جديد الكاتب

شــــــــظايا عــــام جديـــد

يحار المرء أمام انعطافة كل عام في سلالة الزمن وانصرامه في الذاكرة التقويمية, أي شيء يتذكر أو يترك, ويحتفي ويجانب, يحب ويكره, أي شيء وأي عبرة ونقيضها في هذا الخضم الجارف للسنوات والأزمان التي لا تفتا تؤرق الكائن طالما فيه بعض من نبضاة ؟ يحار المرء أمام انقضاء كل عام ويعاود الحيرة ويكثفها بهواجسه, وكأنما هذه الحيرة هي النماء الوحيد لوجوده أمام انسداد وضوح الخيارات أو التباسها.. ويحار القلم أي الدروب يسلك في اقتناص فكرة أو هاجس مهما كانت -أي الفكرة – مرمية في الطريق حسب الجاحظ.

أليست الحياة العربية متلبسة بفاجعة مصيرها منذ زمن بعيد، ماضية في هذا النفق من غير شعور بذنب تقترفه الذات في ذاتها أو شبيهها؟ وكأنما سياقات التدمير والعاهات المختلفة هي مرتع الحياة الطبيعي في هذه القسمة ومشتقاتها وروافدها، هذه الحياة التي فقدت أي معيار حقيقي لوجودها، أو استنكفت عن استلهام معيار من هذا القبيل واستنكفت رحلة البحث عنه رغم ما يحيق بها &#ÿÿ10606; أخط&#;&9358ÿÿ ومحن وانحدار سريع نحو أعماق الجحيم والانقراض.. لا يشفع التاريخ لأي أمة مهما كان ماضيها عظيما كأمة العرب أمام اختناق صوت الضمير الحي ووأده, لا يشفع لها مواصلة هذا الانحدار الذي لا يستدعي بصيرة خاصة في التقاطه وأنما أصبح حديث الرهط العادي من فرط هوله وضخامته وانعكاسه على الناس أجمعين وعلى كافة المستويات. يتشدق الماضويون الذين ترتفع فكرة “الأمة ” لديهم وهوام عظمتها التي لا تفنى, الى مستوى المقدس كفكرة مجردة عن الوقائع والشروط والمعيش. أي مجردة من التاريخ والاجتماع, بالمستقبل وما بين الماضي والمستقبل هو هذا الأرخبيل المهمل الذي تشتعل فيه النيران والأوبئة وضروب الانحطاط.

كذلك أناسيو العولمة الجدد الذين يرون في “التقدم ” نبتة التاريخ المهربة من أقفاص العمالقة ويجب اصطيادها وزرعها، كي تزهر بضربة الساحر أو الخيميائي ذلك التقدم المنشود. هذا الانفصام الحاد عن الواقع وآلياته وشروطه المعقدة والذي ولده تاريخ طويل من الاكراه والمصادرة ينجب بشكل طبيعي نمطا من الكتابات, تستدعي “نظرية” الهروب الى الامام والفوق, مثل تلك الكتابات على سبيل المثال, التي ترفع رايات الاحتجاج العنيف والراديكالية ضد قوانين في خارج ديارها، بالطبع قوانين الغرب الاجتماعية, التي يرون فيها اجحافا في حق تلك البلدان وشعوبها وفي مقدمتها أمريكا، وليس قوانين الهجرة والاغتراب التي يكونون طرفا في مساقاتها وهمومها فحسب. تخصصت هذه الكتابات في مساجلة تلك القوانين وسحقها دون المساس بالأوضاع الحقوقية لبلدانهم وتشريعاتها إن وجدت.

رعب هذه المفارقة الشيزوفرينية بداهة ليس في الهم الانساني المشترك وإنما في هذا الهروب المتقن من الاشكالات الحقيقية الضاغطة وليس في نقد الغرب المهيمن كجزء من طبيعة القوة وبطشها وفحواها مثل كل الحضارات البشرية التي هيمنت وتفردت وإن بدرجات متفاوتة, وإنما نقد التشريعات التي تشكل نحوا من مكاسب انسانية, أكاد أقول نحوا من عدالة نسبية لشعوبها والانتقاص منها في ضوء مقاييس تلك الأمم المترفة قياسا بالشعوب البائسة وأنماط حياتها. المفارقة تكمن في هذا البطر الفكري الذي لا يمت اليه ذلك النفر من العرب والعالم الثالث بأي نسب كان.

هذا النوع من الشطط المجاني وجه من أوجه كثيرة في العصاب العربي، الذي يقتحم حياة الآخرين بشراسة وجرأة وعمق تحليل “عدالي ” متجاوزا ومتجاهلا ومستكينا أمام أوضاعه الخاصة التي تفتقر الى أبسط المقومات الانسانية في الحياة.

