحو السفح ([35]) ص 59

وتتبدى صورة الأرض / العالم في مشهد أكثر رعباً واسبتاحة وخراباً، وتعبر هذه الرؤية الكارثية عن شعور متفاقم بمأساوية الشرط الذي بات يحكم العالم، وغياب أي أمل بالخلاص يمكن أن يحرره من شرطه، فالصباح الثنائي الذي يبشر به صياح الديكة هو صباح عابراً ومزعوم، والإنسان فيه يعود في النهاية إلى حالة العدم والعري من أية قيمة أو معنى كان. يقول الشاعر:

صياح الديكة بفجر شتائي يخسر تدريجياً، أو لا وجود له

على خارطة الأرض التي، تحتلها الهذيانات المحتدمة

دائماً للعميان والجنرالات والعلماء والدراويش الذين قدموا

من كل جهات الأرض مرددين نشيدهم الأثير: هؤلاء

رعاياك حفاة عراة ([36]) ص 80 / 81

وتظهر رمزية المكان بثنائية الأعلى والأدنى في نص آخر يقيم في معناه الرمزي تناصباً يحيل فيه إلى مرجعية دينية وبصورة خاصة المرجعية التوراتية المتمثلة في قصة الخلق التي كان السقوط فيها من المكان الفردوسي إلى أرض الموت والعذاب والشقاء عقاباً بالآدم وحواء على تناولهما ثمرة الشجرة المحرمة، ولذلك ظل المكان العلى يرمز على مجال الروح والنزعة الروحية في حين ظل المكان الأدنى يمثل مجال الموت والنزعات المادية، والشاعر في هذه الرؤية إلى المكان / الأرض والسماء يكثف معاني تجربة وجودية قاسية ومريعة، يبرز فيها صوت الأنا المتشظية، في تعبيرها عن وجودها المهشم والضائع في عالم ضيق تطيح به الزلازل:

كانت الأرض ضيقة

وكان نحيب الراحلين

فهشمت أعضائي بين مدن شتى

ورأيت الزلازل تحت أقدامي

دوخة أرض، ونشوة سماء ([37]) ص 38 / 39

لا يظهر المكان في نصوص الشاعر معزولاً عن علاقته مع أنا بالمتكلم سواء كانت أنا المفرد المتكلم، أو أنا جماعة المتكلمين، وإذا كانت الرؤية إلى المكان تنطوي على ثنائية ضدية تقوم على التقابل بين عالم الماضي وعالم اليوم، فإنه يمثل ذاكرة لوجود الإنسان وحيواته، تنفتح عليها المخيلة الشعرية، وهي تستحضر المعنى الوجودي لعلاقة الإنسان التاريخية مع هذا المكان، ما يدل على بقاء المكان وزوال الإنسان. يقول الشاعر:

هأنا ألمح الجسر الذي مشت عليه الملايين قبلي وتبخرت

ألمحه من البعيد بحدبته التي تصل الغابة بالبحر بعد أن

أزهق التعب كياني. ألمحه كمخلص ينتظرني منذ الأزل ([38]) ص 54

لقد ارتبطت شعرية المكان بشعرية الاستعارة، التي هي في شكلها الأولي تشكيل مكاني يقوم على التشخيص من خلال بث الحياة والحركة في الجمادات وعناصر المكان، وإقامة التوافق بين الحركة النفسية، وحركة الأشياء، أو بين الشاعر والعالم، ويظهر المكان في الصورة الاستعارية عند سيف الرحبي بكثافة واضحة تعبر عن علاقة الشاعر مع العالم، وعن رؤيته إليه، وهي رؤية كما لاحظنا توحي بالرعب والقتل والخراب، وتنم عن شعور طاغ بالاستلاب والاستباحة حيث تكشف الصورة الاستعارية عن تحول العالم إلى غابة تسرح فيها النمور الطليقة. كناية عن سيادة قانون الغاب والقوة العمياء، ولتأكيد كثافة هذه الحالة الشعورية الطاغية يستخدم الشاعر حشد التراتبي القائم على استطراد التداعي مع حذف واو العطف. يقول الشاعر:

هذه الغابة التي تسرح فيها النمور طليقة

من غير سياج

سحرة يطيرون في ظلام دامس

معسكرات اعتقال ومحميات ذرية

خزانة الملابس التي تحسبها مغارة مليئة بالقتلى

أو كهفاً تفقس فيه الآزال

مدن وقارات تسوقها الغرائز الوحشية كالقطيع ([39]) ص 97

إن التشكيل المكاني للصورة الاستعارية يمكن أن نلحظه في الصورة الوصفية لعناصر الطبيعة وحركتها في المكان. وتتوزع الصورة في بنيتها على التشبيه، أو الاستعارة المكنية والاستعارة التصريحية، وتعد الصورة التي تأتي عن طريق الاستعارة هي أكثر قيمة فنية وأعمق من الصورة التي تأتي عن طريق التبشيه. وفي نصوص الشاعر تكثر الصورة الاستعارية ذات التشكيل المكاني كما سنلاحظ في هذه الصور التالية:

(1) الوجوه المشطورة بنعيق السنوات

المدن اللاهثة على حافة نومك ([40]) ص 8

(2) ضوء يتكسر على حافة الحانات ([41]) ص 12

(3) هذه الأرض التي تئن / تحت أحذية الجنود ([42]) ص 37

(4) الرياح في المنحدرات المدارية

نائمة على أسرتها

لم يوقظها الإعصار بعد ([43]) ص 54

(5) قمر يولد من سحابة

(6) هذه الغابة التي تسرح فيها النمور طليقة

من غير سياج ([44]) ص 97

(7) سماء عصافير يجفل فيها الغيم ([45]) ص 23

إن المكان في جميع الصور الاستعارية السابقة يشكل العنصر الأساس المشكل للصورة، ولا يختلف الحال في الصورة القائمة على التشبيه إذ إن الاستعارة هنا تشكيل مكاني، أو هي توحي بالمكان، كما هو الحال في هذه الصورة:

أفلاك تقود بعضها كعميان شرسين ([46]) ص 52

فالمعروف أن فعل الحركة أو المشي يكون في المكان، وقد تتداخل مستويات الاستعارة في الصورة الشعرية:

سماء خرساء بمجراتها الهرمة

كأبراج مدينة منكوبة ([47]) ص 137

فالاستعارة التصريحية التي تتألف منها الصورة الأولى تأتي كاف التشبيه لتقيم نوعاً من المشابهة بينها وبين الصورة التالية، التي هي صورة المدينة المنكوبة، ويتكرر هذا التداخل الاستعاري في بنية الصورة الشعرية التي يظهر فيها تشخيص المعاني المجردة وصور المكان والأشياء في صورة كائنات حية تشعر وتتحرك وتنبض بالحياة، مما يقرب تلك الصور من المتلقي، ويولد أفق التخييل عنده. يقول في أحد النصوص:

مدن وقارات تسوقها الغرائز الوحشية

كالقطيع ([48]) ص 97

وتلعب الإستعارة دوراً مهماً وجوهرياً في الخطاب الشعري من خلال ما تقوم به من تشخيص، وتحويل للأشياء إلى كائنات تنبض بالحياة والحركة وفي هذه الاستعارة تظهر عناصر المكان ككائنات حية تحس وتتحرك وتعبر عن شعور بالخوف بحيث توحي بالحالة الشعورية التي يريد الشاعر أن يعبر عنها، وهذه الحالة تتمثل غالباً في الصور التي تدل على رؤية قاسية وحزينة إلى العالم الذي غدا مرعباً ومتوحشاً وأكثر ضياعاً وغربة، والشاعر في المشهد التالي يسقط على المكان إحساسه وشعوره بالخوف الذي تدل عليه صورة الحائط الذي يبتلع ريقه الجاف، كما يساهم هذا التشخيص في الإيحاء برعب المشهد:

تجلس أمام الموقد بكف اصفر

الحيطان تبتلع ريقها الجاف

الشمس تتسلل من الشقوق ([49]) ص 16

وتغدو صورة المكان أكثر تعبيراً عن حالة الرعب والحصار التي يعيشها الإنسان في هذا العالم، الذي يرمز إليه بالمدينة باعتبارها رمزاً للحداثة، وتحمل هذه الصورة في تاريخها الحاضر والماضي مفارقة تتجلى في الدلالات والمعاني التي تحملها صورة المكان الآن وفي الماضي، كما تدل على ذلك صيغتا الفعل المضارع، والفعل الماضي في هذا التداعي الذي تولده صورة المدينة بتشكيلها المكاني عند ضمير المتكلم في النص:

مدن تقفز من صباحات محاصرة

تحمل متسكعين وغرقى

تحمل مقاهي

ربما جلس فيها ذات يوم

عشاق ومقاتلون في

حروب عبثية ([50]) ص 171

يبلغ المشهد المكاني ذروة دلالاته الموحية بالموت ومأساوية الصورة من خلال وصف المشهد السكوني التام، الذي يدل على انعدام أية حركة أو مظهر يشي بوجود ولو جريح لكائن بشري ما. ويأتي الوصف الأخير ممثلاً بالجملة الإسمية الوصفية المتميزة باقتصادها اللغوي، وتكثيفها الشديد، لتدل على مأساوية المشهد وجنائزيته، تعبيراً عن رؤية تبلغ مداها الفجائي المرعب والمأساوي، الدال على موت الحياة، والتي يغلق فيها الشاعر المشهد في نهاية هذا النص، وكأنه صورة أخرى لطوفان جديد يغسل الأرض من شرور الإنسان وخطاياه وآثامه الكبيرة من أجل بداية جديدة لحياة إنسانية أكثر طهراً ونقاء وقيماً نبيلة وجمالاً:

البحر فاض بمائه

فأغلق أنفاس الأرخبيل

لا نأمة

لا نداء استغاثة

فراغ مطبق وعويل ([51]) ص 38

إن علاقة الشاعر الوجودية مع المكان، وما تنم عنه من قلق دائم ونزوع لاختراق حدود المسافة، واكتشاف البعيد، الغامض والمجهول، بحثاً عما يجدد هذه العلاقة، وبالتالي يجدد العلاقة مع الحياة ويثريها، تبدو أنها محكومة بهذا القلق والبحث المحموم عند نهاية ما، تجعله يستريح من عناء السفر. ومن هذا الاندفاع اللاشعوري:

اكتشفت أنني ما زلت أمشي

ألهث على رجلين غارقتين في النوم

لا بريق مدينة يلوح

ولا سراب استراحة ([52]) ص 10

ومع هذا الشعور بالإنهاك والشعور باستحالة الوصول إلى محطة أخيرة في هذا السفر الدائم. تأخذ الحركة في المكان شكلاً دائرياً يعود فيه على نقطة البداية، حيث تحمل هذه العودة شعوراً مريراً بالخيبة واليأس والخذلان. يعبر عن مضمون وجودي يؤكد عبثية هذا الطواف، وهذا البحث عن علاقة استقرار وطمأنينة وتجربة تعمق اتصاله وتواصله الحي مع المكان / العالم. ما يل على تلك الغربة، وذلك القلق الدائم. مشفوعاً بنهايات حزينة لطواف خائب في مدن العالم السبع. ومغامرة انتهت إلى الخيبة:

أعود أخيراً

بعد أن قايضت كل دموعي في الطرقات

ثمن رغيف أو ذكرى

وبعد أن طفت المدن السبع

موزعاً رسائل غرام ساذجة

وأيقونات سرقتها من الكنائس

لأعطيها للعميان ([53]) ص 31

(ع25)في بنية النص الشعري

(35)سردية النص الشعري

(ع1)تطرح تجربة الشاعر سيف الرحبي على غرار العديد من تجارب شعراء الحداثة العرب موضوع النص المفتوحن وسقوط الحدود بين أجناس الكتابة المختلفة، أو قضية انفتاح النص الشعري على شكل الكتابة النثرية وبعض أدواتها الفنية كالسرد على وجه الخصوص، وقبل الحديث عن دلالات هذه التجربة لا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة النص المفتوح، واستخدام السردية الشعرية في نصوص الشاعر تبرز في النصوص الطويلة، وأنها تأتي في هذه النصوص إلى جانب شكل الكتابة الشعرية المعروفة وبنيتها اللغوية. وقد أكد رولان بارت على عمق حضور السرد في النص الشعري، واعتبر أن هذا السرد لا متناهياً في الشعر. نظراً لارتباطه الوثيق به.

