جديد الكاتب

كتاب: حول رجل ينهض من نومه ويتجه نحو الشرفة

 

كتاب: حول رجل ينهض من نومه ويتجه نحو الشرفة

(رسائل في الشوق والفراغ)

 

الإهداء:

إلى بدور الريامي

 

الفهرس

– حول الرجل ينهض من نومه ……
– من أي جراح ينفجر ذلك النداء ….
– كل لحظة جديدة ، كل موت قديم ….
– جدل الأحذية والطرقات ……
– وادي العيـــــون ……
– كرسي في مهب المحيط …….

حولَ رجل ينهض من نومه ويتّجه نحو الشرفة

سلام عليك
أما بعد، فلا شيء يستحق الذكر…
هذه العبارة التي تفرض نفسها علي اللحظة، مقصيةً كل الجمل والعبارات المتدافعة نحو ساحة الورقة البيضاء، ذات الخطوط الخضراء مع خط عمودي أحمر، يقسم الحلبة من الأعلى الى الأسفل، ويتجه بثقة المقاتل نحو لا نهائيّة الفراغ، لا نهائية الشوق.
لا شيء لدينا يستحق الذكر. ربما يأتي الجواب، ولدينا أيضا. بمعنى أن الأمور التي تجري على وتيرتها الحياة، صارت من النوافل والعادات النمطية، فلا تستحق الذكر والتسطير. لكن حتى ولو شملت هذه الأمور والنوافل، مسائل مثيرة ومرعبة كالمذابح والانتحارات الفردية والاجتماعية ( حتى الحيتان صارت تنفق جماعات بما يشبه الانتحار الجماعي ) والزلازل والبراكين!؟،فهذه صارت ايضا من ثوابت العادات ونوافلها.
لا شيء يستحق الذكر، أتذكر هذه العبارة منذ الطفولة البعيدة حين كان الأهل يتبادلون الرسائل المكتوبه، بين القرى والدساكر والمدن البسيطة، بالخط التقليدي المتداول، والقلم والمحبرة.
مسافات ضوئية قطعها العقل البشري في عرينه الحضاري فائضا على الكون بأجمعه، منذ تلك الفترة التي لا تزيد عن الأربعين عاما، لكنها تبدو كقرون بالنسبة لهذا العقل الخلاق والتدميري.
كل تلك المسافات والتطورات والرؤى، وهذه العبارة (لاشيء يستحق الذكر) ما زالت تشكل فحوى الوجود البشري وحقيقته المستترة والمعلنة، لا شيء يستحق الذكر، عدا ذلك الخط الذي يقسم الورقة وينقض من الأعلى نحو لا نهائية الفراغ، لا نهائية الوحدة والشوق.

هذا الصباح لا يختلف عن سابقاته ولياليه, لوعة الفراق وفيض الشوق, صمت مطبق كأنما الوجود الصاخب المحيط أصيب فجأة بصاعقة الخَرَس فغارت أصواته, صراخه ولغطه,
غار الوجود بكامله , أحسست أنني وحيد في صحراء متلاطمة الرمال، والخواء سوَّر الجهات… وثمة شغف ينمو ويكبر بمواجهة هذا الخواء. وجود آخر في الأعماق ينمو ويستطيل على أنقاض وجود يضمحل حتى التلاشي.
اللهفة والأشواق واللوعة، كيانها الذي يلغي ما عداه وتتأثث مرايا هذا الكيان بمخلوقات ورؤى واستيهامات هي عناصره ومقصده ومبتغاه.
ينظر العاشق المتيم بأناه الخاصة التي تحل محل الظواهر الموضوعية, محل الكون المستقر منذ ملايين السنين. هذه الآنا التي تسبح في كونها الأثيري، توغل في تيهها أكثر كلما استبدت بها لواعج الشوق وأسى الفراق. فتحبط أي محاولة لإيقاظها من قبل عناصر الوجود الموضوعي. ولا أقول (الحقيقي) لأن الحقيقة محل خلاف بين الطرفين. أو الأطراف يدعي امتلاكها. وهي ضالة القلق والعاصفة، طريدة الزمان.
الأنا العاشقة لا تروم اليقظة والدهاء والتدبير، عالمها هو هذا الزوغان السديمي في تلك العاطفة والهشاشة والإستلاب. ذات أضحى كل طموحها أن تمحي المسافة بين من تهوى وتحب.

* * *
المسافة كل أنواع المسافة. حلم التوحد و(الحلول) يفضي بها إلى نوع من التوحش , وهي تبحث في دياجير الظلام عن نور الحبيب المفْتَقد وتجسداته التي ما زالت بعيدة وعصية.
تذليل هذا العصيان والوصول , هو القلب من نزوع العاشقة والغاية الأجََل والأسمى.
ما ترك هذه الرسالة ربما تنحى نحو شيء من التجريد , بمثابة تعليق على رسائلك الكثيرة منها تلك التي استُلت من (طوق الحمامة)…
(وأعلم أن للحب حكماً, على النفوس ماضياً, وسلطاناً قاضياً, وأمراً لا يخالف، وحداً لا يعصى، وملكاً لا يتعدى, وطاعة لا تصرف, ونفاذاً لا يرد, وينقض المرر, ويَحُل المبرم، ويحلل الجامد , ويخل الثابت , ويحل الشغاف, ويُحِل الممنوع).
وكما أشرت في الهاتف إلى الرسائل التي أبدعها خيالك الخصب الملتهب بالهوى والفراق,
(….. ربما كان من الأفضل أن تنام بعيدا بأمان
عن حية جائعة مثلي
كنت سألتهمك كقطعة حلوى
أوربما سأتركك تذوب
في دمي
بعد كل قبلةٍ
كمسكِّن قوي في الوريد)
وأشير إلى رسائلك حول فشل الكتابة في تقريب المسافة, وأنه محض وهم , حيث الكلمات لا تصلح حتى كعزاء أمام هول الفراق ومكابدة الأشواق.

* * *
نعم, أنا مشتاقٌ إليكِ , كما لم أعرف الشوق من قبل , كما لم أعرف الفراق والحنين, أنا الذي خبر تلك اللحظات التي قُدَّت من جسد الجحيم, والتي هي قدر حياتنا وحبنا…
مشتاق إليك , أتخيلكِ في نومك وصحوك, في حركتك المتوترة, وأنت تفكرين في أعمال تلح على ذاكرتك وخيالك, أو تمارسين شأنا اجتماعيا ما.. فلست المنعّمة مثل امرأة ابن أبي ربيعة, التي (ليستْ لشيء آخر الليل تسهرُ) على عكسها أنت ربيبة الأرق الليلي والقلق المضيء.
وغالبا ما استحضرك بين تلك الجبال العاتية وينتابني خوف من تلاشيك في ذلك السديم الأكثر غرابة وبطشاً من جميع طبائع الكون.
أخاف كثيرا , الخوف والشوق إلى حياة لا يتخللها الكثير من الفراق كما هو الحال. هل يمكن أن أقول , حياة مستقرة؟ حتى ولو كانت مترحلة. الترحل معك استقرار والإقامة من غيرك رحيل في قسوة العالم المتمادي في أنانيته البليدة ورعبه. لا يهم إن كنت على الأرض أو محلقا في الأثير, او في سفينة تمخر عباب المحيطات , كما كنت تحلمين أن نطوف العالم في رحلة بحرية , حيث الشرق الآسيوي الأقصى يكون منطلق هذه الرحلة…
قرصانة الخيال
تحلمين بالممكن والمستحيل
قُبلاتك الأكثر نشوة من أفراح إله وثني
أو قصيدةٍ تنزل كسرب يمام
على شرفة الشاعر في ندى ذلك الصباح الغائم
قبلاتكِ التي لا تقول إلا صمت الشاطئ وهسيس موج يغمر البسيطةَ
بحنان متوتّر من فرط ما غمرته الأعماقُ برهافتها البعيدة
قُبلاتُ الملاك العصي
وقد استسلم إلى قدر الحب.

* * *
أشتاق إليك حين أكون وحيدا وأشتاق أكثر حين أكون مع آخرين، لأني في تلك اللحظة أحس بتيه اكبر فاستحضر غيمة الصحراء , ألوذ بنجمة المساء , وجهك الأكثر إشراقاً عبر المسافة والفراغ.
اجلس اللحظة على طاولة الكتابة. لا شيء يشغلني عدا حلم اللقاء والحضور المحتدم الذي يحاول أن يخفف من سطوة الغياب , ذلك الحيوان الذي يفترس التلاقي ويقضُ مضجع العاشقين…
حضورك الذي يغمر المكان كديمة عاصفة تنهمر على أرجاء هذه المدينة الهرمة, فيمنعني من السرحان في حيواتٍ وذكريات تصَّرم عهدها وانقضت…
أتذكر تلك الطائفة الهندية الغامضة التي تنكر الماضي بصرامة وإطلاق!
كأنما أرى المكان لأول مرة , أتقمص نظرتك ومشاعرك أراه بعين روحك التي اخترقت كيان المكان فطوحت به إلى البعيد البعيد.

* * *
قرصانة الخيال
وعْلَةُ الصدفة
تجوبين القفار الموحشة
بحثا عن قصيدة مستحيلة
قبلة الأثير الصافية
تحدّقين في ذلك الفراغ الشاسع الذي قدسه (الطاويون)
وجعلوا منه جذر الوجود الذي ليس إلا حوارا متصلا ومهيبا مع هذا الفراغ الأزلي.

* * *
وماذا نفعل بذلك الفراغ في البلاد البعيدة, الفراغ الذي نتعثر بصخوره المسننة كل صباح ونرتطم بجباله وهاوياته في كل مساء, في النوم واليقظة, وحتى حين نكون في المطاعم الأنيقة ذات الطُرز الأوروبية والآسيوية، بين الكتل الخرسانية الضخمة, نراه يتدفق غزيرا يحمل معه طَميَ الرمال والأزمنة…
تلك الكتل التي شكلّت المدن السريعة العطب والزوال, على أنقاض الفيافي الشاسعة والسهوب التي يجول فيها البصر بهيجا نَظِرا ويسرح فيها الرعاة, والقطعان تحمل الفجر على قرون الأكباش.
فجر اليعاسيب والديكة، المحلِّق مع أرواح الغائبين والنجوم.
تذكرين أيتها العزيزة تلك العبوديات التي بَنَت هذه المدن على هذا النحو من الفضاعة وهي تكدح ليل نهار في العطل والإجازات, في الرياح اللاهبة والأمطار العاصفة.. السماسرة في تلك البلدان لا تسري عليهم القوانين والأعراف من أي نوع وجنس..
تلك المدن الخانقة لأية نسمة جمال انسانية والتي تحجب وراء ديكورها الباذخ أسوأ أنواع البؤس والذل والانكسار.
ثمة عبوديات في التاريخ بَنَت المدن البديعة والآثار الخالدة. يبدو ان زمنها قد ولى حيث انقلب السياق وفار التنوّر الجهنمي في ابهى الحلل والانقضاضات..
كنت أكتب لك عن أنواع الفراغ الممتلئ برموزه وانبلاجاته الروحية, مسرح تأمل واستبطان عميق , والفراغ الممتلئ بقسوته وخوائه…
هل ثمة فرق جوهري بين دوائر الفراغ الهائلة؟
ألا يقذف الفراغ الممتلئ صاحبه الى قسوة الفراغ الفارغ إلا من خوائه وعَدمه القاسي؟
إذ ليس وراء ستارة المسرح إلا الخواء كما عبّر كازنتزاكي.
وأيضا ألا نقف أمام بطل قصة توماس مان «موت في البندقية» حين تحاصره لا محدودية المياه التي توحي له بالأبدية, ويتساءل: أليس العَدَم نوعا من أنواع الكمال؟.
على كل أيتها العزيزة هذا النوع من الأسئلة والجدل لا تتوسله هذه الرسائل التي لا ترمي إلا إلى تلطيف وجود صعب بغيابك ومحاولة تقبله المؤقت..
في الطفولة البعيدة كنا نصعد الجبال العالية , وحين نستوي على ذروة الجبل, نرى القمم المتناسلة في فراغها اللانهائي, يرتسم في الوعي الطفلي ما يشبه الإدراك ,. أن الله بعيد جدا, أبعد من الإدراك والوعي وأن تلك الأجنحة المتلألئة في ذلك الأفق المتلاطم, ليست الا أجنحة ملائكة تائهة في الفراغ..
الآن لا نستطيع الصعود الى ذلك الجبل الأسطوري الذي يطوق أرخبيل النخيل من الجهات الأربع, ويرمي مرساته في محيط الفراغ الهائج.
الجبل الذي أضحى من غير طيور ومن غير ذلك النبات الموسمي الأخضر الذي يزين خواصره. صار لوحة تجريدية للقسوة والسقوط, صرنا نصعد قمم السهول والمدن والمستنقعات, نحاور فراغها الآسن. أو بالأحرى نغطس في سُحُبه المتلبدة في العفن والنتانة..
لقد اختفت القمم وسكانها الأصليون , واختفت معها الروائح والغيوم وطلعة الصباح.

* * *
أمامي كوب شاي أحمر. من على الطاولة أحدق بفضاء الصالة. قناع أفريقي مستطيل. صقر خشبي في حالة تحليق، وبجواره فيل يبدو مسترخيا وسط بحيرات قائظة. وما أظنه زهرة بساقها الطويل ليست سوى عصفور ملون يقبع هناك بجوار التلفزيون, يتراءى لي أوقات التأمل والزوغان زهرة متفتحة في صباحها الخاص, الذي هو يقينا ليس صباح العالم الدموي. صباح عصفور يتراءى في عيون نصف مغمضة, أنه زهرة تمد يدها لتتشابك مع أيدي زهور في حقول بلدان أخرى…
وكانت (أكنس) بطلة الخلود لميلان كونديرا, تحمل زهرة وتجري وسط الحشود باذلةً أقصى جهد لحمايتها من قذارة العالم وكأنما هي التميمة التي تقيها التحطم والسقوط. رمز نقاء العالم إن صحت العبارة.

