جديد الكاتب

على رصيف العام الجديد

منذ أن تمطى جثتي
نعيق السنوات
وحلق الناثر الشتوي
في عنقي
انبرت أحداث سنتي الأولى
سنة ميلادي
نحو زرقة الأبد
مثل شاحنة غرقت باحتمالاتها
في لجة.
***
المدينة،وبما هي المدينة

الأشياء تتحرك ضمن وضع غير اعتيادي، وضع مليء بفوضى الولادات والصخب كأنما تستعد لقفزة في المجهول. هدايا وقهقهات مرحة يبللها مطر خفيف. الجموع تركض نحو أماكن التجمع الاحتفالية.

كلب فقد صاحبه وأخذ يعوي. لصوص القطارات ينشطون بدورهم.

البهجة ! أين هي البهجة ؟ سأل الشاعر الذي أخذ يركض معهم ولم يجد له مكانا فرجع إلى بيته.. في البيت سألته المرأة عما يريد أن يفعل هذه الليلة.
قال : لا شيء

– لكن لابد من الاحتفال بنهاية العام قال لها إنني أحس بالحمى وأريد أن أنام، أو أصعد الى قمة جبل جليدي ويجرفني الطوفان نحو أماكن قصية من نفسي. قالت : إنني لا أفهم.

قال لها : انظري الى راحة يدي. فرأت عروقا تبث أخبارا غامضة عن سكان الى جزر التي تسكن جمجمته. وحين فتحت جمجمته لم تر جزرا. وأت تابوتا ينام فيه رجل مع قصائده التي لم تكتب.

فتح عينيه قال لها : حدقي فيهما؟ فرأت سفنا تشتعل فيها النيران وأخرى تغرق بركابها، بينما آخرون يتفرجون على مسرحية كوميدية يقوم بتمثيلها بهلوانات بشعون..

ورأت في العين الأخرى روحه تجلس وحيدة على الرصيف.

مشى الرجل الغريب على أرصفة تتناسل من غير سقف ولا قرار،يتقدمه غبار الأجيال المنقرضة، وتساءل إن كانوا يحتفلون بمثل هذه الليلة وقبل أن يعثر على الاجابة انفتحت له أبواب مدينة أخرى.كانت رائحة البحر تتدفق من نوافذها. ورأى مواكب نسوة قادمات من بغداد. استوقف احداهن ليسألها إن كان صديقه مازال حيا. قالت إنها لا تعرف شيئا، وأن الرحلة الى هذه المدينة استغرقت مليون سنة ضوئية على الأقل.

فكر بالرجوع سريعا طالما أن المسافة بهذا المقدار الزمني الرهيب.لكنه وجد أبواب المدينة مغلقة. خلع حذاءه وأخذ يخبط الأبواب، مرتجفا، يقفز من باب إلى نافذة ومن باب الى باب. فمه مليء بصراخ متجمد. ورجلاه اجتاحهما شلل مفاجيء وباندفاعة مذبوح واصل رفس الأبواب وخبطها حتى انفصلت يده عن حسده وتسللت من ثقب الباب..

ذهب الشاعر إلى مقهى وبينما هو جالس في زاوية نصف مضاءة، في الزاوية الأخرى أبصر “انتونين آرتو” يحفر على الطاولة التي أمامه،كأنما يثأر من جسد عالم يزدريه. فقد كان هذا الشاعر المفرط الحساسية، مصابا بمرض في المخ، وحين يزأر وحش الألم يداويه بالكتابة أو الحفر العصبي على طاولة أو حائط أو باب..

وأبصر أبا العلاء المعري يلقي بنبوءاته الشعرية على كائنات لا تفهمه ويردد:

في كل بحيل أكاذيب يدين بها

فما تفرد يوما بالهدى جيل

فجأة لفحته ريح الثغور الشرقية فوجد نفسه بمعية الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي على شط من شطوط البصرة المزهرة، محدقا ببصره في البعيد حيث مواطن سلالته العتيدة، متبرما من أهل زمانه ومنشدا:

اني بليت بمعشر

نوكي أخفهم ثقيل.

قوم إذا عاشرتهم      نقضت بقربهم العقول
وهم كثير بي          وأعرف أنني بهم قليل

شرب الرجل الغريب وحين ثمل وجد يده المنفصلة عنه على كرسي في طاولته تشاركه الشرب..

أخذ يعاتبها على موقفها منه.قالت : إنها سئمت الحياة معه وأنه رجل مزعج.

– كيف تتسنى لي الحياة من دونك.. كيف تتسنى لي الكتابة؟

– ستنبت لك يد أخرى.