لقد انتقل النص الشعري مع هذا التحول من شكل الكتابة السوداء، التي تتخذ من نظام الأسطر المتفاوتة في الطول وذات الكثافة السوداء المحدودة، إلى شكل الكتابة النثرية التي تعتمد نظام الفقرة، وتتميز بكثافة كتابتها السوداء وتراجع مساحة الهوامش البيضاء، وغالباً ما يأتي شكلا الكتابة في النص الشعري الطويل بالتناوب، ولعل هذا الاستخدام المكثف للسردية في النص تحاول أولاً الاستفادة من هذه التقنية بهدف التنويع في أشكال الكتابة وتقنياتها، وثانياً الإهتمام بتفاصيل الحياة ووقائعها، والاستفادة من تقنية السر الذي يعتمد على ضمير المتكلم، أو شخصية السارد الحاضر لإضفاء نوع من حميمية العلاقة بين النص والمتلقي، وقد تأتي كثافة الكتابة السوداء في بعض النصوص للإيحاء بكثافة المشهد الذي يقدمه النص.

في نصوص السرد يأتي هذا السرد متلازماً مع استخدام فعل السرد التقليدي، المتمثل في فعل الماضي الناقص الذي يحيل على الزمن الماضي، وغالباً ما تأتي جملة الاستهلاك التي تؤسس للقول الشعري في النص حاملة لدلالات مكانية / زمانية ما يسهم في تحديد المكان الذي ستجري فيه الأحداث وزمانها، والمعروف أن هذه العتبة الزمكانية هي العتبة الأكثر استخداماً في السرد الواقعي إذا كانت الحياة في وقائعها اليومية تؤلف جزعاً من سردية مفتوحة، فإن توظيف هذه التقنية في الشعر هو مقاربة لنص الحياة ووقائعها، وتحقيق لتفاعل النص مع سرد الحياة الدال والموحين ولذلك لا يمكن فهم هذا الاشتغال على سردية النص الشعري، دون إدراك محاولات هذا النص أن يقترب أكثر من لغة الحياة. وأن يتمثلها ويمكن القول عن الحديث عن إشكالية مصطلح قصيدة النثر الذي يجمع في حديه بين مفهومي الشعر والنثر، ينتهي عندما ندرك أن هذه القصيدة في نصها المفتوح حاولت أن تستوعب شكل الكتابة النثرية وسرديتها، وأن يكون نصها مستوعباً لذلك على مستوى الرؤية الفنية والجمالية. يظهر الاستخدام المكثف لبنية السرد في النص الشعري الطويل في ثلاثة مجموعات شعرية هي مقبرة السلالة – منازل الخطوة الأولى – يد في آخر العالم، دون أن يعني هذا التحديد غياب بنية السرد في نصوص أخرى، حتى منها بالنصوص القصيرة نسبياً والتي لا تتخذ الكتابة الشعرية فيها شكل الكتابة النثرية. إن هذه الأعمال الثلاثة التي نجد فيها التجاور في النص الطويل بين شكل الكتابة النثرية، وشكل الكتابة الشعرية القائمة على تفاوت طول الأسطر الشعرية، نلاحظ أنها تستخدم بنية السرد الحكائي في الشكل الأول للكتابة، في حين أنها تستخدم الوصف في الشكل الثاني للكتابة.

النص الأول في ديوان / مقبرة السلالة / هو النص الذي يقيم هذه المزاوجة بين بنية السرد الحكائي، وبنية الوصف الاستعاري أو التشبيه، ويهدي الشاعر هذا النص إلى (أمي: وهي في قبرها تنام)، الأمر الذي يجعل حركة الخطاب تتجه من ضمير الغائب الذي يسند مهمة السرد الحكائي في النص إلى الراوي أو شخصية المتكلم، باتجاه الأم في غيابها. وسنلاحظ أولاً أن الشاعر اختار لهذا السرد ضمير الغائب، وجعل حركة الخطاب تتجه إلى الأم الغائبة، فكلا الطفل الذي يوكل مهمة السرد إلى الراوي، والأم هما في حالة غياب، الأول، هو طفولة الشاعر التي ضاعت، وتحولت إلى ذكريات يستعيدها والثانية طواها الموت. وهكذا يستخدم الشاعر في المقاطع الأولى التي يتحدث فيها عن طفولته البعيدة، وما يوقظه الموت من صور ترتبط بالموضوع ضمير الغائب في السرد الحكائي الذي يفتتحه بفعل السرد التقليدي، واستعادة وعيه الأول لصورة المكان الدال على الموت / المقبرة / وما كان يولده في مخيلته من صور تتجاوز حدود المكان الذي يشاهده. وكأنه تعبير عن وعي مأساوي مبكر بشرط الإنسان الوجودي في هذا العالم:

(كان الطفل يمضي مع أمه في ظلام القرية الذي غاب عنه المقر فصار يشبه ظلام الرحم في غزارته ورقته، حين انعطف بهما الطريق نحو مقبرة (الجيلي) التي علقت بمخيلته وكأنها تلخيص بالغ الكثافة للكون بأكمله ([54])) ص 7.

في المقطع الثاني ينتقل الشاعل من بنية السرد والوصف المكاني إلى صيغة السؤال مستخدماً صيغة الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرارية والحركة، وفيه يطرح سؤالاً وجودياً خاصاً حول علاقة الإنسان بموت أقرب الناس إليه، إلا أنه يستخدم في المقطع التالي ضمير الحاضر المتكلم، ويكون الخطاب موجهاً إلى الأم مباشرة على شكل حوار يستدعي فيه الشاعر حواراً سابقاً مع الأم.

إن هذا الانتقال في صيغ ضمائر المتكلم وضمائر المخاطب يدل على تنوع أشكال حركة الخطاب والشخصيات الساردة فيه، كما أنه ينقل النص إلى مستوى السرد الذاتي، الذي يبرز فيه ضمير الحاضر المتكلم، وفي المقطع التالي يظهر شكل الكتابة الشعرية كما يظهر الوصف المكاني، حيث تتداخل في بنية هذه المقاطع بنية السرد مع بنية الوصف والحوار والاستنكار والتخييل. ليظل النص يدور حول معاني الوجود الإنسان ومضوع الموت بدلالاته المتعددة الخاصة والعامة، ماضياَ وحاضراً.

النص الثاني الذي يزاوج فيه بين السرد والوصف والمنولوج وأسلوب اللقطة الشعرية أو الومضة هو نص (الديكة وحدها تحاول انقاذ المشهد وتعيد مياهاً بعيدة في الذاكرة)، حيث تطغى مسافة الكتابة السوداء وشكل الكتابة النثرية التي تعتمد على بنية السرد الحكائي التي يروي في بدايتها حكايتي موت أسماك السلمون والفيل التي يظهر فيها ارتباطها الغريزي بمكان ولادتها من جهة ومن جهة أخرى اختيارها مكاناً قصياً لتموت فيه. وفي المقطع التالي يروي الخبر الذي بثته وكالات الأنباء ويتحدث عن مهاجمة أسماك القرش في ألمانيا للتوصيلات والأسلاك الكهربائية في أعماق البحر.

هذه الحكايات المكثفة التي يرويها السارد تدور حول محورين اثنين محور الموت ومحور العلاقة مع المكان. ومع اختلاف مضمون الحكاية يختلف ضمير المتكلم، الأمر الذي يجعل السرد ذاتياً داخلياً مع استخدام ضمير الحاضر المتكلم. وسرداً بضمير الغائب يقدم فيه صورة محدودة تقدم دلالة خاصة تكشف عن عنصر الغرابة في حياة الكائنات. في حين أن المقطع المكثفة جداً التي يعتمد فيها أسلوب أللقطة أو الفكرة تقوم على عنصر التخييل أو الصورة الاستعارية.

ولا يختلف الاستخدام المكثف للسرد الشعري في نص (رسالة) الذي يزاوج بين شكل الكتابة النثرية ببنيتها السردية الحكائية الموجزة، وشكل الكتابة الشعرية القائمة على التكثيف الشديد في اللغة واستخدام أسلوب أللقطة، وفيها يحضر المكان كمحور أساس يدور النص حوله.

إن ما يلاحظ على هذه الأعمال الثلاثة أن النصوص التي يستخدم فيها بنية السرد الحكائي هي النصوص التي تتصدر هذه الأعمال ما يؤكد سعي الشاعر إلى تحديث نصه الشعري، واستثمار بنية السرد الحكائي وشعرية التفاصيل الحياتية في هذا النص بعد إعادة بنائها وتشكيلها، لتغدوا أكثر دلالة في التعبير عن قضايا الوجود الإنساني، وقضايا الذات المحكومة بغربتها وقلقها في عالم يزداد وحشية واغتيالاً وضياعاً، وهكذا يأتي النص الأول الذي يستغرق ثلاثة أرباع مساحة الديوان مستغرقاً في التعبير عن إشكالية وجودية تعبر عن قلق الإنسان في علاقته مع المكان من خلال استخدام بنيات السرد الحكائي الذي يفتحه باستخدام فعل السرد التقليدي (كان) مع اسم الإشارة الذي يدل على المكان البعيد إلا أن السرد يأتي بصيغة ضمير الجمع الغائب، حيث يتولى الراوي مهمة السرد بالنيابة:

كانوا هناك يرتبون أحلامهم

كلما مرت غيمة

أو جناح قطاة

ركلوا الأودية بحوافر أفراسهم

ذابوا في هباء المغيب ([55]) ص 107

إن استخدام السرد المكثف في النص، لا يتوقف على المقاطع التي تتخذ شكل الكتابة النثرية، بل تكاد جميع المقاطع التي حملت أرقاماً تعتمد على بنية السرد الحكائي الذي يستحضر فيه جزءاً من تاريخ سيرة المكان وحيواته الماضية ما يمنح النص طابعه الرعوي الرومنتي، ولذلك نجد الشاعر يستخدم في هذه النصوص ضمير الجماعة سواء عبر استخدام ضمير الغائب، أو ضمير الحاضر وتظل رؤية الشاعر تتحرك بين زمنين، زمن الماضي بألفته وجماله وأسراره، وزمن الحاضر بحضارته التي ساهمت في تعزيز نزعة سيطرة القوة والقتل والطغيان والاستباحة بدلاً من تعزز الجانب الخير والطيب والنبيل عند الإنسان.

