جديد الكاتب

شكري وابن بطوطة

في هذا الصباح تحط على طاولتي مثل طائر شريد، صورة محمد شكري، وجهه الذي نُحت من شقاء طفولة مشرّدة وريف مهجور يضربه زلزال الفقر والعنف والتهميش، حيث كانت ولادته. ومن ثم المدينة التي واصل فيها حياته بكل تناقضاتها الحادّة، وشهد بجانب الصورة المعروفة عنه، من جوع وتمزق وبحث مضنٍ في جوف ليالي المدينة الصاخبة، عن مأوى يدّثر جسده من البرد القارس ووحوش الليل الضاربة…
طنجة التي شهد فيها أيضا مجده الأدبي وولادته الثانية التي سيتبوأ من شرفتها البحريّة تلك المكانة الطليعية في الأدب المغاربي والعربي وما هو أبعد، إلى العالم الشاسع…
كل ذلك تم بمحض الصدفة والعشوائية، وعلى عكس أولئك المخططين في الأدب والحياة والدروب والأساليب التي تؤتي أوكلها أو لا تؤتي، ولد شكري، من رحم تلك العشوائيّة، وذلك التخبط والارتطام العنيف في الحياة كما في الأدب الذي أتى إليه من الجهة المعاكسة لما هو مألوف ومتداول في العلاقات واللغة..
كانت طنجة، المدينة الكوزموبوليتيّه، التي لم تغره عنها أي مدينة أخرى، لا في المغرب ولا في العالم.. ظلت طنجة مسرح أحلامه واستيهاماته وحياته، ومسرح شخصياته الأدبيّة التي تتداخل وتتشابه حتى يصعب الفصل لدى القراءة ، مع شخوصه الواقعيّة وعلاقاته التي يغلب عليها طابع الهامشي والمنفي من مخلوقات العوالم السفليّة التي تشتهر بها تلك المدينة الساحرة كسحر الفن الذي تضفيه مخيلة شكري السارد على تلك العوالم والشخصيات..
لم تغره أي مدينة أخرى لدرجة انه حين كان يسافر لضرورات ما ، الى الرباط أو الدار البيضاء، غالبا ما يتوقف في حانات الطريق ليعود الى طنجة، ويظل هكذا حتى ينجز هذه المهمة الشاقة..
كانت طنجة هي العالم بكامله بالنسبة الى شكري.. مواقف كثيرة جمعتني مع هذا الصعلوك النبيل.. مرة أضعت نقودي ، كنت قادماً من لاهاي الى طنجة، أصيلة براً وبحراً ، استلفت منه مبلغاً من المال، رفض استرجاعه لاحقاً، معللاً اننا سنأكل ونشرب بهذا المبلغ وغيره، وكان بمعيتي أحمد ومحمود الرحبي الذي كان يدرس في المغرب..
مواقف وذكريات كثيرة مع شكري والأصدقاء في طنجة.. ولا أنسى ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه لزيارة قبر ابن بطوطة، على ما أظن في قلب (سوق الداخل) الذي يسم كعنوان، أحد كتبه. اخترقنا تلك الكتل البشريّة والمباني المتداعية ذات الطابع التراثي حتى تلك البقعة الصغيرة المتربة التي حسب هذه الرواية، يقع فيها قبر ابن بطوطة. ثمة رواية تقول انه دفن في الدار البيضاء.. المهم ان ذلك القبر الذي شاهدناه، كان مخيباً تماماً لشخصيّة عظيمة كابن بطوطة الذي شغل العالم والآفاق واشتغل عليهما ترحالاً وكتابة، حين كانت الصحارى اللاهبة محمولة على الجمال والحمير وقطاع الطرق.
كان ذلك القبر كناية عن كومة تراب مغطاة بالعلب الفارغة والقاذورات.. تذكرت مقولة الرحّالة الأسطوري «لا تبحثوا عن قبري في التراب بل في قلوبكم».. وكأنما يتنبأ بهذا المصير. وكأنما الحفيد شكري أخذ الدرس القاسي من سلفه ولم يغادر طنجة إلا لِماماً، وعينه على المدينة التي أحبها وقضى فيها حياةً وموتاً.. وبقي أيضا في قلوب محبيه من بشر وأمكنة كان يجوبها ليلاً نهاراً مع كلبه (جوبا) الذي سبقه إلى المصير الحتمي.