جديد الكاتب

غروب.. حسن داوود

في روايته (مئة وثمانون غروباً) يكتشف “بطل” الرواية
بعد عشرين عاماً على حياته في (الزهرانيّة) ذلك الحي الواقع لجهة البحر والمطل عليه، يكتشف ، وهو في خضم الليل والأرق وما يعنيه من تدافع الصور المختلفة والخيالات، بأن الزهرانيّة ليس بها مقبرة! إنه لأمر محيّر حقاً، فالحي ليس باخرة لترمي موتاها في عرض البحر، إنها على الأرض وعلى حافته فقط..
حسن داوود الروائي اللبناني، إتجاه، ربما فريد في سياق الرواية العربية. تأخذ التفاصيل والأشياء المبعثرة والمهملة غالباً الحيّز الأكبر في فضاء الرواية المحكم لديه. الوصف الذي لا يكل لتلك العوالم مهما صغرت وقل شأنها.. وصف نابع من عين تأمليّة تستقصي بهدوء ظاهري وما يشبه الحياد والتجريد.. لكن القارئ الصبور لا يلبث أن يستبصر ما يمور تحت هذا السطح “الموضوعي” من مشاعر محتدمة، من عنف يغلي، وطفولة يطويها الزمان وتبقى عالقة في أهداب التفاصيل والأشياء التي يقذفها العقل الباطن بهدوء البراكين النائمة على سفح الجبل أو البحر..
ولا يلبث المكان المجرد أن يتعين في مخيلة القارئ ويأخذ مداه الجغرافي والروحي.
رواية فريدة فرادة العزلة والحيوات المنسيّة.
***
حسن داوود ، منذ (عمارة ماتيلدا) تلك العمارة الواقعيّة والروائيّة ، في قلب بيروت الحروب والاجتياحات والتهجير … تضم العمارة أصناف البشر وأنماطهم ، العقائد والمذاهب والسلوكيات على اختلاف المشارب والأمزجة …
يرصد الروائي بدقة مرهفة وبطيئة بطئ المياه المتدفقة بصمت ، ما آلت إليه أمور البلاد والعباد ، من أحوال وانهيارات .. يرصد الزمن وتحولاته : نتذكر تلك المرأة ، ربما ماتيلدا ، حين أدركت تقدّمها في العمر والزمن من خلال الجوارب التي تلبسها .. تدرك في تلك اللحظة العابرة في مسار العادات اليوميّة ، أن العمر داهمها مثلما داهمتها الحروب الكاسرة .. من خلال هكذا لقطات ، يستبطن الروائي تصدّعات الشخصيّة والمكان..
في (أيام زائدة) تلك الرواية الاستثنائيّة ، التي تتمحور كلياً حول (الشيخوخة) والزمن المراوغ الذي قذف بصاحبه إلى هذه المرحلة “أرذل العمر” . هذه الحفرة العميقة من المعاناة والوحدة والهجران حتى من أقرب الناس الذين انسلوا من الأحشاء والأعماق…
بسام حجار الشاعر الراحل صديق الروائي يقول في إحدى روايات حسن:
(كثيرٌ من التواطؤ في هذا الكتاب بين المؤلف وشخصيّاته على سرد منازل العزلة .. كتاب محزونين وحمقى ولا مبالين وأنقياء . كتاب بارع. لعلّه تحفة).