جديد الكاتب

على حدّ الصيف: عن البراكين والموتى والحيوانات

إذا علم خلّفته يُهتدى به
بدا علمٌ في الآل أغبر طامس.
(المرقّش الأكبر)
انظروا.. السماءُ حمراء بدم المذبحة.
(مايكوفسكي)
هناك في الأعالي
في غموض الأعالي البعيدة
وجد العائدون أيامَهم بكاملها
أيّامهم التي خلّفوها وراءهم وذهبوا
نحو المدنِ والأنهارِ التي شربوا منها
ثمالةَ النسيان.
وجدوها تنتظرُ مثل وعولٍ ذاهلة جريحةٍ
على حافّة أوديةٍ جفّت منذ قرون
****
تحمله رائحة القهوة نحو الأقاصي
تحمله الذكرياتُ
التي تهبُّ كالغربيّ(?) في ظهيرةٍ قائظةٍ
ثمة صيف سحيق على الأبواب
العقاعق بدأت بالظهور على الأشجار
طالع النخل يوغل في الذرى السامقة
للريح
ملتقطاً تباشيرَ الرطب
كما يلتقط العاشقُ ذكرياتِه
المبعثرةِ على الطُرقات.
الأحلام التي يكتظ بها نومنا
هي دليلنا الناصع الى عالم الأموات
حيث الوجوه الملفّعة بالسِّر والهدوء
تطفح من سديم بحرٍ مائج
وتصافحنا
بما يشبه الأخوّةَ نفسها التي عرفناها في الماضي
ينبثق الكلامُ من فم الغائب
بما يشبه العتابَ، متلاشياً في الغبار
ومن غير التفاتةٍ إلى الوراء
كتلك التي أعادتْ (بوريدس)(?)
إلى الجحيم،
تتقاطر الوجوه هاذيةً
كطيور تسبح في صفرةٍ شفقيّة
تاركةً أرواحَنا تضطربُ
على قارعة السرير.
****
اليباس يزحف على كل شيء
على الأفئدة والعيون
على اليد التي تشققّت أصابعُها
قبل أن تصل إلى الورقة
الورقة البيضاء الأكثر بياضاً
من الجليد
على سفحها ترتجف ذئابٌ جائعةٌ
متذكرةً ماضيها
حين كانت الجزيرةُ أنهاراً
من ثلجٍ وماء
***
البراكين الخامدة توقظها الذكرى
فتنفجرُ على ذلك الشكل الفريد
جمال اللهب ذكرى حياة سحيقة
ذهب الماضي يلمع في جدول
بركان
***
تتآخى البراكين في باطن الأرض
كآلهة بابليّة عاشقة،
هادئةً مسالمةً كسولة
تتثاءب على سرير غيمها الخاص
تداعب أطراف بعضها
لاهيةً تضحك وتحلم
حتى يحين موعد الحصاد الغامض
بدافع نشوةٍ أو انتقام
****
بهدوء ترمي البراكين شباكها
في قعر المحيط
لتصطاد قِرش الطوفان الغاضب
ذاك القادم
من عصور الوحشيّة الحنونة.
****
ينام القرش في حضن البراكين
الخراب..
خلف بابٍ مغلقٍ
لمكتب لا يرتاده أحد
يجلس كل يوم أمام تلك الخارطة،
يختار مكاناً يبحر نحوه
مكاناً غارقا في المطر والضباب
أو يكتب رسائل حبِّ
إلى الموتى والحيوانات.
****
بقرةٌ تائهة بين نيران الحرب
نخلة تحنو على فسائلها
فوق شط دجلة والفرات.
مردوخ(?) يرسل صرخاتٍ متقطِّعة،
توشك على وقعها السماءُ أن تنهار.
وثمة صيّادون يرمون شباكهم في النهر
الذي يحمل الزمانَ والغزاةَ
ويحمل الأبديّة.
***
يتذكر النهر الحروبَ التي مرّتْ
منذ بابل وآشور
ذاكرته الهرمة لا تسعفه
بسبب تراكم جروح سحيقة
جروح طالتْ روحَه وحناياه
فيرتدّ في هيجان أعمى
مكتسحاً البلادَ والعبادَ
حتى يبزغ فجر الآلهة
لتعيدَ ترتيب خرائطها في الجحيم
لشعراء لا آخر لهم ولا حدود..
ذاتَ صباحٍ تطلعوا، ثَمِلينَ
إلى الجذع الوارف بشماريخه ونجومه
واستحمّوا في النهر.
***
البحر العملاق
قاهر الأراضي والثقلين
مربك الكواكب بالع الجيوش
حامل ختْم النهاية،
حين يستحيل العالم إلى أعشاش ودخان
هذا الديكتاتور الحزين
أحدّق فيه هذا المساء
وكأنما يدخل هدأته الأزليّة
ليرتاح من صخب الكائنات
نائماً كطفل يحلم في مهده
تهدهده تهاويمُ ثعالبَ ماكرة
***
البحر الذي يمنح حنانه
لصيّادين يجوبون الليلَ
وسط غابةٍ من أشباحٍ
سفن النفط الكاسرة.
ديمة المطر التي أورقت حقولَ الجفاف
العين التي بكتْ من خشيةٍ وغياب
والعزاء الغيبيّ لعائلة الشهيد
نجمة تنبلج
أمام بحّارةٍ تاهوا في الشِعاب.
البحر يوزع هداياه على يتامى الأرض
العربيّة
من هول ما رأى
من ضباعٍ وليدةٍ
ستكبر معه
وتملأ نومَه بالفرائس والحشرجات
***
يحوم النسر حول الجثّة
غير قادرٍ على الاقتراب
من فرط رائحتها المنتنة.
***
هذا الحوار الصوفيُّ
الذي يعقده المساء بين الغربان والفراغ
ثمة نشوةٍ
لا يعرفها غالباً أصحاب الجنّة
الرافلون في النعيم.
***
ثمة حياة تَعِد بالمزيد
ثمة امرأة تنتظر في المقهى
وعلى منعطف الزهور
امرأة من غير قبّعة
ولا زوج يرهق ليلَها بالندم
امرأة ثكلى
نسيَها الراحلون
وبقيتْ تبحث عن ظلّها المترّمل بين العصور.
وبالهدوء نفسه الذي تفتح به الكتابَ
تشرب قهوتها وتسْرح
كمن ينتظر اللاشيء
كمن يرمي حجراً في بحيرة موحلة
وثمة غربان وطيور
يدلفُ الآخرةَ من غير نزيف ولا دماء
كان على الصباحات أن تنحني أمام هامة الغيم
كما انحنتْ هذه الأخيرةُ
أمام قبّعة مايكوفيسكي
كان على الذُرى والمنافي والنسور
كان على الليل أن يغمرَ البسيطةً
بحلكته الحنون
التي استعارها من قلب المحيطات المدلهمّة.
كان على الصيف أن يضمحلّ قليلاً
مفسحاً للخريف مكاناً لائقا للأحلام الشعريّة
بأوراقها الصُفْر المتساقطة
كأموات لا يُعدّون.
كان على السفن والأرخبيلات
أن توّجه أشرعتَها
نحو الرحلة الكبرى
معانقةً أشباح الغابرين
من غير أمل في العودة.
كان على الظلال المنكسرّة في المغيب
أن تعكس كآبةً أكبر
مخترقةً أحشاءَ السلطعون.
كان على السراب أن يحتضن القلبَ الواقعيَّ
محطماً ثنائية الفكر البلهاءَ.
كان على الضبِّ أن يكونَ أكثر حذَراً
في حفرته
من ذلك الانكماشِ المذعور في العراء
وكذلك أصحاب القصور
والعربات المصفّحة.
كان على الجدّ الأكبر
أن ينتظر ألف عامٍ
كي تعودَ اليمامةُ من قلب الطوفان
بعنفوان الصباحات
وردة الروح
دمعة اليتيم
صرخة المظلوم؟
عن الجثّة تلملم أشلاءها
بغية الاقتحام وأخذ الثأر
عن الهواء المحقون بالوباء والكراهية
نتنفّسه ليلَ نهار
والأطفال الذين يبحثون عن المستقبل
في قعر القمامة
عن الشاعر الذي يحتضن مخطوطة كطفل
نجا بأعجوبة من براثن الأنقاض
والشاعر الأعمى الذي ينتظر الفجرَ
في القصيدةِ على ضوءِ شموع تهتزُّ
على متنِ سفينة جانحةٍ
في خياله ورؤاه؟
كان على رشفة الشاي أن تعبرَ
طريقاً وعِراً وطويلاً
كي تصل إلى الفم..