تستدعي الذاكرة زمنها الخاص، وتستدعي معه مشاهد من ماضي المكان الذي عاش فيه طفولته، وفي هذا السرد الموضوعي تتدفق الصور ومشاهد الحياة والناس كجزء من سيرة تاريخ مضى بإيقاعه وحيواته الغارقة في نعاسها:

في ذلك اليوم. اليوم نفسه سمعنا النداء الغامض قادماً

من أسافل القرية يتهادى مثقلاً بحطالبه ونعاسه

مبشراً بوصول القادمين من الشرق الأفريقي وزنجبار إثر

الإنقلاب في تلك الأقاصي السوداء بعد أن حكمها

العمانيون عقوداً متتالية. ملتهمين طقسها وعطاءها

الوفير، كما ظلوا يتحدثون مأخوذين بسرد الذكريات

والمغامرات والأعاجيب وباعة الدرس القادمين من حضرموت… الخ ([56]) ص 147

يشكل فعل السرد التقليدي (كان) فاتحة القول في جملة الاستهلال في كثير من نصوص الشاعر المختلفة، دون أن يرتبط وجوده بشكل الكتابة النثرية في النصوص ذات البنية السردية الحكائية ويأتي هذا الاستخدام المكثف لتأكيد وجود الملامح السردية في تلك النصوص، حيث تلعب جملة الاستهلال فيها دوراً في تحديد زمان أو مكان الأحداث أو الحالات والوقائع التي يقدمها السرد. وهي تؤدي دورها في إدخال القارئ في العالم الذي تستعيد مشاهد منه. وقد يأتي هذا الفعل مجرداً من حروف الزيادة، أو يتصل بضمير الجماعة في بعض الحالات عندما يكون السرد بضمير الجمع. ففي قصيدة (الجندي الذي رأى الطائر في منامه) يتكرر استخدام هذا الفعل الذي يحيل على الزمن الماضي سبع مرات في بداية جملة الاستهلال في أغلب المقاطع التي تتألف منها القصيدة. كما في هذه الأمثلة:

كان ليل ينكسر على رؤوسنا ([57]) ص 64

كانت مدينة

كنا نبحث عن مستقر / وسط ضجيج الأزمات ص 67

كان له فضاء / يوزع تخومه النجمية ص 67

كان القتلة يصطادون الفراشات ص 70

كان ضوء الدوار الحارق ص 69

كان الطائر رسول الروح الهاربة من الأسر ص 71

كان النيل يجري / حاملاً الأبدية في خرجه ص 72

يتميز السرد الحكائي في أعمال الشاعر بتداخل مستويين من مستويات السرد. هما السرد الذاتي التحليلي الداخلي، والسرد الموضوعي الخارجي، ويأتي هذا التداخل بسبب تداخل مستويات التجربة، وحركة الرؤية الشعرية التي تنتقل من عالم الذات إلى العالم الموضوعي، أو العكس، أو بسبب ارتباط النص الشعري بالجانب السيري، الذي لا يمكن أن يكون خارج العلاقة مع العالم، التي تتسم غالباً بأنها علاقة اشتباك وصراع يجري التعبير عنها من خلال استخدام الصورة الاستعارية والتشبية، التي تدلل على مدى المكابدة والغياب ووطأة الشعور بالفراغ والضياع والعدم، الذي يهزمه بمغامرة رحيل أخرى في سفر دائم لا يتوقف:

وكالموجة التي تنشب أظافرها

في جسد الإعصار

دخلت تيه هذا العالم

قاذفاً بذخيرة الأيام في قعر جهنم

شاحذاً أعضائي بشفرة صنعت

من غياب……

أنا الآن في مقهى

أرقب العالم من وراء الزجاج

صفرة المغيب

بقايا صداع من رحلة الأمس

سأطفئه برحلة اليوم

ولا ألوي على شيء ([58]) ص 65 / 67

– بنية التكرار:

تنقسم أنواع التكرار إلى أربعة أقسام هي 1- تكرار بنية أو حرف 2- التكرار الاستهلالي: ويكون في مطلع النص أو في مطلع الفقرات التي يتألف منها النص 3- التكرار العباري ويأتي في صلب النص 4- تكرار للازمة ويأتي في نهاية كل مقطع. وتتمثل وظائف التكرار في تحقيق أهداف إيقاعية ونصيه. إذ تسعى بنية التكرار في النص الشعري إلى تحقيق هدف غنائي يتطابق مع ضمير المتكلم، الذي هو ضمير غنائي بامتياز. ويرى لوري لوتمان أن تصاعد التكرار، يؤدي إلى تصاعد التنوع الدلالي، لا إلى تماثل النص، فكلما كثر التشابه كثر الإختلاف ([59]).

يمثل التكرار إلحاحاً على جانب محدد في العبارة ([60])، كما يؤكد الناقد محمد مفتاح، واستخدامه يهدف إلى تأكيد حضور الموضوع في ذهن المتلقي، إضافة إلى خلق بنية إيقاعية منتظمة في النص، وفي النص النثري يكون وجود التكرار محاولة للتعويض عن غياب الإيقاع. أما بالنسبة للمتلقي، فإن التكرار يهدف إلى تعميق حضور الموضوع أو الفكرة في ذهن ووجدان المتلقي، كما أن التكرار يكشف عن حضور الحالة الشعورية المسيطرة عند الشاعر.

أطلق ياكبسون على هذه الصيغة اللغوية تسمية التوازي، وقد حدد نقاد آخرون أنواع التكرار بحسب موقعه، فتحدثوا عن التكرار المتصل، الذي يأتي متتالياً دون فاصل، والتكرار المتباعد الذي يأتي عكس السابق، وتكرار الحصر، ثم التكرار المعكوس أو المقلوب وهنا نوع آخر من التكرار هو تكرار فكرة، ولا شك أن هذه الصيغة اللغوية قد شاع استخدامها في النص الشعري الحداثي حى تحولت إلى سمة أسلوبية تميز بنية اللغة الشعرية في هذا النص، ويمكن القول عن إلحاح قصيدة النثر بصورة خاصة على هذه الصيغة اللغوية يعكس سعي هذه القصيدة إلى خلق بنية إيقاعية، تعوض عن غياب الموسيقى الشعرية فيها.

وعلى غرار العديد من النصوص الشعرية الحداثية، يلح الشاعر سيف الرحبي في نصوص أعماله المختلفة على استخدام هذه البنية سواء أكانت تكرار حروف وكلمات، أو كانت تكرار فكرة، وفي الحالتين يكشف هذا التكرار عن الحضور الشعوري المكثف بالحالة أو الفكرة والموضوع عند الشاعر من جهة، ومن جهة أخرى يدلل على رغبة في تعميق شعور المتلقي بالحالة، أو بالموضوع المعبر عنه.

ومما يلاحظ على استخدام هذه الصيغة في نصوص الشاعر أنها تأتي مرتبطة بالإستخدام المكثف لضمير المتكلم، الذي هو الضمير الغنائي والذي يأتي كجزء من بنية النص الغنائي، ولو حاولنا أن نتقصى أنواع التكرار المستخدمة في نصوصه المختلفة، لاسيما النصوص الطويلة، التي تحتاج إلى بنية إيقاعية، أو عتبة للقول يستند إليها الشاعر في بداية كل قول أو مقطع جديد لوجدنا أن تكرار الاستهلال أو تكرار فاتحة القول هو أكثر أنواع التكرار استخداماً، يأتي بعده التكرار العباري، الذي يأتي في صلب النص، ويشكل تكرار بنية، أو تكرار حرف اقل أنواع التكرار استخداماً.

إن موضوع استخدام تكرار الاستهلال والتكرار العباري في نصوص الشاعر، هي التي ستدفعنا للتوقف عند أشكال استخدام هذين النوعين من التكرار، وتحديد الوظائف التي تؤدي إيقاعياً ونصياً. يأتي تكرار الاستهلال كما قلنا سابقاً في مطلع النص، أو في مطلع فقرات النص، وقد يأتي هذا التكرار متصلاً، أو يأتي متباعداً، كما أنه يأتي تاماً، أو تسقط منه كلمة أو تضاف إليه كلمة جديدة بالتناسب مع تنامي حركة النص، وتنوعها أو اتساع دلالات القول الشعري. والتكرار إما أن يأتي جملة أو أكثر من جملة أو يكون كلمة يتكرر استخدامها في مطلع كل سطر شعرين وسوف نشير إلى وجود التكرار المتباعد باستخدام التنقيط للدلال على الأسطر المحذوفة، التي تفصل بين تكرار وآخر، كما في هذا المثال من قصيدة الجندي الذي رأى الطائر في منامه:

(1) عليَّ أن أبعثر الجهات والمرايا

كرجل ينهض من نومه

———-

(2) عليَّ أن أبعثر الجهات (جميعاً)

كي أستطيع أن أتبنيك

———–

(3) عليَّ أن أبعثر (أشلاء اللحظة)

وأسوق الجيوش إلى حتفها ([61]) ص 61-62

في هذه المقاطع الثلاثة نلاحظ أن تكرار الإستهلاك قد جرى تبديل الكلمة الأخيرة من التكرار الأول، بكلمة أخرى في التكرار الثاني، وضعناها بين هلالين، وفي التكرار الثلاث تغيير كلمة المفعول به والاسم المعطوف، لكي ينتقل من المعنى المكاني الدال عليه في عبارة التكرار الأول بكلمة الجهات، إلى المعنى الزماني في التكرار الثالث أشلاء اللحظة، وبذلك يعبر هذا التكرار عن حالة شعورية طاغية بالضيق والسخط والغضب على المستوى الوجودي والعلاقة مع العالم، الذي تكشف كاف التشبيه عن موقف صدامي، ينطوي على شعور متفاقم بالحصار داخل هذا المكان والزمان اللذين يطل منهما صوته.

إن تكرار الاستهلال قد يأتي متصلاً أو منفصلاً وفق كثافة الحالة الشعورية التي يريد الشاعر أن ينقلها إلى القارئ، أوفق استراتيجية الكتابة الشعرية ورؤياها، بالإضافة على خلق البنية الإيقاعية التي يفرضها التنوع في استخدام التكرار المتباعد، والتكرار المتصل:

كان النيل يجري

حاملاً الأبدية في خرجه

وكان دجلة والفرات

———-

كان دجلة والفرات

يحملان الزمن كأيقونة

كان بردى

كان النيل

كان الحوار الأكثر ترفاً في الظلام

———–

كان الشعراء والكهنة الأكثر قدماً من الآلهة ([62]) ص 72 – 73

التكرار في الشواهد السابقة يكون في الفعل الماضي الناقص (كان) وكما هو واضح فإن الشاعر يستخدم التكرار المنفصل، والتكرار المتصل في نفس النص ويعد هذا التنوع في أشكال تكرار الإستهلال هو الأكثر وضوحاً، حيث يدل ذلك على رغبة الشاعر في تنويع أشكال الإيقاع المتناسب مع تدفق الحالة الشعورية، وبنية النص الغنائية. يقول الشاعر:

البحر أكثر وحشية هذا المساء

البحر القاحل لصحراء ([63]) ص 10

البحر أكثر وحشة هذا المساء

الجلبة تبيد السمع والحواس ([64]) ص 37

وكما هو ماثل في المقطعين السابقين فإن التكرار الأول يأتي متصلاً في مطلع النص، في حين أن التكرار المنفصل يأتي بعد سبع وعشرين صفحة معيداً القارئ إلى فاتحة النص. أما التكرار المتصل فإنه إضافة إلى الهداف الإيقاعية يسعى إلى تكثيف الإحساس بالحالة الشعورية أو الفكرة في النص، كما في هذا النص الذي يستخدم فيه تكرار حرف النصب والنفي لن ثلاث مرات متتالية ويأتي التكرار الرابع بعد الجملة التفسيرية التالية للتكرار الثالث:

لن تحمل الأرض

لن يهرب السحاب

لن يقم غضب الرب

لأن الأرض التي لامستها

لن تهجرها البركة ([65]) ص 24 – 25

إن هذا التكرار قد يأتي فاتحة استهلالية لكل فقرة من فقرات النص مع بعض التغيير الذي تسقط فيه الكلمات وفق ما تحكيه البنية الإيقاعية وحركتها المتسارعة من التكرار الأول كما في قول الشاعر:

أطلق سراح ([66]) النظر إلى آخره

فأرى سور الحياة المتهدم… ص 164

أطلق سراح ([67]) النظر

أطلق سراح أيامي

كما لو أني أنتظر صاعقة ([68]) ص 166

النوع الثاني من التكرار، هو التكرار العباري الذي يأتي في صلب النص، وهو يأتي غالباً على عكس تكرار الإستهلال، إذ يكون تكرار متصلاً، وفيه يظهر إلحاح الشاعر الواضح على جانب محدد من العبارة بهدف تعميق الشعور بها، وخلق بنية إيقاعية منتظمة أيضاً، لكنه قد يكون مرتبطاً بحالة التداعي التي تمليها الحالة الشعورية المسيطرة، ففي النص التالي يكون التكرار كلمة واحدة، هي فعل تذكرتُ، حيث تتداعى الصور من ذاكرة الراوي في النص بصورة متتالية تبدأ من الصورة الأقدم إلى صورة الجندي الذي يحمل في يده الطائر، تعبيراً عن حلم الحرية والجمال والإنطلاق الحر. ورمزيته في الجملة الأخيرة تلتقي مع رمزية الطائر في قصة طوفان نوح، التي يبدأ بها فعل التذكر كإشارة ورمز إلى الخلاص الممكن والمرتجى من عالم الخوف والحروب المدمرة والموت:

تذكرت طوفان نوح

تذكرت لوتايرمون

تذكرة القبلة الأولى بعد الإعصار

تذكرت الجندي تائهاً بين الصحارى

في يده الطائر ([69]) ص 65

إن الإلحاح على معنى محدد، أو فكرة ما يريد الشاعر أن يعمق الشعور بها هو هدف أساس في هذا النوع من التكرار العباري، ففي نص آخر يستخدم تكرار حرف، هو حرف الجزم والنفي والقلب المتبوع بالفعل المضارع للتعبير عن الحالة البائسة التي وصل إليها قوم الشاعر في لحظتهم التاريخية الراهنة، إذ يأتي الوصف أولاً، ثم تليه صيغة النفي في التكرار العباري المتصل، الذي يكشف فيه عن حالة الإنقطاع بين الماضي الذي كانوا فيه بناة حضارة وعمران، والحاضر الذي صاروا فيه أضغاث أحلام، ولعل هذا التنويع في استخدام الصيغ النحوية يهدف إلى إظهار عنصر المفارقة التاريخية في أحوال هؤلاء القوم. يقول:

هؤلاء رعاياك

حفاة عراة

لم يعد يتطاولون في البنيان

لم يعد يشيدون وزناً من الفراغ

لم يعد يخترعون القنابل النيترونية

صاروا أضغاث أحلام ([70]) ص 81

في حالات أخرى يأتي التكرار العباري مزدوجاً ويكون في أحدهما متباعداً وفي الثاني متصلاً، كما قد تأتي جمل التكرار متداخلة في النص الواحد:

يوم كان العالم

في طفولته الأولى

لا يعرف سكين الجزار

ولا انشطار الذرة

ولا يعرف الطبقات

يوم كان حلماً في ذاكرة الغيب

وقدماً من غير سقف

ولا أزمنة ([71]) ص 12

إن التكرار العباري يظهر بصورة مكثفة في النصوص الطويلة، على غرار تكرار الإستهلال، في محاولة لخلق بنية إيقاعية في نص يفتقدها. إلى جانب الإلحاح على فكرة محددة. تفرضها كثافة الحالة الشعورية، وتحاول من خلال استخدام هذه الآلية أن تعمق حضورها في ذهن المتلقي، أي أنها تركز على وظيفة الاستقبال والتلقي، وغالباً ما يحاول الشاعر في هذا الاستخدام أن يقدم رؤية حزينة ومأساوية، تلح على غياب قيم الحياة الإنسانية الجميلة، وانغلاق المشهد الكوني على صورته المرعبة، وبذلك يأتي استخدام التكرار لتعميق شعور المتلقي بالمأساة الروحية والوجودية التي بات عليها هذا العالم:

لم يعد ثمة حقل لنظراتك الملأى

بالتوقعات

لم نعد نصغي لصياح الديكة

أو نجلب السمك من الساحل

لم يعد ثمة فجر تلعبين بريشه

على حافة البئر ([72]) ص 69

النوع الثالث من التكرار هو تكرار بنية أو تكرار حرف، وهو أقل أنواع التكرار استخداماً، لكنه كما لاحظنا سابقاً يأتي إما متقارباً أو متباعداً ويسعى لتحقيق نفس الوظائف والأهداف السابقة، وفي النص التالي هناك استخدام مكثف لهذين النوعين من التكرار، وإن كان يستخدم فيهما تكرار حرف واحد بهدف خلق بنية إيقاعية أكبر، وحضور أقوى لدلالات الحالة الشعورية التي يعبر عنها:

يا ذهباً يبحث عنه العميان

في مناجم منهارة

في فمك غصن الانتقام ص 119

———

في هذه المدينة المقصوفة بالشهب ص 120

———

في ضياء المساء

في بهو البحر الفسيح

في الفراغ الفسيح

في الفراغ الفاغر شدقيه

كهاوية في مضيق ص 121

———

في حظائر مخلوقاتك

وأبقارك

في دولك الكبرى والصغرى ([73]) ص 121

(ع35)الحشد التراتبي:

تتميز بنية اللغة الشعرية في نصوص الرحبي بعدد من السمات الأسلوبية والصيغ اللغوية والفنية، ويعد التكرار والسرد الحكائي في طليعة هذه السمات، لكن هناك تقنيات أخرى كاستخدام الحوارية بنوعيها الحوار الخارجي، والحوار الداخلي، والحشد التراتبي، الذي يتميز باشتماله على روابط ذات سلطة نحوية، كما في استخدام واو العطف. إلا أنه في حالات استطراد التداعي فإن هذه الروابط تغيب، بفعل التدفق الشعوري المكثف المعبر عن حالة شعورية مركبة، تقوم العلاقة بين صورها وجملها الإنشائية على التجاور لخلق مشهدية تقوم على عنصر الغرابة والمفارقة بهدف الكشف عن حالة الغرابة والتردي السقوط التي بات يمثلها الواقع، أو حالة حالات التناقض القائمة بين عوالمه المختلفة كما في هذا النص:

ونحن نرقب العالم

من منظار جبال سحيقة

مكنسة العالم / أقواس النصر

بومة الأرض / أوسمة الزعيم

عقاقير منع الحمل / مدن تحترق وأخرى تفتك بها الكوليرا

الاختراع الجديد للأسلحة / مصارع الإيدز

الحلاقون الشواذ يمسحون / الشفرة بالمعطف

نباح الجيران / حكايات كارلوس وعنترة

فتاوى الحيض والنفاس / حقنة الهيروين

ومعارض أخرى لا تعلق عن نفسها ([74]) ص 60

إن استخدام الحشد التراتبي يأتي غالباً في سياق التعبير عن الحالة الغرائبية والمرعبة التي وصل إليها العالم في منظمة قيمه، وعلاقاته، إذ تحتشد الصور التي تتدفق لتعبر عن حالة شعورية قاسية ومفزعة. وتخلق هذه الصور الاستعارية في كثير منها الغرابة عندما تنقل الشيء المعتاد إلى مستوى سياقي غير متوقع ([75]) بهدف خلق شعور قوي بالجانب الغرائبي والمفارق لواقع الحال بعد أن فقد إنسان الحضارة روحانيته، وأصبح محكوماص باندفاع غرائزه الطليقة، وغالباً ما يتألف الحشد التراتبي من جمل اسمية وصفية:

هذه الغابة التي تسرح فيها النمور طليقة

من غير سياج / سحرة يطيرون في ظلام دامس

معسكرات اعتقال ومحميات ذرية

خزانة الملابس التي تحسبها مغارة مليئة بالقتلى

أو كهفاً تفقس فيه الأزل

مدن وقارات تسوقها الغرائز الوحشية كالقطيع ([76]) ص 97

ويتكرر استخدام هذه التقنية عند وصف صورة المرأة، بسبب ما تولده هذه الصورة من تداعيات شعورية عبر مجموعة من الصور المتخيلة ذات الطابع الحسي، التي تأتي في سياق شعوري واحد لكنه لا ينطوي على عنصر الغرابة، بل على مستوى سياقي متوقع. يقول الشاعر:

ظل امرأة وحدية

في زاوية المقهى

ظلُ نمر جريح / بحرُ غواية

يقظةُ النازع الوحشي

إلى صديقة الجنس ([77]) ص 38

تتميز الجملة الشعرية في الحشد التراتبي بالاقتصاد في لتغتها، والتكثيف ما يضفي على حركة تداعي الصور سرعة واضحة، وكما نلاحظ في هذا التدفق الحرفي حركة الشعور، فإن الصور والأسماء والمشاهد التي يستدعيها الشاعر في هذا التداعي هو مزيج من مخزون الذاكرة والتجربة المعاشة، أو المعطيات الحسية، ومن المخيلة، التي تعيد تشكيل هذه المعطيات الحسية على أساس غير مألوف، ما يجعل اللغة في هذه الصور الاستعارية ذات وظيفة إيحائية، تشي بعنصر الغرابة والمفارقة والدهشة، والأمر لا ينطبق على بنية الاستعارة وحسب، بل يتجاوزه إلى العلاقة بين الاستعارات والصور التي تحيل على التجربة، أو أسماء الأماكن والأشياء الأخرى:

كذلك الكلب النابح في العتمة

صخب الهنود والمكيفات / مومسات وسكارى

النداء الوهمي لباعة متجولين

شرطة بجنازير وبذلات أنيقة

يتنزهون في الحي اللاتيني… بواب الإسكندرية العجوز

طيور هتشكوك. ذرية الأحقاف. برذون الخليفة

فراء الأميرة. جان دمو. مقهى ((اللاتيرنا))

مصارعو ثيران قدماء / جلبة الذئاب والقطارات

مخدع المضاجعة لامرأة مجهولة / غيمة النار الزرقاء

في مواقد البدو / الثعالب البيضاء تتنزه في أحلام الفتيات ([78]) ص 134 – 135

إلى جانب استطراد التداعي الأكثر استخداماً في نصوص الشاعر، هناك الحشد التراتبي الذي تستخدم فيه واو العطف. أو ما تسمى الروابط ذات السلطة النحوية، وفي هذا النوع من الحشد تقوم واو العطف بالربط بين الضمائر والأسماء والأشياء المختلفة، كما في قول الشاعر:

صخور وأطوار وأطباق فضاء وأحاديث تشبه زجاجاً

يمضغه متسكع في ليل مدينة منكوبة ([79]) ص 50

لقد تولت واو العطف في هذا الحشد التراتبي الربط بين أسماء الأشياء المختلفة، والصورة القائمة على التشبيه، دون أن تكون ثمة علاقة منطقية تربط فيها بينها سوى السلطة النحوية لأدوات الربط، فالمشهد الذي يقدمه هذا الحشد يجمع بين صور الصخور والجبال وأطباق الفضاء، والأحاديث التي تدل على وجود غير معلن بشكل مباشر للناس من خلال استخدام الكناية في التعبير عن ذلك، في حين يوحي التشبيه بالقسوة والغرابة.

