جديد الكاتب

طاعون الحروب

في رواية (الطاعون) يستيقظ “بطل” الرواية ، أو بالأحرى إحدى الشخصيات الرئيسية ، في صباح من صباحات مدينة (وهران) الجزائرية ، حين كانت جزءاً من الجمهورية الفرنسية ، والمنتظمة في عقد يتلألأ بجمال المتوسط الشديد الزرقة ، مع مدنهِ البحرية الأخرى ، طنجة ، الاسكندرية ، اللاذقية ….الخ.
– حين يستيقظ متوجها كالعادة إلى مكتبه حيث يعمل ، يتعثر في طريقه بفأر ميت :

كانت تلك العلامة الأولى لزحف الوباء واكتساحه المدينة التي تختزل العالم وتجسده لحظة المحنة والشروع في التحلل والانهيار ، أمام هذا القادم الذي سيفتك بحياة البشر والطبيعة ويحيلها إلى حطام ..

في مفتتح رواية (كافكا) المسخ يستيقظ (سامسا) من نومه ليجد نفسه وقد تحول إلى صرصار او حشرةً . لقد فقد آدميته وإنسانيته ودخل طوراً آخر مختلفاً ، يعيش الحياة بعينيْ مسخ وهواجس حشرة كانت ذات زمن كائناً بشرياً كامل الصفات والملامح بين بني جنسه وبيئته الجغرافية والثقافية ..
وفي قصة أخرى (لكافكا) يقول القط للفأرة وهو يمزقها بين مخالبهِ (لماذا لم تغيري إتجاهك ؟)

لدى (كافكا) يتحول الواقع إلى رمز وإستعارة أما (كامو) صاحب الغريب والطاعون ، فيلج فضاءاً آخر على صعيد التقنية الفنية المنبثقه من طبيعة وعيه بالوجود والعالم ..

الطاعون ليس ذاك المرض الذي يشكل وقوعه في بقعة معينه ما يشبه الإبادة الجماعية ، فبجانب ذلك الواقع المادي والحسي ، يتخذ في العمق أبعاد الافتراس الروحي ،العاطفي ، وما يربط البشر من وشائج وصلات تشكل جوهر الإنسانية وفحواحها .

يختار الروائي الفرنسي لحظة التوتر الكبرى في المدينة الجميلة ، لحظة المأساة في أكثر وجوهها حدة ليمضي في رحلة بحث وإستقصاء في تضاريس النفس البشرية معرياً ، كوامنها الخبيئة في سطوع الكارثة .

(كامو) أقرب في تحويل الرمز إلى واقع نعيش تفاصيله اليومية وأبعاده ، كأنما حمولة الرائي في هذا المقام ، لا تحتمل استعارة ومشتقات رمزية أقرب إلى الذهنية ، وإنما تنفجر على هذا النحو المتشظي في المبنى الروائي العام والشخوص وأقاصيصها الفرعية التي يزخر بها العمل .
مثل تلك الحكاية التي يرويها عن رجل كهل عاطل ، هوايته الوحيدة إغراء القطط كي تأتي إلى نافذة منزله ، وحين تفعل ما يريد يبصق عليها ..

هكذا كل يوم على هذا الحال ، وحين ينتشر الطاعون وتلاقي القطط حتفها ، يصاب بحزن شديد ويموت هو الآخر .
لقد فقد مبرر وجوده ، بفقدانه هذه الممارسة أو الهواية اليومية العبثيّة ، ولا يستطيع التعايش من غير ضحية يمارس عليها الإذلال والبصاق.
***

شخصيات كثيرة ومتنوعه تزخر بها الرواية كما الواقع الاجتماعي ، من الطبيب (ريو) وزوجته ، وهو يحاول علاج المصابين ، إلى الشخصيات الأخرى تكشف محنة المرض المدلهمة بالموت المحدق ، كل أقنعتها وخباياها لتتواجه بالقسوة والحنان ، مع مصائرها التي ستقررها (صدفة) الموت أو البقاء على شفير حياة محتملة ..

في لجة هذه الاحتمالات المتناقضة والعبثية تنسج الرواية خيوطها ومناخاتها كما تنسج الحروب التي نعيش ونشاهد ، أشراكها ومصائرها .
هذا الاختبار الأكثر قسوة للنفس وامتحاناً للوعي وما تبقى من قيم تطوح بها الحروب إلى هاوية الانفجار ، انفجار كل شيء ، الدماء والأخلاق ، القرابات والأرواح ، والأديان ، كلها تتحول إلى قربان لآلهة الحرب الغامضة ، الواضحة حيث ،
(لا نسب اليوم ولا خلة اتسّع الخرق على الراقعِ)

فلا حرمة لأي شيء دينيّ غيبي ،بشري وضعي ، أم أب ، أخ أخت ، طفل ، زوجة ، حبيبة . استباحة لا يحدها سقف ولا حدود ، رغم غابة القوانين المعاصرة ودعاوتها.
كل شيء تمحقهُ آلة العنف الجهنمية المدعومة بأفضل ثمار العقلانية الحديثة :

ترى أين وصلت رؤيا الكارثة في طاعون (كامو) ومسوخات كافكا والاخرين ، أمام واقع الاوبئة والحروب القائمة ؟!