* * *
الضوضاء والصخب في كل زاوية ومكان.. الضوضاء تحتل المُدن والقرى، تحتل الصالة وغرفة النوم وخلوة الحمّام التي يلوذ بها الكائن بعد نوم مؤرق ثقيل، يقرا كتاباً، أو يحدق في السقف مفكراً في ظهوره الصباحيّ الكئيب الى عمله والعالم.
الضوضاء والصخب إبادة للحواس، إبادة للحياة، لم تعد تقتصر على أماكن بعينها، يتجنبها من ينشد الهدوء، صارت موجودة في كل الأماكن كواقع واحتمال.. ولم تعد مقصورة على المدن المكتظّة بسكانها، صارت ربما أكثر فتكا في مدن لا تتصف بهذه الصفة ، حيث الفراغ تكتسحه الضوضاء، تسحقه تماماً أو يظل هاجسها التدميري يقض مضجع الهاربين منها.
يتضح الفرق أيضاً بين مدن البلدان المتحضرة والمدنيّة بالمعنى الصحيح، تلك التي بتخطيطها وهندستها وقوانينها وتشريعاتها تجعل من الأماكن الهادئة واحات للرويّة والاستجمام في قلب المدن الكبرى ، على ضراوتها، والتي هي المصدر الأساس لصناعة الحياة والموت.
تجلس في شقتك، تحاول الا تبالي بالأصوات والضوضاء القادمة مع الساكنين عبر المصاعد والسلالم والجيران، تحاول أن تحتمل ذلك وتركز على شيء يبعدك عن التفكير في ضوضائهم، لكن ماذا تعمل في ذلك (الدق والحطيم)، الذي يأتي بقوة وعنف من عمائر قيد البناء.. ففي هذا الفضاء الفارغ، تقوى أصوات الهدم والبناء ليس بالمعنى الجمالي الأدبي بالطبع وإنما نقيضه تماماً، وتتسلط وتهيمن، حتى لا تجد ملاذاً للهرب منها، رغم الزجاج المضاد للصوت والأزيز.
تقلص حصّة، وجودك الضرورية، في المنزل الذي يفترض انه منزلك، وتذهب الى البحر، تتمشى على الشاطئ الهادئ إلا من صخب محتمل من لاعبي كرة القدم بفانيلاتهم، التي تحمل غالباً أسماء نجوم عالميين، أكثر شهرة في هذا المجال الرياضي.
تركز سارحاً في صخرة ضخمة مرّت عليها الآزال وهي وسط هذا الموج العاتي وسط هذه الرياح والفراغ..
تنظر أيضاً الى طيور قليلة تتنزه فرادى قريبا من الماء، طيور اللقلق وما يشبهها، وطيور قليلة من نوع النوارس والبجع المهاجر تحلق أو تعبر الفضاء.
على هذه الحال حتى يأتي زحف الضوضاء الكاسر من قبل مراهقي الموتوسيكلات الرمليّة ، التي يكفي ضجيجها لتدمير مدينة وتشريد سكانها.
يأخذ الضجيج كل (تحويشتك) من الهدوء وأحلام اليقظة والطمأنينة، وتفكر. في ماذا تستطيع أن تفكر؟ عدا استسلامك للمصير والقدر، اذ ينسّد الأفق أمامك وتنعدم وسائل الهرب.
تهم بالعودة الى شقتك، تمني النفس بسويعات من الليل تكون خالية من هذا الضجيج وهذه الضوضاء التي تهرس الروح والعظام..
ربما في طريقك تنبثق كاشراقة، تلك البراري الوحشيّة التي لا يُسمع فيها إلا صوت الطبيعة وتدفقّ النبع في الفراغ.
على الأقل ما زلت تستطيع استدعاء ذلك ، تستطيع قراءته في الأطالس والخيال.
* * *
بالأمس يا عزيزتي كتبت لك لقطةً حول الضوضاء والضجيج الذي يلاحق الكائن من شاطئ البحر الهادئ الجميل حتى سرير النوم والمكتب الذي أرى منه تلك القطعان الضارية من الديناصورات الحديدية وهي تفترس بمزيج من الجوع والعدوانية صخور الجبال الصلدة المتآخية قبل عبور الانسان على هذه الأرض.
يخيل إلي , أن تلك الشراسة وذلك الجوع الافتراسي للآلة المتلذذة حتى الشَبَق بعملها الذي هو في جوهره عمل انتقامي من شواهد الأزل التي هي وحدها , يمكن القول , أنها تلامس أسطورة الخلود أو تسكنها.
على عكس الإنسان وآلته أو الآلة وانسانها, وفق مؤشرات البرهة الراهنة لحداثات البشر , وما يتلوها.. اذ ان الإنسان في هذا العبور السريع على ارض الأزل، يريد أن يُلحق اكبر الأذى بها, بالطبيعة الخالقة…
انتقاما منها وثأرا للنقيض الجوهري الملازم لطبيعة الكائنات , من انسان وبعوض, من زواحف وحشرات.
لكن أيتها العزيزة ما يدعو للانتباه اكثر هو أن الأصوات الضاجة أكثر تدميراً وفتكاً في محيطات الفراغ بمعناه الخارجي.
ذلك ربما بداهة علمية , لكن ليس من غير دلالة تستحق التأمل والانتباه. على الأقل اننا في هذا التأمل نبتعد قليلا عن سطوتها المطلقة..
حتى الأصوات التي هي اقل ضجيجا وإزعاجاً والتي تبدو في الأماكن والمدن المتدفقة بالحياة والحركة , ناعمة او غير جاذبة للانتباه، تتبدى في صحراء الفراغ ضاجة وصاخبة..
اتذكر في الأزمنة المنقضية، حين لم تكن في البلاد كلها إلا بضع سيارات تعد على أصابع اليد. كنا في تلك القرى المتاخمة لمعسكرات الغيب على حواف الأودية والجبال , نرى من مسافة عشرات الكيلومترات, يغمرنا زحف الأصوات للسيارة القادمة بحمولتها الثقيلة من المتاع والبشر, قبل ان تشرق اضواؤها ويستحيل المكان الشاسع إلى حَلَبة اضواء وأصوات ضاجة , ليس لها من مصدر عدا تلك السيارة الوحيدة التي تقطع البراري الموحشة في اعماق الليالي.

* * *
ولنا أن نتخيل في تلك اللحظة عائلات الذئاب والضباع وبنات آوى , في شغاف الجبال المحيطة , والطيور في وكَنَاتها الليلة وهي مغزوة بهذا الضجيج الاستثنائي لحياة ما تفتأ نائمةً في ضفاف الأبد..
هل تناسلتْ تلك السيارة بأضوائها وحنينها – كانت وحيدة ومستوحشة – لتستحيل إلى هذا البركان العرِم من الضجيج والحطام ورغبة الافتراس الكاسر لكل الحدود والمسافات؟.

* * *
تقولين:
الفراغ سيسحقنا
إذا لم نكسر تطاول هامته بقبلة
القبلة علامة الطريق
بواّبة الرحلة نحو الأعماق
الزهرة تمتص رحيقَ الصباح
والنسر يرتشف لعابَ القمم
قبلة الوديان التي تغمر الأرض اليباب
برأفتها الحانية…

* * *
تجوبين قفار روحي
غيمةً
تحدرت من ذروة سامقة
أجلس على الطاولة
استمع الى الموسيقى
أراك تعجنين الشواطئَ والعواطفَ, المدن والاسطبلات, تعجنين الجبال والكهوفَ التي تتطاير منها طيور من غبار
تمزجين العناصر وقودا للوحتك القادمة.
أيتها المزدانة بأعياد الشِعاب
والمروج
ضياعك في اللوحة
بصيرةٌ ثاقبة
ومخلوقاتك المدمرَّة تتساقط جرذانا مسمومةً
في مستنقع سحيق
لا تأخذك الرحمةُ بها
فالغروبُ الكاسر
أجملُ عيدٍ للمحيطات…

* * *
أصحو من نومي
افتح زرَّ الموسيقى
الغَبَش مازال يحجب الرؤية
لكن خيوطَ البرق تخبط النافذةَ
وتتسلل إلى الستائر الزرقاء
أتعثر في خطوات مرتبكة
افتح التلفون
اقرأ رسالتك الأولى

* * *
( لم يتبق من القُبل سوى
أثر الشوك البري على
بشرتها المتعطشة لقبلاته
مطر الصحراء يفجر أشواق الزهر
دون أن يرويها قط)

* * *
كيف للسماء أن تروي هذه الرغبة المدلهمة،
هذا الظمأ العاصف
هذه الرعود التي تهمهم على رؤوس
الجبال
وحدها الروح تتجول جريحةً
بين الأنفاق
وحدها الخراف تتسلَّق الكثبانَ
منحدرةً نحو سفحها العميق
حيث أشجار الأثل
تحرّكها ريح خفيفةٌ
وحشائش خلّفها مطر الخريف
أترنح تحت وابل الحطام لهذه المدينة
التي سفَحَنا فيها دهرا من دموعنا
وأتذكرك
في حيواتٍ سابقة
كنت تقطفين وردَ الحديقة
تبعثرين أسراب الطيور
ديك الشهوة (يسقع) قرب قدميك الحافيتين
ويختلط مع صفير قطار عابر
أمام العمارة
التي أضحتْ أبراجاً هائلةً
كحرس مدجّج في الجحيم…
تقولين , سنهرب إلى جزيرة بعيدة
جزيرة صُنعت من أحلام ملاك
أو مخيِّلة بحَّار
استنشق رائحة ابطيك مبحرا نحو جزائر الحلم
في الركن الآسيوي
أو بحر إيجة
حيث دماء البوذا
تختلط مع رفات الإغريق
أولئك الذين جعلوا الحياة
على مرمى حجرٍ
من سعادةٍ ناقصة…
استنشق الرائحةَ
مبحرا نحو الجُزُر
التي مر بها ذات زمن
أحمد ابن ماجد
الملقب (بأسد البحار)
ربما لوّح على قراصنة وملوك عابرين
من غير أن تميلَ نظرتُه عن أعشاش النجوم , في غدران سماءٍ قانية بدم المغيب
السماء التي بحث في أرجائها عن برج الميزان المتدلِّي باحتمالاته وعناقيدِه.

* * *
نعم أنا مشتاق إليكِ
حين المساء يمد يده المثْقَلة
بالأساور والدماء
حين القَتَلة والسماسرة يتجولون
طلقاءَ
كعشّاق مرِحين
حين الكآبة ترخي سدولَها
كخوف النابغة
أو ليل امرؤ القيس
والبشر البؤساء يأوون إلى قبور مليئةٍ بروث البغال.
أشتاق إليكِ
أغالب فيكِ الشوقَ المتراكمَ منذ بدء الخليقة الأولى على هذه الأرض
المترملة منذ :
كهوف القدماء حتى
ناطحات السحاب…
أرى الحمير تجرجر أحمالها الثقيلةَ
نحو القرية
حالمةً بقيلولة الظهيرة
أرى القطارات تستنفر عويلَها
نحو المحطة الأخيرة.

* * *
آراكِ هناك
في المحطة , تتلفتين غريبةً بين غرباء, تنتظرين بزوغ القطار من أحشاء المسافة التي اصطبغت بلون الصفير المترّحلِ
والنباح.
بخطوات مرتبكة وثقيلة أمشي من السرير إلى نافذة الصالة وكأنما أميال أقطعها في الزمان المتجمد كصخرة قابيل وقد كبرت مع الأيام.
يأتيني صوتك , تغور الصخرة في شعابها السحيقة , فأمشي خفيفا مرحا كطائر استبدت به نشوة العاصفة, بعيدا عن السرب فضاع في حقولها , حقول صوتكِ الفسيحة…
قرصانة الخيال
وعلة الصدفة
استلم رسالتك هذا الصباح
الذي يميل به الطقس نحو برودة زاحفة , وغيوم التلوث تحتل الفضاء والمكان
(الرسائل كبسولات المنفى المهدئة,
إذ المسافة أبعد مما تبدو
على الخارطة
والانتظار صدأ يعلو
تضاريس المكان
فراغك , لا شيء يكسره….)

* * *
ألبس معطفي الشتوي السميك متجها نحو الشارع , يحدوني أمل تنفيذ رغبة الأمس المؤجلة, في الذهاب إلى منزل صديقة لتعزيتها في موت أبيها الذي كان من علامات برهته الفارقة.
أمسك بالفكرة جيدا , كي لا تضيع مني، لكنها ستضيع في آخر المطاف.
وأنا أمشي في شوارع الحي الفرعية المتلاطمة هي الأخرى, وإن بشكل اقل, في البشر والعربات, إذ لا أجرؤ بالمضي إلى الشوارع الرئيسية المروعة.
أمشي وأفكر , أن الذين طواهم الموت والغياب في هذا العام من هذه المدينة كثيرون , أولئك الذين نعرفهم فقط من الوسط الذي نعيش ضمنه, ومعظمهم مازال في مطلع العمر ومنتصف الأحلام.
هكذا يرحل الأصدقاء والمعارف تباعا , لا نعرف من المصاب بنبلة القدر في اللحظة القادمة , من تختار لصحبتها إلى العالم الذي لا يعود منه أحد؟.

* * *
وعْلَة الصدفة
نبلة القدر
* * *
بينما أمشي في بؤرة الشوارع المتفرعة من بعضها , كما تتفرع الشرايين والأوردة, وتتشابك ,
حاملةً في معظمها أسماءَ رموز دينية وأماكن مقدسة, غرقتُ في محرقة الهواجس والأفكار, وضاعت مني فكرة العزاء والدخول في السرادق التي تجسدت أمامي سلفا…
رأيتني أمضي معك نحوها , وتفترق يدانا بحنان , حيث تذهبين الى مكان وأنا الى آخر.. نستمع إلى صوت المقرئ صاعدا بتراتيله الشجية نحو سموات العُلى والنعمة والملاذ.
بعد ذلك نلتقي من جديد (هل افترقنا؟) ونودع البشر المتشحين بالسواد عبر إيمائة شبحية حزينة. وهكذا تتبدين لي في ضوء الأحزان والملِّمات , أكثر ألقا وجمالا ,وتتبدى سرادق العزاء مناسبة غرامية مبهجة.

* * *
أشرب كوبا من القهوة الماليزية, بعد أن أرهقني الشاي والقهوة المركزة, تحضر الجزيرة الاستوائية بكامل بهائها البحري الجميل.
الموسيقى تشتعل بالردهة الخالية. تؤثث الخلاء بمخلوقات وأرواح لا مرئية كأنما غيابها يشي بذلك الحضور الساطع , مثل غيابك تماما, في ذلك الخلاء الصحراوي الفاغر شدقيه على القيامة..
في المدينة الكبيرة، الفراغ, الذي هو أحد تجليات الزمن , أو هو الزمن نفسه, يحتل ببطشه حيزات الوجود المتاح , ولا تكسره إلا مؤقتا حيلُنا في القراءة والكتابة ولقاء من نحب, رغم التباس الكلمة الأخيرة , كونها اصبحت مهدَّدة بكامل العتمة والتلاشي.
الفراغ المديني يمتد بظلال مساءاته وصباحاته الكبيرة المتاخمة هي الأخرى لمشهد القيامة..
ما الفرق بين ذلك الفراغ الصحراوي المشوب بزرقة بحر بعيدة
وبين فراغ المدينة هذا؟
فراغات وغيابات هي من الوجود في قلبه وصيرورته وان تعددت التسميات التي تحاول الهروب من منطق هذه الحتمية الجامعة المانعة.

* * *
عيناكِ
عبر المسافة (عينا جؤذر في خميلة)
يمدان يدَ العون
للطائر العالقِ
في ربقة المضيق

* * *
الصباح بدأت علاماته الأولى, من خلال الفسحة التي تعقب صوت المؤذن, تتبعه أصوات طيور متفرقة , يتضح من بينها أكثر، هديل يمام , و(شحيج) حمار في البعيد , يصل شاحبا حدَّ التلاشي في البقعة التي يختلط فيها الريف بالمدينة والحيوان بالإنسان , أتقلب في فراشي بلذة الكسل وجمال البطالة , أشط في خيالاتي وأحلامي التي لا تتحقق.
ربما في هذه المنطقة الضبابية يسكن جمالٌ يستمد فرادته من نظار الأسطورة المتجدد.
التحقق الواقعي يرتطم بالحائط المسدود أمام هذا البهاء الحلمي الذي لا ينفذ.
هل الواقع يحمل بذرة فنائه حال تجسده , بينما الشعر والأحلام مفتوحان على افق اخر, يفلت باستمرار من أسر المعايير والمواصفات..
لكن ايتها العزيزة تشكلين ذلك المزيج من الواقعي والحلمي, سحر المياة المتدفقة للنبع الجبلي، خيال مجنح يحمل حديقته الملأى بالورود والعصافير.
البحر غير بعيد
ذئاب ناعسة
وثعالب تتمرغ على فرو الأثير ,
على شواطئه
يتنزهن الفتياتُ
بأحصنةٍ
من موج دافقٍ ونشيد

* * *
أذهب الى الشرفة الخالية من أصص الزهور ومن أي شيء عدا حبال الغسيل المتدلية كغربان ترفرف مشنوقة في الفضاء الكابي…
( اعترف الليلة
بأني لا أجيد لعبة الشوق مطلقا,
ولكني اعترف ايضا
بأن لا شيء يبعث نشوة النصر فيها
كالهزيمة…
هزمتني يا قلب
فرفقا بالغنائم)
لا اعرف لماذا امام هذا المشهد الأجمل ربما في سياق البوح العاطفي, بقيت في الشرفة أحدق في الغربان المشنوقة , وهي تطير في فضائها, وسنونوات تعبر الأفق تخيلتها نسورا كاسرة.
وكانت رغبة الانتحار تنقر الرأس كمطر الربيع..
مرة أخرى، هل الجمال والرغبة والأحلام حين تنجز تحققها أو شذرة منه، تندفع نحو النقيض, نحو المحو والاضمحلال؟.

* * *
بعد قراءتي رسالتك, التي على جاري الرسائل السابقة , تأتي في الليل الموغل في هذيانه , فكأنما هذا السفر الليلي للرسائل المفْعَمة بنظارة الشعر وإشراق العاطفة , تترّحل عبر أرخبيلات نومي. رسائل حلمية صِيغتْ من تربة الأحلام نفسها , مادة الأثير والجنون الآسر الذي لا يقف عند حواجز الوعي ونقاط تفتيش الحدود..
فتكون لي (الرسائل) هدية صباح تزيح ثقل الكوابيس المتراكمة وتجلو سحائب الغبار. وابدأ اليوم بما يشبه الوعد والأمل.