ــــــــــــــــــ
الهوامش
1 – الغربيّ: ريح موسميّة تهب خلال الصيف.
2- (بوريديس) هي حبيبة (أورفيوس) تلدغها حيّة يوم عرسها منه فتنخسف بها الأرض وتهوي إلى عالم الأموات. حزن الشاعر أورفيوس كثيراً حدّ اقتحام العالم الآخر، حسب الاسطورة الإغريقية، وبعد مفاوضات واستعطاف ملوك العالم السفلي ينجح في اقناعهم باستعادة حبيبته، لكن بشرط أن يتقدمها من غير ان يلتفت وينظر إليها، حتى يصلا الى عالم الأحياء.. لكنه في ذلك الطريق المرعب الذي يلفه الصمت والظلام، يلتفت إليها قبل الوصول فتهوي عائدة الى العالم السفلي.. وهكذا تتابع الحكاية مسراها التراجيدي..
?- مردوخ: كبير الآلهة في الأساطير القديمة لبلاد الرافدين.
? – (الشنجوب) بالدارجة العُمانية، هو سرطان البحر.
? – (الروغ) بالدارجة العُمانية هو شجر البردي أو ما يشبهه.
? – سمائل: مدينة بعُمان.
?- (جبرين): بلدة في المنطقة الداخليّة بعُمان.