جديد الكاتب

فارس من العصر الجاهلي ينتحب على ظهر حصان

 

 
قالت البهيمةُ للراعي وهي تحتضر”

اقتلني، لكن ليس تحت شمسٍ حارقة.

ترصّدْ غيمةً

اصطدْها، حتى من خيالك البعيد

فلابدّ أن هناك غيمة عبرتْ

حياتك المديدة،

وتحت ظلالها الخضراءَ

اغمدْ مديَتك الرحيمة.

* * *

البحيرةُ النائمةُ من غير تموّج

ولا اضطراب

ينعكس الأزلُ على صفحتها

كما تنعكسُ الوجوهُ العابرة.

* * *

المقاعدُ الفارغةُ في الحديقة،

جلَسَ عليها كثيرون قبلي

من أماكن وبيئات مختلفة،

ذاكرتُها الملبّدة بغبار المؤخّرات، والوجوه

لم تعدْ تستطيع العدّ والإحصاء

لم تعدْ تتبيّن الفروق.

غير أن الطائر المسافر

حين يحطُّ على واحتها الظليلة،

تحتشدُ حواسّها لاستقباله

تبادله الضحكَ والهموم

تسافر معه من ثباتها المضجِر،

وتظلُ في انتظاره حتى يعود

متحمِّلةً تلك الجلسات الثقيلة

التي تشبه الاغتصاب

* * *

هذه اللحظات، هذه الأيام،

هذه السنوات المحتشدة بالفراغ والألم

وكأنها مجرة يتشرد سكانُها في رأسك

أو كهفٌ تستيقظُ فيه من رقدتها، مخلوقاتُ

ما قبل التاريخ.

لا قِبل على مواجهتها

لا عونَ ولا عزاء،

لكن قبل استسلام الضحيّة الكاملِ للجلاّد

عليك أن تنظر إلى السماء

نظرةَ الممعن في الخراب

أن تبتكر ربيعاً

تتفسَّح في أرجائه عقبانٌ كسولة

أن تنظر إلى الورق المتساقط

من رؤوس الأشجار

من غير أنينٍ ولا ارتطام يجرح صمتَ الأرض

أن تحدّق جيداً في البتلات

المتفتحّة بين الولادة والغياب

* * *

مدينة الكوابيس والرماد

مدينة الغرقى والجذام

أي خطيئةٍ تميد منها الجبال

كي يبتلعكِ الحوتُ الخرافيُّ

وتعيشين هكذا،

البشر في تجويفكٍ المتقيّئ

وأنت في بطن الحوت؟

علَم ممزق يرفعه جنودٌ أغبياءُ

يتسلّون بتعذيبكِ.

لستِ من الحياة ولا من الموت

وعلى عَتَبة الخشية منهما.

أنتٍ التمثال المتقنُ على أكمل وجهٍ

لأجيال اللعنة الأزليّة.

الخليل بن أحمد الأزدي

في ذلك الصباح الذي تمتطيه رطوبةٌ خانقة، وهواءُ بحرٍ كفيف، غادرتَ، ميّمما شطر “البصرة” حين كانت

موئلاً للنسّاك وضواري المعرفة. لم تودّع البحر والسهول والوجوه، ألقيتَ نظرةً أخيرةً أغزر تعبيراً واحتدا

ماً من نحيب، أكثر احتشاداً من الدمع المتحجّر في المآقي.

أدارتْ الناقةُ ظهرها للرَّبْع، فكان رغاء الحنين، حتى اختفى، وبقي القلبُ يخفق طوال الطريق الذي قصّرته

أحلامُك الأكثر جمالاً من وميض برق في ليلةٍ ظلماء، أو فتنة امرأة فارهة.

في البصرة انتبذتَ ركناً قصياً على شط العرب وعشتَ عزلة الزهّاد الذين صيّرهم الايمان أشبه “بخيالات

من فرط التوحّد والتسبيح”. كان لك إيمان المعرفة واستبطان الأقاصي التي لم يرتدْ مناجمها الوعرةَ، أحدٌ

قبلك..

العزلة الموصولةُ بروح أسلافك بتلك القفار التي تضيعُ في فجاجها العميقة، صرخةُ الرعيان والجوارح؛

حيث القسوةُ إكليلُ الوجودِ المثمر وشرطه.

كانت اللغة علامتُك لفهم الوجود، وهذا ما عرفتْه البشريّة بعد قرون. قرأت تراث “الإغريق” لكن كان

تماهيك مع كشوفك وحدوسك.

بحثتَ في أنساق الكلِم وتشعّباتها وطرائقها وكأنك في غابة، أشباحُها الحروف والكلمات المستعصية؛

فكان لك سبْق الترويض واتساق المعنى.

