جديد الكاتب

صحراء المسافة

قدمهما المذيع على انهما باحثان وخبيران في مجالهما .. لحظات وانفجرت حنفيّة الكلام والزعيق على مصراعيها.
بعد أن أنهى الأول ديباجته الصِداميّة ، ابتدأ الثاني بالرد (شعر كل ما قاله شعر) ، أي أنه بلا معنى ولا قيمة ولا فائدة .
ومتحدث آخر يوصم صاحبه بـ (الفلسفة) والتفلسف حيث تندرج الدلالة في نفس السياق !!
هكذا تتراجع المعرفة الفكرية والجماليه ، ليس في الشعر والفلسفة ، وإنما في جميع المجالات والاقانيم أمام اكتساح خطابة الجهل والتعميم ، اذ لم يبق متحذلق أمّي على الأرض العربيّة إلا وأدلى بدلوه وسارع في طرح رأيه الجامع المانع ، وفق ديمقراطية الشاشات المزهرة في هذا الفضاء المليء بالهوام والجوع والحروب ، والمليء بالمعضلات الكبرى والصغرى المرتطمة دوماً بصليل الخطابة الناعق.
أمام طبيعة هكذا (خطاب) ليس الشعر فحسب يصبح مثْلبة وثغرة في البنيان اللفظي الشعبوي الذي يربض على الأرض العربية بصيغ مختلفة عبر السنين ، وإنما المعرفة الأدبية والانسانية وكذلك العلميّة ، بالمعنى الابتكاري العميق ، والذي ما زال غير موجود في ديارنا المجيدة ، المولودة ( العلميّة) مع الأولى من رحِم واحد لأخيلة ورؤى ضاربة في القِدم والحداثة.
***
بعد المصرع التراجيدي الذي لقيه سقراط ، كره تلميذه النجيب إفلاطون ، الخطابة الشفويّة التي كانت وسيلة الفيلسوف لإقناع الناس ودفعهم إلى الحق والخير والجمال.
لكن تلك الخطابة التي دار السجال حولها استمرّت سلالتها النبيلة إلى العصور اللاحقة في أمم وشعوب كثيرة منها العربيّة . ولا نجد أبسط مقارنة لها مع هذا الانفجار (الحداثي) للشعبويّة الرعاعيّة التي لا تذهب إلا نحو ترسيخ الجهل بإقصاء المعرفة الحقيقيّة والفنون ، مُسوّقه كافة أوبئة التعصّب الدينيّة والطائفيّة والعرقيّة تحت أقنعة الخبرة والبحث التي يضيع في دخانها الكثيف ،
أي صوت عميق يحاول أن يكون شاهداً حقيقيّاً على المجزرة العربيّة ، والكونيّة التي ينام البشر ويصحون على إيقاعها الدموي ، الذي بفعل جاذبيّة التكرار وسحر الرؤية للمشهد الكارثي البعيد ، أصبحت موسيقى الحياة اليوميّة وطعامها وزيّها ..
بهذا المنحنى القاسي تنفصل الوجدانات والعواطف عن وقائع المشهد ، واستطاعت التقنية والخطابة الجاهلة والمؤدلجة ، أن تحيّدها بتحويلها إلى فرجة ، نضارتها نموذج للحياد الذي تمليه صحراء المسافة الصارمة التي حاول مسرحيّاً الألماني (بريخت) كسر سلطة إيهامها ، كبرت عبر الزمن والتقنية وانحطاط القيم وتحوّلت إلى وحش اسطوري يبتلع عواطف الجميع.
***
عطفاً على الخطابة الكلاسيكيّة ؛ على مستوى اللغة العربيّة ، حفظ لنا التاريخ عن الاسلاف منذ ما سُمّي بالجاهلية الأولى والثانية وحتى العهود الاسلاميّة المشرقة (العلمانيّة) في تعاطيها مع الآخر . حفظ درراً وأسفاراً إبداعية مفعَمة برؤى الفكر والشعر والتأمل والإشراق …
أي مقارنة تتحول إلى مهزلة مع هذا الهَذر المعاصر الذي يعمق اغترابنا عن لحظته (المعاصرة) لنتقرّب أكثر من تلك العهود الغابرة الأكثر معاصرة كتلك الخطب والاحاديث والنصوص الشفويّة التي قيل الكثير منها في خضمّ وأعقاب ملمّات ومنعطفات كبرى ، فكانت المعبّر الفكري والفني عن تلك المآسي والمنعطفات .
***
أن تبقى المعرفة الانسانية والجماليّة ، الشعريّة في طليعتها ، غريبة وهامشيّة يسومها الجهل والثرثرة في هذا الزمان ، فذلك قَدَرها وربما شرطها النابع من تركيب حدْسي رؤيوي لاغائي خاص…
ومتى كانت بهذا المعنى إلا غريبة منذ تحوّل البشر في صميم تكوينهم الكياني والاجتماعي إلى بنيان الربح والخسارة والمنفعة بأكثر معانيها فجاجة ومباشرة.
لكن حتى الغربة والاغتراب مسألة (نسبية) وتختلف من زمن إلى آخر مثل الخير والشر وحجم المجزرة.