* * *
الصياد في أعماق البحار , تمزقت شباكه جراء العاصفة التي هدأ أوارها , فهاهو يجدف على صطح مياه زرقاء هادئة.
هل سيصل الصياد سالما إلى قريته الهاجعة تحت أضلاع تلك الجبال ؟
ربما القرية نفسها, التي كنا نتحدث عنها ونسبح قريبا منها…
وتذكرين ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه , ووجدنا البحر يشبه أشلاء ذبيحة أسطورية على سفح إلهٍ غامض.
كانت مياهه تصطبغ بالحمرة والصفرة الكامدة المنتنة. كان مريضا حد الاحتضار, لولا ذلك العناق المتوحد على الرمل والحصى , لمرضنا معه وتهاوت أجسادنا من فداحة المشهد الذي علقتِ عليه بغضب:
لماذا لا تثأثر البحار والمحيطات لكرامة وجودها النقي , وتكتسح الأرض التي لم تعد ربما مع بشرها صالحة للاستمرار؟ لماذا لا تحيلها قاعاً صفصفاً ويباباً؟

* * *
الصياد مازال يجدِّف. هل سيصل إلى هدفه المنشود؟ ذلك مالا نعرفه. لكن الصباح رائقا والبحر على وتيرة من هدوء وجمال…
(لطالما كرهت الوحدة
لن أرسمك وحيدا بعد الآن
سأحشرك وسط البياض
وستبقى مشدوها
كيف وسوست للأبيض البتول
قتل الفراغ
بهذه الوحشية؟)

* * *
يذهب خيالي للحظة , بما أن الخيال (مصنوع من الذاكرة والنسيان) إلى لوحة (ماجريت) «رجل يتأمل الجنون» أي جنون يتأمل ذلك الرجل ؟
جنون العالم أم جنونه الواقع تحت سطوته وهذيانه؟.
لا أتذكر إن كان الفراغ الذي يحدق فيه ذلك الرجل, فراغاً أبيض أم بلون أبيض. فراغاً, فضاء فارغاً, سطوحا فارغة بألوان الجنون. هل للجنون لون بعينه مثل تلك الألوان التي يبصرها العميان خاصة, هل تختزن تلك السطوح قرارات وأعماقا , عدا الموت والعدم؟.
الفنان البلجيكي الذي قضت أمه جنونا وانتحارا, وضع رَجُلَه في زوبعة ذلك الهذيان السرابي الغائم.
الصياد يتأمل القارب والبحر.
رجل ماجريت يتأمل الجنون.
وأنا أتأمل وجهك, ينبلج من بين دوائر الضباب المتراكم هذا الصباح.
* * *

ويمكن تأمل رجل (تابوكي) الذي يجسّد فكرة عضويّة تحتل شغاف الكاتب وهواجسه.
“الرجل الموجود على غلاف كتاب تابوكي واقف على عكازين حديدين على أطراف أصابعه ، ويظن أنه وصل إلى مُبتغاه ، وهو يرى اللانهاية ”
في واقع الحال ربما ، والزمن الإعصاريّ المتناسل ، لا يرى إلا الفراغ ، دوائر الفراغ المتطاول دوماً ، إلى النهايات التي هرب منها الرجل ، وهو يحلّق في ذلك الفضاء الافتراضيّ ، حالماً يتجاوز النهاية والمحدوديّة باتجاه اللانهائي السعيد ، لكنه المضجْر والرتيب..
ذلك الفراغ المهوّم المحتدم ، وذلك الزمن الذي يجعل النهايات تتطاول تتمدد بقسوة مائعة سيّالة ، حتى لتوهم بتحقق الحلم العصيّ المنال ، الذي يحلم به ذلك الكائن الضائع بين أمواج الوقائع والأحلام والمتاهات حتى لو وصل (حلمياً) إلى سُكنى اللانهاية والمطلق البعيد!!
نتذكر فيلم سلف تابوكي ومواطنه “فريدريكو فلليني” (ثمانية ونصف) حيث البداية التي نشاهد فيها “بطل” الفيلم يحاول التحليق في الفضاء اللامحدود . وثمة من يشده إلى الأرض البشرية الصلبة ، إلى المناطق السفليّة، في مواجهة حلم العلوِّ والطيران، نحو البعيد الذي يبوء بالفشل ، إن صحت الكلمة ، والإنكسار ..

***
من أي جـراحٍ ينفجرُ
ذلك النداءُ الممزّقُ للحيوان

تتسرب من الراديو الذي نسيته مفتوحا، أغنية اختارتها الصدفة بأن تكون. إنها ليست أغنية، بل حريق أشواق وحنيناً لاهباً. أظل أسمعها، أو بالأحرى اتقلب على فراش عذاباتها وهجرها بلذة تشبه استمراء نكء جراح غائرة واستبطانها حتى الألم المبرح. صوت، كلمات، ألحان، تندفع أمواجها الى الطرف الأقصى من جروف الأشواق. تقطر دما وفراقا نوعيا. إنه ليس كأي فراق عرفه البشر، فراق العشاق الذين عذبهم الزمان ولوّحت جلودهم شمسُ الفاجعة…
لم تكن سيدة الغناء العربي والتي نسميها على سبيل الفكاهة وحش الغناء، لهيمنتها المطلقة على كامل عناصر المشهد. واذا تجاوزنا الدعابة فلا ضير في كلمة الوحش، فهي بجانب عبقريتها الغنائية، وحش حنين ووَجْد وأشواق تندفع بهذه المكونات الى مستوى متطرف مثل وحش جريح.
وحشة واستيحاش ورغبة التوحد بالمعشوق حد الافتراس،المعشوق الملفع دائما بهالة الغياب..
اذا استحضرنا حنين الوحش، أنثى الدب في ليل الاسكيمو، أو عواء الذئب في حلكة الربع الخالي.
من أي جراح مفتوحة ينفجر ذلك النداء الممزق للحيوان؟.
لم تكن سيدة الغناء أو وحشه، وفق الرؤية التي تعنى بسيرتها، متطرفة في حبها وأشواقها، كانت ممسكة بخيوط اللعبة كأي مستبد يراوغ ضعفه بهيبة جلبتها سلطة الشهرة. كانت متطرفة على مسرح الأغنية حيث تمارس سلطتها القوية وحضورها..
ماجعلني أكتب هذه الأسطر، ليست الأغنية فحسب والتي سمعتها مئات المرات (ربما هذه المرة في ضوء الشموع التي تحبين موجها الخافت) إنما الرسالة الأخيرة
(رغم أني أؤمن باللاعنف
في حل المشاكل
إلا أن رغبة عارمة
تتملكني لخلع أزرار
هاتفك البغيضة
من محجرها
واحدة تلو أخرى…
وسأحكي لك بعدها
مالذي يفعله الشوق
بامرأة متطرفة)
الرغبة الضمنية المستترة بداهة وراء أزرار التلفون المسكينة، هي خلع العيون من محجرها ( لا خير في الحب إن أبقى على مهجِ) كما يعبر ابن الفارض..
اندفاع الأشواق وعنفها، حتى ولو تلبست شكل الرقة والتوسل والخضوع. بعض القصائد التي وصفها مؤرخو الأدب بالغزلية، وهي تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث البعد الوجودي العميق في لب صنيعها… تفصح عن ذلك بوضوح، قصيدة أبو صخر الهذلي على سبيل المثال ومتن عريض يحتل تاريخ الشعر والأدب..
في نفس السياق وبكيفيات مختلفة، تندرج إبداعات المتصوفة من كل المذاهب والأديان، المشارب والأمكنة. ذلك الشطح الجانح نحو التوحد والحلول. ذلك الرحيل المضني نحو الانحلال في (المنطقة العليا) أو أصلها البوذي البعيد (النيرفانا) التي يمكن أن تكون المعشوق بكل تجلياته، حيث تسكن روح الانسجام المطلق كبحيرة صافية وسط تجاذب محيطات هائجة.

* * *

دثّريني يا حبيبتي
إنني أرتجف شوقا وبردا
أرتجف من رؤية المسافة البرزخية
بين جبلين
تتكوّم بينهما السلاسل والأشلاء
دثريني
ألقميني حلمة نهديك
لأمتص حليب الأعماق
لأرتشف رحيق الوردة
اغرقيني في مياه
خلجانك المالحة
شهيدَ الرغبة الحنون
أنا الذي تشرد في تخوم البلاد والقارات
أوصل الليالي بنهاراتها
سنينَ ضوئية
من غير بيت ولا دليل
لاهثا فوق جسور من جثث وانهيارات
أنا الذي
خبر البلاد
بمرارة المهزومين
في معركة الأحلام
لم تعد لي طاقة الصبر والانتظار
غادرتني إرادة المحارب
في منازلة المسافة والغياب
دثريني يا حبي
واغرقيني
في أغوارك الطحلبية.

* * *

يبدو أنني لا أستطيع الوفاء بميثاق الكتابة لك، كل صباح على ذلك النحو من الاستمرار، مزاجي معكر جراء سهرة البارحة الهذيانية مع أصدقاء قدموا، من أكثر من مطرح ومكان من هذا العالم. هذا النوع من السهرات ربما يؤدي وظيفة الإفراغ المتعوي السريع، حيث تحتدم الأحاديث والذكريات والنميمة. مركب من غير اشرعة، تدفعه الريح في كل الاتجاهات حتى يتلاشى في المهب العاصف. ولا يتبقى غير مرارة في الحلق ونتائج فاجعية في الجسد والروح. مع مرور الزمن يفقد الواحد منا الاندفاع لمثل هذه الجلسات التفريغية احيانا، يميل اكثر إلى الهدوء والتركيز في البعد عن الصخب الجماعي، حتى ولو في صوره الأكثر قربا وحميمية.
أنت أيضا ساهمت في تعكير المزاج، لا كلمة ولا رسالة، ولا من صباح الخير، تطوح بي خارج السرير، بينما الطقس الخماسيني يحتدم في الخارج…
غالبا حين استيقظ من النوم، واحس انه ما زال غير كاف ولا بد من اختلاس ساعة أخرى لتعيد الي توازن النهار.
ولتسهيل المهمة الشاقة لمن يعانون من أرق مزمن، أحاول استدعاء مشهد اثير على المشاعر والروح، والعيش في رياضه الوارفة في غيابها.
المشهد دائما يأتي من الماضي ويحتل حلبة ظلام الغرفة والعيون المغمضة الحالمة، بتلك الوديان الشاسعة المتدفقة، بغزارة الشعاب والأمطار الجارفة بين خط الجبال وأرخبيلات النخيل المستسلم لعصف الريح والمطر.
هذا المشهد الذي يشكل أرض النعمة والطفولات المغدورة، هو ما يخدر الحواس اليقظة بحدة، ويجعل اختلاس ساعة نوم جديدة أمراً ممكناً.
بعدها يتسلل إلي صوتك الصباحي، ليجعل الحياة أقرب إلى الوعد الجمالي الممكن…
(معلق أنت بحلمة
سماء قاحلة
وفائضة أنا عن ذاتي
كطمي خصيب
وبين يتم شفتين
وانسياب نهر
ينسكب السكون
في انتظار العاصفة)

* * *

بمحض الصدفة بعد أن قرات رسائلك المختلفة هذا اليوم، والتي تسرد نكتا ومواقف ضاحكة.
سبق أن حدثتك باني قمت بجولة في أحشاء المدينة وهوامشها ونقاط تجمعها، التقيت بخلق كثير، هكذا دفعة واحدة، فمنذ حللت هنا لم أغادر الحي الذي أقطنه، ولقد عكس نفسه هذا المشهد المباغت، أحلاما وهذيانات في نومي. رحلة النهار الواقعية، كانت بموازاتها رحلة في تخوم الأحلام واللاوعي اتخذت أشكالا بشرية وحيوانية على شكل زواحف في أماكن غائمة على التحديد.
كانت تقترب من هيئة الكابوس وهلعه، لكنها لم تتخذه كما في الماضي، حين كنت أغرق في مستنقع من الدماء والصراخ.
بمحض الصدفة اقرأ إميل سيوران (الضحك هو المبرر الكبير للحياة. وعلي القول اني حتى في أعمق لحظات اليأس. كنت قادرا على الضحك. هذا ما يميز الانسان على الحيوان. الضحك ظاهرة عدمية تماما كما أن الفرح يمكن أن يكون حالة مأتمية) .
ما يشبه وصفة علاج من هذا العدمي الكبير… فحتى أمام المحن الحياتية والنكبات، ليس كالضحك علاجا حين ينسد الأفق أمام المنطق والعقل والتدبير، وتستحيل هذه الأقانيم التي من المفترض أن تسير الحياة بهديها، الى أدوات تدمير وتعميق لمآسي الوجود، اليومية الحسية، الاجتماعية، أو تلك التي يصل بها الفكر الى كهف استسلامه المغلق، ويرتطم بكثافة اللاشيء ومطلق الفراغ.
يرتد المترحل في ليل الفكر والوجود الى الضحك والمفارقة كحل مؤقت لمعضلات لا حل لها..
بهذا المعنى تشكل السخرية والضحك السلاح الأكثر مضاء في مواجهة (رعب الصيرورة) والزمن والتاريخ.
والبشر في أحوالهم العادية، يلجأون الى مخزونهم الخيالي في اعادة صياغة حياتهم المحطمة، من قبل قوى الظلم والطغيان والانحدار القيمي، ونقدها عبر النكتة والسخرية والضحك، كممارسة انتقامية من شروط بالغة القسوة تربض على مجمل حياتهم وشؤونها.
من هنا تشكل موهبة المرح وخفة الدم، ثروة لا محدودة لتلطيف الحياة والتخفيف من جريان الزمن الثقيل مثل ثقل البشر، أولئك الذين لم يمنحهم الخالق هبة المرح وقدرة السخرية، فيحيلون الحياة إلى جحيم.
“اذا حل الثقيل بأرض قوم
فما للقاطنين سوى الرحيل”.

* * *

المرض، محنة المرض ترمي بنا دائما إلى وحدة أعمق من تلك التي نحملها كقدر طبيعي، وتلازمنا كما يلازم الظل المتطاول صاحبه، أو كصفة هي ما تبقى لنا من ميراث الأجيال الحزينة والقلق الطويل.
وحدة أعمق، هاهو الليل يبدا نصفه الآخر، وأنا أتلوى على وقع الألم والحمى التي يرشح بها الجسد المقذوف في آخر كهوف هذا الليل الوحشي.
تتقاطر في مرآة هذياناته، صور الموتى القريبة وتلك التي أوغلت في الزمن وطواها النسيان أو كاد.
بعد مكالمتك الأخيرة في منتصف النهار، وكنت على الطاولة، أمامي القهوة والأوراق وكتب مبعثرة، أحسست بطلائع هذه الزائرة الثقيلة، وفق وصف المتنبي. لكن زيارتها بدأت قبل حلول الظلام، وان تمكنت من طريدتها، بعد أن حل وألقى بمرساته الغليظة على الوجود والكائنات ولفها تحت جناح هيمنته المطلقة.
كنت قد بذلت جهدا لتفادي غزوة فيروسات الشتاء، كما عودتني هذه المدينة على مدار سنوات وأيام، لكنها أدركتني، كما يدرك ليل الخوف صاحبه المرتجف المذعور أمام زحف سورة الغضب… (وإن خال وسع المنتأى ومداه).
الوحدة والمرض، ولا شيء عدا روح ترتجف بالحرارة والشوق إلى شقيقها، تنظر إليه في معترك المسافة، وتستله من بين الجوارح والأشباح، لتبلل حلقها الجاف برضاب عسله الشافي، وتستحضر ذلك البهاء النبيل، لدحر فيالق الموتى التي بدأت تنتشر في أرجاء المكان، وتحتل الخيال بعزيمة واندفاع. لكن حتى في خضمّ هذه المحنة العابرة، امام ديمومة حمى الوجود وأسئلته المتناسلة كما يتناسل الموتى من الأحياء وفي أحلامهم وطموحاتهم المتدفقة باستمرار نحو المصير، حيث الانتظار هو الرجاء الأخير للقاء المحبين، الأقارب والأعداء والأصدقاء، إن كان هناك أصلا من لقاء!
في هذا الخضم المحزون، لا أنسى أيتها العزيزة، أن وحدة المرض أقل فتكاً من معايشة اولئك الذين لا نمت لهم بصلة قربى روحية.
معايشة الوحدة والمرض أقل هولاً من أولئك الذين لا يشبهوننا في شيء…
(حبيبي يغفو على كتف الليل
بعيدا جدا
يبدو نقيا وشفافا
حتى لا يكاد يرى
أغمض عيني كي أرسم تفاصيله
وأستمع إلى نبضات
قلبه الوحيد
وأغطي جسده المتعب
بالمعوذات وشراشف الدفء والنور
حتى لا يلسعه
برد أحلامه البعيدة)