وكان الشيخ محي الدين ابن عربي، هو الآخر يحلم بقِرانه من نجوم السماء وحروف الهجاء­ كان ضجيج

الحروف ونَغَمُها يضيء ليلك الموحش، فكان “كتاب العين” العين وليست الألف أو الهمزة لأنهما ناقصان،

وسُلّم إلى الأعلى في هَرَمَ الحروف وبنيان اللغة.

العين الأكثر صفاء ونصاعةً من نبع جبليّ تذكرتَه ذات مرة، فراودك الحنين إلى مرابعك الأولى. بعد كتابك

المعجز، قامت قيامة الخصوم الذين أنكروكَ، وأداروا دوائر المكر، وأنت في صمتك بين الظلام والضفاف.

لقد شاهد “الأزهري” و”السجستانيّ” وغيرهما، شاهدوا عجزهم في مرآةِ خلودك؛ وفي ظل حقدهم المتطاول،

كانوا ينهبون إنجازاتك، ويغطّون نهبَهم بغبار الإشاعات.

لكن “سيبوبه” النبيل في “الكتاب” وابن “دريد” حفيد السلالة والمعرفة في “الجمهرة”، نهلا بامتنان وحب من

معينك، كما نهلتْ الأجيال اللاحقة.

أسلمَتْك الرياضيّاتُ، مكنون سرِّها وصرامتها، وأسلمتك النيازكُ ضوءها الغامضَ قبل أن تنطفئ في

دروب المجرّات.

لم تُغرِكَ نداءات أولي الأمر والشهرةُ والمال، ولا بطش الخلافة الآفلة.

A533;أنستُ بوحدتي ولزمتُ بيتي

فطاب الأنسُ لي ونما السرورُ

ولســــت بسـائــل يــوماً أناساً

أسـار الجندُ أم ركـــب الأميرُ?

كنتَ المنارة التي يهتدي بها العلماء والالتباس الدائم للأدعياء الذين لم يفهموك فكان تقديرهم لك أكثر فتكاً

وإساءةً من الأعداء.

أيها السلفُ الكبير

لك التبجيل والتعظيم

لك الغيمُ والسلام

لك الورد والصباحاتُ الهاذية في الحقل

لك الأحلام النافرة كعنق الحصان

لك الغيث ينهمر على قبرِك الوضيء

عشتَ وحيداً

منذوراً للمعرفة والجمال

ومتَّ

على منعطف النهر والزمن والعالم

الذي اعتزلتَه باحتقار.

لحظة احتضارك في ذلك “الخُص”

وسط نقيق الضفادع وألق الوحدة والليل

كيف صَعدَ سهم الروح إلى بارئه

وتسلّقت سلالم الحضور الكليّ؟

موسيقى الأفلاك

مستحمّا بهواء البحر

أجلس محدّقا في “الطريفة” و”إشبيليا”

كان عصفور ينقر على الخشب، بقايا طعام

كان رذاذٌ خفيف

كانتْ الرأفةُ تلامسُ

روحَ الطائر

وهو يتلاشى في المغيب.

مستحماً بهواء البحر

مصغياً لموسيقى أفلاكٍ

ومحيطات

تتقاطع أمام ناظري

بغضب ومحبّة

وأفكر”

أن الأرضَ ستغمرها المياه قريباً

ونعود إلى البدء،

إنها النهاية الرحيمةُ

أمام صنيع العقل البشريّ

للقيامة.

الديك الشركسي

بالدار البيضاء

في نادي الكرةِ الحديديّة،

أطعمتُ ديكاً محمّر العينين من الصياح

أطعمته من كفي مباشرةً

وكانت الموجةُ القريبة تغمرُ

صباحنا المشترك

وسَط ضجيج السكارى واللاعبين

وتلك الكراسي الرثّة

لمكان كان يغص بذكريات المستعمرين..

الديك الشركسيّ الحالم،

الذي بدا عليه التعبُ،

بعرفه الرهيف

منحنياً قليلاً وناحلاً

كقوس قزحٍ يعانقُ

أرضاً مقفرة.

الفاتحون الأوائل

هذا المحيط الهادر على فراشي

طوالَ ليالٍ ونهارات،

لا يهدأ أواره ولا ينام،

محيطُ الظلماتِ والأنوار

تجمّع أنهارٍ لأزمنةٍ فلكيّة

غادرتْ مواقعها واستقرتْ في أحواضه الكبيرة.

جابه الفاتحون العربُ الأوائل

جابه قراصنة من مختلف الأجناس.