يئس الشاعر من الحوار مع يده، ومشى عبر دروب لا يعرفها، تسبقه منشفة النادل  المبقة بالدم. وفي نهاية الزقاق، الذي يشبه كهفا تفوح منه روائح جثث متفسخة منذ القدم، أبصر سريرا تتوزع على مساحته جماعات من النسور العمياء ذات الالوان المختلفة، بينما كلاب الجيران التي عرفها في طفولته تفضح حركاتها عن إشارات شبقية داخل الكهف. وأبصر على مقربة من فوهة الكهف سفينة نوح تقترب مطلقة حمائمها باتجاهه بغية الاكتشاف. فجأة يظهر مخلوق بشري يقدم وجبة العشاء لهذه الكائنات المخمورة، ثم يطير فوق تلال من نحاس.

ركض الشاعر وراءه ليسأله عن سر هذه المأدبة وعن حمائم سفينة نوح، والكلاب التي عرفها طفلا..

لكن لا فائدة فالنقطة التي أخذ حجمها يتضاءل في تخوم الأفق، اختفت نهائيا. رجع إلى الكلاب التي ربما لامست حقلا مضيئا في برية أعماقا، حقلا كاد غبار الأزمنة أن يطفئه باكرا.. لكن الكلاب تلاشت في تلويحة عين، تاركة حشرجة صوت. استطاع الشاعر أن يفكك رموز شفرته.. لا تسل عن شيء ليس هناك من شي ء يسأل عنه أو يعاد قوله :

لقد كبر الأطفال وتفرقوا بعضهم أكلته الحروب والفيضانات أو مات بالسرطان. بعضهم امتصته الأرصفة والأوهام، بعضهم…الخ.

حين استيقظ الشاعر من نومه، سألته المرأة ماذا تريد أن تفعل هذه الليلة ؟

قال : لا شيء.

(كلمات1)

نلتقي بالأصدقاء بعد غياب طويل. نلتقي بهم قادمين من شوارع ومدن وانكسارات.. تمضي أيام معهم يتجل في جانب منها روعة الشعر والذكرى. هذيان المحبة وقسوتها.

نلتقي على ما يشبه مفترق خيالات الموتى في سرعة عبورهم من الصحو إلى نقيضه من الحزن إلى الغياب من الحزن الى الفرح والجنون بصخبه ومجونه.

لقاءات كأنما هي مزروعة بلغم الغياب الذي تنفجر شظاياه أثناء الكلام مثل جمل اعتراض قسرية، وأثناء الجلسات والشكوى التي هي ( نوع من غناء) وعزاء للمغتربين في ليل الصحراء الكئيب.

لقاءات رائعة رغم الالتباسات الكثيرة وعصاب الجماعة  وخيبتها

(2)

ماذا تجني من المستقبل

عدا تراكم الذكريات وجموحها الذي يزداد عنادا

وتأججا أمام محاولات الترويض والنسيان.

(3)

تفاهمات كبرى على إيقاع خسارة أكبر.

(4)

يسقط الخصم على أرض العوان الأبدية، ملفعا،بدمائه.

يرفع المنتصر شارة النصر بين نجومه ومحبيه..

وماذا بعد ذلك ؟

(5)

نتذكر أولئك الذين يسيل من أشداقهم لعاب الكرامة الشرف وحب الآخرين ونكران الذات :

ترى أي قرون ضوئية من الشساعة، في بعدهم عن هذه القيم التي ولدوا ليكونوا على النقيض منها على طول لأزمنة ومع ذلك هم أكثر المتحدثين باسمها.

(6)

تمور الرغبة في شفتيك وأطراف أصابعك، وتحشد، كمن يرمي أعشابا وصاحبات في بحيرة مسحورة.

(7)

أيها الفجر، الفجر المندلع كحريق

أمام نافذتي

أرجع لي ودائع طفولتي

لقد سرقتها مني
انا توأم البحر والغروب

يد في أخر العالم

يد وحيدة تلوح في البعيد

حياة من غير مسافرين

لا ارصفة أو قطارات

يد وحيدة جاثمة بوحشتها

تلوح في ليل الأجداث

وحيدة في غيمها الجريح

يد الشاعر أو القرصان

أو بائع اليانصيب

وحيدة تحتفي بقدوم الغرقى

من محيط الهند

أو البحر العربي

محمولين على محفة طائر

يدنحيلة في غسقها الاستوائي

تحلم باجتياز المضيق

بالهند

الفاكهة وملامسة الرعد

يد الغرباء الذين قدموا من بلاد مجهولة
وطفقوا يسردون الحكايات

يد اليأس والندم

والمحبة

تلوح في البعيد

نحو جزر مستحيلة

ومد ائن، لم يبق من أرومتها

غير طعم الغياب

تمنحني مساءاتها الثقيلة ووجوهها

وتمنحني قهوة الصباح.

يد الهذيان الذي تجرفني وديانه

كل ليلة على أبواب الربع الخالي

سيف الرحبي