* * *

إن رسائلك لتنهمر عليّ، أيتها الكريمة في الحضور والغياب.
وكالعادة افتتح بها يومي لتعيد ترتيب هذا الشتات، ولو نحو وجهة غائمة، في طور البحث عن وضوحها الخاص إن أمكن، وإلا فالسكنى معك دائما على مقربة من حلم سعادة وأمان.
ذلك العالم وتلك الأشياء والحيوات، لولاك لكانت قاتمة وكئيبة. بنظرتك المتأملة المرحة تتحول إلى حقول تسرح فيها الجنادب والغزلان ويجوب المطر أرجاءها، مطر الخريف الذي كأنما ينزل من قِرب سماء حانية وحصينة.
على مقربة من سعادة وأمان في جميع الطقوس والأحوال، حتى ولو كانت عاصفة الشتات والحروب تقصف العالم.
في مكالمتك الأخيرة، تلحيّن في السؤال على نحو فكاهي عن التي تدبر شؤون المنزل. كنت أستمع إليك وأغالب العطس والسعال الذي ما زال مستمرا جراء نزلة البرد الحادة.
أولئك الناس البسطاء الذين ينحدرون من الطبقات والفئات الأكثر انسحاقا في المجتمع. الذين دائما نمحضهم تعاطفنا وانحيازنا التام، وكأنما ذلك الشعور أو الخيار باتجاههم، هو الجزء العضوي من أحلامنا بالعدالة والحرية والمساواة. هذه الكلمات البعيدة الغور والتحقق، هي هاجس الفكر وحلمه بأشكال ومقاربات مختلفة، بدأت من البسيط الساذج وانتهت بالمركب ذي الطابع المعرفي المعقد.
منذ بدايات تشكل الوعي الانساني على هذه الأرض، وتشكل التاريخ، عقاب التاريخ كما وصفه بعضهم،وستظل (هذه الكلمات المفاهيم)، كذلك حتى ولو تحولت في أزمنة وأمكنة لا تحصى إلى نقيضها الفض والدموي.
لكن لو خرجنا قليلا عن جادة الفكرة العامة وبريقها الرومانسي، إلى بعض من معطيات واقعية، لوجدنا أن مسيرة التدمير الساحقة للقيم والروح، قضت على الكثير من صفاء رؤية هذا التعاطف والانحياز الكامل لتلك الفئات الأكثر انسحاقا في السلم الاجتماعي.
المسيطرون استطاعوا زرع قيمهم. والفقر بدلا أن يكون القوة المحركة للأحاسيس الانسانية والأخلاقية، وللتضامن والتغيير، دمّرهم ودفع بهم إلى الخبث والكذب.
أي أنهم حملوا جراثيم مستغليهم.
الضحية تحمل صفات جلادها.
خاصة في مجتمعات تنعدم فيها التعددية الحقيقية، ويسود فيها الاستبداد والقسر والاكراه.
هذه البداهات أو ما يشبهها، أردت أن أذكرك بها، بعدما اكتشفت سلوك مدبرة المنزل المراوغ، والتي كنت مع جميع الأصدقاء، نعاملها كفرد منا من غير تلك المراتبيّة المعروفة بهكذا مجتمعات.
ربما قرون العبودية المتناسلة لا يمكن أن تتحمل لحظة حرية مفاجئة، وترتد بشغف إلى مُستقر ارثها الطويل.
في سياق هذه الرسالة السريعة أيتها العزيزة، تذكرين عندما كنا في المرحلة الدراسية، وكان اندفاع العواطف الجياش، يكتسح المشهد بكامله. كنا حين نمد يدنا لإعطاء كائن يستجدي بصوت يمزق حتى ضمير القتلة والمجرمين، نجد من ينهانا عن ذلك، بحجة أن العطايا المجانية هكذا،ستميع الصراع الطبقي وتؤجل اندلاع الثورة الحتمية.

* * *

إنني أشتاق إليك وليس إلى المكان الذي ساق أبناءه إلى المذبحة في وقت مبكر هذا الصباح.
أشتاق إليك، وبصورة أكثر تحديدا إليك وإلى البحر ولا شيء آخر.. ولتذهب الطفولة التي يتغنى بها أهل الأدب والشعر، ويعتبرونها درعهم الواقي.
لقد مضى ذلك الزمان الذي كانت به مرابع الطفولة تفتح ( بابا نحو الأبدية) .
ولتذهب العلاقات المبكرة وأطيافها الشفيفة، وليذهب المكان الذي خلدته الأساطير البشرية ورفعته إلى مستوى القداسة..
ماذا أعمل بهذا الحطام؟
أمام وجهك الذي يروي جفاف أيامي بدفق حنان لا يتوارى له مصب أو نهر.
لا أريد أن أربطك بأي شرط خارجي،
أجرّدكِ عاريةً أمام الليل المضاء بنور جسدك والبحر.
ثمة منحنيات تسرح فيها اليد العطشى
ارتعاشة النجم في الأعلى
وارتجاف النورس الذي يحنو على طرائده
بينما الجسد
يسقط في جرف نشوته العميق

* * *

بما أني مغادر غدا، أو بعد غد، أجلس أيتها العزيزة في هذه اللحظة التي أكتب لك فيها، في صالة الشقة الصغيرة الهادئة رغم صخب المدينة الكبير، أتطلع في الحيطان والباب المفتوح نصفه، السرير المسترخي في ظلمته الخفيفة، وكأنما يستريح بعد عناء سفر ليلي طويل.
اتطلع في المقتنيات والأشياء البالغة التناسق والفوضى التي تعطي لهذا الركن المنزوي ملمحه الحالي الخاص.
أفكر كم ستشعر بالعزلة والهجران هذه المواد وهذه الأشياء، رغم تواصل أعضائها الحميم. أفكر في هجرانها وليالي فصولها الموحشة. الكتب التي لن تلمسها يد لفترة طويلة، لا أعرف إن كانت تبكي أو تضحك على الأرفف وزوايا الجدران؟.
في الحالتين اليد المليئة هي الأخرى بمشاعر الفقد والهجران لن تكون موجودة، لن تلامسها، أو يمر الحفيف في فضائها المتراكم أزمانا وعُزُلات.
أكاد ألمس دموعها المسفوحة على الراحلين من قبلي، ويقينا من بعدي، بما أن المواد والأشياء تعيش غالبا، أطول من عمر البشر.
أتطلع وأحدق في جنبات هذه الشقة واسرح متذكرا على نحو غائم منازل وشققا، عشناها بسرعة عصف الريح، في أكثر من بلد ومدينة.
مقاعد طائرات نغادرها بعد فترة إقامة في السديم، الذي يراود الكائنَ دوما الرجوعُ، إلى هدوئه وانسجامه، قبل تشظي الكينونة.
غرف قطارات ذات أبواب ونوافذ تطل على حقول خضراء شاسعة. غرف الفنادق التي تناسب أكثر، مزاج المكلومين بهواجس العبور السريع على أرض البشر.
كل هذه الأماكن والعزلات أيتها العزيزة، تنفجر دفعة واحدة في مزاج رجل وحيد، يتطلع من كَنَبَة الصالة، إلى الأشياء التي سيغادرها غدا أو بعد غد إلى بلاد مجهولة.
* ما بين هلالين فيما تقدم لبدور الريامي.
***

كل لحظة جديدة ،كل موت قديم
(مشاهد آسيويّة)

الطاولات والكراسي، الكؤوس والشوك والملاعق، الأسرّة والأغطية، تتغير في أوقات مختلفة في اليوم الواحد.
العمال والنـُدل، مباشرو النشاط الوظيفي في الفنادق، يهرعون من الصباح الباكر عبر الحافلات والسيارات والقطارات، إلى مزاولة أعمالهم وتأدية الواجب المناط على عاتقهم، لاستلام المرتبات آخر الأسبوع أو الشهر.
جيش الموظفين يهرع كل صباح وكل مساء..
وجيوش السيّاح والوافدين على المدن والفنادق، المطاعم والمقاهي، يَفدون في كل الأوقات من بلدانهم البعيدة والقريبة لدوافع مختلفة. مدفوعين في الأساس بحلم التغيير والتجديد من حياة أضحتْ خانقة وضاق أفقها مهما كان واسعا ذا قبل، جعلته العادة والنمط لا يطاق ولا بد من كسر جموده. وذلك لا يتأتى إلا بالسفر والترحل إلى بلد آخر وطقس آخر. وغالبا يقع هذا البلد وهذا الطقس، خارج الحدود الجمركيّة والسياديّة للأوطان التي تربي الفرد والجماعة على أناشيدها وثقافتها، من أكل وشرب وتاريخ وجغرافيا، في الواقع والمتخيّل المثالي الذي تحتاج إليه الأوطان المختلفة لحقن مواطنيها وسكانها وشعوبها بجرعات الولاء والصِلة والمصير.
يتوافد السياح والمسافرون عبر عَتمات الدروب الطويلة التي يمتد طولها لخمس عشرة ساعة وأقل وأكثر، متحملين مشقة الطرق الجويّة المتقلبّة والبريّة الصعبة التي تمتد لأيام وليالٍ لا ينام فيها المترحل والمسافر إلا خِلسات كرى مُنتزعة من غابة الهواجس والتوقعّات..
ليس للمسافر من حدود لأحلامه، فهو يريد أن يفترس المسافة والمتعة قبل أن يفترسه الزمن وتقلب الأحوال..هناك من بلغ عِتيّا من تراكم سنوات العمر، تراه أكثر نشاطا في تكديس أحلام المسرّات والمناظر المبهجة للنفس، وما تبقى من حياة. وغالباً هؤلاء من الأقوام الأوروبيّة ذات القامة الحضاريّة العالية التي تحسب لكل مرحلة من العمر حسابها الخاص.
أما الأقوام الأخرى التي يسحقها العوز وخراب الأحوال، فالأمر لديها على عكس ذلك تماماً..
السفر بالنسبة لمعظمها، هو الرحلة اليوميّة في البحث عن لقمة العيش أو (الستر) ستر العراء الوحشي الذي ترفس في أتونه، هذه الشعوب..
في الأماكن المختلفة من العالم، في برهة العصر الذي نعيش، تستقبل هذه الأماكن المخصصّة، زوارها ومريديها وتستقبل عشّاقها ومحبيها، كل بمزاجه وتصوره الثقافي، للرحلة والتغيير. تتجدد دورة الحياة براً وجواً وبحراً حتى توشك على الانفجار من فرط الحركة وكثافتها معلنة كل لحظة حبلى بالتغير العاصف.. كل لحظة جديدة وكل موت قديم..

* * *
أيهما أكثر فظاعة ً ووحشة ً؟
صحارى الصقيع الجليديّة
أم صحارى القيامة الرملية؟
القطب الجنوبي
أم الربع الخالي؟
الأجدر أن نوّجه السؤال إلى حفّاري الأعماق البشريّة،
أولئك المتألمين بقسوةٍ عبر التاريخ.

* * *

مرت أيام لم أكتب لكِ حرفا أو كلمة. مشاغل يومية أخذتني في سياقها ولم تأخذني من القراءة المتقطعة لأكثر من كاتب وكتاب. أريد أن أكتب شيئا ما، أن أعبر بالكلمات الناقصة والمشاعر المضطربة دوما.
أعماقي ترزح تحت هذا الهاجس الذي يجعل الكلمات تتوافد عليّ في نومي وتوقظني لأكتبها، وحين يسحبني النوم إلى جزره البعيدة، لا أتذكر في الصباح إلا ضباب عبارات هاربة، لا يمكن القبض على أي منها، كما جاءت في المنام مشوشة غامضة وعدوانية..
إرادة الكتابة لا تجعل منها على الدوام أمرا ممكنا وإلا ستكون عملية إكراه فظّة، خالية من الوقود النضِر اللازم للكتابة.
أريد أن اكتب عن ذلك الطائر الأحمر القاني الذي رأيته بالأمس في الحديقة المليئة بأصناف الطيور والحيوانات من كل بيئة وجنس ولون.
ذلك الطائر، قطعة النار اللاهبة وسط بحر الخضرة والطيور المحلقة والناعسة على منعطف الممرات والأشجار.
حتى حين انهمر المطر مدرارا غزيراً كان الطائر الناري يشعل فضاء الغابة بغزارة الدم القاني، الدم المسفوك في كل جهات الأرض، وعلى ضفاف سماء المغيب. كان لونه المتطاول المتمادي على صغر حجمه وهو يْلـَبد على غصن الشجرة العملاقة، كأنما يلتهم كامل الفضاء والمكان..
كانت مشاعري تجاهه، وهو يجرفني في دوامة ضيائه الحارق، تتوزّع بين الدم المراق على امتداد تاريخ الكائن وبين اللهب الخالد لنار (هيروقليطس) التي هي أصل الوجودِ واليها يعود… وما لا يوصف من ذكريات نار المواقد لبدوٍ مترحلين عبر الصحارى والجبال..
كان ذلك الطائر الذي أشعل الفضاء وأشعل الأعماق أنظر إليه على نحو من خفر وحزن أزلي، حزن الطائر، الذي لم يفقد وحشية البراري والأكمات. ولم تدجنه اليد البشرية كباقي حيوانات الحديقة ووحوشها.
حتى الأسود والنمور وأنواع النسور، بدت مستكينة لـَقـَدرها، من غير خيال ولا مخالب وأسنان، بدت كدليل وعلامة على الهزيمة المذلة وانقراض السلالة النبيلة..
وحده الطائر، حديقة الدم القانية المشعة عبر الأرجاء والآماد.

* * *

اليوم 25/4/2010 تناسيت نفسي في السرير متقلباً برفاهية العطالة وأحلام اليقظة التي تتقاذفني أمواجها إلى البعيد البعيد.. الطفولة الغائرة في قيعان بحار مرجانية وأخرى مأهولة بكافة الضواري البحرية التي تتحول عبر الفعل الخارق لأحلام الطفل إلى كائنات رحيمة تلعب معها بألفة وحميميّة..
هناك حيث تسكن أسماك القرش، جنة القرش في سواحل بحر العرب أو في المحيط الهادي حيث تزدهر وتتكاثر ذريته بشكل لا نظير له في كافة البحار والمحيطات.
أسماك القرش في المحيط الهادي أكبر المحيطات في العالم، وأكبر من الأرض اليابسة، وحده المحيط الهادي أكبر من أرضنا ببلدانها ومدنها وحضاراتها وبشرها قاطبة.
صحوت مستعيدا بعض تلك الظلال الفردوسية بوحشية الكون الأولى..
أرتدي ملابسي بسرعة، أفتح شباك الشرفة الأرضية كي أختصر الطريق نحو قهوة الفندق التي توشك على الإغلاق. أمضي لألبس حذائي الذي تركته في الشرفة نفسها، حين رأيت ما يشبه مشهداً سينمائياً، ظننته لأول وهلة قادما من عالم الأحلام والهلوسات، أو أن الرؤية ما زالت تحمل طحالب النوم، رأيت حيّة تنسلُّ من داخل الحذاء حيث كانت على ما يبدو نائمة طوال الليل، تنسل بخفة ورشاقةٍ ما إن سمعتْ صوتا يتجه نحو ملاذها الليلي الآمن والعابر. راقبتها تزحف بتؤدة بين ظلال أشجار الحقل حتى وصلت إلى ما يشبه الدغل الصغير واختفت في جروفه المظلمة لتواصل نومها الهادئ الطويل.
فكرت أنني أزعجت هذا الكائن الوديع وأقلقت راحته رغم أنني لا أحب الحيات أو الثعابين. فقد كانت تقضُ نومي بأشكال كابوسية متنوعة.. وشاهدتها طفلاً في القرى والوديان الغائرة بين الجبال العالية، تزدرد العصافير واليمام بريشه لقمة واحدة، كما تزدرد الصحراء الفصول. شاهدت اليمام يستسلم لأنياب الوحش من غير مقاومة، يستسلم لحتفه القاسي والأكيد..
لكنني الآن في البلاد التي تشكل امتداداً للحاضنة الصينية الكبرى التي تصخب معتقداتها الميثولوجية بحب هذه الأنواع الزاحفة. وخاصة أعظمها خِلقةَ وشكلاً (الدراجون) الذي يرمز لديها إلى نماء الحياة والخصب والانتصار. على عكس بعض المعتقدات الشرقية وغيرها التي ترى في هذا الحيوان الأسطوري وأشباهه، رمزاً للشر والخراب، يجري التخلص منه على يد رمز الخير والانبعاث، لتعود الأرض اليباب إلى النماء، ويتدفق الأمل في شرايين الحياة من جديد.
ربما أصبحتُ صينيا في هذه اللحظة العابرة، وأنا أشاهد الحية بحبٍ وحزنٍ، وهي تزحف وتتوارى هاربة نحو جروفِ الدغل.

