جديد الكاتب

عويل الذئاب” للشاعر العماني سيف الرحبي بالألمانية: يلفح البرق أيامنا

“عويل الذئاب” للشاعر العماني سيف الرحبي هو أول ديوان يضم مختارات من العديد من مجموعاته الشعرية يترجم الى اللغة الألمانية ويصدر عن دار هانس شيلر للنشر في برلين. مراجعة نقدية للديوان كتبها فولكر كامينسكي.

سيف الرحبي، الصورة: صموئيل شمعون
Bild vergr?rnالشاعر العماني سيف الرحبي سيف الرحبي شاعر معروف في عالم الأدب، يصدر دواوينه الشعرية باللغة العربية الواحد تلو الآخر منذ الثمانينيات. تُرجمت بعض قصائده الى اللغة الإنكليزية ونشرت مختارات منها على سبيل المثال في مجلة “بانيبال” الأدبية التي تصدر في لندن. ولم يحظ القارئ الألماني سوى ببعض الترجمات المختارة التي نُشرت في أنطولوجيات باللغة الألمانية تناولت الشعر العربي.

في عالم الأحلام

وضعت “دار هانس شيلر للنشر” البرلينية بين يدي القراء ديوانًا للشاعر العُماني يحمل عنوان “عويل الذئاب”. ويحتوي الديوان على 44 قصيدة هي بمثابة جمع متنوع لمختارات شعرية للرحبي من كافة مراحل عطائه الأدبي. وقد صدر الديوان في كتاب باللغتين العربية والألمانية، بحيث نجد القصيدة العربية بجانب ترجمتها الألمانية.

تتعدد أطياف المواضيع التي يعالجها الرحبي، ومنها: الوحدة، والنزوح، والحرب، والترحال، وذكريات الوطن، والحياة في الغربة كما في الصحراء. وغالبًا ما يشعر القارئ بأنه يدخل عالم الأحلام، حيث تَصِفُ الأنا الشعرية انطباعات حسية تلامس الخيال أحيانًا وتنسج ترابطًا غير مألوف بين الأفكار. كما تتلون قصائد كثيرة بأمزجةٍ مُلِحّة وأحيانًا موحشة.

حضور الطبيعة

واللافت أن هناك استشعارًا للطبيعة ولعالم الحيوان، حيث يرد ذكر الأفاعي، والثعالب، والذئاب، والجمال، والشجر، والأودية، والصخور. وبالرغم من هذه الصور المحسوسة إلا أن هناك قدرًا كبيرًا من التجريد الفكري، والتأملات الغريبة المليئة بالأسرار التي تبقى عصية على الفهم. فعلى سبيل المثال، من الصعب فك رموز :

“من التفاتة ذئب أرى في ضحكته/هجرة الأسلاف”/ أو/ “وأن شرابينه، تتوزع في عيني/جائع، يتسلق صرخة احتجاج.”

كما يبذل القارئ جهدًا من أجل فهم:
“يهيمون، يزحفون جميعًا كالأفاعي/الجريحة/تتعثر في ذاكرة الشتاء”

كما نتساءل عن قصد الشاعر في:
“في الطرق الأكثر وعورةً للصمت”؟

مقارنات من هذا النوع نجدها كثيرًا لدى الرحبي:
“ربما الظهيرة/تقرع بعصا الأعمى/أبواب الحنين”
وتبدو تعابير من هذا القبيل متحذلقةً وكثيرة الإطناب.

وبالرغم من أن القصائد قصيرة في معظمها ولا تتجاوز الصفحة أو الصفحتين، إلا أن استيعابها ليس بالأمر اليسير، حيث تُستعاد الأفكار، والمشاعر، والذكريات في جملٍ طويلةٍ وأحيانًا شديدة التداخل، ليبدو مضمونها عميق الألغاز.