أستطيع أن أتبيّن بعضهم الآن

ينطلق من مدينة “سَلا”

في الضياء الغامر للفجر

بسواعد جُدلتْ من بأس ومجازفة

يمخرون المياه كما يمخر الوحش

رمال الصحراء

يحلمون بالبطولات والنهب

في مساءات لا يعكرّ صفوَها

أعداءٌ غامضون

قَدِموا من قلاع مجهولة.

أرق

آه من ليالي الأرق الطويلة،

من حلكتها تنفجر أشباح كثيرة،

حبْكة السنوات الآفلة

شبحُ الأصدقاء الذين أصبحوا أعداء

مأخوذين بالثروة والحضيض،

لقد جفّت أرواحهم

نسوا هواء القمم الصافي

صاروا كوابيس

أعوادَ ثقابٍ تحرق الغابات،

القتلَة الجبناء

لماذا أتذكرهم هذه الليلة

أما زالوا موجودين؟?432;?432;

إنها علامة شؤم بليدة

عليّ أن أقلب الصفحةَ

وأتوارى خلف أكمة خضراءَ

ضفّة نهر

أو في قلبِ موجةٍ عاصفة.

سلام الروح

ما أجملَك أيها المسافر

في حلّك وترحالك

باحثاً عن سلام الروح

تقتفي أثر الظلال الشاحبة

لخيلٍ مرّت من هنا

أو قطار من هناك.

غادرتَ أراضيك الأولى

ولم تجدْ مُستقّراً على هذه الأرض.

نومُك مضطربٌ

وأحلامُك أكثر غزارةً من بحر

ذئابك التي تعوي

حتى توقظ المدنَ من سُباتها.

إنك الأجمل والأسمى

لك النشيد كلهُّ

ذؤابة الشجر المتمايل في النسيم

وحوريّات البحر.

السراب

بم التعلل أيها المسافر

“لا أهل ولا سكنُ”

كل شيء تطاير من يدك العزلاء

عبثا تحاول ترميم ما تبقى

لكن السرابَ الذي لاحَ لك منذ البداية

فسكنتَه، نصبتَ خيمتَكَ في أرجائه الشاسعة

صار موئلك الأثير

مُستقــرّ إقامتِك ورؤياك.

لكنّ الملاكَ

الذي بلمسته الحانية

أبدع الوجودَ الأثيريّ للروح

تحطّم تحت العجلات الثقيلة للعربات

وبقيتْ نظرتُه الحزينةُ

مترحّلة تحرس المسافرَ الحائرَ

في خضمّ الصحراء.

مطر

ليكنْ هذا المطر

مطر وداعِنا الأخير،

فكم هو مخيفٌ أن يكونَ على بقعةٍ

لم يمسسْها مطر منذ زمن بعيد

المطر الذي يهطل طوال الليل

يذكرني بأنينكَ المحتدم على السرير

رائحتُه التي تخضِّبُ الحقولَ الغائرةَ

في الذاكرة

وأقواسُه المتدفّقة من قِربٍ لا مرئيّة

قِرب سماءٍ مفتوحةٍ على ملائكتها

وهي تطير بأجنحة خضراء

كما في رسوم عصر النهضة.

أتأمّله الآن

بخفّة طائر ينقر موجةً في الريح

باسطاً جناحه الهائلَ

على جبروت المدينة،

على مخترعَاتها وأطباقها

وحطام أيامها الكئيبة.

النافذة مفتوحة

البشر مشغولون بطعام الصباح

لقد ألفوا المشهد حتى الانطفاء

النافذةُ مفتوحة على ليلٍ مطريّ

لا ينضب

البروق تتدافع بالمناكب

المحيط المتاخم يزداد هياجاً

واليد المباركة

تلئم حقلَ الجروح المزهرِ

في الأعماق.

أيها البجع الكريم

أيها البجع الكريم

تقفز بفرح على سطح البحيرة

بين عائلتك الصغيرة التي أبصرت

النور للتو.

كرُمك الغريزيّ هو الذي يجعلها تسبحُ

منذ الولادة بحنكة مجرِّب.

بالأمس أبصرتُك تترنح على حافّة

الغروب

في تلك الأقفار المداريّة للأرض

هِجْرتُك الدوريّة نحو الشمال

بعد أن يحاصرك قيظُ الصحراء

مع أجناس طيورٍ أخرى،

هناك تستريح

لتفرخ وتتكاثر بحنان واستحقاق

وتستأنف الرحلة من جديد.

قُبلة طويلة

في الحديقة نفسها

رجل وامرأة على مشارف العقد الأخيرِ

لأعمار البشر

في الثمانين ، حيثُ لا ضوء إلا ضوءُ الفناء

الباهر..