* * *

يذكرني نهرُ (ميري) الذي يشق البلدة من الأقصى إلى الأقصى متابعاً طريقه ليس باتجاه نهر (الميكونج) الكبير الذي ينام في أحضانه الشاسعة عددٌ من دول الشرق الآسيوي وتتفرع منه الأنهار والقنوات والدلتيات الكثيرة «منذ ملايين السنين ونهر الميكونج يثري الحضارات ويضم أحد أكثر عوالم الأسماك والنباتات تنوعا في العالم».. فـ(ميري) بصفتها جزءا من الجغرافية الاندونيسية التي تشكل ذلك الأرخبيل الكبير من الجزر، سيكون اتجاه نهرها أقرب إلى تلك الجزر والأنهار والبحيرات..
يذكرني نهرُ (ميري)، في نقطة التقائه ببحر الصين، بنهر (أبي رقراق) في الرباط حين يلتقي في مصب المحيط الأطلسي، ويذوب النهران كما الأنهر الأخرى، في مياه البحار وأمواجها المتلاطمة..
نقطة الالتقاء تلك هي آخر ملمحٍ من ملامح الأنهارِ وهويّتها المائية قبل أن تُبتلع وتضيع.
نقطة الالتقاء تلك هي آخر محطةٍ للأنهار في سفرها الطويل عبر المدن والقرى، الغابات والمروج..
هل تنقطع ذاكرتها وتُبترُ في خضم ذلك العناق القاسي مع البحار والمحيطات الذي ينتهي بالذوبان والضياع؟. أم تبقى شظايا متناثرة تتقلب فوق أديم الموج والزبدِ وهياج الأعماقِ والحيتان الغاضبة؟.
يختلف (أبو رقراق) عن نهر (ميري) الذي أحدق في جنباته هذه اللحظة المنصرمة من مغيب آسيوي خاص، حيث أحزمة الألوان المتدرجة والمتداخلة في الأفق، عشرات الألوان واللطخاتِ والحقول المشعة برغبة الآلهة وغموضها. بيوت وأقواسٌ بشرية وحيوانية، وثمة رعاة يعودون بأبقارهم وأغنامهم في زاوية من هذه الملحمة اللونية.
وهناك مسافرون يجمعون الأمتعة والحقائب، بحركة عصبية سريعة، يختلط هذيان أطيافهم مع عواء السفن وقصف الطائرات.
ويتناهى إلى سمعي صوت المؤذن يتردد صدى أنغامه عبر الفضاء الفاصل ليقترب أكثر فأكثر مندمجاً بتضرعاته وأصدائه، في هذه القارة الغريبة من الألوان والأرواح والمغيب.
يختلف (أبو رقراق) من ناحية حجمه الصغير، أمام النهر الآسيوي الغزير، ويختلف مغيب الأطلسي عن مغيب بحر الصين الجنوبي… ومن ناحية الطعم والألوان والروائح.
(أبو رقراق) الذي باغتني بمثل هذا الإلحاح والوجدان، محطماً كل هذه المسافة الضوئية بين المغرب وهذه الأمكنة النائية في الخيال والذاكرة، لم يأت وحده بل جاء معبأً بالأصدقاء هناك، بالطفولات والكتبِ وكرم اللحظات التي عشناها بين النهر والمحيط.

* * *

يروي (لوكيزيو) قصة إحدى رحلاته بين بلدان أمريكا اللاتينية، تلك الرحلات المحلية بين أقاليم ومناطق القارة المدهشة، أنه كان على إحدى الطائرات الصغيرة وكان قريبا من الطيار المغامر الذي يشبه رجال الأدغال في الأمازون..
أخذ الفضول (لوكيزيو) وهو يجول بنظره حيث الغابات المترامية والجبال الخضراء تحلـّق فوق ذراها السامقة نسور الإنديز. سأل (لوكيزيو) الطيار عن ماذا سيحدث لو توقفت الطائرة في الجو عن الحركة ؟ فما كان من الطيار ذي العصابة الحمراء، إلا أن أوقف المحرك على الفور، وتوقفت الطائرة هنيهات حتى بدأت في النزول إلى تحت، حيث المصير المجهول الذي يلفه ضباب الموت. ثم أشعل المحرك واستأنف الرحلة من جديد..
هذه الحادثة التي تدل على تذوق واختبار لحظات الخطر الجميل، إذ كل جمال لا بد يكتنفه الغموض والخطر لمن أراد أن يعيش لحظة استثنائية، لا بد أن يركب مركب البرق والخطر.
تطرح هذه الحادثة أيضا مسألة ركوب الطيران الصغير بين الجُزُر والأرخبيلات غالباً، في الأماكن والغابات المختلفة، منها القارة الآسيوية التي أتذكر من فضاء جُزُرها المتموّج بالغيوم الكثيفة والرعود الصاعقة تلك الحادثة، واستحضر جمالاتِ ومصائرَ بشر آخرين من كتـّاب ومغامرين محترفين، وهواة تنقل في مثل هذه المناخات والأجواء عبر الطيران الصغير والشراعي.. يلفحهم الهواء النقي والهواجس العاصفة، منطلقين صوب الغابات المطيرة والمحيطات المزْبدة.
إنها لحظات حرية ينطلق فيها الخيال إلى أقاصي آماده اللامحدودة بسقف الزمن والتأطيرات المسبقة.
في مثل هذه الحالات الاستثنائية لا تحتاج إلى القراءة والكتابة، إنك تعيش الجمال مجسَّداً في الهواء الأزلي الطلق.

* * *

غالبا حين استقل مصعداً من الطابق الأرضي أو غيره من الطوابق الأعلى والأكثر علواً خاصة ً في العمارات العالية والأبراج، ينتابني شعور النهاية في هذا القبر الحديدي. فما إن يتوقف لعطل فني عابر إلا ويسيطر عليَّ هذا الإحساس، وتسري رجفة التوتر وما يشبه بداية الانهيار في أوصال جسدي..
اليوم توقف (اللفت) في الجزيرة الآسيوية وأحسست إنني أدخل ظلام النهاية الحتمية بمثل هذه القسوة والبشاعة، أن تكون في مثل هذا الظلام الفظيع الخانق وليس في رحابة المياه وشفافية أعماقها الأنثويّة الصافية.
أو تائهاً في غابة لا محدودة الأرجاء، تقطف ثمار موتك بتأن فيه الكثير من جمال النهايات الباحثةِ عن خلاص.
ذلك الفرق الجذري بين الموت الجمالي الحنون في مملكة الطبيعة، وبين الموت تحت مقصلة أداة بالغة الجلافة من أدوات العصر الحديث وإكراهاته ورعبه، وهو يربض على الكائن ليلا نهارا كقـَدَر حتـّمته ضرورة الحياة ببنياتها وتفاصيلها المختلفة.
لكن ثمة مفارقة في الأمر فمثل هذا الاحساس الكارثي لا ينتابني حين أركب طائرة أو قطاراً، وهما بداهة ً من نتائج وأدوات العصر نفسه..
ربما لأن الطائرة والقطار يصبحان في انطلاقهما على الأرض الشاسعة والفضاء الأكثر اتساعا، امتدادا للطبيعة في تجليها العميق. على عكس ذلك القبر الحديدي الغاطس في الخرسانات والاسمنت من كل الجهات.
في عمق البحر الآسيوي في الجزيرة التابعة جغرافياً لأندونيسيا ذلك الأرخبيل الذي يمتد لأربعة آلاف جزيرة في القارة الأكبر على مستوى العالم – والتابعة إداريا لماليزيا – ربما هذا التقسيم جزء من تركة الاستعمار الانجليزي الذي وزّع نِعمه على مختلف الشعوب التي كانت تحت سيطرته..

* * *

في عمق ذلك البحر، بحر الصين الجنوبي، انظر إلى صخرة ضخمة بحجم جبل الفحل في عُمان. لكنها تختلف عن الجبل العتيد كونها مغطاة بالأشجار والنباتات الاستوائية بالكامل حتى لا تبدو جزيرة صغيرة وسط البحر الأصفر المتلاطم..
تمنيت لو بين ليلة وأخرى، يصبح جبل الفحل على المنوال نفسه مُحتلا من فيالق الطبيعة الخصبة الخضراء، رغم تعوّدي حدَّ الإدمان على دكنته الصخرية التي استعارها من طبيعة الأزل وألوانه الحادة التي تكدّست على أديمه الأزمان والأجيال.
قـُلت فيالق الطبيعة من فرط احتشادها وهجومها الذي ينعقد لواؤه بين الثانية والأخرى لاكتساح اليباس والجهْمة والجفاف، طلائع الغيوم حين تكون السماء صافية والشمسُ ساطعة، تبدأ من حواف الجهات الأربع وتتسارع وتتكثّف حتى تحتل السماء في ضربة هجوم ٍ خاطفة.

* * *

من خلال الارتطامات الرهيبة وتيارات المياه المتـّدفقة داخل الجروف البحرية والأثلام..
من خلال جلـَبَة عوائها الجريح، تصغي إلى وقـْع مذبحة الأعداء وقد عملتَ في صفوفهم السيف والمسدس والرشاش وكافة أنواع الأسلحة..
لا تسمع إلا توسّلات الضحايا على وقع انهيارهم تحت براثن الموت الأكيد..
وكلما أوغلتْ المياه المحتدمة بالغضب في ظلام كهوفها، كلما أمعنـَت في تدمير الأجساد وتمزيقها حتى تحيلها إلى أشلاء ورماد، ليبصق عليها المارّة الذين يحقنهم الغيظ نحو هذه الأجساد الظالمة العفنة.

* * *

تتقدم عربة الغيوم المُثـْقلة عبر بحر الصين الجنوبي، نحو الحقل المتحرك بفعل عاصفة خفيفة.. يتقدم الحقل معانقا غيمتها الأولى، طليعة الغيوم المتقدمة بثمارها.
تمر بواخر، تمر ناقلاتُ نفط
شجر الحقل يبكي من فرح ٍ وشوق
صياح طفل في القريب.. الموجة يعلو هديرها
بينما الرعاة يسوقون القطعان في سماءٍ معتمة

* * *

يستيقظ الطفل ببكاء ونشيج
تحمله الأم إلى شرفة الحقل
ينظر إلى المطر والأرياف المرِحة
ثم يعود هانئا إلى النوم

* * *

الحقول تحلم بمعانقة النهر، والنهر يحلم بمعانقة البحر
بحر ونهر وحقول
طفل يستحم في السماء السابعةِ
على مقربةٍ من عرش الإله

* * *

لا شيءَ ولا أحدَ أعمق من إله
الذي يعرف كل شيء
والطفل الذي لا يعرف أيّ شيء
الطفل هو ماضي الآلهة
حين كانت تتأرجح مع النسيم
بفضاء الحقول والغابات

* * *

دمعة الطفل
تشبه ابتسامة عصفور
أو اندلاع قيامه.

* * *

مثقلة هذه الغيمة التي تملأ الأفقَ
بالأحصنة والفرسان
كتيبة حربٍ على وشك الانقضاض.

* * *

اليمام في خيال الطفل
وفي المروج
يتنزّه كسربِ ملائكة رحيمة
وحين يفزّ الطفل في نومه
يجفل اليمام من سرب نسور كاسر

* * *

في هذا الصباح الخالي من الغيوم، المتموّج بشمس استوائية، تأخذ مجدها المفقود في غياب السحب والغيوم المطرية. وثمة (تركترات) تذرع مساحة الحقل محدثة ضجيجاً غير معهود يضطرك إلى الاستيقاظ مبكرا، وصنع القهوة، في محاولة عمل ما يمكن عمله كي لا يفتك بك الوقت بهذا الشكل المبكر الذي على جاري العادة، تكون فيه حالتك الذهنية في نشاط أفضل من بقية الأوقات المتعاقبة..
في هذا الصباح المشمس يهجم عليك مشهد (الجِيَف) الجيف المسبوقة إلى العالم دائما، بنتانتها وانفجار روائحها الكريهة، التي من فرط فظاعتها الجيفية المنتنة، يمكن أن تشرِّد سكان القارة الآسيوية بأكملها كما لم تشردهم الزلازل والفيضانات، يمكن أن تبيد أي عنصر حياة وجمالٍ على وجه البسيطة الممتد..
الجيفة الضاربة في القِدم، هي ربما الأكثر قدما من الوجودات المادية الأخرى.
نتانة سحيقة في وجودها وعنفوانها واستمرارها.
هل يمكن تخيل تراكم تاريخها وقيم السلوك والمباغتة والانقضاض على الكائن الأعزل، وهو يتوسل رأفة بحرٍ أو شجرةٍ وكتاب. هل يمكن تخيل تلك القوة المتفوقة بخلفيات وتدافع الجيف وكيفية صنيعها الحاذق لدرجة عظيمة، عظمة الجيفة وتصميم أفقها الذي ينشر ويبث رياحه في مدارات البشر والحيوان؟..
ليس بالضرورة أن ترى الجيفة فهي بعيدة، لكن نتانتها المراوغة الخبيثة برخص، تترحل نحوك أينما ذهبت، أينما ذهب الكائن الذي يحاول الهرب من مستنقع الجيف الموزّعة على خارطة الظلام والضباع والقذارة، على نحو عادل. فمنها ريما، ينبثق قانون التوزيع العادل الوحيد لثروة الجيف والنتانة.
ثروة الجيف، ليست جيف (الرخم) وهياكل الحيوانات الممزقة في أرجاء تلك الصحارى والجبال التي كنا نرى أسراب الضواري تلتـّم عليها وتحوم حولها في ما يشبه أعراساً جماعية. وليست تلك القادمة من عصور( قابيل وهابيل) يحمل الشقيق جثة أخيه من مفازة إلى أخرى بانتظار بزوغ المعجزة.
جيف الضحايا والقتلى والمغدورين عبر الأزمنة والأمكنة، تلك الجيف المُضاءَة بأمل المستقبل على البشر أجمعين كما كان ماضيهم وحاضرهم، والحبل على غارب جملٍ تائه بين المجازر والجيف وقيم الغاب البشري المنيع على التوصيف..
عدالة توزيع الجيف من منطقة إلى أخرى يزيد أو ينقص بإطار نسبي بحيث لا يؤثر تأثيرا حاسما على لبِّ هذا القانون. لكل مكانٍ خصائصه وجيفه ونتانته.
لكن النتانة الجيفية التي ترحّلت نحوي هذا الصباح هي الأكثر فتكا وخِسة طـَبْع ٍ أصيل متـّجذر في العائلة والسلالة الجيفية المطبقة على الجهات.

* * *

في المساء الغائم أمشي على شاطئ البحر المحاط بأشجار السرو وقليل من أشجار جوز الهند والنباتات والأشجار الأخرى.
تنتشر على طول الشاطئ الأخشاب المقطوعة من جذور الأشجار العملاقة التي تنبت في الغابات. ويلفظها البحر بأحجام وألوان مختلفة. جذوع وفروع وأغصان، داكنة وسوداء وبنية،. تنتشر كأشلاء جثث بشرية سحلتها الصواعق ليلة إعصار وعنف أعماق مدلهم. بعض الجذوع يبدو مُستصلحا في طريقه إلى المدن والأسواق، وقد اختطفته العاصفة من أحشاء السفن المبحرة..
خطرت لي فكرة فراره قبل أن يصل إلى التجار والمصانع التي ستحوله يقينا إلى الورق، أطنان الورق التي ستـُوزع في جهات العالم لتغطي الاستعمالات المختلفة لنشاط البشر. فهذه الصناعة كانت من أهم دعائم اكتشافات الحضارة (البداية الفعلية كانت في الصين). لكن حين يستخدم لتأصيل الشر والانحطاط، تتعذب روح الغابات الحرة الطليقة وتقضي لياليها الموحشة في الأرق والسهاد والتفكير في المصير القاتم الذي ينتظر جزءا من حياة شعبها، البالغة العلو والكبرياء. وإن بقي الجزء الآخر عصيا على التدمير والإفساد البشريين ربما..
الكتابات الرديئة التي تملأ رفوف العالم، جزء من هذا التعذيب والتدمير الذي تتعرض له حياة الغابات.
وكم تبدو الغابات معذبة ومظلومة ومُعتدى عليها أيما اعتداء، إذا عرفنا أن الكثير من كرمها الجمالي يقع في الأيدي الخبيثة والجاهلة. على جاري القول الشعري (خذاني فجرّاني ببردي إليكما.. فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا).
دهن العود مثلاً يستخرج هو الآخر من جسد الشجر الغابي لحظة احتضاره وإفرازه لمادة تكوّن ذلك العطر الغالي والفريد.. أي مفارقة تنتمي لصنف التراجيديا الرفيعة في حياة الغابات هذه؟
وأمثلة الخير الجمالي والكرم الغابي لا تحصى في هذا المجال..
بعض تلك الجذوع والفروع والأغصان اقتلعته العاصفة وقذفته إلى البحر الذي يلفظه في هذا المساء الجنائزي للطبيعة الخالقة، أحدق فيه وهو في لحظة اشتباك جسدي وعناق صوفي بحيث يستحيل الفصل بين الجذعين أو غصنـْي الشجرة الشهيدة، كأنما ترفض الموت المجاني، وتذهب في غيبوبة عشق أبديّة.