(ع25)حداثة النص / حداثة الواقع

(ع1)دخل النص الشعري الحداثي العربي مراحل متعددة من التحولات منذ النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين، حتى تحدث بعض الدارسين والنقاد عن حداثة أولى تجلت في حداثة قصيدة التضعيلة التي تحققت على يد مجموعة من الرواد أهمهم علي أحمد باكثير والسياب والملائكة، وعن حداثة ثانية تمثلت في قصيدة النثر التي يعدُّ أدونيس وأنسي الحاج من أهم رموزها. لكن حداثة النص الشعري دخلت مع أدونيس مرحلة أخرى، تمثلت في قصيدة النص المفتوح الذي يقيم تناصه مع الأجناس الأدبية الأخرى مستفيداً من أدواتها الفنية والتعبيرية في كتابة النص الجديد. كما مال هذا النص إلى التجريد والرمزية، ولم يعد مشغولاً بقضية التلقي حتى تحول إلى مغامرة ذاتية في المطلق. كشفاً واكتشافاً، ولم تكن هذه التحولات وغيرها مما سنلحظه بعد قليل بفعل تحولات الثقافة والواقع، وإنما كان نابعاً من تأثيرات الثقافة الغربية بنسختها الحداثية وما بعد الحداثية، الأمر الذي جعل هذا النص يتحول إلى مغامرة شكلية من جهة، وتعويماً لسلطة المخيلة الشعرية على حساب التجربة وبقدر ما حاول الشاعر في هذه التجربة أن يتمثل تحولات الشعرية الغربية، فإنه حاول أن يشكل سياقه الفكري والجمالي بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للواقع، الأمر الذي أدى إلى انكفاء الشعر على نفسه، وانغلاقه على رموزه وعلاماته ورؤياه، المجردة الجامحة، ومغامراته مع اللغة.

لقد تبدت ملامح هذه الحداثة في بنية الاستعارة والصورة الاستعارية، التي دخلت العلاقة بين عناصرها المكونة لها مستوى من الانزياح الشديد، ألفت معه أية علاقة منطقية يمكن أن تشكل بنية الاستعارة أو الصورة الشعرية على اساسها، ما جعلها تدخل في سياق يقوم على مزيد من التعقيد في العلاقة بين مكونات الاستعارة، وعناصرها، التي أخذت تبحث عن الغرابة وتحقيق الصدمة والإدهاش، ومع هذه المغامرة الشكلانية لم يعد النص يهتم بما يريد أن يقوله، أو بوظيفته الإجتماعية، بل بالإدهاش والصمت، وإلغاء سلطة الحواس، واستيلاد عالمه المفارق.

أمام هذه الإشكالات الفكرية والجمالية التي طرحها النص الحداثي ومعه كان على الشاعر سيف الرحبي أن يحدد موقفه من هذه القضية وأن يشكل رؤيته الحداثية التي تحددها اشتراطات التجربة ووعيه الشعري وعلاقته مع العالم، ولذلك سعت هذه التجربة إلى تبني حداثة متوازنة لا توغل في شكلانية خطابها وجموح المخيلة الشعرية وتعقيد وغرابة بنيتها الإستعارية. إذ أرادت أن تنفتح على إيقاع العصر وروحه ومزاجه، في الوقت الذي حاولت فيه أن تستفيد من تقنيات الأجناس الأدبية الأخرى وفي طليعتها تقنية السرد الحكائي، كما حاولت كما أشرنا سابقاً إلى المزاوجة بين لغة الشعر ولغة النثر بحيث تغني إحداهما الأخرى، وينشأ حوار يثري بنية اللغة وأساليبها التعبيرية، والدلالية.

لا يمكن قراءة حداثة النص الشعري في تجربته دون قراءة شواغل النص الأخرى، وفي مقدمتها شواغله الفكرية ورؤياه إلى العالم وعلاقته به، فالشاعر لا يجرد الشعر من وظيفته الجمالية والإجتماعية، كما لا يعتبر الشعر تجربة خاصة تتحرر من عنصري الزمان والمكان وهاجسها الوجودي والإنساني، لهذا نجد في نصوص الشاعر تلك الغنائية المتطابقة مع ضمير المتكلم في النص الشعري، والمحملة بكثافة حسية وجدانية، تمنحها سمتها الخاصة، وتوترها الدرامي. في المعادل الأول الذي تقمه التجربة فكرياً وجمالياً وفنياً يمكن الوقوف عند ظاهرة الحداثة المتوازنة التي تكشف عنها تجربة الشاعر وهي ظاهرة تتوازى وتتداخل مع الرؤية الاجتماعية التي يقدمها النص إلى الحياة والواقع، إذ نجده يرفض أشكال الحداثة الطارئة والمتسارعة التي تلغي هوية الكائن الإنساني والمكان وثقافتهما المشتركة، وتقيم نوعاً من حداثة مختلفة تمارس فعلها التدميري على مستوى المفاهيم والعلاقات السائدة والبيئة، بل تتحول إلى شكل فلكلوري غريب يجمع بين معطيات الحضارة العمرانية والمادية والكائن الذي لم يزل أسير مجتمع تقليدي وثقافة تقليدية تارة. يرفض الشاعر في موقفه من الحداثة الاستلاب وفقدان الهوية الثقافية والحضارية المنفتحة على العصر والعالم، والمتفاعلة معه. ويتحدد هذا الموقف، أو هذه الرؤية في الارتباط بخصوصية الثقافة التي تمثل ذاكرة يحاول أن ينعشها باستمرار. بل هو يذهب أبعد من ذلك عندما يتوحد مع رموز المكان باعتباره يمثل ذاكرة تاريخية ووجودية وحضارية يمكن أن نستمد منها روح الحياة، وهنا يمكن أن نشير إلى تمكين أساسيتين على مستوى العلاقة مع المكان والرؤية إليه، أولهما أن النص الرعوي الرومنتي عند الشاعر يستمد صوره وتشكيلاته المكانية من خصوصية البيئة، ويسعى لأن يكون النص متمثلاً لروح المكان وفضاءه الاجتماعي، وثانيهما أن الثنائية التي تقيمها الرؤية الشعرية إلى المكان في النص تتمثل بطفولة المكان أو ماضيه المرتبط بزمن تجربة الطفولة عند الشاعر وما تختزنه من دلالات روحية ووجدانية وجمالية ترتبط بصورة المكان الآن وهنا حيث تتبدى صورة الحداثة المستعارة والغربية التي يواجه غزوها وتنميطها بتعميق اتصاله بذاكرة الذات الجمعية وأحلامها ورموز هويتها الخاصة:

احتمي بنخيل الماضي

اتسلل إلى أحلام نائميه

على السفوح المغمى عليها بالشمس والنسيم

أتفقد رعايا ذاكرتي

كقائد يتفقد جيشه الهارب من مذبحة ([80]) ص 19

هكذا تغدو العلاقة مع الآن وهنا في النص، ولتأكيد معنى الاستمرار في هذه العلاقة، وبالتالي التدليل على مدلولاتها الراهنة، يستخدم الشاعر الفعل المضارع، كما يستخدم صورة المكان المغمى عليه الدالة على حالة الغيبوبة التي يعيشها، بينما الشاعر / الراوي في النص يتفقد ذاكرته التي يشبهها بجيش هارب من المذبحة، وفي هذا التشبيه البليغ يعبر عن حالة التحول الجارية في الواقع بعد فورة النفط وآثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواسعة على مجتمعاتنا، وذاتنا الجمعية وهويتها الثقافية. تأخذ العلاقة مع المكان / الصحراء بعداً رمزياً دلالة هامة فهي تارة ترمز على العلاقة بالمقطوعة مع تاريخ المكان وذاكرته الحية بفعل قوة الحضارة الطاغية، وتارة أخرى يستعيد معها صورة البدوي الباحث عن ازمنة الماضي النقية موطن القسوة، وتاج الطفولة، وينطوي هذا الوصف على ثنائية متقابلة إذ تقابل رقة الطبيعة قسوة الطبيعة، ورغم ذلك فإن ذلك الزمن يمثل تاج الطفولة، ما يدل على الارتباط النفسي والروحي مع المكان، وربما ساهم ذلك في منح تلك الأزمنة والأمكنة القديمة حضورها الجميل والكبير:

هكذا يغدق الغيم على بنيه

وقد رحلتُ بعيداً في نزواتك

فأدركتني الظهيرة في الربع الخالي

فقدت بعيري إلى شجرة غاف

هجرها البدو منذ أزمنة

أبيدت بقوة الحضارة

فيممت شطر وجهك الأنقى

موئل القسوة، وتاج الطفولة

ووجدتك / تركضين شجرة برارٍ وحشية ([81]) ص 39

إن الموقف من الحداثة يرتكز على رؤية ترفض قيمها المادية والاستهلاكية، في نفس الوقت الذي ترى فيه أن علاقة الإنسان على هذه الأرض مع الحداثة تقوم على التلقي والاستهلاك والتغريب الذي يلغي الهوية والتاريخ، حيث تحولت هذه الحداثة إلى غزو لمجتمعات لا تعرف غير الاستهلاك ومظاهر الحداثة الكاذبة، والمصطنعة:

تنتشر الأبنية المسلحة بأسباب القوة والضعف لدحر فيالق الشمس. ناطحات سحاب مضاءة بأسماء الذين نزلوا حديثاً من الجبال وما زال دمهم يسيح على البطاح دليل السلالة والوحيد على إرثها الذي اقتلع من عروقه ([82]) ص 49

إن صورة الحداثة المزعومة والمكان الذي اغتيلت جميع صور جماله واغتيل معه إرث ساكنيه وتاريخهم يشكل قيمة أساسية نجدها حاضرة في أغلب نصوص الشاعر، فهو يخاطب الصحراء الذبحية بحرارة ويأس، وهو يشاهد ما آلت إليه حالها. بعد أن كانت جزراً من النوارس والأحلام يأتيها في زمن الطفولة السعيد:

ايتها الصحراء… أيتها الصحراء

ماذا أبتغي من قلبك الذبيح؟

ومن مدافن نقطك وقتلاك؟ ([83]) ص 58

ويبلغ الذهول بالشاعر وهو يعاين هذه المصائر القاسية والغربية فيخاطبها بمرارة وحيرة ((بماذا أصفك: أرملة العصور / أم مستودع نفايات العالم؟!)) ([84]) ص 58 – 59

لقد اشرنا سابقاً على بنية النص الرعوي الرومنتي الغنائي عند الشاعر الرحبي، ولكي لا يظل المصطلح ذا دلالة عامة وغير محددة لا بد من استجلاء مرتسمات هذه البنية ودلالاتها، حيث تتجلى أولى هذه المرتسمات ي العودة إلى الطبيعة أو طفولة المكان ومعها طفولة الذات، فالرومنتية اتخذت موقفاً سلبياً من الحداثة ودعت إلى العودة إلى الطبيعة كملهمة للجمال والخيال ورأت أن الأصالة تكمن في الماضي الذي طالما مجدته، كما رأت في زمن الطفولة زمن البراءة والجمال. كما قدمت رؤية متشائمة وحزينة إلى المستقبل، وأكدت على الطابع الذاتي الغنائي الشجي في خطابها الشعري، بالإضافة إلى أنها عمدت إلى تشخيص عناصر الطبيعة، وتوظيفها للتعبير عن رؤية الشاعر وأحاسيسه. وإذا كانت هذه السمات تميز جزءاً مهماً من بنية النص الرومنتي ومدلولاته، فإن الحديث عن الرومنتية في نص الشاعر الرحبي لا يعني أن هذا النص حاول أن يتمثل معطيات تكل التجربة كاملة في نصه الشعري، إذ يلاحظ تداخل الثنائيات وانفتاحها على بعضها البعض في تجربته التي مزجت بين الذاتي الخاص، والعام، والرومنتي والواقعي، والداخلي النفسي والخارجي، الموضوعي.

