جديد الكاتب

طفولة

طائر العقعق، بذيله الطويل، لا يشبه عقاعقَ طفولتنا المكسوّة بالألوان، والتي كنا نصطاده
ا من رؤوس الأشجار والتلال والنخيل وتسقط كقطعة موجٍ حالمة..
كانت تأتي إلى القرية بشكل موسمي، وكنا نراها أشبه برسُل أو رمزٍ لطيور الجنّة؛ هذه الرسوليّة
المتخيّلة لا تعفِها من الذبح والافتراس.
طائر العقعق حين أراه كل صباح ينقر العشب على أديم الأرض برفق ورهافة، ربما كي لا يزعج الموتى
في مساكنهم خلاصة ما اكتسبتْه السُلالة من لطف في تعاملها مع الأرض والأشياء، يمدُّ عنقه إلى أعلى
من غير التفاتة خوفٍ، يصدح كأنما يتضرّع إلى الربّ بمزيدٍ من الجمال والخضرة التي يغطسُ في لُجينها
بعذوبة وحياء..
لا تكاد تراه إلا زوجين اثنين نزلا للتو من سفينةٍ دمّرها الطوفانُ وها هما يحتفلان بعيد ميلاد جديد.
حين أرى طائر العقعق كل صباح، أعرف أن يومي سيكون جميلاً، ثمة وعْدٌ بالحياة.

فنان

عاد الفنانُ من رحلته المفْعَمة بالأشلاء والأخطار.
حدّق في أرجاء المكان ليرتاح. قال يا ربيّ امنحني هذه الهنيهة قبل أن تدهمني الحرب.. لم يرَ إلا فراغاً
مفتوحاً كقبر.
ابتكر ريفاً ونام بين أشجاره ورؤاه.
لم تكن الأصوات لتزعجه
لم تكن هنالك أصوات
كان ضجيج الصمت
وكان غناء العصفور.
أكباشٌ بعيون بشريّة أليفة
وديكة تطير بين الأغصان، في بستان سماءٍ خفيضةٍ
أمطرت هذا المهرجان من الألوان.
الثعالب تسرح في سفوحه
والطاووس يحط بخُيلاء، راسماً طرقاً
محفوفةً بالينابيع.
تفاح يتساقط من غير ندَم ولا خطيئة.
و…. إلخ
رأى الفنّان ذاتهَ في مرآة حكايته، فبكى فكانت دموعه الأنهار.
ارتاح للبقاء على أرض خياله
حتى ولو داهمته الحرب.

الاشباه

كان الظلام المطبقُ على المقبرة
وكان صمتٌ رهيبٌ
تستطيع أن تلمح بين صخوره الجاثمة،
أرواح الموتى
وهي ترتجف وتهْذي؛
حين مررتُ عليه وهو يكرع “الريكار”
كعادة العمال المهاجرين أيام الآحاد.
قلتُ له، كيف تستقبل زوّارك الأبديّين،
صباحَ مساء؟
قال، لقد أدمنتُ الريكار ومعاشرةَ الموتى.
لم يعدْ لي متسعٌ لعواطف وذكريات، حتى المرأة التي تشاركني أحياناً هذه الوحشة وهذا الظلام، انقطعتْ،
وأقلعتُ عن التفكير فيها. هذه حياتي وستمضي مثلما يمضون. وغالباً ما أرى قامات الموتى في الأحلام
وهي ترقد في التوابيت أو الأضرحة، انها تشبهني، أو أنني هو ذلك الميّت، فأركض إلى مرآتي المتصدّعة
لأرى إن كان وجهي ما زال يسكن جثتي، أم غادر إلى مصير آخر.
وحين تستبدُّ بي الرؤى المدلهمّة، أمضي إلى رفاق الحانة محاولاً أن أنسى. دائماً هناك الموت والريكار.
إن حياتي مليئة بهما ولا فكاك.
حاول أن يتحدث عن بلد المنشأ
فتعثر  في شباك الكلمات. كان الموتى هم عائلته الحقيقيّة
ولا شيء سواهم،
إنه كائن النهايات.