* * *

هذا البعوض الذي لا ينفع معه أي احتياط مهما كان، سيقتحم جسدك ويرديك مُثخنا بجروحك وأورامك عدة أيام.
أنت الذي لا تريد نسف الأيام واللحظات كيفما اتفق في هذه البلاد النائية. تريد أن ترى وتترحل في أرجاء بحارها وغاباتها وأنهارها، وأن تغرف عينك العطشى من سحر المشهد البصري وغزارته..
هكذا كان تصورك أو طموحك، لكن البعوض القادم من الغابات المحيطة بالمدينة الصغيرة له تصور آخر تمليه غريزته العدوانية تجاه بني البشر الذين اقتحموا مملكته المحصنة بهيبة المرئي واللامرئي وأحالوها إلى مختبر لعلومهم ونوازعهم اللامحدودة بسقف الحاجة والضرورة بل الاستباحة وجمال مشهد المجزرة كما يحصل في الشأن البشري نفسه، فكيف بجمال الأشياء والطبيعة ؟.
البعوض الصغير البالغ الصغر والضآلة الذي يكاد لا يُرى بالعين المجردة، تنتشر كتائبه مع قدوم الليل غالبا، ليساعد في حماية أراضيه وممالكه من الاستباحة والاقتحام.
البعوض الصغير المخطط. من أين يستعير أنياب الضَبع تلك ليثخن ضحيته على هذا النحو الكاسح..
بعوضة واحدة تدمي جبهة الأسد، حسب قول الشاعر. لكن جمع من البعوض يصرع الأسد والنمر وقبلهما بالطبع الإنسان الأكثر هشاشة وادعاء لولا ذلك الدهاء والخبث والقدرة الخرافية على اختراع أسلحة الإبادة التي تحيل الخصم إلى هشيم ورماد، مهما كانت قوة الإيمان وقيم البطولة والكرامة. ستحسم قوة النار المعركة. وإلا كيف مُحيت حضارات وأمم من على وجه الأرض كما يشهد التاريخ بوضوح ساطع. (هذه القيم يوجد جنينها في الطبيعة إن لم يكن أكثر من جنين وأقوى… إن لم يكن المثال المكتمل)
في هذا المنحى الإبادي، وأنا أتناول الإفطار في مطعم الفندق وأشاهد آثار هجوم الحشرات والبعوض ليلة البارحة في أماكن من جسدي، أسمع لغط نسوة استراليات، على مقربة من طاولتي، يمرحن ويضحكن كما يليق بسائحات جميلات جئن إلى البلد الآخر لتغيير المزاج والإنعتاق من الروتين، باتجاه المغامرة..
استراليا التي هي ليست بعيدة عن هذا البلد الآسيوي. ولها فيه جامعة، تلك القارة الحديثة العهد في الاكتشاف والعريقة في وجودها السحيق (توجد فيها أفتك أنواع السميّات في العالم).
كيف صارت أوروبية القلب والقالب إلا بأسوأ أنواع الإبادات، حين جهز الانجليز جيشا من القتلة والمجرمين مزودين بأسلحة العصر آنذاك، إلى جانب عنفهم الهمجي وغرائزهم الوحشية المنفلتة من أي رادع كسفلة ونفايات مجتمع قذفتهم قوانينه إلى السجون والعقاب..
هكذا أُبيد شعب وولدت استراليا الحديثة.
هكذا ولدت القارة معمّدة ببركات الحضارة والتقدم كما ولد غيرها على نفس المنوال بأشكال مختلفة..
تذكرت هذا الحدث ونسيت عدوان الحشرات والبعوض البالغ التواضع واللطف أمام عدوان البعوض البشري. رغم معرفتي أن البعوض فيما مضى، مع القمل، نقل أصنافاً من الأوبئة، أبادت أمما وشعوبا بكاملها.
البعوض البشري الصغير الذي لا يكاد يُرى هو الأكثر خطورة وحقارة.
عدوان البعوض الغابي البالغ اللطافة والرأفة خاصة حين عرفت أن الإناث، أسراب الإناث هي وحدها من دون الذكور القادرة على الإيذاء وامتصاص الدم. فأن يجرح الإنسان أو يموت بسبب أنثى من أي صنف بشري وحيواني، تلك نهاية فيها من الرأفة والرومانسية، إن لم تكن الشهادة بكامل ألقها كما عبر (جميل بثينة) الذي لم يختبر القتل والشهادة على أيدي هكذا إناث فارهات.

* * *

على مسافة قريبة سياح يصورون بعضهم على خلفيات طبيعية وتماثيل ومنحوتات تتوزع في الحديقة المترامية وسط معابد بوذية مصغرة، تعبق بروائح نفاذة خاصة. السياح يصورون بنهمٍ كأنما ثمة خوف لديهم من اختفاء المشهد إلى الأبد، أو من اختفائهم من هذه الحياة المشهديّة، حيث تلحُ الرغبة في الاحتفاظ عبر تحويلها إلى لقطة فوتوغرافية كأنما ثمة هاجس اختفاء المشهد والصورة الواقعية لدى السياح اليابانيين والكوريين، يعبرون عنه بالاندفاع وبشراهة التصوير، رغم أن الطبيعة الروحية والجغرافية للمكان تقترب من خصائص طبيعتهم..
رفرفة على جذع النخلة التي يخضها المطر والصواعق طوال الليل، تتبين أنها رفرفة عصفورٍ بالغ الصغر، من تلك العصافير التي تؤمُ غدران النخيل والأشجار الأخرى. صوت الرفيف ينبئ عن طائر أكبر، لكن الألوان البالغة الجمال في العصفور الصغير وذلك المرح والحضور الأنيق، يعوّض صغر حجمه ويجعل منه وجوداً مميزاً بين الطيور والعصافير..

* * *

تمتد الحدائق والمروج على مسافة النظر الذي يتيه في اتساع فضائها المتموج بزرقة السماء والمياه والشجر المتدرج الألوان والأحجام، من الصغير إلى الشجر العملاق، الذي يذكر بالغابات المطيرة..
وأظن أن الغابات جميعها مطيرة وإلا لأحالها الجفاف إلى حطام. وأُطلقت هذه التسمية على غابات بعينها في هذا الجزء الآسيوي وفي أمريكا اللاتينية لوقوعها على خط الاستواء حيث الأمطار الغزيرة والرطوبة في أقصى مداهما، وربما إضافة أسباب أخرى..
هل يملك شجر الغابات والمروج نفس روح الصمود وقدرتها على البقاء واقفة أمام العوامل الساحقة للجفاف وشحةِ الأمطار، تحت مطرقة شموس فاتكة؟ مثل تلك التي يملكها ذلك الشجر المتجمع على شكل غابات صحراوية صغيرة وأكمات، في فيافي تلك الأرض. ويظل وسط قدره على رغم حزنه متألقاً، حزن الروح البطوليّة التي تواجه دوماً قسوة الطبيعة والزمن..
أنظر إلى امتداد الحديقة والمروج، وأفكر ان لو أُهملت هذه المساحات برهة من الزمن وكفـّت عنها يد التشذيب والتصنيع، وهجرت هجران الغابات العصية، لربما تحولت هي الأخرى إلى غابات تنمو بقوة دفعها التلقائي الذاتي الحر، من غير أي تدخل خارجي وحذف وإضافة يحد عملقة الأشجار وتوحشها.
فالإهمال والنسيان يقوي سواعد الغابات مثلما يقوي سواعد البشر، وحسب الشاعر الكبير : (وساعدُ يشتد في النسيان). تتغذى سواعد البشر والطبيعة، وتشتد في حومة النسيان والمواجهة، أو تتكسر وتحولها الرياح الهُوج إلى شظايا وهشيم..

* * *

في الأماكن والمناخات الباذخة بالأمطار والخضرة وبذخ الطبيعة، لم أر تلك الشجرة أو الشجيرات التي يستهويني النظر إليها، وتأمل وحدة الإنسان وعزلته في مرآة كينونتها الضاربة في تخوم الوحشةِ وقـَفـْر الإنسانية.. تلك الشجرة التي مجدها (نيتشه) كصدى عميق لأفكاره وأخيلته الأكثر خطورة وصدامية مع عصره والعصور اللاحقة.. الشجرة التي تكافحُ وحيدةً تحت ضلع جبل مطل على هاوياته وسديمهِ، وسط العواصف والفيضانات العاتية. وتظل متشبثة بالحياة والبهجة والمرح..
هذه الشجرة الواقعية والرمزية كنت أراها في عُمان وبلدانٍ أخرى في الجزيرة العربية، أكثر تجسيداً لتلك الفكرة بخيالها الجامح، الخارجة عن جادة النسقِ والتحديد.
كرم الطبيعة بهذه الغزارة يجعلك تستشف روحاً تضامنية بين مختلف تكويناتها وتجلياتها، مما يقلل الشعور بقسوة الانفصال، والتأرجح على الحافة كشرط وجود..
أحمل حقيبتي الصغيرة وأذهب نحو الغابة، مهما كان مكان إقامتي الممتد على نحوٍ مباشر مع جسد الغابات، فمركز الغابة وجبروتها، يقع هناك في الأعلى، حيث عليك أن تقطع أكثر من ساعتين بالسيارة لتصل إلى تلك الممالك المطيرة التي تضمرُ أكثر مما تعلن، وكأنما الكون كله واقعٌ في غموضها الكبير الملتف بالأغصان والجذور المتشابكة بحلزونية مخيفة، وصراخ الحشرات والهوام الذي يذكرك ببدايات الخليقة.
وحين تأخذ قدماك في اجتياز عتبة المتاه الغابي، تحسُ في روحك شيئا من الأمان والطمأنينة التي يقطعها بين الحين والآخر، الأزيز الضاج لأرواح الغابة، أو صراخ هامّةٍ تقطع الإيقاع السائد لجيوش الحشرات «الصراريخ» تلك التي تسمعها بداية الأصياف في بلدك، وتظل على هذا المنوال حتى يأتي الشتاء وتموت متيبسة على جذوع الأشجار (ثمة روايةٌ في عُمان، أنها حين تأتي الأمطار وتغمر المكان تنبعث فيها الحياة من جديد).
حياة بمقاس صيفٍ واحدٍ، لا تستطيع ذاكرتها أن تكدّس الآلام والذكريات المريرة.
أحياناً في طريقك شبه المعبد، ترتج جوارحك وترتعد لانطلاق صرخة من قلب الغابة تنفجر بنواحٍ جنائزي لا تعرف مصدره، أطائر أم حيوان أم تلك الحية التي اكتشفت أخيراً، الحية الحمراء بلون النار الصارخة. رسولة الحكمة أم إشارة إعلان الحرب على الإمعان في الاستباحة والتحقير.
أصل إلى شلال الغابة الرئيس الذي هو مقصدي لهذا اليوم، فهناك عدة شلالات ومنابع تعبرها في طريقك إلى الواحة الفردوسية. ما إن تصل ممتلئا بالعرق والرطوبة العالية في الغابة الاستوائية، لاهثاً منهكاً. على عكس الغابة الأوروبية التي تمشي فيها ساعات وساعات من غير هذا التعب واللهاث بحكم اختلاف طبيعة الطقس – ما إن تصل إلى الشلال وتحدقُ في المنابع المتدفقة بهذه الألطاف الإلهية، والجنبات المتعددةِ لمطارح المياه ومساقطها (كانت العرب تسمي مساقط المياه المصانع. و”تبقى الجبال بعدنا والمصانع”).
تخلع قميصك، قاذفاً هذا الجسد الذي جرّحته السنون والمدنيات الريعيّة الزائفة، إلى أعماق هذا السديم المائي، وسط هاوية الخضرة العميقة والألوان والظلال المتأرجحة بفعل شمس محتجبة بالغيوم، وخفية.
من هذه الجنة الخيالية، ربما طـُرد الجد الأكبر بفعل خديعة الأفعى التي يبجلها الصينيون.
حين تنقذف في خضم المياه الباردة، تنسى صورة الثعبان الطائر الذي سيخطفك إلى الضفة الأخرى طعاماً سائغاً لأطفاله وأصدقائه الذين لا يثملون إلا بامتصاص دماء البشر وافتراس أشلائهم، وتتذكر الحية الحمراء وقد استحالت إلى رأفة وشدو يمامٍ وأمان.
تحس أنك دخلت هنيهة ً في فضاء الأبدية المستحيل..

* * *

الصين لا تبعد إلا ساعات قليلة من هذا المكان الهادئ، في الجزء الجنوبي من بحر الصين. واليابان تبعد مسافة أكثر بقليل. الإمبراطوريتان الأكثر شهرة في تاريخ الشرق الأقصى والأكثر إثارة ودهشة وغموضا، اقتسما أدوار المجد والصعود والإخفاق وكذلك الاحتلالات والتوسع خارج الحدود.
رغم أن التاريخ لا يقدم اليابان في العصور القديمة كما يقدم الصين كواحدة من أقدم الحضارات على هذه الأرض. الصين مخترعة الورق والبارود… التأمل والفلسفة.
وتلوح اليابان الأصغر حجما وسكانا بما لا يقاس بجارتها الكبرى، أكثر نزوعا لعنف الاحتلال والاكتساح الذي لا يعرف هوادة ورحمة لأرض الغير وممالكهم.. هكذا يقدم التاريخ الياباني نفسه جيش (كاميكاز) لا يقف أمام سطوته وعنفه النابعين من إيمان مقدس بمبادئ الروح والتقاليد الكلاسيكية لليابان روح المحاربين الساموراي، أي واقف أو مقاوم. حتى الصين العملاقة خضعت لاحتلالهم ونفوذهم فترة من الزمن. ولا يقف مسار هذه الأحداث المثيرة في نيران الحرب العالمية الثانية التي لولا قنابل الأمريكيين البشعة مهما كانت المبررات، لكانت ربما أمريكا نفسها في مهب التاريخ الياباني العاصف.. الأدباء اليابانيون الكبار قضوا حرقا وطعنا بملء الإرادة والاختيار، ومنهم من وصل إلى سدة نوبل والمكانة العالمية عن جدارة واستحقاق مثل كواباتا وميشيما..
النزوع نحو الموت والفناء صفة تتبدى أصيلة وكيانية لدى اليابان وهذا مصدر غموضٍ ودهشةٍ.. أولئك الأدباء والفنانون الذين وصلوا إلى رؤى خارقة في مقاربة الخراب البشري..
هل اليابانيون جميعاً مصابون بمثل هذه «العدمية الشرسة» في التاريخ؟
حتى اللحظة الراهنة انتقل النزوع المتطرف إلى مكنة الإنتاج الذي صار هدفاً وغاية كمقدس آخر في هذه الصيرورة..
التاريخ الصيني على توالي السلالات الحاكمة عرف العنف وسفك الدماء كغيره من سكان هذا الكوكب وخاصة صراع المطامعِ والنزوع نحو الهيمنة والحكم والنفوذ لكن هذا التاريخ لا يقدم نفسه بمستوى اليابان الذي لا يضاهى ربما.
لكن اليابان على كل ذلك الشعور المتضخم بالتفوق والعظمة، لم تسلم من تأثير جارتها الكبرى معرفياً وأدبياً، فقد كانت الارستقراطية اليابانية والمثقفون يتكلمون الصينية حتى القرن الخامس عشر. وكان الفلاسفة والشعراء الصينيون في الحقب المختلفة، يشكلون الأصول والمراجع للمعرفة اليابانية.
الصينيون في ميلهم نحو السلام والخير أكثر انسجاماً، إذا عرفنا أن السلالات المتعاقبة في حكم الإمبراطورية، كانت لا تميل إلى القوانين المكتوبة، وبحكم التأثيرات الحاسمة للكومفشيوسية والطاوية، كانت تعتمد مخاطبة الجانب الخيّر للنفس البشرية وتعهد هذا الجانب بالنمو والازدهار. على عكس الرومان في التشريعات والقوانين المكتوبة النافذة والملزمة.
كان الصينيون لديهم أملٌ كبيرٌ في إصلاح البشر وتنقيتهم وتشذيبهم..
تغمرني هذه الهواجس الخيّرة السعيدة، وأنا أتطلع في أمواج البحر الصيني مستعيداً موجة (الدراجون) تلك الظاهرة الطبيعية المغمورة بمسحة القداسة وهي تكتسح القرى والمزارع والبشر قبل أن يروضها العقل الصيني الجديد.
ورغم هذه الطمأنينة القادمة مع نسيم البحر الصيني تهجم ذكرى حاكم الصين الذي بنى (المدينة المحرمة)، مغتصب العرش إذ ثمة من هو أكثر شرعية منه. فهذا الإمبراطور الذي كان قائد جيوش، ارتكب أكبر مذبحة في هذه المدينة برهة اكتمالها، بسبب شبهة وشاية حول غزل أحد خصيان القصر مع إحدى جواريه اللواتي يصل عددهن لدرجة، انه لا يرى الواحدة إلا مرة في الحياة.
راح في هذه المجزرة خمسة آلاف من الجواري والخصيان.

