جديد الكاتب

سيف الرحبي في حوار مترامي الأطراف: انا رجل مزاجي ولا سلطة رسمية تقيّدني


مع تعقّد الحياة أحس بحاجتي لعُمان

مجلة نزوى مفتوحة الجهات والاتجاهات

حشرات الصيف الزاعقة لا تزال تتكاثر

لدينا شعراء جيدون بحاجة على إعلام

الأوضاع العربية مأساة تتناسل

في نورسة الجنون والجبل الأخضر هناك ثمة عثرات البداية

عبدالله الخليلي هو آخر السلالة الخليلية

حين لا أقرا أشعر بالتوحش

 

حاورته : بدرية الوهيبي

سيف الرحبي، اسم بحجم المكان، شاعر لم يخذل القصيدة يوما، ولم تخذله، تأبط الارتحال، وعرج في سماوات الكون، باحثا عن حريته، وعزلته، وحافرا في أقاصي الوريد تجربة خصبة، موغلة في تراجيديتيها، لا تستقر في جزر النوارس، ولا تقنع بالتحليق عاليا في قمم الجبل الأخضر، إنه التطواف الأبدي نحو اللامكان،  يعتبر كتاباته  أشبه بالحلم والحرية والطفولة والحياة ، هو رجل الربع الخالي القادم من سرور حيث الطبيعة والجبال ، شاعر كلما ذكرت القصيدة العمانية ذكر اسمه كرمز من رموز التجربة الشعرية العمانية ، له أكثر من 15 كتابا  شعريا ومقاليا ،  ترجمت مختارات من أعماله الأدبية إلى العديد من اللغات العالمية كالإنكليزية ، الفرنسية ، الألمانية ، الهولندية ، البولندية ، وغيرها .

( الزمن ) تقترب من قوس قزح صحراءه وتقرع أجراس التجربة  في هذا الحوار الخاص

 

الشاعر سيف الرحبي..ما الذي تغير في تجريته طوال أكثر  من ثلاثين عاما؟..ما هي محطته القادمة؟..

 

لا أستطيع الحديث بشكل إجمالي عن التغيرات التي أصابت أو أثرت في مسار هذه التجربة لأن ثمة مدى زمنيا شاسعا جدا وثمة نتاجات مختلفة وأماكن مختلفة مرت بها هذه التجربة ، وأزعم أن هناك أطوار كتابية وإبداعية وزمنية لا استطيع رصدها الآن على  وجه الدقة وإنما الإشارة إلى الديمومة المستمرة في الكتابة وفي الحياة حتى اللحظة الراهنة ، والحلم المستمر بتفتح إبداعي أكبر وتفتح الشرط الإبداعي والإنساني والتطلع دائما إلى أفق الحرية الإبداعية والحياتية ، فبدون الحلم بالمعنى الحياتي والإبداعي  ،على صعيد أن  الشاعر أو الكاتب   فضاءه الخاص والمحلوم به هو فضاء الحرية وهي الكلمة الحاسمة، كما أتصور، والمفتاح السحري والرمزي والواقعي للابداع وللحياة ، هي الحلم، وهي الحرية وهي الاشتغال الدائم على أدوات التعبير بالمعنى اللغوي والتأملي ، بمعنى التجريب  والمغامرة.

 لا يرتهن الشاعر أو الكاتب بنمط معين ، يتحول الى قالب ويتحول الى نموذج وانما يحاول كسر هذه الأنماط ، ويحاول كسر هذه القوالب باستمرار كي يحقق ذلك المعادل الموضوعي الصعب بين هواجسه وحياته وتاريخه والآمه ومعاناته الذاتية والعامة ، الخاصة والموضوعية ، وبين طرائق التعبير الفنية والابداعية ، أشير هكذا  إجمالا و دائما، أكتب كتابا معينا ولا  اعرف ماذا يكون اللاحق ، ربما  الآن ثمة كتاب منجز على الصعيد الشعري  ، غدا  ربما كتاب يعالج مسائل مقالية ونقدية ، في الفترة الأخيرة بدأت أتجه الى نوع من الكتابة الممسرحة والحوارية كما تجسد ذلك في كتابي الأخير الصادر عن دار النهضة العربية ببيروت وهو كتاب ( نشيد الأعمى) .

