جديد الكاتب

مطر البوذا

في رسالة سابقة حول المطر، أتساءل أحياناً، إن كان المطر في هذه المدارات الاستوائيّة الآسيويّة، هو البوذا نفسه، أو تجل من تجلياته وأسمائه ورموزه المتدفقة خصباً ونماء، وسيرة حياة وموت، أمل وعدَم لا يرحم، حين تكتسح الفيضانات والبراكين البلاد والعباد وتحيلها الى أنقاض..
* * *
البوذا هو المطر ذاته وقد طوى الخليقة والآفاق تحت جناحيه الأخضرين الكبيرين، هو المعلم الروحي والإله والقائد، وقد شاءت الصدفة أن نكون برهةً عابرةً، في حلقات ذكره وتحت رعايته الروحية الوارفة بالظلال والألوان القزحيّة المترحلة بين المحيطات والبحار..
لم يكن البوذا في تجلّيه إلا هذه الصِلة المفْتَقدة بيننا، وبين الطبيعة في تدفقاتها الأموميّة الأولى قبل أن تمتد إليها يد الغدر والجريمة تحت أوهام شتى وشعارات ضارية تحولت بسببها البشريّة إلى هذا القطيع الكاسر المفصول عن ذاته وعن طبيعته الأولى، سادراً في غياهب العنف، وما يظن انه القادم المشرق والمستقبل.
* * *
لم يكن البوذا، إلا هذا البحث المضني عن التحام الروح الكوني المتشظيّ والممزق في جهات الضغينة والكراهية والأوهام، التي تتخذ غالبا شكل تجريدات ذات بريق يأخذ ويسلب مظهراً، لا جوهراً، إذ تنعدم (الكارما) أو الطريق المؤدي الى أفق على نحو من التناغم والجمال، إذ لا أجازف بكلمة خلاص..
* * *
وليس ما فعله مريدوه (البوذا) لاحقاً، إلا توريطه وإدخاله قسْراً الى تلك الخانات والتجريدات التبشيريّة، التي أحالت ذلك التأمل الفلسفي العميق، الى حزمة نصائح، على نمط الوصفات الطبية، التي تنشد الخلاص بأبسط الطرق وأسهلها!
* * *
لم يكن البوذا الممطر، وهو يضيف خلاصات تأملاته ومكابداته، الى بنيان الفلسفات الهندية والصينية القديمة والإنسانية عامة، إلا ذلك الملدوغ بمأساة الوضع البشري، حين نزل لحظة من علياء ترفه الى الحياة والبشر، وارتطم بهول المشهد وجذوره الضاربة في الكينونة..
* * *
المطر ينزل سخياً غزيراً على بلاد الشرق الأقصى، وعلى المعابد الهاجعة فوق الهضاب والتلال، ووسط الغابات الكثيفة..
تلك المعابد المسكونة بالكثير من الطيور والرهبان بستراتهم الصفراء، وكأنما اللون الأصفر مع عناصر المناخ الروحي الأخرى، يوحي بالإنفلات من ربقة الزمان ودوائره المغلقة.
حين تشعر بالهدوء والسلام وبإمكانيّة الحياة الروحيّة في عالم يغطس في الوحل والظلام.
لكنك تشعر أيضاً أن البوذا، ورفاقه الروحييّن الكبار في آسيا والصين خاصة، يدافعون عن آخر ما تبقى مما اعتبروه يقينيّا وخالداً، على انفراط الأيام والأجيال.