يتساوق هذا البعد العصابي لتفريغ الطاقة واحتقانها مع ذلك الوجه ذي العين التي لا تنظر حتى لماما، في مرآة ذاتها التي تمور بشتى أنواع البؤس والانحلالات وانما تهرب باستمرار الى الأمام ني تحطيم ذات “الآخر” وكشف عيوبه ومساوئه, متقمصة شبح المرشد والمحلل البصير في استنطاق ذوات الآخرين. مستعينة بما تيسر لها من مراجع عدتها المعرفية إذا كانت من اهل المعرفة والثقافة. وغالبا منا تقذف بك الصدف السيئة وهي كثيرة في البيئات العربية, الى أشخاص فاشلين ( بالمعنى ألسييء للكلمة إذ أرى فيها وجها نبيلا لكن ليس في هذا المقام) ابدأعيا وحياتيا، لا هم لهم الا قذف “الآخر” وتبوء مكانة مثالية على أنقاضه, والذي غالبا ما يكون من أسماء معروفة ولها تحققها الابداعي، باستثناء من له شبهة تحقق ممن أتى في غفلة من الزمن وصعد على أكتاف “أكياس الفقراء” عبر الأيديولوجيات والكذب, وهو نفر لا يعول عليه, ويبقى نوعا من زينة فلكلورية شتائمية للطرافة والتسلية. وفي السياق إياه لا يرى أولئك الأشخاص النكرات, غضاضة في خلق خصوم وهميين من تلك الأسماء، متحدثين عن وقائع ومواقف حياة وفكر وسياسة جرى الخصام بشأنها والتي ليس لها وجود في حياة هؤلاء على الاطلاق.

انها التفاهة في مرآة بؤسها وأوهام تطفلها.

فالخصام في هذه الحالة يختاره ويخطط له أناس لا تنطبق عليهم صفة “الثقافة ” بأي معنى أو مقاربة لهذه الكلمة التي سامها كل سائم مثل بقية القيم النبيلة التي يجترحها الكائن في كل الأزمان بعد مكابدات وارتطامات لا حدود لها.

والخصام في هذه الحالة أيضا يأتي كتعويض عن تحقق كياني وابداعي مفتقد بالضرورة, ويمكن لآلية الصحافة بقنواتها المختلفة, التي أصبحت من الانتشار والضخامة أن تماهي بين كتابات مستنقعية وبين الكتابة الحقيقية التي تشكل قدر الكائن ومأساويته وتميزه أو على الأقل توهم بهذا الالتباس اللاإبداعي.

من السهل على الخطاب العربي أن يكيل التهم بتوجيه سهامه ال تلك القوى الخارجية التي تمارس تدميرا منظما ضد “الأمة ” ومقدراتها وعناصر وجودها. لكن ما ليس سهلا أن يستبطن هذا الخطاب فحوى أوضاعه الداخلية وسياقات تاريخها التي أدت إلى أن تكون ضحية مثالية لبطش التاريخ وقواه المسيطرة. القوى الخارجية ومؤامراتها التي هي واقع لا يمارى فيه, تحولت عبر هذا الخطاب الى ميتافيزيقيا تحجب حقيقة الوضع الذاتي للضحية وآليات هذا الوضع التي قادت الى ما هي عليه.. وكأنما النظر للذات, فردية أو جماعية, يسبب دوار الهاوية.

كل بشاعة وانعدام ضمير في مرمى الخصم يقابله – وهذا طبيعي في الثنائيات المتداولة -أن كل فضيلة وشرف وغير ذلك من الصفات ولو كانت مفقودة يتم التعبير عنها بالحنين ال اللحمة المتشظية, تكون في مرمى الذات المبعثرة والتي تلتئم عبر خطاب يتطوح وهما وليس حيرة ؛ الحيرة حالة صحية. الوهم قرين اليقين والحيرة قرينة القلق والسؤال والبحث في تضاريس الوقائع القائمة.

يحار المرء فعلا في الاحتفاظ بشيء من قدرته العقلية والنفسية وعلى صيانة المخيلة التي توشك على الانفجار وسط قسوة هذا الانحدار الأليم, الذي تنقلب فيه الأدوار والقيم ويحتفظ فيه الجلاد بصفات الضحية وامتيازاتها الانسانية بعد فقأ عينها والتمثيل بها شر تمثيل عرفه تاريخ هذه (الهيدرا) الذي لا ينضب له معين.

الاحتكار قائم على أشده في المال واهو اد وموارد الحياة, كما في القيم المتعلقة بالروح والمثل. هنا يتم تفريغ المضحية من كل أسلحتها بفعل القوة المقرونة بالمعرفة الجبارة, المتمادية في طقوس اكتشافها، ويصل الوضع الراعب الى أقصده في اصطفاف هذه الضحية الى سالخها وقضم ما تبقى من كينونتها المادية والروحية. وهي لا تكف عن تدبير الخطابات التي تؤرخ للحنكة والبصيرة التي لا يعرفها إلا الضالعون في قراءة الأحداث ودلالاتها البعيدة !!

