جديد الكاتب

سيف الرحبي يبسط في ديوانه الجديد يدا في آخر العالم.. ويدا في أول الشعر من منابع الطبيعة الى خرائب الروح

 (قصيدة النثر ترصد انفعالات الانسان وتعتز

بالانفتاح المطلق على كل مافي الوجود

الشعر ليس فن اليقين

والشاعر يغرق ذاته في ظلام المقابر

المشاهد الشعرية مكثفة ومليئة بالكائنات والتفاصيل والأماكن

نقد

عبدالله السمطي

صفا الشعر تماما لدى الشاعر سيف الرحبي في أحدث دواوينه الشعرية ((يد في آخر العالم)) الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 1998م عن دارالمدى- دمشق.. صفا الشعر ليلج الى هذه البحيرة الجوانية الرائقة في بصيرة الانسان، حيث تتبدى الأشياء أكثر نقاء وألفة، وأكثر شفافية وسطوعا، وعند هذه اللحظة الصافية يمرق النص الشعري لكي يلتقط حقوله ودلالاته وأخيلته البكر النقية.

إن الشاعر حين يتخلص من تلك الترابطات والتداخلات التي باتت مصطنعة- جماليا بفعل المجاز ودلاليا بفعل البناء- التي قد يصوغها التداعي عبرها بصور ومشاهد طافحة بالحقول التعبيرية المألوفة التي تربط بسبب ما- وتصل- ما بين المفردات المتجاورة أو القريبة، وبين أشياء الطبيعة- مثلا- والحس الحالم، أو بين الاماكن المختلفة كالصحراء التي تستدعي الرمال والسفوح والتلال والجبال والوديان والتيه والسفر والهجير والظمأ والسراب على سبيل المثال، بحيث يشكل الشاعر من ذلك نوعا من العلاقة التصويرية لجملته الشعرية. هذه الترابطات والتعالقات أصبحت مألوفة لدرجة الاستنساخ في أفقنا الشعري، وحين يكسر الشاعر هذا الأفق. فانه سينشئ أفقا آخر ومناطا آخر للتعبير يرتهن بجوهر الانسان الراهن وجوهر أحاسيسه وانفعالاته.. وهذا بالضبط ما تنهض به قصيدة النثر في واقعنا الشعري، فهي تعتز بهذا الانفتاح المطلق على كل ما في الوجود، وتقدم لغتها التعبيرية التي لا تقف عند حدود الاختيار والانتقاء والعزل واقامة معجم دلالي ما، بل ان معجمها هو الحياة ذاتها مغمورة برؤى الشاعر ومواقفه الجمالية.

وفي ديوانه ((سيف الرحبي)) يد في آخر العالم، نحن حيال لغة تعبيرية تنهض بالاساس على تأثيث الفضاء الشعري بالممكنات المفرداتية الكونية- اذا صح الكلام- فالعالم/ الكون هو حياة الشاعر في ديوانه، وبالتالي فان اللغة داخل نصوص الديوان لغة منفتحة على كل الأساليب، النثري يجاور الشعري، والحوشي المهجور يوالف المعهود، والجمل الشعرية في حراك حيوي دائب، يطول ويقصر، ويطنب ويكشف، تبعا للحالة المرصودة، الشاعر اذن يحرك مفرداته، وجمله ولا يتقيد هنا أو هناك بهذه الترابطات والتعالقات المؤسسة سلفا، او المعهودة في شعريتنا العربية، وقبل أن نلج الى مكنونات الديوان يمكن أن نشير بايجاز الى ملامح العالم الشعري عند سيف الرحبي قبل صدور هذا الديوان الجديد.

لعبة الكائنات

لا يقدم سيف الرحبي على كتابة المألوف  الدلالي، فثمة تجربة تنهض على أفق الانكسارات والرؤى الكابوسية المرعبة التي تمضي في نسغ العالم وفي جوهره مترعة بكأس الموت والغياب والفناء حينا، وبكأس المأساة الموغلة في العذابات السيزيفية الأبدية حينا آخر، والانسان في كل ذلك هو حالة من التخبط والألم، والهذيان، والجنون وهو لا يسعى الى الخلاص الا عبر الغياب.

لقد تبصر سيف الرحبي ذلك عبر تأمله في الأشياء، ورصده لهذا الوجود المتهدم المتشظي، فالعالم يجتر حطام أيامه الاخيرة، ودائما يخطر في أفق الزوال، حيث يصوره بقوله:

ربما لست الوحيد الحامل هم هذا العالم

هنا آخرون يقيمون خيامهم

في جسدي

لكن لا مانع ان أقول: اني وحيد

ومقيم في رحم الأشياء السريعة

الزوال.

