جديد الكاتب

مشاهد بحريّة

 

 
يتلاطمُ الموجُ ويزبدُ

فلا أستطيع كتابةَ حرف

أمامَ هذا المدّ الهائجَ في رأسي.

* * *

يترنحَ الصيادون في الشباكِ

التي بعثرها البحرُ، كما يترنح الشاعر

في أصقاع هواجسه وأشباحِه،

بحثاً عن درّة الخيال اليتيمة.

* * *

جاء الرجال البحريّون..

من بين الضَباب البحريّ انبلجوا

وعلى وجوههم علاماتُ الليالي الموحشة

والنجومُ التي غارتْ

ولا من دليل.

لم يحملوا طوال حياتهم

أحلامَ غزوٍ ولا أسلاب.

أومأوا بتحيّةٍ عابرةٍ

ورحلوا

* * *

كانوا هناك يغنّون

صيادون ونوارس وعقبان بحر

دلافين مضيئة وأسماك قرش

جنيّات يطلقن “تعاويبَ” شجيّةً،

كنّ في الماضي ينحدرن مع الرعاة

على الجبال.

كانوا هناك يغنّون

ألحانهم تحيي رميم صيّادين

في شواطئ مهجورة.

* * *

طائر وحيدُ ­ أنثى البجع على الأغلب ­

وهي تستريح من عناء سفر طويلٍ،

على سفوح الموج، تتلو سورةَ

الجمال على الأفق المتلألئ بالغمام،

لتستأنف الرحلة من جديد.

* * *

مشهد القمر في طلعته الأولى

على أديم البحر

ميلاد مجرةٍ تضيء بحنينها

ضفافَ سماءٍ مجهولة.

زفرة العاشق الأولى

فرح الفلاح بنماء غرْسه

وسط الجفاف.

القمر الولهان في طلعته الأولى،

في أحضانه، تغتسل العناصرُ

والأبعادُ من ضجر أيامها الرتيبة.

* * *

حافية على الرمل

تجرينَ أحصنة لا مرئيّةٍ

من خطامها نحو حقول البحر

البعيدة.

* * *

جميلة في الضوء الخفيف

وفي الظلمة

في الصحو والسُكْرِ

وفي بهو البحر الفسيح

وجميلة بخطواتكِ الناعسةِ

نحو السرير.

* * *

البحر حالةَ هياجه

يقذف كنوزه الخفيّة

أسراره التي لا تنتهي

فيلسوفاً لحظةَ انخطافٍ وجنون

ثور السماء الجامح؛

أما لحظة الجزْر فيشبه رجلاً

على فراش المرض، لكنه يحلم

أو امرأة في دورتها الشهريّة.

* * *

امرأة تستلقي على ظهرها

بين الجبل والبحر

على شاطئ البستان المشمس

بشرتها التي تسمرّ تدريجيّاً

تتعّهدها بالعناية والمراهم

حتى تصل إلى النضج الاستوائيّ.

بشرتها التي ترّبيها

كما ترّبي رغبتها العارمة

نحو العشيق

* * *

على سرير صباحه الثقيل

يصغي إلى سيمفونيّة الموسيقار الأصم

التي ظلّت تصدح طوال الليل

حتى انفجر المحيطُ المتاخمُ

واكتسح المدينة.

* * *

تذكرّ أسلافه الرحّل

جاءتْ الموجة المرتجفةُ بالغضب،

فجرفته إلى أقاصي العالم.

* * *

عاودته إغماءةُ المغيبِ

وطلعةُ القمر الأولى

حتى كاد يسقط على حافّة الموج

مُفعَماً بظلالها السرمديّة.

* * *

حرّكت العاصفة الرمليّةُ

ضجرَ الشواطئ

أهدتها حطامَ سفنٍ

وأحشاء سلطعون

أحلامَ بحارةٍ غرقوا

وآخرين نأتْ بهم المياه

نحو الأعماق

* * *

الموجة في وثبتها نحو الشاطئ

تلثم شفاهَ حبيبٍ لا يُرى

تغرس فرجَها بشوقٍ وحنين

تروي حكاية شهرزاد

المفتوحة على مداراتٍ

تتوالدُ باستمرار

* * *

أصل إلى مشارف النوم

بعد منطقة الأرق بقليل

أرى دِيكةً تتسلّق الأكماتِ

البحريّة لتسقع فوق سلالم من سديم

صداها يطبق الأرجاءَ

بإنداء الليل وأحلامه المعشبة.

