جديد الكاتب

مزرعة الكراهية

لغة الطفولة ومناخاتها ومفرداتها، ربما هي القادرة على إنقاذ ما تبقى من مستنقع الكراهية الكبير، الذي تتلاطم مياهه وهوامه السوداء، بطوفانات تكاد تغرق العالم وما تبقى من مكتسباته القيميّة والروحيّة.
كأنما الكراهية والحقد والضغينة هي دين العالم الجديد، مهما تعددت الأقنعة والادعاءات، الجامع المشترك لبشرية الكوكب الهرم الذي تفترسه الهواجس والأوهام من كل حدب وصوب، خاصة في المجتمعات التي تشهد نوعا خاصا من تحولات اجتماعية وثقافية، تجعلها أكثر في مرمى عواصف الحقد والضغينة وأوهام التنافس الهمجي المنفلت من عقال أي معيار حضاري وأخلاقي.
كأنما الكائن في هذه الحالة يريد الاستحواذ على كل شيء، مادة وقيماً رمزية، وسلب قرينه أو هكذا يفترض، في المواطنة والإرث والدبيب الروتيني على هذه الأرض المشتركة. تنتفي قيم التسامح والتضامن التلقائية المتوارثة رغم التشدق بعكس ذلك، ويرمى بها في أقرب صندوق للقمامة.
أمام هذا الوعي الإقصائي المدمر في نهاية المطاف، لجميع الأطراف و”الفرقاء”.
أن يتوهم الكائن، أي كائن بأن له الحق في الاستحواذ والنفوذ والهيمنة، من غير خلفيات أو قنوات شرعية تؤهله، من غير معايير يحتكم إليها، ومن غير قدرات، فتلك هي مصيبة المصائب، التي ستقود إلى هاويات وإنهيارات لا حصر لها. الأعمال الدموية والعسكرية واحدة من مظاهرها.
هذا الإحساس، مجرد الإحساس بهذا الحق المتوهم، والذي يقابله إحساس يتطور ويبلغ أقصاه بالظلم والغبن، في شعوره بأن الآخر يبغي سحق أي حيز مستحق له على أرض الواقع والخيال.
تبني هذا الوهم القاتل بين أبناء البلد والمكان الواحد، بداية الانجراف الى الهاوية. تحاول القوانين والدساتير ضبط هذا الاندفاع الهمجي، وتنجح في لجم بعض نزوعه الإستئصالي، لكن المصيبة في تبني هذا الوهم او هذا الوعي نفسه، في تبني هكذا قناعة، في محاولة احتكار الهواء والرزق والرمز، رغم كل الأطر والقنوات التي تحاول تسويق قيم الفضيلة والتسامح وتذكير البشر ليل نهار، بالموت والفناء وعقاب الآخرة. يظل هذا الوعي وتفريعاته علامة الرعب الأكيدة.

* * *

ربما يحاول الفرد أن يهرب من فيضان هذا المستنقع الكوني، المحلي، للبغضاء والكراهية، يحاول الاحتماء بالطبيعة والفن والإرث الروحي ليطفئ نيران ردود الأفعال في أعماقه، التي تولدها مسارات الحياة اليومية، وألا ينجر الى هكذا معارك، وهمية بشعة، لا قيمة لها.، باطل الأباطيل وقبض الريح كما ورد في العهد القديم.
يحاول أن يحتمي بالطفولة وطقوس البراءة التي توشك على الغروب النهائي، أمام هذا الزحف الكاسح.
في تلك البقاع القصية من الذاكرة والخيال، حين كانت الأشياء والكائنات تغتسل بندى الصباحات التي تسقع في حقولها الديكة وتستيقظ الطيور.
حين لم يكن ذلك الفصل القاسي بين الطبيعة والبشر، فكانت الحيوات تتمازج بزهو الطفولة الأولى للزمان.
من يستطيع أن يتذكر “مجنون قريته” ، الذي يتنزه وسط هذيان الجبال، الخالي من كل تلك الأهداف والهواجس العدوانية، يذرع القرية جيئة وذهابا، متمتما بحديث يبدو غامضا “للعقلاء” والمتزنين لأنه يخرق اتزانهم المفتعل، ويقذف عليهم أسئلة الحكمة الحرة والجنون؟
هل هذا النوع من التذكر الماضوي القروي، ضرباً من العودة الرومانسية الى المنابت والجذور؟
ولماذا لا تكون كذلك طالما انها لحظة انعتاق من وطأة الراهن بشخوصه وأكاذيبه وتقنياته المدمرة للأعصاب.