ينشغل النص الشعري في تجربة الرحبي بأسئلة الذات والوجود والتاريخ والواقع المتحول، حيث تتداخل أسئلة الذات مع أسئلة الجماعة، والحلم مع التاريخ والمكان باعتبارها وعاء التجربة الوجودية وذاكرتها الحية، وفي الوقت الذي يكثف فيه دلالات العلاقة التاريخية مع الماضي كجزء من سيرورة الكائن متحداً مع المكان باعتباره مكوناً أساسياً في هذه التجربة التاريخية والوجودية، فإنه يدرك إشكالية العلاقة مع الحاضر وتحولات الواقع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي يجد فيها غربة للذات الجمعية عن ذاتها وعن سيرورة تاريخها يرتدي فيها الإنسان أقنعة الحداثة المستعارة، بل يتداخل هذا الموقف أيضاً مع الموقف من الحداثة التي ساهمت في إنجاز عزلة الإنسان وغربته وفي القضاء على الجانب الروحين بسبب تعزيز القيم المادية والاستهلاكية وممارستها في تدمير الطبيعة من أجل مزيد من الربح، إضافة على تعزيز سياسة نهب ثروات العالم الفقير، ومركزة القوة الطاغية، والثروة، وتحويل العالم إلى بؤر صراع محتدمة تجعل مشهد القتل والخراب والكوارث مشهداً مرعباً في قسوته واتساعه وتجدده كل يوم. لكن انشغاله بالهم الكوني الإنساني لم يبعده عن جغرافية المكان، الذي ينتمي إليه، ولا عن الواقع الإجتماعي الذي يدرك مآلاته الأخيرة في غربتها وهواجس كائناتها الغربية في هذه الأرض التي:

أهلها الذين تغيرت أحلامهم ولياليهم وصاروا غرباء يلوذون بجرير النخل أيام الجمع كأنما لآخر تعويذة تقيهم الاضمحلال.

صخور وأطوار وأطباق فضاء. وأحاديث تشبه زجاجاً يمضغه متسكع في ليل مدينة منكوبة ([85]) ص 50

إن هذا الارتباط بين ذات السارد في النص، والذات الجمعية التي يستعير صوتها، أو يستحضرها في خطابه تتبدى من خلال تعدد ضمائر المتكلم، وتداخل أصواتها في نصه الطويل بصورة خاصة، ولعل هذا الاشتباك في الأصوات، وهذا التداخل يخلق حالة دالة على هذا الاشتباك أو هذا التداخل القائم في الحياة والمصائر والأحلام في تجربة تنطلق من وعي خاص بجغرافية المكان دون أن تنغلق عليه، في الوقت الذي لا تجعل الشعر أداة خلاص خاصة، أو تعبيراً عن مقترح شعري متعال فالشاعر هو ابن الحياة، بقدر ما هو بين هذه الجغرافيا التي ظلت أزمنة غارقة في عزلتها، وهذا التاريخ التي تقيم السلالة قطيعتها معه، لكنه مع هذا وقبله هو ابن هذه الأرض، وهذا التاريخ الإنساني المتجدد برمزيته حيث (الأطباق والشاشات التي تميد بها أرض البشر / كأثينا جديدة تربض بأجنحتها الأولمبية الضخمة / على الأجنة والأفئدة والرؤوس) ([86]) ص 158

لا تتبدى شواغل النص بالبيئة المحلية وخصوصية التجربة من خلال جغرافية المكان بعلاماته ورموزه ودلالاته الاجتماعية والتاريخية، بل هي تحفر في ذاكرته، وتستحضر روحه وسيرة كائناته المتداخلة مع تاريخ سيرة الذات، فالاسماء المكانية وأسماء الشخصيات القديمة، واستحضار طقوس السحر والأسطورة وأخيلة الحكايات الماضية تشكل جزءاً من مكونات النص ورؤيته وجمالياته التي تمنحه هويته الخاصة، وتحدد مساراته.

في هذا الإطار التي يمكن الحديث عن نوعين من التناص يظهران في نصوص الشاعر، التناص الأول هو لتناص الواقعي، ويتمثل في اسماء الأماكن والشخصيات والأسماء الطبيعية، والحيوانية والتاريخية التي تستدعيها نصوص الشاعر، وهي تحيل في مجملها على بيئة محلية خاصة، يأتي استدعاءها غالباً في سياق اتكاء النص على الجانب السيري في هذه التجربة، لاسيما ما يتعلق منه بتجربة الطفولة وماضي المكان أو طفولته البعيدة، (سجن الجلالي – عروق الشيبه – ذئاب الغلاة – سليمة الأزدي – الريح الحورية – شجرة الفرصاء – الجبل الأخضر – الربع الخالي – شجرة الغاف – قرون الأكباش – بنات آوى – نحيب الصفرد – أثر الرعاة – أشجار السدر – هولاكو – منطقة الشعاشع – سحرور – قوم عاد وثمود – بحر عُمان – البسوس – البسطامي – قابيل وهابيل – عبد الله كرفايه – مصيره والدمينيات – سعيد المرجبي – سمائل – المسعودي…).

تتوزع أغلب هذه الأسماء التي يستدعيها الشاعر على أسماء أمكنة جغرافية معروفة، أو أسماء بنات محلي يعيش في بيئة الشاعر- أو أٍسماء بحار وشخصيات من الموروث التاريخي لتاريخ سكان عمان قديماً أو للثقافة العربية – الإسلامية.

التناص الثاني الذي يظهر في نصوص الشاعر هو التناص الغربي ويأتي هذا التناص في سياق انشغال النص الشعري بالسيري أيضاً، لاسيما على مستوى العلاقة مع المكان، والسرد الحكائي الذي يميز بنية النص الشعري، ولا يختلف هذا التناص عن التناص الواقعي الذي ظهر في تناصه الأول مع المكان الواقعي والتراث القديم، فالشاعر في أسماء الأماكن الكثيرة التي مرَّ بها، أو عاش فيها عبر رحيله الدائم والمتجدد والتي يستدعيها، يحيل على أماكن واقعية، في حين أنه في استدعائه لرموز وأسماء ثقافية غربية يستحضر جزءاً من مخزونه الثقافي الغربي ما يدل على تنوع مصادر ثقافته وانفتاحه على الثقافة الغربية باعتبارها جزءاً من الثقافة الإنسانية خاصة وأن هذه الأسماء تحمل دلالات فكرية إنسانية وجمالية معروفة (فيلم أو شيما – حديقة سانت جيمس – جبال الأولمت – فريدريك بيتشه – كازنتزاكي – مقبرة بيرلا شير – بحر إيجه – البحر الشمالي – الحي اللاتيني – حكاية هيرودوت – لوتريامون – جورج تراكل – مايا كوفيسكي – طيور هتشكوك – خيل المقدوني – غابات الأمازون – حكايات كارلوس…).

إن هذا التناص الواقعي المرتبط بواقعية السرد الحكائي الذاتي أو الجانب السيري، لا يمثل بؤرة النص، بل هو يأتي في سياق السرد الحكائي، وكجزء من بنية هذا السرد ولذلك قد نجد عدداً من الأسماء التي يتم استدعاءها في النص الواحد وربما كان المكان المحلي باسمائه وعلاماته وتاريخه هو التناص الوحيد الذي يشكل بؤرة النص ومحوره، ويظهر هذا السرد الحكائي أو الجانب السيري في التجربة من خلال استخدام الشاعر في أغلب النصوص لضمير المتكلم المفرد في السرد أو لضمير المتكلم الغائب حيث يتولى الراوي / الشاعر مهمة السرد بالنيابة، وغالباً ما يأتي ذلك في سياق السرد لاسترجاعي أو التذكر ما يجعل الفعل المهيمن على أفعال النص هو فعل الماضي الذي يحيل على الزمن الماضي.

إن الحداثة المتوازنة التي تميز نص الرحبي تنبع من رؤيته الفكرية والجمالية، التي تحكم بنية هذا النص، والتي تلح على علاقة الشعر بالتجربة، والوجود الإنساني كمرجعية وغاية وهدف في الآن معاً، وإذا كان الشاعر يركز على علاقته الخاصة بالمكان الجغرافي الذي ينتمي إليه، ويسعى لتمثل تجربته بأبعادها المختلفة، الوجودية والثقافية والإجتماعية والتاريخية، ويعبر عن مفارقات هذا الواقع وتحولاته الغربية، فإنه في هذه الرؤية ينفتح على مشهد الوجود الإنساني والحضاري الراهن بتجلياته ومظاهره المرعبة ونزاعاته المحتدمة، وأفول القيم الروحية أمام سطوة قيم المادة والاستهلاك المستشرية، وفي كل هذا نجد العالم يذهب نحو مصائره المأساوية والمرعبة، ونحو مزيد من الضياع والموت والخراب، في الوقت الذي يذهب فيه عالم الصحراء بتحولاته الغربية نحو الضياع والنهايات الفاجعة والموت، كما يتجلى ذلك في خطابه الموجه إلى الصحراء، والذي يكثف فيه مضمون هذه الرؤية المرعبة التي تفضح مفارقات الواقع العجيبة تارة:

انظري

إلى الذرية المباركة

في كهوفها وناطحات سحابها

انظري

إلى الخطيئة الأصلية ([87]) ص 177

وتارة أخرى يعتمد التكرار العباري الذي يأتي في متن النص لإظهار الحالة الشعورية التي تلح على الشاعر من خلال الجمل الإخبارية، التي تكثف صورة المشهد الذي أصبحت عليه، وكما يلاحظ فإن الشاعر يعبر عن رؤية سلبية من مظهر الحداثة الفارغ الذي تشي به صورة المدنية الحديثة التي قامت على أنقاض الماضي وحياته البسيطة الجميلة، التي كانت تمتزج مع جمال الطبيعة والحياة التي تنطوي على معاني الجمال والأصالة، في حين تدفع هذه الحداثة الطارئة نحو التغريب والهلاك وضياع الحياة الجميلة:

أيتها الصحراء

غادرك الركب تحت شمس ترضع أطفالها بأضواء ساحة

غادرك الحق والباطل

وغادرتك الملحمة

غادرك الحرب والسلام

وغادرك الخريف الأكثر رأفة من ربيع المدن

غادرتك النجوم الأولى والأيائل

وضفاف الأدوية

غادرك السلام

وما يظنونه كنزاً ليس سوى آلية حتفك الرهيبة ([88]) ص 57 – 58

تنحاز هذه الرؤية إلى الماضي والقديم، وتعلن رفضها المآلات الحاضر وهي تستند في خطابها الموجه إلى هذه الصحراء، إلى ما فقدته من سلام وحنو الطبيعة على الإنسان وجمالها، وقيم أخلاقية واجتماعية وبطولية أصيلة سوف تقود هذا العالم الفارق في أوهام ثرائه إلى نهايات مأساوية، ومصير رهيب، بل إن إمعان عالم الصحراء في هذا التلفيق الحداثي، القائم على مفارقة تاريخية وثقافية عجيبة، تجعله في تناقضات بنيته الإجتماعية أشبه ما يكون بتجربة السقوط الأولى التي عاشها آدم وحواء عند طردهما من الفردوس الآلهي، على أرض الشقاء والشرور والهلاك بعد ان اكلا من ثمرة الشجرة المحرمة في الجنة، وارتكبا تلك الخطيئة الأصلية الفادحة:

انظري إلى الخطيئة الأصلية ([89]) ص 177.