* * *

المطر لا ينقطع طوال الليل. ديمة تتلوها أخرى أكثر كثافة وحنيناً إلى المجهول. رعود وبروقٌ تمسح الشواطئ والغابات بألسنة اللهب، شواظ الثعبان الخرافي وقد استحال إلى جداول وخرافٍ تتنزه في مراعي السماء وعلى أديم الأرض المستسلمة بعذوبة امرأة في غيبوبة اللذة، للعواصف التي تخض بطنها وأطرافها، كأنما التوحدُ هو نشيد الطبيعة وحلمها الأزلي.
كان ثمة تحذير من قدوم إعصار من تلك الأعاصير التي تستوطن هذه المناطق في الشرق الأقصى، لكن في الصباح تبين أن الإعصار انحصر في البحر وحطم سفناً وقوارب..
خشيتُ أن يكون تدميره قد امتد إلى أكواخ الصيادين على الساحل الذي أمشي فيه معظم الأيام.
فقد كانت تلك البيوت الخشبية والأكواخ وأمامها القوارب وعدة الصيد من شباك وما يشبه المناجل والرماح، تشكل جزءا عميقاً من الشاطئ وأبعاد جماله وزينته. كثير من تلك العدةِ لم أرها من قبل، فهي تختلف في فكرتها وتكوينها عن تلك التي شاهدتها في الشرق العربي وغيره.
عليّ أن أمضي إلى الشاطئ لأرى ما خلفه الإعصار العابر من تدمير في تلك الأشياء التي ألفتها وأحببتها فترة إقامتي في هذه المدينة الصغيرة التي تشبه منتجعا كبيراً (ميري) التي معظم سكانها من الصينيين وقليل من الأعراق الأخرى كالملاوى والهنود. وهي جزء من اقليم (سرواك)..
أتناول فاكهة (الدراجون) جمال ألوانها الحمراء القانية والحبيبات المنتشرة على أديمها تشبه قلب الثعبان المبجل لدى القسم الأكبر لهذه الشعوب.
وفاكهة أخرى تسمى (دوريان) فاكهة الغابة وهي لا تنبتُ إلا في الغابات، لذيذة وغنية بالعناصر الغذائية، لكن رائحتها مقرفة قبل تقشيرها وتهيئتها نظيفة للأكل.
ثمة فاكهة غابية أخرى حمراء تثمر ثماراً سامة يتجنبها الأهالي والعارفون إذ تفتك بمتناولها على الفور من بشرٍ وحيوان.
هناك نوع واحد فقط من الطيور يتناولها ولا تضر به، فهو إذ يفعل ذلك لا لكي يسد جوعه ويغذي جسده لمواصلة التحليق والطيران، وإنما ليخزنها في جسده حتى تحين لحظة الانقضاض على خصومه وتتحول هذه الفاكهة المغرية، إلى سلاحٍٍ يفتك بالأعداء ويبيد نسلهم ناشراً حتى في مستقبل سلالاتهم بذور الهلاك والتهجير. فأرض الأعداء حتى بعد المعركة تختزن البذور كما تختزن أرض البشر الألغام وسواها، لتنفجر لاحقاً وتبيد.
يا لغرابة الطبيعة وبراءتها وعنفها.

* * *

كان الجو الاستوائي على أشده، باسطاً نفوذه بسُحب تغمر السماء متدافعة ً على شكل فيلة وتيوس جبلية وأفراس بحر. (شعار مِيري فرس البحر) حتى أشكال الديكة المائية والبرية وهي تقفز على حواجز الضواحي الخصيبة والأفلاج بفرح ِ الريش الملون لوحةً أبدعتها الآلهة على غير مثال، فوضويّة ً من فرط رهافتها الخاطفة…
غابات حيوان في السماء وأخرى على الأرض. تجلس على كرسي تحيط به الطواويس وطيور أخرى، تأكل فتات الخبز ولحاء جوز الهند من كفي مباشرة. ألفة مشهد سياحي لا أكثر. هكذا بدا لي لأول مرة الطاووس بخيلائه المعهود، ينشر حديقة الريش كشراع في مهب عاصفة على وشك الحدوث، في لقطة يبدو أنه اعتاد عليها للتصوير، وعلى مقربة، تقف الأنثى التي لا تملك شيئا من جماله الباهر. معظم ذكور الحيوانات هي الأكثر جمالا، على عكس البشر، إذ أن المرأة غالبا ما تقلب هذا النمط الجمالي في معظم البلدان، وليس كلها، رأسا على عقب. في طليعة هذه الطيور الطاووس والديك، بجماله الحسي والغيبي، عبر إحساسه بالزمن، كان الأكثر إصغاءً والتقاطا من فيلسوف أفنى حياته في محاولة سبر أغوار ذلك الغموض الهارب والتعقيد..
ثمة في ركن من أركان الحديقة غراب أبيض وحيد. إذ ليس من غراب ابيض، السواد هو سمة كينونته العضوية ورفيقها اللصيق. المثل السائر، حين يشيب الغراب. حيث يُشار إلى حدوث معجزة او أمر مستحيل.
الغراب الأكثر ذكاءً في الحيوانات بعد القرد حسب العلماء. هذا الكائن السحيق الذي يرفعه حَدَث مواراة جثة أخيه الميت الترابَ، أمام حيرة الكائن البشري وهو يقترف جريمته الأولى. الجدة الكبرى لسلالات الجرائم اللاحقة – يجعل منه الأستاذ الحصيف ويرفعه إلى الدرجة العالية الرفيعة.
الغراب الأبيض الذي جُلب لندرته، يبدو بائسا ومن غير حيوية الغراب في إمساكه بزمام المبادرة، فردا وجماعة. فهو لقيط السلالة بسبب نقص جوهري في تكوينه الخِلقي. نقص وعطب في الخلايا التي تفرز الألوان، فليس من ميزة في هذه الفرادة.
ما قيمة الغراب من غير ذلك السواد الحالك حلكة الليل العميق، توأمه الضارب في القِدم والأسطورة التي وُلد من بطنها المعتم كون الكائنات بأكمله، ولد النور والمحيطات وكذلك الإنسان؟.
على ذكر فردية الغراب التي لا تتناقض بل تلتحم عضويا ووجدانيا بروح الجماعة.. منذ فترة كنت أمشي في أرض خلاء، مكان مهجور بعمان. ومثل هذه الأماكن أثيرة أكثر من الحدائق الغناء، فهي تذكر بأرجاء طبيعة برية فسيحة توشك على الانقراض خاصة في المدن الحديثة العهد ونواحيها…
في هذا المكان المأهول بالغربان وحيوات أخرى تعيش كونها الخاص النائي عن صخب المدينة رغم أنه وسطها، وأحياناً يكون بقعة أو زاوية تتجلى نائية رغم انها في حيّز فندق كبير- شاهدتُ غرابا مهيضا، يبدو في حالة احتضار من فرط استسلامه وتداعيه على الأرض الشائكة الرطبة… لحظات قليلة وساد الجو لغط الأجنحة والمناقير والنعيق المحتدم من كل مكان. تنادت الغربان بلغتها التي لا نفهمها من جهات لا مرئية، لنجدة الغراب الواقع على الأرض في لحظة الألم القصوى والاحتضار.
حيوانات كثيرة وضوارٍ تملك هذا الحنان وهذه الخطوة الإلهية التي تدفعها للتضحية والتآزر والالتحام لحظة الحاجة الملحة ومن غير دافع الغاية والمصلحة، لحظة جمال خالصة لوجه الله ونبل الهاجس والسلوك. وهو ما يلحظ تناقصه حتى شرفة الاضمحلال عند بني البشر المعاصرين. كل شي أصبح يجري بقوة التخطيط للهدف المصلحي وحشد أسباب البطش والهيمنة عند مختلف الجماعات والأفراد كل بقدره ومستواه.

* * *

أيتها الغربان
يا رفيقة طفولتنا البعيدة
أتذكرك بأسمى ما تكون الذكرى
آكلوا جِيف اخوانهم
وصفوك بالشؤم والمأساة
تلك صفات الحكمة لجنسك التليد
موطنك الكون
قبل أن يكون هناك بشر وطبقات
لقد تحدّرتِ من ينابيع الغريزة الأولى
بأنقى ما تكون السحب والمياه الوحشية
فوق الصحارى وفي أعماق المحيطات
رافقتِ ضواري القرش والديناصورات
وهي تطير بأجنحة من ذهب الجبال
كل هذه الأزمان التي حملتِها بمنقارك
أورثتك قليلاً من الفرح
وكثيراً من سؤدد الحكمة
لكنك أكثر بساطة من هذه الادعاءات
فالنبع الأول
دليلك نحو الأفق
الذي يلد نسل صفائك الجليل

* * *

بحر الصين
أيها القادم من شعاب القِدم
وليل الفلاسفة والزّهاد
في عُزلاتهم الطويلة
على الضفات والأنهار
وفوق جبال تناوشها أحلام النسور
أيها البحر العريق
على صفحتك المتموجة
باللآلئ والسفن
التي اجلس الآن تحت ظِلالها الكبيرة
عبرتكَ الإمبراطورياتُ
المتخمة بالأحصنة والمعدات الحربية
ولم يتبق منها غير ذكرى شاحبة لمجدٍ زائل
عبرك القراصنة الكُثـْر
يمخرون العباب نحو الأهل والغنيمة
عبرك العُمانيون القدماء..
استرخِي على روابي مياهك الدافئة
محدقا في الفضاء.
وصيادون يرمون الشباك على مقربة من سحابة
تقذفني الموجة الحانية
نحو الشاطئ المطرز بأكواخ مهجورة
وأشجار تلامس الغيم
أتذكر (الطاويين) والكون والفراغ
الذي يلد كل الأشياء والطاقات
استحضر كونفيشيوس وبوذا
وماوتستونج
كلهم حفروا شيئا في ذاكرتك
كي يغيروا وجه التاريخ
كلهم أخذوا قـَبَسا من روحك
ورموا زهرة في طريق الأميال الطويلة
الذي لا ينتهي عند حدِّ وسِفر
انبتوا الأرض القاحلة في أحواضك الصفر
ورحلوا

* * *

كنت أرقبه مستلقياً على الشاطئ بموجه الخفيف الذي لا يكاد يسمع.
في حضنه طفل بين البكاء الذي يصل حد النحيب والصمت المطبق.. وكان حين تفاجئ الطفلَ تلك النوبة من البكاء بين الحين والآخر، يخرج الأب لعبةً ملوّنة، لقـّنها صناع صينيون أغاني من كل بقاع العالم. كل يأخذ اللعبة وفق لغته بأغنية تكون معروفة حينها، في عالم الأطفال خاصة..
كان الأب يحاول إلهاء الطفل بتحريك اللعبة ذات الألوان المشعة كقنديل البحر بل أكثر كثافة لونية. وكان الطفل ينظر إلى اللعبة كما ينظر الإنسان الأول إلى السماء والليل والنجوم.
ويستغرق الأب في تحريك اللعبة حتى من غير أن ينظر إلى الطفل محدقا في الفضاء البحري الفسيح، لا يلبث أن يستقيظ من سَرَحانه ويخاطب الطفل بكلمات أقرب إلى اللعثمة والهذيان، تتخللها مفردات البوح والمحبّة التي يحاول كسرها بهذيان الطفل، وكأنما هو الآخر يسترجع طفولة حرم منها أو لا يتذكرها. وها هو يعيشها مع طفله أمام بحر مترامٍ شبه مهجور في مثل هذا الوقت..
وكان الطفل يحدق في أبيه بهدوء، ومن غير ذلك التوتر الذي يعتريه ويفضي به إلى البكاء.
كان الطفل ينظر إلى أبيه بتركيز بين الابتسام الذي تقطعه لحظات قنوط الطفل لأسباب غير واضحة ولا مفهومة كمجمل سلوكه الفالت على المقاييس والتحديدات.
كان الطفل الذي يعيش جنة أحلامه في حضن أبيه على شاطئ البحر، يركز بؤبؤيه الصغيرين، بصفاء ملائكي، نحو نقطة غير مرئيّة، مما يحمل مشاعر الأب على شيء من الاضطراب والارتباك.
كان يتقلب فيما يسميه (باشلار) فضاء التأملات الشاردة للطفل. ذلك ما يحاول الشعراء استعارته في النظر الطفولي إلى العالم والوجود، وتعهد هذه الجمرة الروحية القادمة من العهود الأولى بالنمو والبقاء لتسقي شجرة الشعر والحياة بنضارتها المتجددة.

عرف الأب أن تلك النظرات الطفلة، نظرات حنان رباني فريد، انخرط في نوبة بكاء صامت، مقلبا بصره وبصيرته بين وجه طفله المشرق بالسعادة، وموج البحر الذي أخذ يزداد نـَغـَما وترجيعا في الأفق اللامتناهي.

* * *

في المكان نفسه كان الطفل في حضن أمه على الرمل الصافي. تتركه على سريره الناعم أحيانا لتأخذ حريتها في الحركة لثوانٍ معدودة..
أراها الآن من المرج المحاذي للبحر، تسترجعه إلى حضنها وكأنما تركته لساعات وأيام. حركة اخذ الطفل تشي باللهفة والشوق المتراكم. تأخذ في ملاعبته بكلمات وعبارات كثيرة، بعضها ساطع الحب والتدليل، وهو ينهنه ويهذي كما يليق بطفل لم يشرع في الكلام بعد. وهي تحاول تحويل لثغة الطفل إلى مفردات ضمن سياق مفهوم في التخاطب والأخذ والرد. تحّول لغة الطفل إلى كلام مفهوم، كما يفهم البعض لغة الشجر والحيوان في قصص الخوارق والخيال.، كأن تقول، حبيبي (تقصد البحر) (تريد تشرب حليب) (آه هناك، تلك أضواء السفن العابرة) تضمه إلى صدرها بحركة لا واعية من فيض الرقة والحنان..
أنا الجالس على شرفة المرج المحاذي للبحر ساورني خوف من تلك الضمة القوية لطفل على ما يبدو لم يتجاوز شهوره الثلاثة الأولى..
عصافير بلون البحر تجمّعت حول المرأة ذات القبعة المائلة إلى الحمرة والتي رأيتها أكثر احمرارا بسبب شفق غروبٍ آسيوي. عصافير كثيرة تجمعت وطيور بحر مهاجرة، حول المرأة التي أخذت في توجيه الإشارات الغضّة بأصابع الطفل حولها وهي تعقد حديثا من خلق خيالها بين الطفل والطيور، التي ستأخذ طريقها بعد قليل إلى شواطئ بحار أخرى، وربما صحارى نائية لا يستطيع الرجل والمرأة ولثغة الطفل الوليد الوصول إليها في يوم من الأيام.

* * *

حدسُت أن الرجل الذي بكى أمام البحر، وهو يضم طفله إلى صدره بقوة حنان الرجل الذي فقد الأمل في كل شيء، وها هو يغطس في إشراق سعادة مفاجئة، انه تذكر أمه ، في هذه اللحظة، أمه التي فقدها مبكرا وتحولت في ذاكرة أعماقه إلى أيقونة يلفها النأي الموغل والغياب..
تذكرها في بهو ذلك الغياب المستبد، وهي تكرر عَتـَبها عليه ورغبتها الملحة في إنجابه طفلاً أو أطفالاً قبل أن تفارقه بالشكل النهائي. ذلك الفراق الذي كانت تستشرفه في كل رسالة تصله منها على فترات متقطعة..
وتوافدت على الرجل الغريب صور من حياته التي ما لبثت أن مرت أمامه كشريط لا تظهر منه لقطة إلا لتختفي أخرى، وتتدافع أمواجها مثل برق صاعق.
كان يرى أطيافها المدلهمة في شاشات الأفق البحري الكبير… كان يرى المقابر تلفظ موتاها من فرط التزاحم الذي يصل حد الاقتتال بين جحافل الموتى بهراءاتهم وأسمالهم البالية… كان يرى المدن والقرى، كان يرى الأصدقاء والأحبة الذين عرفهم ذات دهر، غرقى في وحل هاويات لا قرار لها.. كان يرى السماء تنهار بجُدرها وعروشها على رؤوس الضحايا والمنكوبين..
بكى الرجل من خشية روحية، وبكى من فرح غامض.