هنا لا يدخل خطاب الضحية إهاب قاتلها وإنما تتوحد به توحد الصوف بالمطلق المتعالي مع بعض التلاوين المحلية التي تقتضيها خرافة الاقناع الزائف.

ترى أي ألم لم تعرفه ذاكرة البشر في هذا الاحتضار الطويل ؟

إننا وسط مسرح أسطوري للقسوة. ذلك الذي لم يتصوره “أنتونان آرتو” ولا ذهبت الى أقاصيه مخيلة الهنود الحمر في المكسيك وغيرها. مسرح لم يعد ممثلوه مجهولين كم يعبر “هيجل “عن غموض الحياة وخوافيها, وإنما عناصر اللعب وخيوطه واضحة وضوح خشبة العالم الذي تجري على أديمها هذه الاحتفالات الدموية الباذخة. رقعة شطرنج تصطرع عليها الزلازل والحروب والقبضايات التكنولوجية وتجفل فيها بنات آوى والضباع الحزينة التي فادرها السحرة القداس مع بزوغ سحر العالم الجديد. يعج ظاهر المشهد بجلبة وفوضى عارمتين لكن خيوط اللعبة محكمة الامساك بيد الساحر الكبير.

هل يمكننا أن نتذكر إلا ويصيبنا الدوار والاغماء… بعد عام, بعد عام فقط ستودع البشرية الألفية الثانية, القرن العشرين بعيون فاغرة ومفتوحة الى آخرها:

كم كانت عنيفة وشاسعة تلك المجزرة.

تودع القرن العشرين بأياد صفر وأقدام تجرجر أثقالها في الصحراء. عام أخر وصرير الساعة يرمي بها الى مجهول آخر لا يتبدى من شعاعه الأول إلا نذر كارثة أخرى.

عام آخر وتتسلق قمة سيزيف أخرى أكثر فظاعة واراقة للضمير. مضى القرن مثقلا بصدوق روحه الكبيرة كأنما لم يخض مغامراته العقلية الكبرى الا على جثة الضحية الأكبر : الروح التي مسخت أيما مسوخ وسط دخان المذابح والنهب والاقتلاعات التي تحار آلهة الأولمب في إحصائها وجدولتها.

كان الانسان يتشبث بنوع من الأمل المتاح في تقدمها ورقيها, أي الخروج من بربرية عهودها القديمة, وإذا بهذا الأمل لا يتبدد فحسب وانما تدخل طورا أكشر بربرية في سحق مكتسباتها الأخلاقية والروحية. بحيث تبدو كل الأزمنة المتراكمة في ضوئها شمعة شاحبة أمام طبقات النار الموقدة لبربرية القرن العشرين.

هل أذكر بمقولة (سيوران )، أبي علاء العصر الحديث, أن هتلر وستالين ليسا في ضوء القرن القادم إلا طفلين في جوقة موسيقية ؟

أمام ما يشبه هذه القدرة الصارمة العمياء، ماذا تبقى في هذه الصحراء العاتية, إلا زئيرها وانتحابها, إلا هواجسها اليتيمة ؛ هواجس شجرة السدر على حافة الغروب يأوي اليها اليمام من كل صوب كأنما اليتم يحضن ريشه الذي توشك العاصفة أن تذروه في الأرجاء؟

ماذا تبقى غير أحلام بسيطة تجددها

الصباحات

متذكرين الشجرة

على حافة الغروب,على حافة الكون وبعدك يأجوج

ومأجوج وخلفك القيامة.
قطـــار

عين تنظر من نافذة قطار الى الحقول الشاسعة,

عين تتحرك في محجرها بعصبية وارتباك رغم

الخضرة الغزيرة المأهولة بفلاحين وأبقار

وسناجب تتقافز على حواف الأنهار.

عين عصبية تدور في محجرها كأنما ستفترس

الأفق والأيام.

تلك العين هي نفسها التي كانت تسقط نظراتها

على الجبال الدكناء مخلفة وراءها جثثا من حروب

الثأر القبلية ماضية الى حيث لا يمكنها المض

هروبا من خية أيامها الخانقة.

عين الثعبآن التى تدور بشقوق الجدران

في حرارة الصيف.

عين النمر متعثرة بفلول الأعداء

عين الوديان الجافة
غـراب

كل هذا الظلام في الروح

كل هذه الأقدام المتعثرة أمام العتبة.

كل هذه  الأجداث والفيضانات.

حشرجة كلاب وسط ظلام غزير

وانتحاب ديكة أمام فجر

ضارب في الخيام.

لا أثر للقادمين من جهة الشرق

لا أثر للسنابك تحفر و أعماق الصخر

لقد مروا من هنأ

تاركين أطفالا يتامى

تاركين نخيلا

يبيض في ذؤابتها الغراب.

سيف الرحبي