جديد الكاتب

سينما العالم المفتوحة

لم تعد الخدعة والحيلة الهندسية والفنية، بكافة أشكالها، مقتصرة على الفن السينمائي، ولم يعد ذلك امتيازها الخاص، حيث يتفرج المشاهد على العواصف والبحار الهائجة وأسماك القرش وأسراب الخيل، وهي تطارد الحيوانات والهنود الحمر كما تطارد الطائرات والصواريخ العابرة راهنا، شعوبا أخرى على هذه الأرض.
يتفرج المشاهد على الجيوش الجرارة والكواكب وهي ترتطم ببعضها، والوحوش الغريبة في الاستوديوهات الهوليوودية وغيرها، بمساحات ضيقة بالنسبة لهذه الحشود السينمائية الضخمة.
لم تعد الخدعة مقتصرة على السينما، وعوالمها وشخصياتها، بحيث باتت توصم من قبل الوعي العام بالسلب، كونها قرينة “الكذب” كما ألصق الوصف نفسه تقريبا بالصحافة (كلام جرائد) أي أن السينما ومن ثم الصحافة تضخم الحوادث والأمور أو تخترعها بالكامل. فحسب هذا الوعي هي مضادة للصدق والحقيقة. طبعا نحمل هذا الوعي على دلالته المباشرة في تصوره لصدق الحدث وصواب الخطاب. ولا نغوص أبعد في “الكذب” الإبداعي الذي تحدث عنه (فلليني) وآخرون، وقبلهم عرب قدماء (أعذب الشعر أكذبه)، والذي هو عدة الفنان والكاتب وعرين الخيال الطليق في تناول الوجود وتنظيمه في سياق الفن والإبداع.

* * *

لم تعد الخدعة ولا التمثيل، أي تجسيد الأدوار المختلفة وأداؤها، حكرا على السينما والمسرح بعد أن تحولت إلى حلبة العالم المفتوح وكذلك الطبيعة عبر فصولها المتقلبة ليست بحاجة إلى تلك الحيل الهندسية التي تكلف المنتجين والنظارة أموالا كثيرة.
أنا الآن في مقهى أرقب الخارج من وراء الزجاج: ثمة شتلات نخيل وأشجار تكاد أن تغطي عمائر الأسمنت، وثمة غَبَش على الزجاج، ومما يتراءى أنه الندى. أو أن السماء مليئة بالسحب، وهي على وشك الإمطار، إن لم تكن تمطر. وكي تندمج الصورة أكثر بالحقل، ثمة فراشة ملونة ترف بجمالها قريباً من الزجاج الفاصل.
يمكنك ببساطة ومن غير إجهاد للخيال والاستحضار، أن ترى غابة تهطل عليها أمطار غزيرة أو متوسطة وثمة شآبيب تنداح على الزجاج والنوافذ وذوآبات الأشجار المستسلمة لهذا العصف المتخيل الجميل. ويمكنك أن تستدعي غابات آسيوية أو أفريقية أو أوروبية الى حيث تقودك أعنة الخيال الجامحة.
هذا المشهد يغرقك في واقع نقيظ للواقع الحي، يغرقك في واقع مُستدعى ومتخيل من غير وسائط. فداخل المقهى تهدر مكيفات الهواء، وفي الخارج يهدر الصيف ذو الحرارة العالية الموحشة. ولا يبقى من جمال هذه اللحظة النافلة، إلا خيال رجل وحيد، في مقهى، زبائنه قليلون.

* * *
على صعيد التمثيل والاستعارات الأدائية من عالم السينما وشخوصها، سواء النجوم أو الكومبارس، الذين يؤدون كل حسب درجته ومقامه (الناس مقامات)، فنجده انتقل إلى عالم البشر اليومي، من القادة السياسيين، حتى الفلاح في الحقل – إن وجد- وباقي الفئات التي صارت تستعير حياتها من وهم الشاشات وأضوائها..
ساسة العالم الآن من غير حاجة إلى دقة ملاحظة وانتباه، صارت حياتهم الرسمية والشخصية تحت المجهر دائماً، إذ لا شيء يختبئ تحت أضواء العصر الكاشفة، والتي هي جزء من اللعبة، لكل صغيرة وكبيرة. هؤلاء الساسة تفوقوا على نجوم السينما والمسرح وعالم الدمى، بشكل ساحق. مواهبهم التمثيلية أعلى من مواهبهم في الفكر السياسي وسلوكه، والذي يديره غالباً ويتولى أمره رجال من خلف ستار الحلبة أو ما يسمى بالقوى الخفية من اقتصادية وأمنية وتنظيرية.
من خلف الستائر والكاميرا والكادر ، تدير شؤون العالم تاركة للرئيس وحاشيته، مهنة التمثيل والرمز. إنها القوى التي تضحي بالمظهر وحب الشهرة والحضور الدائم، لصالح كهانة القوة ولذة ممارستها الفعلية.
من مناطق الظل والخفاء يمسكون بالحبال والخيوط، والممثلون على الخشبة الكونية يواصلون لعب أدوارهم كما رسمها أباطرة الظل المتواضعون.