إن هذه الرؤية القاتمة إلى المستقبل لا تنفصل في دلالاتها عن رؤيته إلى العالم، بل هي تتاخل معها في رعبها ومأساويتها كما تفصح عنها لغة الخطاب وصوره التي تكثف دلالات هذه الرؤية، وتجعل كل شيء اسود حتى مشهد المياه التي ترمز إلى الحياة والخصب والتجدد، ما يوحي بعدمية المشهد، ومأساويته الكبيرة:

انظري يا ايفا

إلى القرن العشرين

إلى المياه السوداء

تطفو على أديمها الأرواح والجثث

انظري / إلى الذرية المباركة

في كهوفها وناطحات سحابها … ([90]) ص 177

ويتكرر مشهد هذه الرؤية في نهاية أغلب قصائده الطويلة، معبراً في ذلك عن مضمون هذه الرؤية السوداء، اليائسة من أي تحول يمكن أن يجعل الأفق ينفتح على مستقبل أفضل، أو غد مشرقك

لا نأمة / لا نداء استغاثة

فراع مطبق وعويل ([91]) ص 38

ولا تختلف الرؤية في نهاية قصيدة الجندي الذي رأى الطائر في نومه عن الرؤية السابقة، إذ توحي تلك النهاية بالمعاني الدالة على العقم والمأساة:

طيورك الصاخبة تحلق فوق رأسي

طوال الليل

والموجة التي تغمر الفراش

بالزبد والأنين ([92]) ص 90

(ع35)متاه الكائن

(ع1)تتكثف أسئلة الوجود الإنساني، والمصير المأساوي الحزين الذي يعبر عن شرط الإنسان الوجودي. في نصوص الشاعر المختلفة، لكن هذه الأسئلة، لا تعبر عن ذاتها بمعزل عن أسئلة الحياة، وتحولاتها الدرامية التي تعزز غربة الإنسان الوجودية والروحية، في عالم يزداد وحشية ودموية ونزوعاً إلى المادة والاستهلاك والسيطرة والقوة، وفي تجربة الشاعر التي تتمثل خصوصية البيئة الإجتماعية والجغرافية والثقافية التي تنتمي إليها تبرز إشكالية العلاقة مع الواقع المفارق في صورته وعلاقاته وأشكال تحوله المتسارع، الذي يجعله في قطيعة مع ذاكرته وتاريخه وماضيه وخصوصيات عالمه الطبيعي، ما يضاعف من علاقة الشاعر مع العالم ببعده المحلي، وببعده الإنساني، إذ تتداخل دلالات المشهد وأبعاده واسئلته التي يطرحها، الأمر الذي يجعل أزمة الذات في علاقاتها مع العالم تتكامل لتزداد توتراً وشعوراً بالمرارة والغربة والحزن تتعمق معه إشكالية الوجود، ومدلولاتها وتمظهراتها في تجربة الشاعر.

عن هذه العلاقة المختلة، والمحكومة بوعي وجود ظاهر تشكل سياقها الشعري داخل تجربة الشاعر، وكاشفةً عن مرجعياتها الثقافية التي، أسهمت في تشكيل مدلولاتها ومعانيها، وفي تحديد أبعادها ومستوياتها وتأتي المرجعية الدينية، أو القصص الديني الذي يروي قصة الخلق وتواطؤ الإنسان مع الشيطان في ارتكاب الخطيئة الأصلية، التي قذفت به إلى أرض الشقاء والموت بعد الأكل من ثمرة شجرة الجنة المحرمة، في مقدمة هذه المرجعيات التي شكلت رؤية الشاعر إلى الإنسان والعالم، باعتباره المسؤول عن هذا المآل وهذا المصير المأساوي الذي انتهى إليه في وجوده الحزين:

أولاد آدم وقبلة أبليس

الاثنان ولدا من طوفان الخطيئة ([93]) ص 24

ويقف الشاعر أمام الأبدية طارحاً أسئلته الشاقة والمرعبة، التي هي أسئلة الكائن البشري الذي تتشكل هذه الأبدية من سراب وجوده وكينونته، الأمر الذي يجعل صوت الشاعر ينطق باسمه، ويعبر عن وعيه المفتوح على أسئلة الوجود المرعبة والأبدية المسكونة بالأسرار، والخوف. وهي تطوي هذه الخلائق إلى اليوم الموعود الذي ستكون فيه نهاية هذا العالم ودماره، وستكون معه قيامة هذه الخلائق الغربية، وسنلاحظ في نص الشاعر التالي أن الجملة الأولى هي جملة وصفية إخبارية تخبرنا عن علاقة الإنسان مع الأبدية، ثم ينتقل المتكلم في النص إلى طرح الأسئلة المخيفة حول مصير الكائن البشري الزائل أمام غموض الأبدية وأسئلتها القاسية التي تطرحها نهاية الزمان والعالم علينا:

هذه الأبدية من سراب الكائن

أي أسرار تخبئها

أي خلائق ستقذفها ذات يوم

في وجه كوكبنا

وقد استحال إلى خردة ورماد؟ ([94]) ص 40 – 41

لكن رؤية الشاعر إلى العالم تقوم كما هي في الغالب على ثنائية ضدية، أو متقابلة، هي ثنائية الديمومة والاستمرار التي تمثلها البسيطة بجبالها وأوابدها وجماداتها، والزوال والانقضاء التي يمثلها وجود الإنسان في هذا العالم، ما يكشف عن محدودية الإنسان وضعفه أمام قوة بقاء العالم المادي واستمراريته، والراوي أو المتكلم في النص هو الذي يعبر عن هذه المفارقة المرعبة التي يطرحها وجود الكائن البشري المحدود:

أنا الذي ما زلت

أشير إلى الجبال والأوابد

بالبقاء الصلب والحتمي

أمام اندحار الكائن ([95]) ص 32

تكثر مفردات الغياب والموت بمعناها المباشر الدال، أو بما يحيل على معناهان حيث تشكل هذه المفردات حقلاً دلالياً، ومحوراً أساسياً يدور حولها كثير من نصوص الشاعر، ما يجعلها تشكل مفاتيح لقراءة هذه التجربة، واستكناه مدلولاتها، وعلاقة الشاعر مع العالم. إن هذا الحس الوجودي المتوتر الذي تفصح عنه هذه التجربة لا يرتبط برؤية ميتافيزيقية أو فلسفية تنشغل بالماهيات والكينونة والوجود والعدم أي أنها تكشف عن معاناة ثقافية وروحية، بقدر ما هي تعبر عن بؤس الشرط الإنساني في هذا العالم المحتشد بالرعب والكوارث والموت والحروب المشتعلة والفقر، الأمر الذي يجعل هذا الوجود مثقلاً بوعي مأساوي يزيد من وطأة الشعور بعبء هذا الوجود الباهض والمريع.

لقد تجلت معاناة الشاعر الوجودية أولاً وقبل كل شيء فيما يمكن ان نسميه قلق الإقامة في الأرض، وهذا يقلق يتجلى في أكثر من مستوى كما تعبر عن ذلك مكاشفات الشاعر في نصوصه فالشاعر الموزع بين زمنين وأماكن لا محدودة يحمل قلقه الوجودي وتوتره الدائم بحثاً عن نهايات لرحيل لا ينتهي، وإذا كانت علاقة الزمان بالمكان هي علاقة يستحيل الفصل فيها بينهما، فإن المكان الأول الذي عاش فيه طفولته المسكونة بالدهشة والأسرار والجمال، هو الذي يحيل في ارتباطاته ومعانيه المشكلة نفسياً ووجدانياً إلى الزمن الماضي، لكن هذه الارتباطات لا توقف قلق الشاعر وبحثه الدائم عن مغامرة اكتشاف وكشف جديدة لأماكن مجهولة وبعيدة، تخرجه من جغرافيا المكان المحدودة على مغامرة الاختراق المتجدد للمسافة، ما يعبر عن قلق وجودي يدفع باتجاه التحرر من محدودية المكان والجغرافيا إلى رحابة العالم وكأنه محكوم بقدر مكتوب، يجعله لا يستقر إلى أرض أو وطن وهذا ما يدل عليه تصدير الشاعر لديوانه مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور بقول لانتوين آرتو يقول فيه (ما أقسى شعور الإنسان بعدم وجوده في مكان ما)، على الرغم من المضامين والدلالات التي تدل على جغرافية محددة، يحاول أن يقدم نفسه من خلالها وأن يتمثل تجربة الإنسان فيها بأبعادها الاجتماعية والروحية والوجودية. إن العناوين الدالة على جغرافية محدد هي عالم الصحراء كثيرة وتمثل جزءاً أساساً من ذاكرة الشاعر وإرثهن إلا أن وجودها المكثف لا يمنع من ظهور عشرات العناوين والأسماء الأخرى التي تدل على أماكن جغرافية تنقل فيها الشاعر، وحمل معه ذكرياته عنها في هذا السفر الدائم، وبقدر ما يعبر هذا المشهد المكاني المتصل بسيرة الذات وقلقها عن إشكالية واضحة على صعيد العلاقة مع المكان، فإنها تدل على رغبة الإجابة عن أسئلة وجودية تطرحها الذات على العالم، ولكن دون أن نجد الإجابة، ما يجعل هذه المغامرة مفتوحة على فضاءات تنزاح به بعيداً باستمرار. من هنا تبرز دلالات تلك العلاقة الاشتباكية مع العالم، كما يبرز عناد الشاعر ونزوعه العنيف لاجتراح مغامرة عبور هذا التيه الذي يمثله العالم، وهو يدرك مأساة شرطة الإنساني المتمثل في محدودية وجوده، وموته الذي يشكل علامة غيابه الحاضرة دوماً في وعيه، ما يعزز روح المغامرة والإندفاع، ويجعله يقذف بذخيرة أيامه في قعر العدم:

كالموجة التي تنشب أظافرها

في جسد الإعصار

دخلت تيه هذا العالم

قاذفاً بذخيرة الأيام في قعر جهنم

شاحذاً أعضائي بشفرة صنعت

من غياب ([96]) ص 65

وتكشف الصورة الشعرية التي تتكون من التشبيه في نص آخر عن شعور وجودي مرعب، يولده إدراك الإنسان لشرطه الوجودي، المتمثل في صورة الموت الذي يطارده، وأمام هذا الوعي المأساوي المرعب يبحث الشاعر عما يلغي هذا الوعي ويحرره من قسوة الشعور به، بل ويتجاوزه إلى أن يتحول من مطارد بهذا القدر إلى مطارد للحياة التي تتسلل هاربة من بين يديه في مغامرة يقودها الخيال الجامح. رغبة في التعويض على شعور بالعجز والضعف أمام سطوة القدر ومحدودية الحياة التي سيعيشها:

تتسلل الحياة من يدي خلسة بعد أن

أمسكت بها

أحدق فيها وعلاً أدركه هياج القناص

فأنثني على عقب مسائي نحو كأسي

الأولى لأطاردها فيما يشبه

بداية ميلاد مجرة في الرأس ([97]) ص 19

لقد شكل الموت هاجساً مرعباً دائماً يلاحق الشاعر، ويصاحبه في حله وترحاله، ولكي يخفف من سطوة حضوره ورعبه يلجا إلى اجتراح صورة موت لترويضه. والتوحد معه لا غيباً رهجة الحضور وكما أشرنا سابقاً فإن مفردة الموت تتجلى من خلال صفات تدل عليها، كما هو الأمر بالنسبة الكلمة الغياب، والشاعر في وصفه للموت يعبر عن وعي وجودي حاد يتخذ معان دالة على فظاعة حضوره:

لأن الغياب الذي سيحتل بقفزة نمر

والذي يصحبنا على هيئة الملاك الحارس

جلاد اللحظة

ناطور الثكنات

أحاول ترويضه باجتراحه

بالإقامة في حناياه

الغياب الذي لا يقيم ([98]) ص 226

وتتبدى دلالات هذه العلاقة وهاجسها المرعب المقيم عبر علاقة الشاعر مع الأم وما تمثله من معان رمزية وجودية ووعاطفية غذ ظل وجودها الثري والملازم له يشعره بمعاني الفقد ورهبته وقسوته، فيمتلئ به منذ مرحلة مبكرة، ما يدل على حضور مبكر لهذا الوعي الوجودي المأساوي الذي ظل يعززه ويغذيه باستمرار شعور غامض بالضياع الذي تمثله حياة الإنسان طالما أن الفناء والموت هو النهاية التي تلاحق هذا الوجود. وللدلالة على هذا الوعي المأساوي المبكر يستخدم الأفعال الماضية، التي تحيل على زمن الماضي في حين تتخذ حركة الخطاب بعداً وجدانياً عميقاً عندما يتجه من المتكلم / الشاعر إلى الأم المخاطبة في محاولة استبطان معاني تجربة فقدها، ومكاشفتها بحالة الخوف والرهبة التي ظلت تسكنه وهو يراقب حيويتها قبل وقت طويل:

امتلأت بموتك قبل أوانه

تشربته وأنت تتنزهين في بهو المنزل

وروابي الأفلاج

كان ذلك من شدة خوفي

من فرط ما حدقت في سماء

المغيب

حدس ضياعٍ

وشحوب مصير ([99]) ص 14-15

وتبلغ الدلالات الوجدانية والروحية للموت مداها وكثافة حضورها عندما تكون الأم هي موضوع هذه التجربة الرهيبة بكل ما تحمله من معاني رمزية، وحيوية لاسيما عندما يكون عليك أن تكون أنت من يهيل عليها تراب الوداع الأخير، ويكون على يديك التي كانت تلامسها، وتشعر بدفئها أن تقوم باسدال ستار الغياب الأخير عليها في رحلتها إلى العالم الآخر، الأمر الذي يجعل مرارة هذا الإحساس القاسي يتجلى في صيغة السؤال المفزع الذي يطرحه على الآخر بحثاً عن إجابات على هذه المفارقة التي تمثلها تجربة موت الأم عند الشاعر:

كيف يمكن حل هذه المفارقة الكبرى في الوجود:

أن تهيل التراب والحجارة على جسد من تحب… بيدك؟

بيدك أنت لا غيرك، التي كانت قبل قليل تلامس

الجسد المفعم بالطهارة والحركة ([100])… ص 74

إن الماضي في تجربة الإنسان الوجودية مع الموت، يحمل دلالات أكثر رحمة ورأفة، وهذه الصورة للموت لا تنفصل في معانيها ودوافعها عند رؤية الشاعر التي سبق وقلنا إنها تكشف عن حنين نوستالوجي لأنها تجد فيه الطهارة والأصالة والنقاء، وتوحد الإنسان مع مصيره ومع الطبيعة، توحداً يقوم على الألفة والتفاعل الحي والتواصل الذي يغني الحياة بالجمال والعفوية والصدق، فالموت رغم قسوة ما يمثله من عدم ووعي مأساوي بمحدودية الوجود الإنسان، يظل رفيق الحياة الرحيم، وجزءاً من علاماتها التي تحمل دلالاتها المختلفة عن دلالاته في هذا العصر العاتي بعنفه ونزوعه المادي والدموي على حساب الإنسان والطبيعة والمستقبل:

يوم كنا حلماً في خيال الأمهات

كان الموت أكثر رحمة

وكانت الحياة ([101]) ص 17

إن غربة الإنسان وضياعه كعلامتين من علامات وعيه الوجودي المأزوم، يمكن أن نكتشفهما من خلال القاموس الشعري الذي تتألف منه كلمات الشاعر، والتي يمكن أن نعدها مفتاحاً تأويلياً لاستكناه مستويات تجربة الشاعر، وقراءتها من الداخل، ومعرفة الرؤية التي تشكلها، ففي هذه التجربة هناك مفردات عديدة تندرج في سياق هذا المعجم كالغياب والمتاه أو المتاهة، وكلها صفات دالة على رؤية وجودية مسكونة بشعور بالضياع والحزن والغربة التي يعيشها الكائن في عالم لم يعد معنياً بالروحي والقيمي والوجداني داخل الإنسان، بل لم يعد معنياً بوجوده ومستقبله، إذ تحول إلى وسيلة لخدمة مشاريع الربح والسيطرة، وضحية لسياسات القوة الغاشمة، والتوسع والنهب المبرمج والاستبداد، إذ ساهم كل هذا في توسيع مدلولات هذه الغربة وهذا الضياع، وفي تعميق الشعور بإشكالية الوجود الإنساني، الذي يزداد قسوة ورعباً وهلاكاً. بصورة تزداد معها مكابدة وشقاء الوعي الإنساني بوجودهن ولعل طابع الثنائيات الضدية الذي يميز رؤية الشاعر إلى العالم والإنسان والأشياء، تجعل المفارقة المائزة بين تجربة الزمن الماضي بدلالاتها ومعانيها المختلفة الروحية والوجودية والاجتماعية نقيض التجربة المعاصرة، ولا تنفصل تجربة الموت أو الشعور بالضياع والغربة الوجودية عن تلك الرؤية، الأمر الذي يجعل المفردات الدالة على هذا الوعي الوجودي الحزين تتزاوج وتتساوق مع المفردات الأخرى، الدالة على مضمون تجربة الحياة المعاصرة، حتى يتحول المشهد إلى مشهد جنائزي حاشد:

الباكون كثيرون حولي

على الإخوة والأبناء والأحفاد

على الأمهات والشعوب

التي تباد تحت جبال الحديد

الهائجة في كل اتجاه

تحت المعطف الأنيق للحضارة

صراخهم يملأ الفضاء باللعنات

بالأمل القاتم للغد ([102]) ص 21

هكذا تكتمل رؤية المشهد القاتم والحزين، عند الشاعر، وهي رؤية توحي باليأس والمرارة التي يحياها وجود الإنسان المعاصر، وإذا كان ديوانه الأخير يستهل نصوصه بنص طويل يحمل عنوان مقبرة السلالة، وهو العنوان الذي انتخبه ليكون العنوان الرئيس فإن عنوان النص الأخير يتصل دلالياً مع العنوان الأول إذ يحمل عنوان ((مساء جنائزي))، وفي هذا دلالة على حركة نصوص الديوان الدائرية، التي تعود إلى موضوع الموت، لكنها في هذا النص تستثمر عناصر الطبيعة ومخلوقاتها في الصور الاستعارية لترسم صورة مشهدية لجناز الطبيعة وفي حين تغيب صورة الإنسان عن هذا المشهد، وكأن الشاعر بذلك المشهد الدال يكشف عن غضب الكون وحاجته إلى التطهر والخلاص مما به كبداية لقيامة جديدة للإنسان تحرره من إرثه الدموي وخطاياه وآثامه التي فاقمت من مأساة الإنسان الوجودية.

[1]  الرحلة العبرية – د. عبد النبي ذاكر – دار السويدي للنشر – أبو ظبي 2005

[2]  العنوان: سيميو طيقيا الاتصال الأدبي – د. محمد فكري الجزار – الهيئة المصرية للكتاب – القاهرة 1998

[3]  عالم النص: دراسة بنيوية في الأساليب السردية – د. سلمان كاصد – دار الكندي – عمان 2003

[4]  الحكاية والمتخيل: دراسات في السرد الروائي والقصصي – فرد الزاهي – دار أفريقيا / الشرق 1991

[5]  العنوان: سيميوطيقيا الاتصال الأدبي – د. محمد فكري الجزار… المرجع السابق

[6]  المنهجية في البحث الأدبي – د. أحمد علبي – دار الفارابي – بيروت 1999

[7]  العنوان: سيميوطيقيا الاتصال الأدبي – د. محمد فكري الجزار… المرجع السابق

[8]  عالم النص: درابة بنيوية في الأساليب السردية – د. سلمان كاصد … المرجع السابق

[9]  الرحلة العبرية – د. عبد النبي ذاكر – دار السويدي – أبو ظبي 2005

[10]  سيميو طيقيا الاتصال الأدبي – د. محمد فكري الجزار…. المرجع السابق

[11]  الرحلة العبرية – د. عبد النبي ذاكر – السويدي للنشر – أبو ظبي 2005

[12]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – إصدار خاص – دمشق 1981

[13]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – اتحاد كتاب وأدباء الإمارات – الشارقة 1988

[14]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – دار الجديد – بيروت 1993

[15]  منازل الخطوة الأولى – سيف الرحبي – القاهرة 1993

[16]  جبال – سيف الرحبي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 1996

[17]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – دار المدى – دمشق 1998

[18]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – منشورات المل – كولونيا / ألمانيا 2000

[19]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2002

[20]  نظرية البنائية – د. صلاح فضل – دار الشروق – القاهرة 1998

[21]  جبال – سيف الرحبي – المؤسسة العربية للدراسات – بيروت 1996

[22]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – دار الجديد – بيروت 1993

[23]  جبال – سيف الرحبي … الديوان السابق

[24]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – دار المدى للنشر – دمشق 1998

[25]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – دار المدى للنشر – دمشق 1998

[26]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي ……..المصدر السابق

[27]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي ……..المصدر السابق

[28]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – اتحاد كتاب وأدباء الإمارات – الشارقة 1988

[29]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – اتحاد كتاب وأدباء الإمارات – الشارقة 1988

[30]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – إصدار خاص – دمشق 1981

[31]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – إصدار خاص – دمشق 1981

[32]  جبال – سيف الرحبي ……المرجع السابق

[33]  جبال – سيف الرحبي ……المرجع السابق

[34]  الجند الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[35]  جبال – سيف الرحبي ……المرجع السابق

[36]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – ……………… المرجع السابق

[37]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي ………….زز المرجع السابق

[38]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي ………….زز المرجع السابق

[39]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي- دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[40]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – ……. المرجع السابق

[41]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – ……. المرجع السابق

[42]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – …….. المرجع السابق

[43]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – …….. المرجع السابق

[44]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – ……………. المرجع السابق

[45]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – ……… المرجع السابق

[46]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – …….. المرجع السابق

[47]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – ….ز المرجع السابق

[48]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – ……ز المرجع السابق

[49]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – …….. المرجع السابق

[50]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – …….. المرجع السابق

[51]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – … المرجع السابق

[52]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي ………….ز المرجع السابق

[53]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – ……..ز المرجع السابق

[54]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[55]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[56]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[57]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[58]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[59]  قصيدة النثر – د.

[60]  تحليل الخطاب الشعري: دينامية النص – محمد مفتاح – المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء 1985

[61]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[62]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[63]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[64]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[65]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[66]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[67]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[68]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[69]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[70]  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[71]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[72]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[73]  تحليل الخطاب الشعري – دينامية النص – محمد فتاح – المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء 1985

[74]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[75]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[76]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[77]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[78]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[79]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[80]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[81]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[82]  جبال – سيف الرحبي – المؤسسة العربية للدراسات – بيروت 1996

[83]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[84]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[85]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[86]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[87]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[88]  الجبل الأخضر – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[89]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[90]  يد في آخر العالم – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة المصرية لقصور الثقافة – مصر 2004

[91]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[92]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[93] رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[94]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[95]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[96]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[97]  رجل من الربع الخالي – سيف الرحبي – مختارات شعرية – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2004

[98]  الجندي الذي رأى الطائر في نومه – سيف الرحبي – دار الجمل – كولونيا / ألمانيا 2000

[99]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[100]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[101]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003

[102]  مقبرة السلالة – سيف الرحبي – منشورات الجمل – كولونيا / ألمانيا 2003