جلسا على حدّ البحيرة

وكأنما في رحاب الفردوس

مغموريْن في قُبلة طويلة، طويلة

حتى الاندحار الكامل للزمن،

قُبلة حرّكت المياه بقطوف دانية

جعلت الهواءَ أكثر شفافية

والبجع يعوم في

أحلامه الوارفة.

قسْورة

الأسدُ، الذي ورد اسمه

في القرآن الكريم “قسْورة”

وقد تناثرت تحت سطوته

الحُمُر الوحشيّة وتشظّتْ،

وله عشرات الأسماء كالسيف،

وكلها رديفة البأس والمجد والافتراس­

أراه الآن يفترشُ نعامةً تحت

قدميه الضاريتين

ويستعدُ لانقضاض آخر.

سربُ يمامٍ حطّ على مقرُبة

وعصافيرُ غنّتْ رشيقةً على

عنق التمثال..

هل سيكتفي بطريدته

وتهدأ روحه الغاضبة؟

إلى عبدالله الطرشي

كيف غادرتِ مبكراً هذا الجسدَ

أيتها الحياة

قبل قليل كانت تهطل أمطارُه بغزارةٍ،

متحدثّا عن شوبنهور، والمتنبي،

وإخوان الصفا

عن الطيور المهاجرة ونبات المحيطات

هكذا فجأةً يصعقه جناح الموت

كأنما تبخلين به، أو رأفةً منكِ

أيتها الحياة.

لسنا مصدومين

لكننا نسأل

من أعطاكِ كل هذه الحجة للمغادرة

كل هذه الصرامة في القرار؟

أليس من وقت قليل،

أنتِ توأم الأزمنة،

كي يلقي إيماءةً أخيرةً على محبّيه

وأشيائه المبعثرة في أرجاء المدينة؟

نعرف أن أسئلتنا مضحكة

لكن الرهينة ماذا تفعل أمام سجّانها

الأزلي؟

صورة الوجه

كان وجهُها المنعكس على زجاج النافذة

وهي تتحدّثُ إلى رفيقٍ مجهول.

نظرةٌ على الكتاب وأخرى إلى الخارج

حيث الشجرة المبتهجة بفنائها القادم.

ركّزتُ النظر على الزجاج

كي لا أزعجها

كي لا تشعر بتطفلي على مسرحها الخاص

رغم سطو قَتَلةٍ لا مرئيّين عليه.

تجيلُ النظرَ في الجهاتِ كلها

لكن مركز الجذْب الداخليّ،

هو فضاء هذا الجولان حصْراً

وما تبقى، ليس إلا يباس حطبٍ

لإشعال مواقدِها.

لم تكن اللجاجة ديدنها

كانت هادئةً وجميلة

كمنْ حدّد مصيرَه على نحوٍ حاسم..

كانت المرأةُ،

وكان الزجاج الذي علِق به ناظري إلى الأبدْ

وكانت الشجرة في الخارج.

حديقة

نهار غائم آخر

في حديقة التماثيل والوعول

لقد توارت الشمس المرهقة للأعصاب

وعليّ أن أفكر أنها غابتْ إلى الأبد

كي أعيشَ سلامَ هذه اللحظة

زارعاً في تخومها عشبة الحياة

والحبّ بعينيه الدامعتين مطلاً

من بين أكمات الأشجار

همهمات طيور تشبه رعوداً ناعمة، حنونة.

غير مُثقل بالماضي ولا بالمستقبل

هذه اللحظة فقط

وقد غمرتْني بسخائها وشمسها الغاربة.

بجماليون المتشرّد

ضربة جناحٍ موغلٍ في الشباك

أم ريشة تنفصل عن جسد الطائر

لتضيع في الفضاء المدلهم.

هكذا كان يذرع المدينة جيئةً وذهاباً، بالنظر الزائغ، والرغبة المخنوقة في عنق النبع، ينظر إلى البشرية

المتدفقة من المقاهي والمطاعم والحانات، زاحفةً نحو البيوت والأسِرَة الدافئة، ليبدأ الوجه الآخر للنشاط

البشريّ البائس، في مواجهة البرد والعواصف والليل..

إنه يوم عطلة.. كان في الزاوية، لقد تعب من العزْف على الكمان، وعليه أن يتسلّق تلال عتمتِه، وحيدا

ويحلم بحلمٍ يغذّي رغبة بقائه، إلى صباح آخر، صباح مليء بالظلال والخيالات والأنغام؛ ليواصل

عزفه وتحديقه الباردَ، تحديق التمثال الذي صنعتْه يد الفنّان المتشرّدة في طرقٍ وأقاصٍ مأهولة بالأشباح.

ومن فرط ما حلم الفنان بتمثاله والتمثال بصانعه، أصبحا كائناً واحداً يشع جمال العزلة والمغيب.