* * *

سلاماً على “الصفرد” يا جاري العزيز

شقيق الأرواح والأكمات

على صوتك أصحو

وعلى صوتك ينام البحر

في مساء القرية الكئيب

أتأمل أسرابك المذعورةَ

مندفعةً نحو الشِعاب

الشعاب الأكثر عزلةً بين الجبال

يا نبوءة الظلام

نهارك تقضيه في الصداح والتحديقِ

نحو أفق الزرقة الشاسع

رغم بشرتك الداكنة

على أرضٍ ما أفظعها على الروح

أسمع نداءك المتدفّق

كنبعٍ في صحراء أحلامك

وأرى اناثك

تهرع نحو مياهِ الصوتِ

لتكون لباسك

في هذا الفراغ العتيد.

* * *

على جاري عادته

عبرَ الأزمان

بين مدِّه وانحسار أمواجه

أرى الأرامل والقتلى

يهرعون نحو الشواطئ والهضاب

عويلُهم يلجمُ الأفقَ

ليصلَ كواكبَ لم تصلْها المعرفة

الكواكبُ تبكي من أجلهم

والبشر ينجزون المذبحة

إنهم إخوتي وأصدقائي.

إنها الحربُ في الطرف الأعمق

من جسدي المتطايِــر

بين أحذية الجند.

* * *

جاء القوم، هاربين من مصائرهم

نحو البحر

حين وصلوا

لم ينتظروا كثيراً

لم يطلقوا آهةَ الوصول.

كانت الأساطيلُ

ترعى قطعانها في عرض البحر

كانت الرؤوس تتطاير كالشظايا

كان الدم القاني

يصبغ الزرقةَ ويفيض على الكون

* * *

طائرة تسبح

كسمكة في هباء السحاب

* * *

ينزل المساء على البحر

بعتاده الثقيل

حيث تحتدم السكينةُ والرغبات.

نورسٌ يحلّق على مقرُبة

وشراع يذوبُ في الغروب

مالك الحزين، في ركنه ينتظر الرحمة،

وثمة نازع للجنس أو الانتحار

* * *

هذه السُحب المترحّلة

من بقعة إلى أخرى

لاشك تضمر صحواً

لا حدّ لانفجاراته الشمسيّة

* * *

لسان التمساح

مروحة البحر الجبليّة

بألوانها البيضاء والداكنة

أراها كل يومٍ

وأنا أقطع الشاطئ جيئةً وذهاباً

ترمقني بريبة العارف أنني أفكر فيها:

حين كانت مزهرةً بالمنائر والسفن

وموئلاً للطيور القادمة والبروق

بقيتْ هكذا

شاهدة على انقلاب العصور..

* * *

البيوت التي هجرتها

طفلاً

تعود إليها كهلاً

تصغي في ردهاتها

الى نحيب الآباء والأمهات.

البيوتُ هي نفسها

بصخب أطفالها

بالعناكب والعظايا

تتسلّق جدرانها الطينيّة.

بأزيز حشرات الصيف

ومُنقلب الأودية

بين مجرّات فَنِيتْ

وبقي ضوؤها مترحِّلاً

في السراب

البيوت هي نفسها

والسواحل والقباب.

. . . أنت الوحيد الغائب عنها إلى الأبد.

* * *

صحيانك قبل الفجر

وما زالت الظلمةُ

نهراً متدّفقاً بالأشباح

الظلمة القادمة من الأزل.

يقظة الأرق نافذة للقيامة

الناس نيام

والمتاهة تزداد اتساعاً في الرأس

تنهمر وجوه وذكريات

حيوانات تنزل بمظلاّت من الأفق

وسحَرة يطيرون بكسلٍ في سماء الغرفة.

الوجوه أكثر حدّةً وإلحاحاً

تحيطك من كل الجهات

بإيماءاتها الثكلى

وهذيانها المتكسّر

الوجوه المغبرّة

كأنما قادمة من كهف.

تبحث عن مخرج في لُجَّة هذا الأرق

كمن يبحث عن قشّةٍ

في محيطٍ مضطرب.

* * *

يا لهذا الصباح المبارك

العصافير تغنيّ على شرفتي

وتنقر الحَبَّ من كفِّ الطفلة

التي لم ألدها بعد

امرأتي تصنع القهوة في المطبخ

الطقس يحمل أصداء الربيع

النائي، حيث الفلاّحات

يقطفن الزهور في هولندا.

البحر ساكنُ، على صفحته

تحلم الشعوبُ بالعدالة والسلام.