هكذا عبر سيف الرحبي في ((شرفة دمشقية)) من ديوانه الأول ((نورسة الجنون))، (دمشق 1980)، انه يحمل في داخله ذوات متعددة، وعلى رغم ذلك فهو وحيد زائل، يعرج الى المطلق البعيد الجميل في معراج العدم- كما يعبر- الى فوضى الجمال في انسيابها الحزين. وفي دواوينه الاولى: ((نورسة الجنون)) والجبل الاخضر واجراس القطيعة ورأس المسافر، ومدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، قدم سيف الرحبي هذه الرؤية الموتية للعالم، للوجود، للأشياء، كل شيء يغيب، كل شيء مؤلم وقاس، حتى الكائنات في حركتها وانبثاقها تغيب، ولا يتجلى سوى هذا العبث السوريالي المنظم لفوضى الذات، وهذا الضجر والاحساس بالعزلة والارتحال والاغتراب، في عالم المدن الذي تمزقه الآلة، وتحاصره المخيلة السقيمة. حتى الأشياء الجميلة التي كثيرا ما استعارها الحس الكلاسيكي- الرومانسي الحالم لم تعد جميلة انكسرت وتشظت وماتت، فالليل مذبوح بسيف الرغبات، والنجمة- كما يعبر الرحبي- نجمة الخطيئة الراحلة في أقاليم النواح، والجثث تملأ الأماكن والبقاع، والجبال تتقاطر مغشيا عليها، والغابات تدخل ظلمة الانهار ذات الرؤوس المقطوعة، ومليون مذبحة تتقيأ في ظلالها الكناري. ونلحظ في شعر الرحبي هذه التعبيرات: قارات الوجع، فائض العالم من الذل، سماء الاسطورة، السماء الممطرة بالجثث، جرائم الكون والتاريخ، جثة الأفق افخاذ القارات، خرائب الروح، منبر الجحيم المحنط بالخطيئة، طرق مزهرة بالنعيق… الخ من هذه التعبيرات الموغلة في وحشتها والمها وكابوسيتها.. وكل ذلك يصب في حالة الفناء الأبدي للانسان الذي جسمه الشاعر كونيا، وأصبح جسد العالم هو جسد الانسان الفاني، في حس متشائم ينقل اغتراب العالم وغيابه الديمومي وكأن اللاجدوى، واللاوجود بالأحرى هي الفلسفة الدلالية/ الجمالية التي يتكئ عليها الشاعر في افضائه بالحزن، وبالقبح المهيمن، وبالانكسار الموحش المفضي الى الموت:

إذا كنت شاعرا

فعليك أن تمشي الى حتفك

بعري المفردات الطالعة

من مغامرات الموت.

هكذا يمكن أن يقودنا سيف الرحبي الى عالمه المؤثث على خرائب الروح، ويسأل كل منا: هل مازلت تحلم بالبهجة يا صديقي؟

ولا يرد الجواب سواء الأصداء.

ويتسم شعر الرحبي بالكتابة الدائمة عن الطبيعة حيث تكثر مفردات الطبيعة عنده، لكنه لا يلوذ بها او يلجأ اليها، بل يبتكر موتها ويبتكر حرائقها، فالطبيعة آخر الامر تتحول الى رماد والى ماض سحيق من الهشيم والسراب الدائم، وامتدت هذه المساحة الى ديوانه الأخير.

كما يحتفي سيف الرحبي بالبيئة العمانية- موطنه- احتفاء يتجلى في هذه الأشياء والاماكن التي يصوغها في شعره، واسماء الاشخاص والاماكن والجبال والاسماء التراثية الشعرية. مثلما يحتفي بذكر الطيور والحيوانات والكائنات المختلفة بوصفها سكانا لهذا العالم الذي تتحاور فيه الكائنات وتلعب لعبتها الدلالية الرمزية والسوريالية داخل فضاء النصوص. ان ملامح عدة تميز شعرية سيف الرحبي، ابرزها:

–         تكوين الفضاء الاستعاري الكلي، الذي يدمج الانسان والكائنات في فضاء واحد غير أحادي، متعدد في تناقضاته ومقابلاته ومفارقاته، بحيث يفضي ذلك الى نوع من الوحدة التعبيرية الشاملة التي يطفر فيها الألم وتسكنها المأساة، وتلملمها الانكسارات، ويتجلى ذلك في كل دواوين الرحبي الشعرية.

