جديد الكاتب

قطيع الجسور

هذا الصباح مثل عادة كل صباح، أنطلق من الفندق الذي أنزل فيه منذ سنوات ، فندق لويزيانا، الواقع في زقاق من أزقة الحي البهيج، المشرق بماضيه وسحره الهندسي شبه الريفية الحميمة، لم أكن أعرف هذا الفندق ، الشاعرة مرام المصري، هي من عرفتي عليه، فاتخذته مقرا ثابتا عندما أزور باريس. كما عرفتني على نزيله العريق الكاتب المصري الفرانكفوني ألبير قصيري، تلك الشخصية المدهشة ليس في الكتابة، وإنما أيضا في نمط العزلة والسلوك. كانت مرام قد أجرت معه حوارا مطولا عن طريق الأسئلة والأجوبة المكتوبة، فهو لا يستطيع النطق والكلام بسبب سرطان الحنجرة. دائما أراه صدفة داخلا أو خارجا، وأحيانا يجلس في قاعة الاستقبال بأناقة فائقة، وهو الوحيد الحي ربما من أفراد جيله الذي ينتمي إليه جورج حنين ورمسيس يونان فؤاد أنور وإلخ.. يجلس بأناقة وصمت يراقب العالم بعينيه الحادتين. هو الذي لم تكن له عائلة، يسكن العابر والعزلة وسط الصخب الباريسي الكبير.. مرة رسمت له صاحبة الفندق ، وهي رسامة، لوحة علقتها على المدخل. كان رد فعله الأول، تحريك كتفه بلا مبالاة، وبعد أيام طلب منها إزالتها. ميشيل بيكولي(الممثل المخضرم) صديقه يأخذه أحيانا إلى نزهات خارج المدينة، متذكرين مجد الحياة الغابر والفن. ألبير قصيري يشبه أبطال قصصه الغارقين في ترف الكسل وأناقة العطالة. الصديق محمد المزديوي أنجز، على نحو خلاق، حوله ملفا نشر في مجلة نزوى.

**********************
مثل عادة كل صباح أخرج من الفندق باتجاه نهر السين. جسر “ميرابو” الذي “تمضي تحته المياه والسنون ويمضي حبنا العظيم”، كما عبّر الشاعر “أبولينير”، وهو القائل أيضا: “برج أيفل أيها الراعي، قطيع الجسور يثغو هذا الصباح”. لكني أنزل إلى ضفة النهر من ناحية جسر الفنون، قاطعا أرضية المدخل للأكاديمية الفرنسية(الخالدين)، ومن أعضائها، على نحو نادر، الجزائرية آسيا جبار، بقبابها المذهبة اللامعة، بفضاء المدينة المتموجة بالجمال على نحو هرموني. أتذكر كلمة الفيلسوف الأمريكي “لندن صنعها الإنجليز لأنفسهم وباريس صنعها الفرنسيون للعالم”.
أقطع النهار أحيانا باتجاه معهد العالم العربي الذي لم يبق منه غير اسمه، بعد أن تعب الفرنسيون من عدم التزام الجانب العربي وصراع العصابات داخله،( ما علينا) أمشي حتى آخر جسر في الضفة وأعود إلى نقطة الانطلاق متوقفا أحيانا لكتابة جملة أو ملاحظة أو النظر إلى موجة أو طائر مفتون مثل السياح بمرح الصيف قبل أن يأتي الشتاء بفيالقه الكئيبة بالنسبة لهم والرائعة العذبة العميقة بالنسبة لي.
في هذا الصباح ألقي التحية على صاحبة النزل، “مونيكا”، أفطر في مطعم “بول”، أمضي عبر النهر في الاتجاه المغاير، تجاه الشانزيليزيه، حتى أصل إلى المرتفع الذي يطل على بداية الشارع الشهير.. أرى صفوفا من الجند والحرس، بمختلف تشكيلاتهم الملونة والطيران يرسم فوقهم، في سماء المدينة، ألوان العلم الفرنسي: أعرف أنها “14 يوليو”، عيد الثورة الفرنسية.
أعود أدراجي. كان مطرا خفيفا، والسحب تتراكم أكثر وتحتدم. هذا هو الطقس المثالي، وليذهب عشاق الشمس والحرارة إلى جحيم بْرُونْزاجهم اللذيذ.
أنا الآن في نشوة الحلم بقصيدة أو امرأة، رغم كوابيس البارحة. علينا أن نلغي كل العقود، تلك التي وقعناها في غياب الحلم كما يقول “بروتون”.