* * *

* قالت المرأة للرجل، الفجر قد بدأ في الظهور، لا بد أن المؤذن يستعد، لإطلاق أذانه، وديكة المعبد القريب تستعد بالصياح والتنبيه لمقدم الوليد. كل فجر هو مولود جديد في منفى الأزمان المتراكمة..
– عودي إلى النوم يا امرأة، لا أستطيع التفكير لا في الجديد ولا في القديم، رأسي مليئ بالصداع. قال الرجل للمرأة.
* عرفت أن الفجر على الأبواب، من غير أن أنظر إلى ساعة. لم تسألني يا حبيبي كيف؟ عرفت من خلال حركة الطيور في الحقل المحيط. وهناك نسيم يحرك الأشجار، وطائر وحيد يشدو بصوت يغلبه التقطع والنعاس. كان ذلك دليلي على قدوم الفجر الوليد.
– قلت لكِ عودي إلى النوم، قال الرجل للمرأة، فأنا متعب ولم انم طوال الليل.
* التنزه بين الأشجار المشعة بالفرح والبهجة مثل الضحكة الأولى لطفل يبدأ في النمو. ومراقبة انبلاج الخيوط الأولى لسناء الفجر الذي سيغمر البشرية بحضوره الحنون بعد قليل، حدث لا يعوض في رقته وجماله.
– لا أستطيع مراقبة أي شيء لا أستطيع إلا التمرغ في هذا السرير الحقير ومحاولة النوم. قال الرجل للمرأة.
* التنزه حتى يستكمل الغسق بهاءه الفريد الذي يتراءى للناظر في مرايا أفقية متموجة، أن ثمة شعوبا وأطفالا يسبحون بنشوة في مياهه البعيدة.
* نزهة الروح بين الأشجار المطلة على بحر غريب حتى ينبلج الضياء الأول للشمس الأزلية.

* * *

الغروب الآسيوي
الذي خلف وراءه كل هذا الحطام البهيج
وأشعل الفراغ في عينـْي رجل وحيدٍ
على شكل آمال وذكريات
شجرة (النارجيل) المتوجة بالوحدة والليل
الجدول الذي يتدفق بأحلام بشر رحلوا
حِذاء البحر
والمرأة التي تصوّر المشهد
حاسرة الرأس والفخذين
شعرها المتناثر في الريح
يجعل الأرخبيل يعزف لحن الخلود العابر

* * *

النهر، أحدّق في أعماق النهر
في الاتجاهات جميعها
تلك التي تشبه أفعى الحكمة التي لا تشيخ
ألقها الدائم في الذاكرة والطقوس
على صفحة المياه الموجودة قبل الإنسان
بانتظار تمساح يصعد نحو الأعلى
أو غراب يقلد مشية الطاووس
بيوت الصيادين التي لم يجرفها الإعصار بعد
يطلون من شرفاتها الخشبية
بعد نهار متعب
والأطفال يلعبون الغميضّة مع أفراس النهر
سفن قادمة
وأخرى تصفر للرحيل

* * *

الغابة الاستوائية الآسيوية، الأكثر كثافة من الغابة الأوروبية ذات الصنوبريات الباسقة العملاقة، فهي ملتفة بأشجارها وحيواتها ونباتها بوحشية مخيفة.. الضياع في مثل هذه الغابة يؤدي إلى الهلاك الحتمي، لأكثر من يوم واحد. تتبدّى الغابة الأوروبية على مهابتها مهذبة ومشذبة. ربما الحضارة وهي في أوج تطورها ألقت عليها رداءها القشيب، أمام الغابة الآسيوية. وكذلك اللاتينية التي يقع الكثير منها تحت سطوة هذا القوس الاستوائي الذي يضرب بمخالبه الحادة إلى إفريقيا.
غابات الأمازون الأسطورية غابات كولومبيا التي يتحصن في ظلال منعتها الثوار اليساريون وتجار المخدرات.
الغابات المطيرة التي جذبت الأدباء والعلماء والرحالة، وأوقعتهم في دوار غرامها الملتهب، وربما قادتهم إلى التيه الكلي، كما قادتهم الصحارى والمحيطات.
وأنت تمشي في الغابة وسط زئير الأرض المأهولة بكائنات لا مرئية. فأنت لا ترى إلا الغطاء النباتي الكثيف، وثمة كون غامض يرسل إشارات راعبة، كون خفي، هو سر الغابة الذي لا ينتهك.
الغابة حصنت نفسها بجيش لا يقهر ومهما بلغ العقل البشري في علومه ومخترعاته يبقى في الغابة كما في تجليات الكون الأخرى، مواطن لذلك السر الذي يستحيل اقتحامه وتفسيره.
وأنت تسير في الغابة تحس بدوار الوجود، مُجسِّدا ينتظرك أمام كل أكمة أو جذع شجرة ضارب بجذوره في أعماق البحار البعيدة، وفي ذاكرة السنين (بعض أشجارها يمتد لأربعة آلاف عام). ترى جذور الشجر أحيانا واضحة ومتوزعة حولها كمخالب نسر خرافي تتشبث في شراسة بتراب الأرض، كأنما تخاف الانفصال والتيه والضياع.
لكنك تحس وأنت في دوامة الرعب الجمالي هذا، أن في سكن الغابة والإدمان عليها، موطناً لرأفة. ثمة في قلب الغابة حنان غيم ومطر، في ضوء الوضع البشري وعنف تاريخه المراوغ. عنف الغابة واضح مباشر وعلى قدر جوهري من نصاعة التكوين والمصير.
حكايات الغابات التي قرأتها، الواقعية والرمزية، في كل الأماكن والأصقاع، يلخص روح الغابة ونبلها، في قدرة الدفاع عن نفسها بالأسلحة الصارخة في الليل والظهيرة وتلك الخبيئة وراء طبقات اللامرئي..
الدفاع عن كينونتها النقية وهي تلخص مع المياه وصحراء الغابات الرملية، الطبيعة الأولى للكون قبل أن ينحدر إلى مثل هذه الصفاقة والخراب.

* * *

كانت تسبح في عمق البحيرة ببطء وتأمل، انسكب المطر كثيفا، أخذت تقفز المرأة الستينية في هواء البحيرة المتموج كمراهقة غمرتها نوبة غرام مفاجئة.
أخذت ترقص على إيقاع المطر والموسيقى التي ابتكرها الخيال هذه اللحظة.
حضر زوج المرأة، طلبت منه أن يصورها وهي بين الماء والهواء مغسولة بشعاع المطر والأفق
لقد عادت المرأة الستينية إلى طفولتها وجمّدت الزمن في صورة بديعة،
كأنما المطر أزاح عن كاهلها ثقل السنوات على حين غرة، فاستعادت كنزها المفقود، انتزعته من قلب النسيان والزحام، وعاشت أبديتها الخاصة في هذا الجو الممطر على مدار اليوم والأيام.

 

جدَل الأحذية والطُرقات

يعْبر المسافر المسافات والأصقاع، الوجوه والذكريات، يتطلع إلى الحقول الشاسعة أو الصحارى الجافة ..
والغيوم الركاميّة تتطاير كالدخان، في الحقول والصحارى . من نافذة قطار أو طيارة أو باخرة تمخر المحيطات، المشاهد والصور كالوجوه والذكريات، تتداخل وتتقاطع أحياناً في رأسٍ (شهوتها محو المكان) ونزوعها الغياب. ليس ثمة من وقت طويل مثلما هو في العهود الغاربة يسفح فيه المسافر دموعه على الأحبة والأطلال، سرعة النقل والعصر تخطفه، لكنه لا بد ينزف في الداخل بصمت، وحين تتوارى بلاد عزيزة أو ذكرى، يحس أن ثمة شيئاً، اقتُطع من جسده، من روحه المقذوفة في خضّم رحيل لا ينتهي، رحيل معذَّب، لكنه لا يقر بذلك، فالأكثر عذاباً لديه وفداحة هو ما يدعوه بالاستقرار البليد …
حركة المسافر ووعيه بالحياة يختلف بالضرورة عن الآخرين . وعي المسافر وإحساسه مثل ذلك الإحساس الذي ينتاب الجندي الذاهب إلى المعركة، فيه الكثير من التسامح وانعدام المصلحة كغاية والتخطيط المسبق لحركة العلاقات ووجهتها، سواء العلاقات المكانيّة أو البشريّة .
ربما وجهة الجمال والشفافية الشعريّة تأخذ الجانب الأكبر، وذلك الإحساس بالخطر الذي تصغر أمامه أمور يظنها المستقرون غاية في الأهميّة…
البحّار في رواية (ميشيما) ثلاثيّة الخصب يبدي مثل هذا الشعور، وحين يودّع الأهل والصحب كأنما يودعهم للمرة الأخيرة. الحجّاج إلى بيوت الله المقدسّة، تنتابهم مثل هذه الأحاسيس أيضاً، ويحاولون التجرّد لجهة النقاء والعبور السريع على هذه الأرض.
***
ليس للمسافر أو المتِّرحل، من علاقات قارّة، دوران في الأرض ودوران في الأعماق، تترسب العلاقات الحميمة والعواطف فيها وتبني مضارب حنينها، لكنه يظل نهباً لهذا الدوار الأفقي الذي تتقاذفه أمواجه من غير رحمة لكن بعذوبة وجمال فريد…
العذوبة هنا تتوحد مع توأمها الاشتقاقي ؛ العذاب …. الجمال المؤلم الحزين…
يحاول المسافر في ليل العالم، التوحد بذاته، بما يظن أنه صلب وحقيقي في حياته كي يسند روحه ولا يتكئ إلى حائط الهباء المطلق..
إنه يشبه الحاج أو البحار فعلاً، لكن هذين الأخيرين يستندان إلى مُثل وقناعات ثابتة، وهو في حالته أقرب إلى البحث عن حقيقة غامضة أو معجزة مستحيلة الحدوث إلا بالموت ربما، وهو يدرك هذا ورغم ذلك الإدراك الأليم يواصل سيره وهروبه من أشباح غامضة إلى أفق أكثر غموضاً، لكنه أكثر تفتحاً على عوالمه الداخليّة، وما يظن أنه الخير والحق والجمال . هذه المفاهيم التي في غيابها يكمن الشغف بها وتكمن عظمتها الحقيقيّة .. وينفجر من هذا الغياب مناضلون أشاوس تخلّدهم الكتب والتاريخ . ينفجر مترّحلون في ليل الفكر، ومسافرون لا ينظرون إلا إلى الأحذية والطرقات..
جدَل الأحذية والطرقات، جدل معّقد لا يعرفه إلا من قَدَح زناد المسافة، وخبر الترحّل والفراق في وحشة الليالي والناس نيام.

 
وادي العيون

)كنا في طريقنا صوب الخليج، الذي يعد أكبر المسطحات المائيّة الخانقة في العالم، وهو ساخن منذ الأزل لوقوعه بين شواطئ ملتهبة حيث يندر جداً أن تسقط عليها قطرة مطر، وحيث السهول لا تعرف الخضرة، وحيث لا يتطور شيء في هذا الجدب السرمدي إلا مملكة الجماد فحسب . ومع ذلك كانت الرطوبة الخانقة ترهقنا وتجهدنا، وكل شيء لمسناه وجدناه رطباً دافئاً، بل كنا نتنفس البخار كأنما كنا واقفين فوق حمام ماء يغلي، أما الشمس العنيفة فقد أبقتنا في درجة الحرارة نفسها صباح مساء، تشرق وتغرب صفراء باهتة دون أن نرى أشعتها، لأن البخار يحجبها بضباب الشمال.(
المقطع أعلاه استُل من مقال الرحالة وضابط البحرية الفرنسيّة والكاتب (بيرلوتي) وهو الاسم المستعار لـ(جولين فيو) 1850-1923.
قليلة هي الكتابات المترجمة للرحالة غير الإنجليز، والذين جابوا صحارى الخليج والجزيرة العربية وبحارها المتراميّة حتى أعماق المحيط الهندي، الذي سيصفه مواطن (لوتي) بعده بقليل، أعني الكاتب الفرنسي )بول نيزان) الذي لم يكن في البحرية وإنما في الحزب الشيوعي – الفرنسي، حين كانت ايديلوجيا هذا الحزب تشكل نوعا من حلم خلاص للنخب الثقافية في العالم – وصفه بجحيم البحّارة.
عبر رؤية كاتبين فرنسييّن جابا هذه الأصقاع النائيّة الموحشة والتي تجسّد الفصل الأكثر جحيمّية ورعباً في الطبيعة .
على مستوى الكوكب الأرضي برمته ربما… تلتقي رؤيتهما في وصف هذه المناطق التي أحكمت قسوة الطقس والمعيش طوقها على كل الكائنات والأشياء. وجعلت البشر في امتحان دائم أمام هول هذا المشهد الذي تمسي فيه الحياة أشبه بمعجزة النبع الذي يتفجّر في صحراء قاحلة يسحلها بركان الجفاف من غير هوادة ولا رحمة، أشبه بمعجزة وادي العيون في رواية عبدالرحمن منيف (مدن الملح( ..

يمكن القول في هذا السياق، إن الطبيعة نفسها تمتحن وتختبر عنفها الخاص ،على هذه البقعة من أرض البشر والجوارح . حدود هذا العنف، الأفق الشاسع اللامحدود للقسوة حيث يبقى الربع الخالي شاهدها الأكبر، درة تاجها الملكي.
تختبر عنفها وقسوتها كما يختبر البشر جيوشهم وهي تستعد لخوض المعارك في تخوم الصحراء الحارقة أو في المدن المأهولة بالحدائق المخضرة والأنهار، وكما يختبر الجسد المكبوت حتى الانفجار، أناه الأخرى، أناه العاشقة وقد أمطرته حناناً وشهوة بعد طول غياب …
تقرأ عن رحلة الفرنسي في ذلك الزمان البعيد القريب حيث تصعد سيارتك الواقفة أمام العمارة، وقد تحولت إلى كتلة من اللهب . تدير زرَّ التكييف (هذا ما يميزك عن الأسلاف) تتحدث بقسوة إلى امرأتك التي تبادلك نفس الحدّة، تدير زر الراديو، تنهال عليك أخبار وتقارير الزحف القادم، (ضيوف الحداثة والعولمة) فيروسات الخنازير.
وأوبئة أخرى في الطريق لتكتمل عناصر هذا المشهد القيامي السعيد.
كرسي في مهبِّ المحيط

كرسي فارغ أمام المحيط
كرسي وحيد
يحتلّه الضَبابُ واليتم من كل الجهات
المحيط يرغي ويُزبدُ
المحيط الهنديُّ
بتياراته الماكرة
ودَفق موجه العالي
ينفث ضبابه القادمَ
من كلكوت
ليتحوّل جحيم الطقس
إلى جنّة وارفة..
الكرسيّ الذي وضَعَه
عابرُ طريق ورحلْ
تاركا مصيره
في مواجهة الموج والفراغ
ربما حلم به
موسيقيَّ من بلاد بعيدة
تشيلي أو كولومبيا
أو جزُر الرأس الأخضر
يعزف وحيداً في بهو الفراغ
الظلام الذي بدأ
ينشر مراوحَه على الربع الخالي
الرابض على مقرُبة ..
أو رسّام
أو شاعر تتجمدّ اللغة
في أعماقه كوعولٍ تحجرّت
في أعماق كهف
شاعر تهرب منه الكلماتُ
كما هربت روحْه وتشرّدت
في سديم الموج المرتجف والفراغ..
هناك في الأعالي
راع يسكن مع عائلته
من غنم وزوجة وأطفال
ينحدر حافياً
في حضنه طفل يبكي
وجرّة ماء
يقترب ببطئ وحذَر
وسط الصخور المسننّة
والضباب
حتى تلامس الرملَ قدماه
ويمضي على حافّة النيازك المدلهّمة
والفراغ
بلمح الكرسيَّ
يتأمله بدهشة وارتياب
يترك جرّة الماء جانباً
“يُجلس الطفلَ
الذي أخذ يستيقظ
من نشوة وغياب
يقف الراعي حِذاء الكرسيّ
والطفل الذي كفّ عن البكاء..
عائلة الفراغ تتأمل
الضبابَ القادم من الهند
والحليبَ المسفوكَ
في سراب المسافة
وترى رعاةً ينزلون بمظلاّتٍ
متبوعين بالقطعان الهائجة
ونجوم باكية
تزدرها الأعماق.