ويواصل التحديق على نحو ساخرٍ إلى البشريّة الزاحفة الى مخادعها متصنعة البهجة والحبور.

وهو منتصبٌ في العراء كعلامة على التجرّد والخلود

محاولة رسم لوحة

أحاول أن أرسم لوحةً لفجر عسير الولادة”

جثة تطفو على صفحة النهر

فيلسوف يرتجف هلعاً من فيض رؤياه

تحية الوداع التي تتحجّر في الشفاه

أو القُبلة التي تنطفئ لحظة الشروع فيها

سيّارات الإسعاف التي يحتجزها القَتَلةُ

في شارعٍ يغصُّ بالجرحى

زهرة تحلم بالتفتح فتكسرها الريح

قميص يتدلى من حبل الغسيل

وحذاء مقلوب

طفلٌ عالقٌ في مضيق الرحم

نور يختنقُ بحنينه إلى السطوع

سفينة تترنح وسط الإعصار

وفجر يحلم بنقيضه.

ولا تكتمل العبارةُ التي فرّت من مخيّلة

الشاعر لتحط في بحار بعيدة.

الجنازة

إلى مفيد نجم

كان ينظر من النافذة

الى البشر السارحين في القُبل والابتسامات

لم تكن له نافذة

كان ثقباً في الجدار

نَسيه السجّانون في عهودٍ غابرة

قرّب النظر أكثر

إنه يوم آخر، في مسيرة الأيام التي لا تصدأ

رأى الشارع يمتدُّ إلى ما خلف الرؤية

وما وراء السحُب السوداء

البشر يتدافعون من الجهات الأربع

سائرين في صمت

على رؤوسهم تحلق طيورٌ هائجةٌ

ملائكة الرحمن التي تحرس الموكب

من غير أن تلمس الرؤوس المحنيّة إلى الأقدام.

حاول أن يسجّل التفاتة أو همسةَ جارٍ إلى جاره،

كما اعتاد في مراقبة الأوّلين.

لكن الجنازة تمضي هذه المرة في صمت أبدي

من غير غشّ ولا رمشة خيانةٍ أو كلام في الخفاء،

وحدَه نباح الكلب

يأتي من جهة البحر،

إشارة الوداع الأخير.

على مشارف الفجر

الساعة الرابعة

الأجراس تدق من جديد

الليل قصير، وعار من غير سندٍ، يتوهُ

في الأزقة والغابات

لا نباحُ كلب ولا صوت يبزغ من جهةٍ ما

عدا الصحراء التي تهتز وتتهاوى في

أعماقي كشجرةٍ ميّتة.

الساعة الرابعة

نحن على مشارف الفجر

صوت بُط يختلط بأصوات طيور أخرى

ويتصاعد بشدّة.

صيادون يرمون شباكاً في الحلم

نسمة ربيع لا يأتي

لقد جادت بها الذاكرة،

وفارس من العصر الجاهليّ

ينتحب على ظهر حصان.

حياة

كان العجوز يتكئ على عصاه

خطواتُه الثقيلة

وأيّامه الأكثر ثقلاً

لا يكاد يرى أمامه، عدا تهاويلَ

ووجوهاً تتوارى في العتمة.

يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة

تشبه حياته

تلك التي مرّت جحافلها قريباً منه

وأعشتْ عينين غائرتين في كهف.

طائر العقعق

طائر العقعق، بذيله الطويل، لا يشبه عقاعقَ طفولتنا المكسوّة بالألوان، والتي كنا نصطاده

ا من رؤوس الأشجار والتلال والنخيل وتسقط كقطعة موجٍ حالمة..

كانت تأتي إلى القرية بشكل موسمي، وكنا نراها أشبه برسُل أو رمزٍ لطيور الجنّة؛ هذه الرسوليّة

المتخيّلة لا تعفِها من الذبح والافتراس.

طائر العقعق حين أراه كل صباح ينقر العشب على أديم الأرض برفق ورهافة، ربما كي لا يزعج الموتى

في مساكنهم­ خلاصة ما اكتسبتْه السُلالة من لطف في تعاملها مع الأرض والأشياء، يمدُّ عنقه إلى أعلى

من غير التفاتة خوفٍ، يصدح كأنما يتضرّع إلى الربّ بمزيدٍ من الجمال والخضرة التي يغطسُ في لُجينها

بعذوبة وحياء..

لا تكاد تراه إلا زوجين اثنين نزلا للتو من سفينةٍ دمّرها الطوفانُ وها هما يحتفلان بعيد ميلاد جديد.

حين أرى طائر العقعق كل صباح، أعرف أن يومي سيكون جميلاً، ثمة وعْدٌ بالحياة.

معرض تشكيلي

عاد الفنانُ من رحلته المفْعَمة بالأشلاء والأخطار.