وبالرغم من أن معظم القصائد تحمل عناوين قصيرة مثل: “وصول”، “حب”، “عودة”، “الصرخة”، “خريف”، “دعاء”، “صحراء”، إلا أنه يصعب على القارئ سبر أعماق النصوص بسبب صعوبة مراس التعابير واستحالتها. تبدو الانفعالات المفرطة في الصورة التعبيرية غريبةً على القارئ الذي اعتاد تقاليد الشعر الأوروبي، حيث يجد كثافةً مبالغًا فيها كما في البيت التالي من قصيدة حب:

“كانت مطرقة تغور في منجم الذهب/مرتشفة لعابه المتأرجح في الأعماق”.

لا بد هنا من التأكيد على أن نقل الشعر إلى لغةٍ أخرى أمرٌ صعبٌ للغاية إن لم نقل محالا؛ ناهيك عن أن الاختلاف الحضاري بين عوالم الأدب العربية والألمانية يُنتج بدوره ذائقةً لغويةً مختلفة.

بالرغم من ذلك ثمة قصائد في المجموعة الشعرية تمس القارئ وتترك لديه انطباعًا قويًا. قصائدٌ يتحول فيها الغامض إلى سحرٍ. في قصيدة “عودة” مثلاً تصف الأنا الشعرية العودة إلى الوطن بوصفها خطوةً ملفعةً بالخوف والتردد؛ بينما تتم مراجعة الماضي والتأمل بالمستقبل، ويومض بصيص أملٍ كالبرق في مكان ما:

“أخيرًا أعود/بعد أن قايضت كل دموعي/في الطرقات/ثمن رغيف أو ذكرى/يبزغ خوفي القديم/من هبوب الخطوة الأولى/من جلال الأمومة وبطش الأبوة/…/سأحملها بمرايا الألف/مع أرصفتها وخياناتها وروعتها/حتى يسقط نيزك على رأسي/… ”

لكي نقرأ سيف الرحبي، لا بد لنا من أن نكون مستعدين للانفتاح على عوالم الشاعر الرمزية. فهو يقدم لنا عالمًا لا نعرفه، ذا روائح غريبة، وأوجها من العالم لم نألفها، وأفكارًا غامضةً برموزها. وكما ذكرنا فإن الأحداث المشابهة للأحلام تنتقل بنا سريعًا من مكانٍ لآخر، حيث تتحول وتتبدل فيها الأشياء باستمرار. وتتم الإشارة باقتضابٍ إلى كثيرٍ منها، لتبدو وكأنها قد بُثت فيها الروح لثوانٍ معدودات، عبر ملامسة الذاكرة لها كالبرق.

القصيدة الأطول في هذا الديوان تحمل عنوان “منذ ستة وعشرين عامًا” وتحمل على صفحاتها السبع ما يشبه رؤية الرحبي الأساسية، أو خلاصة تجربته الحياتية: يجلس المراقب على الشرفة يحتسي النبيذ ويلاحق حركة الحياة اليومية المكرورة واللانهائية. بينما تدور أفكاره حول الأحداث الرامية التي رافقت هربه، تعود أدراجها إلى الوطن الذي تركه منذ زمنٍ بعيد، وتتداخل على نحو مرهف بصور المدينة التي يعيش فيها الآن.

“الخمارات تفتح أبوابها/(ترمقُ النادل ينظف الطاولات/في الضوء الخافت للعاهرات)/والموظفون يحتشدون في الساحات والمكاتب،/وكذلك العمّال/والكهنة والغرقى/لا يحتاجون إلى قافلةٍ/أو دليل.”

بالرغم من أن اللغة هادئة، غير متوترة وشبه رقيقة، إلا أنها تحمل همومًا ثقالا وما هو صعب على التوصيف وذلك في صورٍ جريئة، فتلامس بذلك اللامعقول. يغرق الرحبي عميقًا في أشياء عالمه الموصوف. وهو “شاعرٌ متأمل” كما يقول عنه خالد المعالي ناشر الديوان في نهاية الكتاب.

بقلم فولكر كامينسكي
ترجمة يوسف حجازي
حقوق الطبع قنطرة 2007