جديد الكاتب

كان يا ما كان

 

 
ان على القتيل أن يداوي جراحَه

قبل أن يموت

ويدلفُ الآخرةَ من غير نزيف ولا دماء

كان على الصباحات أن تنحني أمام هامة الغيم

كما انحنتْ هذه الأخيرةُ

أمام قبّعة مايكوفيسكي

كان على الذُرى والمنافي والنسور

كان على الليل أن يغمرَ البسيطةَ

بحلكته الحنون

التي استعارها من قلب المحيطات المدلهمّة.

كان على الصيف أن يضمحلّ قليلاً

مفسحاً للخريف مكاناً لائقا للأحلام الشعريّة

بأوراقها الصُفْر المتساقطة

كأموات لا يُعدّون.

كان على السفن والأرخبيلات

أن توجّه أشرعتَها

نحو الرحلة الكبرى

معانقةً أشباح الغابرين

من غير أمل في العودة.

كان على الظلال المنكسرة في المغيب

أن تعكس كآبةً أكبر

مخترقةً أحشاءَ السلطعون.

كان على السراب أن يحتضن القلبَ الواقعيَّ

محطماً ثنائية الفكر البلهاءَ.

كان على الضبِّ أن يكونَ أكثر حذَراً

في حفرته

من ذلك الانكماشِ المذعور في العراء

وكذلك أصحاب القصور

والعربات المصفّحة.

كان على الجدّ الأكبر

أن ينتظر ألف عامٍ

كي تعودَ اليمامةُ من قلب الطوفان

كان على بنات آوى أن يكون بكاؤهنّ

أكثر صفاءً في ليل الفجيعة

وعلى الدموع أن تكون هديّة

العاشق الأولى

كان على الأفعى الخبيئة في ظلمة “الروغ””1″

بوادي سمائل”2″

أن تكون أكثر يقظةً

أمام الفأس المسنون للطفل الجبليّ.

كان على الخروف أن يرتدي قناع المحارب

حين يضمحلُّ القطيع..

وماذا عن السحابة العزلاء

التي أراها تطلع الآن من خلف الجبل القريب

ماذا عن حفيف الكوابيس لشجرٍ يتمايل في نومه

عن رجال ينزلون من السماء

بأسلحة الإبادة

عن صراخ الأرامل يسري

في بهيم الليل الأخرس

عن وعلٍ تتدلىّ أطرافُه الجميلةُ

من فوق دابّة القنّاص

في ذلك النهار الحجريّ الذي يراودني

إليه الحنين

عن الإمام اليعربيّ الذي ينام متوحّداً

مع حصانه

في قلعة جبرين”3” المضيئة ككوكب

أو في غور المحيطات

مشتبكاً مع برتغالييّن أدمنوا البحر والقتال؟

“قيد الأرض، هل كان اسم الإمام

أم اسم الحصان مثل قيد الأوابد؟”

عن الوردة الموشكة على الذبول

وهي ترمق القطار يعبر حولها

بعنفوان الصباحات

وردة الروح

دمعة اليتيم

صرخة المظلوم؟

عن الجثّة تلملم أشلاءها

بغية الاقتحام وأخذ الثأر

عن الهواء المحقون بالوباء والكراهية

نتنفّسه ليلَ نهار

والأطفال الذين يبحثون عن المستقبل

في قعر القمامة

عن الشاعر الذي يحتضن مخطوطه كطفل

نجا بأعجوبة من براثن الأنقاض

والشاعر الأعمى الذي ينتظر الفجرَ

في القصيدةِ على ضوءِ شموع تهتزُّ

على متنِ سفينة جانحةٍ

في خياله ورؤاه؟

كان على رشفة الشاي أن تعبرَ

طريقاً وعِراً وطويلاً

كي تصل إلى الفم..

هوامش

1 ­ “الروغ” بالدارجة العُمانية هو شجر البردي أو ما يشبهه.

2 ­ سمائل” مدينة بعُمان.

3­ “جبرين” بلدة في المنطقة الداخليّة بعُمان .