–         صنع السياق الجمالي الخاص الذي تستأثر فيه  الصورة المشهدية- لا البلاغية- بانتاج الدلالة النصية الكلية، حيث يستوعب المشهد حالات متعددة، وتجارب مختلفة تتحرك بعفويتها من دون اسقاط الانفعال الذاتي عليها، وتتجلى الذات خلف هذه المشهدية بوصفها ذاتا مراقبة واصدة، تختزن المها ومواجعها في الخلفية الادراكية للنصوص، ويشع ذلك في معظم نصوص سيف الرحبي خاصة في دواوينه التي يكثر التعبير فيها عن المدنية وزيفها وضجيجها مثل: نورسة الجنون، ورأس المسافر، ورجل من الربع الخالي.

–         ويلجأ سيف الرحبي دائما الى نوع من التحضير المكثف لمشاهده الشعرية التي تحضر فيها أشياء كثيفة متنوعة ما بين الاماكن والشخوص والكائنات ومفردات الطبيعة، ومفردات كونية، ثم يتسلل فعل الغياب عبر الموت ليحصدها جميعا لتدخل الذات في المنطقة العدمية التي يتخلص منها الشاعر عن طريق الحلم مرة، أو عن طريق استعادة الماضي مرات اخرى حتى ولو كان مع استعادة المشاهد البيئية الصغيرة، وبعض المشاهد الغنائية او باستدعاء أحد الآباء الشعريين من الموروث والتحاور معه. وهذه الطريقة تعطي الشاعر فضاء شاسعا للتعبير، ولاستيلاء الحقول الدلالية المتعددة المتجاورة والمتباعدة، وان كانت تغطي أحيانا على هواجسه الذاتية الخاصة.

ماذا في آخر العالم؟

في ديوانه: ((يد في آخر العالم)) يعرج سيف الرحبي على عوالمه الشعرية الاثيرة حيث تمضي الذات الشاعرة في ((دروب تبتكرها المخيلة)) حيث تبحث عن هذا المصير الأبدي ((نهاية الكائن)) فيستعيد الرحبي ذاكرته الشعرية الخاصة باسطا أفق عالمه الشعري وممددا دلالاته الأثيرة في الخلاص من خرائب الروح والغياب، واكتشاف العالم ذواته وكائناته في هذا الغناء العدمي المأساوي، والبحث عن موت جديد حيث ان الموت المألوف ((لم يعد له طعم الموت))، وما بين ((الأحياء الذين يتذكرون موتهم))، و((الموتى الذين لا يتذكرون موتهم)) تمضي دلالات النص الاول في الديوان الذي يحتل أكثر من ثلثي صفحات الديوان الواقع في 93 صفحة، في ديوان يتكون من نص طويل نحو ثمانية عشر مقطعا، ثم نصين قصيرين في عنوان: ((عمرو بن قميئة)) و((يد في آخر العالم)).

في النص الاول الذي يتكون من ثمانية عشر مقطعا، يقف الشاعر على اطلال الذات، ويجوس في عالم الموت الذي يراه آخر العالم. ويعرفه بانه ((قنطرة الخلاص من الضجر المتراكم)) لقد جدد سيف الرحبي موته الخاص وقدم عبر مقاطع النص الطويل الذي غاب عنه عنوانه قدم دلالات كثيفة احتشد بها النص ليعبر عن هذه الرؤية الموتية حيث بدأ النص بالأحلام التي تتحقق عن طريق النوم ((الموت الأصغر)):