حدّق في أرجاء المكان ليرتاح. قال يا ربيّ امنحني هذه الهنيهة قبل أن تدهمني الحرب.. لم يرَ إلا فراغاً

مفتوحاً كقبر.

ابتكر ريفاً ونام بين أشجاره ورؤاه.

لم تكن الأصوات لتزعجه

لم تكن هنالك أصوات

كان ضجيج الصمت

وكان غناء العصفور.

أكباشٌ بعيون بشريّة أليفة

وديكة تطير بين الأغصان، في بستان سماءٍ خفيضةٍ

أمطرت هذا المهرجان من الألوان.

الثعالب تسرح في سفوحه

والطاووس يحط بخُيلاء، راسماً طرقاً

محفوفةً بالينابيع.

تفاح يتساقط من غير ندَم ولا خطيئة.

و…. إلخ

رأى الفنّان ذاتهَ في مرآة حكايته، فبكى فكانت دموعه الأنهار.

ارتاح للبقاء على أرض خياله

حتى ولو داهمته الحرب.

دولس”1″

كانا مشدودَين

إلى قوسِ الحبّ الضاربِ حتى الموتِ والجنون.

كان الجسد المقيم في الروح

كانت الحياة المقيمة في الحب

كان التيهُ والزمنُ والغابة

والمدينة المدمّرة لأحلام العاشق

كان القدَر الممسك بحبل المصير

كما تمسك الأيادي، الدُمى في مسرح “البرانكو”

تلك الهضاب من الألوان والدهشة

والطفولات المجهَضة،

التي تستحوذ دائما لحظة انسداد الأفق.

ربما نجمة عبرتْ من غير وميض،

والشجرة المشرفة على مهاويها

حيث الجسدان ، جسد واحد يتدلّى

في بهائه الثلجيّ العميق.

حارس المقبرة

كان الظلام المطبقُ على المقبرة

وكان صمتٌ رهيبٌ

تستطيع أن تلمح بين صخوره الجاثمة،

أرواح الموتى

وهي ترتجف وتهْذي؛

حين مررتُ عليه وهو يكرع “الريكار”

كعادة العمال المهاجرين أيام الآحاد.

قلتُ له، كيف تستقبل زوّارك الأبديّين،

صباحَ مساء؟

قال، لقد أدمنتُ الريكار ومعاشرةَ الموتى.

لم يعدْ لي متسعٌ لعواطف وذكريات، حتى المرأة التي تشاركني أحياناً هذه الوحشة وهذا الظلام، انقطعتْ،

وأقلعتُ عن التفكير فيها. هذه حياتي وستمضي مثلما يمضون. وغالباً ما أرى قامات الموتى في الأحلام

وهي ترقد في التوابيت أو الأضرحة، انها تشبهني، أو أنني هو ذلك الميّت، فأركض إلى مرآتي المتصدّعة

لأرى إن كان وجهي ما زال يسكن جثتي، أم غادر إلى مصير آخر.

وحين تستبدُّ بي الرؤى المدلهمّة، أمضي إلى رفاق الحانة محاولاً أن أنسى. دائماً هناك الموت والريكار.

إن حياتي مليئة بهما ولا فكاك.

حاول أن يتحدث عن بلد المنشأ

فتعثر في شباك الكلمات. كان الموتى هم عائلته الحقيقيّة

ولا شيء سواهم،

إنه كائن النهايات.

وحيد القرن

النافذةُ مفتوحةٌ

على الغابة والضَبَاب

والشاعر في وحدته،

ينظر إلى الأكوان الفسيحة والطيور

يقترب منه وحيدُ القرن الباحث

عن عذراءَ

تستقبل شحنتَه الانتحاريّة

“وحيد القرن الذي اصطحبه A533;فلليني? في سفينته المبحرة”

ومن النافذة نفسها

يمكن للشاعر ووحيد القرن

أن يحدّقا في الصحراء المترامية

ويرقبا قطعانَ الجمال تبتلعها الرمالُ

حتى تسود السكينة الحبلى من جديد.

الزنزانة

الطبيعةُ المُصَابة بالدُوار والارتجاف

تنعكسُ على حدَقَة الضفدع المذعور

قافزاً من ساقيةٍ إلى أخرى

والظبي المطارَد في القمم والسفوح

وتنعكسُ أكثرَ على عين السجين

الذي يفكر، بأن لا خلاصَ

من هذه الزنزانة.

أقدام

آثارُ أقدام هاربة على الأرض

مع خيط دمٍ مسترسلٍ إلى اللانهاية

يتبعه القفّارون والكلابُ

وشاحناتُ البوليس؛

تلك زاوية من اللوحة الكليّة للمدينة

مع كل زوال.

