جديد الكاتب

عصافير الوادي

كان يمشي على الطريق الذي يفضي إلى البحر.. في المساء الكئيب الذي تميل فيه الشمس الى الغروب، كان يمشي، الرطوبة العالية وغمغمة حشرات الصيف التي تموت لاحقاً ، متيبسِّة على جذوع الأشجار العارية.. وعلى مقربةُ تلك الجبال التي يتطلَّع إليها حين يرفع ناظريه عن المدى البحري الفسيح، الجبال التي تشكل طوقاً على المدينة والذاكرة.

كان يمشي على هذا النحو، حين انشقَّ المكان عن وادٍ ينحدر من شِعاب الجبال حتى يصل البحر.. بين ضفتيْ البيوت الباذخة أيما بذخ ولمعان، كان الوادي ببقايا نخيل وأشجار سمر وغاف، كان الوادي رغم وجوده السحيق على هذه الأرض، يبدو في هذه الغابة الإسمنتية، انه طارئ، ووجوده على مضض.. علامة على أزمنة مضى عهدها، لكنها عصيّة على التلاشي النهائي والانقراض..
تقترب أكثر من صحن الوادي، تحدِّق فيه أكثر ليأخذك مع المدى البحري وشآبيب الجبال اللامعة بصفرة المغيب، وتغرق في هذا الكون الحلمي، رغم الحرارة العالية، ناسيا المدينة التي تطوقه بلهاث سماسرتها وسباق بيوتها الفارهة.
تقف على الحافة ، هكذا، تستجدي حنان هذه الطبيعة البليغة في سكونها وصمتها، كأنما هذا الصمت وهذا السكون المتفجِّر بالهواجس، إعلان احتجاج على انتهاك حرُماتها الأزليّة..

* * *

تحدّق في الوادي.. شتلة عصافير، تطير بفرح وصخب من القاع الأغبر، إلى ذروة الشجرة التي لا تتبيّن نوعها، لكنها على شيء من خضرة وحياة رغم الجفاف، ربما لقربها من البحر، وربما أن الطبيعة تدافع عن وجودها بشراسة ومعرفة نجهل الكثير من أسرارها وحيواتها..
تتطلع إلى العصافير والشجرة والوادي الممتد بين جباله وبحره، وتتساءل: هل هذا هو الموسم الذي كان في الماضي يأتي فيه طائر (العقعق) و(المفشيش)؟.
الأول كنت تصطاده بالبندقيّة، بندقيّة (سكتون) أو صمع.. والثاني تصطاده بـ(المشبكة) ربما هذا هو موسم تباشير القيظ ، حيث النخلة تبدأ في توزيع هداياها الأثيرة على قلوب العمانييّن؟
لكن هل بدأت التباشير، هل بدأ القيظ؟
وهل ما زالت طقوس المواسم والحصاد؟
* * *
في ركن من أركان الوادي، تلمح امرأة بلباسها التقليدي تلملم أشلاء الشجر اليابس في أكوام صغيرة، (تحطب)… تتخيل أن هناك قطيع أغنام يثغو بصخب في الجوار.. وأن الرعيان والقطعان الأخرى تنحدر مع أغانيها على السفوح، لتجتمع في هذه البقعة من الوادي الفسيح حتى كأنه من غير نهاية.
تمسح بعض العرق المتجمع على جبهتك وجسدك المثخَن بالحرارة والرطوبة وتعود الأدراج الى شقتك المليئة بكراتين الكتب وحقائب المسافرين، كأنما هي التخليص الأكثر كثافة لحياة جيل من المشردين والحمقى.
تعود الأدراج ، تاركاً الوادي والمرأة والعصافير في رعاية البحر والأبديّة.