كانوا هناك يرتبون أحلامهم

كلما مرت غيمة

أو جناح قطاة

ركلوا الأودية بحوافر أفراسهم

ذابوا في هباء المغيب

بيد أن هذه الاحلام تأتي من ((موتى)) لا يتذكرون موتهم، ربما يعظون بها الاحياء الذين يتذكرون موتهم، وللتأكيد على هذه الرؤية المعبرة عن الفناء، فان التوجس والوحشة، والاشباح، ومنابر الأطياف، والهاوية، والظلام الغزير، والاشلاء المبعثرة، والافئدة المقشعرة، والجرح القادم من أزمنة سحيقة، والمحو والمحاق، والعزلات، والعواصف، ومعاشرة الموتى، والاطفال الغائبين والمتاهة، وبروق اليتم، والدمع المنسكب من أفواه الجبال، والمناجم المنهارة، والمدينة المقصوفة بالشهب، وفداحة الطوفان الجارف، وبصفة الكائن في نزعه الاخير، والغزاة المدفونون، والشرفات المحطمة، والكنائس المضفورة من ضلوع الموتى، والشجر الذابل، والعمائر المأهولة بالجفاف، والمخلوقات الزنخة تفوح من أردانها جثة العالم المتفسخة منذ قرون، كل هذه الصور والمشاهد التي يمتلئ بها النص تعبر عن هذا الفناء والعدم، وهذا المناخ المأساوي المهيمن في النص الذي يشير بالضرورة الى واقع الذات الشاعرة المؤلم،  والى فراقها لواقعها، بحثها عن واقع جديد.

إن الرؤية الموتية تهيمن على كل شيء لتقدم ((جثة العالم)) لا لنشرحها بل لنتأمل فيها، ونحدق في تقاطيعها الموحشة. وأعضائها المرعبة المأهولة بالجفاف، ان الشاعر يقدم صورة العالم الراهن حيث أصبحنا:

نردد الأناشيد الباسلة لموت

لم يعد له طعم الموت

لأيام تعيش خواءها ومدن

تغرق في بحر تفتك به الاساطيل الذرية

وزحف الأوبئة المحيق

ولعل هذه الرؤية التي تقدم صورة بشعة لهذا العالم، تنبع من هذا الهاجس التشاؤمي الذي يهيمن على الذات الشاعرة في زمن الانكسارات الابدي، زمن الوحشة، والاحباط.

بيد أن ثمة ضوءا في آخر العالم، يعتصم به الشاعر، وهو الضوء الانثوي القادم من فضاء السكينة التي تمنحها القصيدة، هذه السكينة القادمة من فجاج الرأس مسوقة بالاحلام- كما يرى الشاعر- كأنها الذهب يبحث عنه العميان في مناجم منهارة.

القصيدة/ السكينة الانثى تحضر بعد الفناء والغياب كما يعبر الشاعر:

أعرفك الآن جيدا

عبر غياباتنا واشلائنا

عبر انمحاء خصرك في الغابة

–         الغياب اقامة في الروح-

أصبحت أكثر سطوعا في عين جوارحي

لكن هذه المعرفة هل تقودنا الى الاطمئنان الى ان الذات الشاعرة صارت أكثر وثاقة بيقينها وأكثر ابتعادا عن الموت؟ ان الشاعر لا يجعلنا ندخل منطقة اليقين اذ تظل الذات غارقة في ظلام المقابر، كما يقدم الرحبي ذلك في مقطع جميل هو المقطع الخامس من هذا النص، وفيه يرصد هذا العالم، عالم المدينة الموحش المرعب معا، حيث يختفي المشهد بكامله آخر الأمر- ((كأنما ابتلعته الأرض او اختطفته عنقاء الجبال))، وتظل هذه الوحشة الى نهايات النص حتى يخاطب الشاعر ذاته: ((كأنما تحمل ثقل العالم على كتفك ملاحقا بالحشود والنميمة، ((ويظل في انتظار هادم اللذات، ليطلق لسراح نظره وسراح أيامه، ويحدق ويتأمل في الذرية المباركة، في كهوفها وناطحات سحابها، في هذه الخطيئة البشرية الاصلية التي ما تني تتواتر في صفحات الديوان صفحة بعد أخرى  معبرة عن فيض من الآلام والأشجان الكثيفة.

من هنا نرى الشاعر في مقاطعه يسعى الى ان يفارق ولو بهاجس زمني، هذه اللحظات المأساوية المتكررة عبر استخدامه لأدوات النداء في نصوص المقاطع، هذه الأداة التي تفترض نوعا من الحضور- أو الدعاء والرجاء والحنين حين يكون المنادي غائبا، ولعل غياب الفجر، أو اللحظة الضوئية المارقة من أبده ما ينادي به الشاعر:

أيها الفجر، الفجر المندلع كحريق

أمام نافذتي

ارجع لي ودائع طفولتي

لقد سرقتها مني

أنا توأم البحر والغروب.

هكذا يمضي سيف الرحبي الى فجره، ويمد يديه  الى آخر العالم والى أول الشعر، معبرا عن هذه الانكسارات المتوالية، وعن أزمة الذات الشاعرة المحبطة، الواثقة- في الوقت ذاته- من ضوء يأتي من آخر القصيدة.

الشرق الاوسط/ 16/1/1999