انعكاس جسد امرأة

جسدُها المنعكسُ على زجَاج الحمّام”

هديل يمام ناعسٍ بين الأغصان

حديقة غنّاء في حلم مراهق

توترّ القوسِ لحظة الانطلاق

بلّور يعلوه ماءٌ وبخار

فاكهة في برهة النضج القصوى

ثغاء ماعز يعبر النهر في الظلام

التفاتة الجؤذر في الخميلة.

جسدُها المنعكس في الزجاج

وهي تمسحه بالفوطة الرطِبة،

حقل زهور بللّه المطر قبل قليل.

الغابة

من يأتي الغابةَ كلّ صباح

كمن يقرأ كتاباً عميقَ الأغوار،

كل شيء يشعُّ برؤية جديدة

كل عبارةٍ وغيمة وشجرة،

كل امرأة وزهرة أوركيديا

أو تمثال يترحّل بين الأزمنة منذ القِدم.

السمك السابح في البحيرة المعتمة.

والصفحة المتلألئة بغموضها الساطع

كشمسٍ تتخللّ أشجار الغابة.

كل شيء ينحني بحنان وكبرياء

تحت سمائه المسترخية.

كل كتاب غابة

وكل بحرٍ كتاب.

حلم واقعيّ

كنتُ أتنزّه في غابةٍ تفضي إلى أخرى،

على كتفي الحقيبةُ السوداء

التي حملتُها سنين وقارات

من غير أمل في العودة.

الحقيبة التي أدمنتْ ضياعها الخاص

ودائما بانتظاري على منعطف كل طريق؛

فجأةً وجدتُ نفسي أنحدر

نحو سوق القرية التي ولدتُ فيها

بين الدكاكين الصغيرة

التي يجلس الباعة والمشترون في

ردهاتها الخارجيّة

يتبادلون الأحاديثَ والنكات

وأخبار الحروب البعيدة.

ما زال المشهد على حالِه”

بقايا خرير لمياه الوادي الخصيب على

مدار العام

والأفعى التي أطلقتُ عليها الطلقةَ القاتلةَ

فسقطتْ من شقّ الجدارِ

الى عَرْض الطريق

أمام حشْد الكبار والصبية اللاهثين.

يومها كان الوالد فخوراً

وكانت النخيل تعلو بقامتها السامقة.

ما زال المشهد على حاله

لكن رعداً زمجرَ في أعماقي

جعلني أنظر عبر الأحقاب التي مرّت

بزواحفها ونحن نيام

إفريقيا

تماسكوا بالسواعد والأيدي

الأيدي التي صَنَعَت مجدَ الإنسان

شدّوا الحبالَ إلى الصاري

الأقدام تغوصُ في الرمل

النساءُ على الشاطئ يرسلنَ

نظراتٍ حائرةٍ إلى الرجال الذين

صعدوا على ظهر السفينة بانتظار بزوغ النجم الذي سيحملهم ضوءُه

نحو إفريقيا.

أنهار

النوافير والسواقي والقنوات

المتدفقة من رحاب المسيسبي، والتيمز

والسِين، وغيرها، بمصبّاتها الكبيرة حيث يحجُّ السلمون والحنكليس في دورات سلاليّة متعاقبة.

الأنهار التي صَنعْت الخيرَ والنماءَ والموسيقى

لشعوبها الآهلة،

بين ضفاف الدساتير والأقمار السيّارة

والتقنيات الممسكة بعنق الكون والتاريخ.

هل هي الأنهار المتدّفقة دماً ووبالاً على الشعوب الأخرى؟

حيث الخطوات تمحو أثرها، فلا أثرَ للعابرين فوق أراضي الجوع والعطش والإبادات، لأنهم في عداد

الحيوانات النافقة سلفاً.

ستتكرر المهزلة الباكية، وستكون لهم تمائم يعلقها القتلةُ على صدورهم، وقرى صغيرة يصورها السوّاح

كذكرى لشعوب بائدة، أسوةً بشعوب أخرى تشاركها الذكريات والمجازر والارتطام الأعمى بجدار التاريخ.

القتلةُ يتناسلون من كهف الضحايا والأنهار تتدفّق حاملةً نواح السنين.

احتضار

الرجل المحتضر يتذكرّ حياته

التي تتراءى أمام عينيه

كصورٍ مهّشمة أو ناقصة

“لم يعدْ له خيالٌ ليكمل نقصانها،

رمح خياله المكسور”

أو كأسماك تتقلّص المياهُ من حولها

حتى تغرقَ في اليابسة والفراغ.

الصور تهربُ

الهباءُ يتطاير في الريح.

عين حصان مفقوءةٍ بمخلب نسْر

حصان يحتضر حول القلعة

ويموت برصاص الرحمة

وهو يتذكّـر المراعي والإناث

والحروبَ التي خاضها في الأزمنة البعيدة..

الرجل يحاول أن يتذكّر

لكنّه لا يستطيع

فيحسّ بموتٍ مضاعفٍ،

إلا أن حصاناً يتراءى له عبر النافذة

وهو يركض في تخوم الغروب.

الأجداد

عاشَ أجدادُنا في لَهبِ الظهيرة،

في يدهم المحراث والحريّة

قاتلوا الوحوش والرجال المدجّجين

شاهدوا نجمةَ الصباح

تُسْعف الجرحى بين الجبال

شاهدوا العشبَ ينمو

بين تضاريس الصخور

والقوافلَ تسرح بين الهضاب والأودية

تحمل الرزقَ الوفير.

تزوجوا من نساءٍ كثيرات..

شاهدوا انقلاب الفصول

والسفن الخشبيّة تشقُ عبابَ المحيطات.

كتبوا قصائدَ الرّجَز الطويلة

في الفقه والرحلات

استوطنوا بلداناً غيرَ بلدانهم

بعد أن أخضعوها بالسيف والمنجنيق

بنوا الحصونَ والأبراج

وأخصبوا الأرضَ الموات

ثم ناموا في أجداثهم

حالمين بآخرةٍ سعيدة

* * *

يتيمٌ بين الأنقاض

يطارده خيال الحرب

يطارده خيال العائلة

والطفولة المنقرضة

تلاحقه فكرةٌ تتضوّر جوعاً في رأسِهِ

وتنتشر في كل خلاياه

كيف سيكون الانتقام؟

* * *

كل لحظةٍ تأخذني الأقاصي

الى مآرب أخرى

فأمسحُ الدم المتسلّل من جبهتي

وأواصل الطريق

* * *

شيئاً، فشيئاً ينحسرُ الثوبُ

عن الأفخاذ البيضاء

أمام مدّ المياه.

القطُ المتحفّز يبلعُ ريقَه

متلمّظاً تحت الشجرة.

* * *

“الإنسان يفترسُ نفسَه في العزلة ويفترسه عددٌ لا يحصى مع الآخرين”

ليس ثمة مجال للمفاضلة، فليس هناك ما هو أكثر تدميراً وافتراساً من مجرّد الاقتراب من سلطة القطيع.

* * *

هذه السرّةُ المتلألئةُ تحت بطنٍ المرأة

هذه الحفرةُ الصغيرة الدافئة،

مركز جذْبٍ وأشواق،

يمكن لطفل التمساح أن ينزلقَ منها

نحو عالمِ الضفاف السُفليّة.

* * *

يمضي الشرطيّ في شوارع المدينة

مزنراً بسلاحه المعدنيّ وعصاه الصلبة

لا يكاد يسرح بخياله قليلاً

إلاّ ويفكّر السلاح، بمعزل عنه،

المسدّس نحو أي جسد يخترقه الرصاص

العصا على أي الرؤوس تهوي

هذه الليلة؟

* * *

ينحني الموسيقيّون للمصفّقين لهم في الحديقة.

تنحني السماءُ لأول طائرٍ

يعبرها في الصباح.

* * *

السعادة التي تتهادى في النسيم الطَلْق،

يتلقّفها النسر الناعسُ بين جناحيه

ويطير بها إلى قممٍ بعيدة.

عزاءات

لا عزاءَ للمرء

حتى وهو يكتب أو يفكر في البحر

ممتطياً بطن امرأة جميلة

حتى وهو يقرأ الفلسفة التي تبدو متفائلة

مفكراً في التناسخ

والحيوات الماضية والمقبلة.

أو يُخضع القارّات لدفْق لغته العارمة

مستعيداً بهاءَ الأيام والطفولات.

لا عزاءَ في الترحال

ولا في وهِم الإقامة على أرض الأسلاف

لا عزاء

إلا في نَزْعه الأخير

والعودةِ إلى سديم ما قبل الولادة.

الشعور بالبركان

الخيل التي يخبطُ حافرُها الأرض

بجنون وعصبيّة

حتى يتطاير الشررُ من الأعماق.

الطفلةُ تقترب من الخيل

تحاول أن تفهم

العائلة كلها،

تنظر إلى الجهات

لعل الأعداء قادمون من وراء التلال،

لكن لا أحدَ

لا ظلّ قادمٌ في المتاهة.

الخيل تخبط

صهيلها يحتل الأفق

الشرر يتطاير

الأرض تهتز تحت وطأة البركان.

هامش

1 ­ فيلم للمخرج الياباني كيتانو .