ليس هناك مسار واضح وخط واضح و انما هناك ضمن هذا الضباب وهذه العتمة التي تلف الابداع وتلف الحياة هناك دائما نوع من تبيّن، أو محاولة تبيّن للطريق القادم أو المحطة القادمة .

 

 

                     وطنان وروح واحدة

قلت مرة ( الشعر وطني ولا يمكنني العيش خارجه) ماذا عن وطنك المادي الذي تعيش كثيرا خارجه ؟

وطني المادي والواقعي الذي تشيرين اليه وهو عُمان، دائما أحس مع الزمن ومع التقدم في العمر ومع أيضا تعقد العالم من حولنا وتعقد ما يسمى بلغة الاتصال والاعلام ،هذه القرية الكونية التي هي العالم ،  هذه القرية التي بدل ان تخلق الانفتاح الانساني فيما بين اعضائها وفيما بين اركانها المختلفة ، تخلق مزيدا من التعقيد، ومزيدا من  العزلة ، مزيدا من الانكفاءات  الاقليمية والاثنية والعنصرية ، ومع هذا المسار للزمن والتاريخ أحس أكثر بالحاجة  الروحية والمادية الى وطني الأول الذي هو عُمان، كملاذ من نوائب الدهر، ومن الأحداث،  ومن التطورات غير المحمودة التي تحصل الآن في العالم ، وهذه مسألة طبيعية ، كلما تقدم بنا الزمن في العمر نحس بشكل أعمق واكثر كثافة بحنين العودة الى المكان الاول والرحم الاول الذي خرجنا منه ذات دهر ، ونحاول ان نجمع شتاتنا وأشلاءنا التي تبعثرت عبر هذا العالم في هذا المكان الأول  بكل منغصاته وبكل مشاكله يظل المكان أكثر حنانا أمام قسوة العالم ، بطبيعة الحال  هناك ايضا  هذه المعادلة بأن الشاعر يعيش في اللغة ، يعيش في المخيلة بدون اختراق هذا العالم وتفكيكه واعادة تركيبه عبر المخيلة وعبر الرمز وعبر هذا الفضاء الحر للعب الجمالي الحر الذي نسميه الكتابة ونسميه الابداع  لا يمكن ايضا العيش في هذه الحياة المختلة التوازن اساسا ، يمنحنا نوعا من التوازن والقدرة أو بعض القدرة على الاستمرار في الحياة.

 بدون الكتابة أتصور أمور الكائن وامور الكاتب تسوء كثيرا ، فالكتابة في النهاية هي سلاحه –كما قلت – لمواجهة هذا التوازن المختل ، وسلاحه ايضا للاحتجاج على  خلل العالم سواء  في انحرافاته الأزلية، أو في انحرافات الواقع واخطائه وعناصره  اللاإنسانية والآخذة في التوحش أكثر ، بالكتابة نحن نسكن وطننا الواقعي ، نسكن المكان الرمزي في نفس الوقت ، في هذا التوحد أو التوحيد  نحاول الحياة الكريمة والجمالية  والحرة .

                                 رؤية وجودية للمكان  

استعادة المكان في النص  وهيمنته في الكثير من مجموعاتك الشعرية يمثل بنية اساسية في تجربتك ، هذا الحضور للكثير من الأمكنة التي زرتها ، هل هي محاولة لتخليد وتوثيق لموطىء قدمك؟

المكان بالنسبة لي يشكل هاجسا اساسيا ، وحجر زاوية كما يقال في بناء النص وفي بناء الكتابة ، فالمكان ليس ثانويا، ولا يأتي كديكور في النص وفي القصيدة،  وانما هو  مكّون اساسي من مكونات النص ، يعتبر المكان من اهم المكونات ومن خلاله تنشأ حركة  الزمن، وحركة اللغة  ، والكثير من مكونات النص الأساسية، فربما كان غياب المكان الأصلي والولادي في فترة مبكرة معينة بالنسبة لي، قد  لعب هذا الدور،  والذي بنيت على اساسه نوعا من الرؤية الوجودية فيما بعد ، والمكان ايضا    كهاجس وجودي ، بأن هذا المكان الغائب والمتصدع بالنسبة لي مؤثر في   تجربتي الشخصي .. لا وعيا  يُستعاد  حضوره في المخيلة، كتعويض للغياب القاهر ، بل يأتي كتعويض للمكان ، ومن خلال المكان ايضا، نلمح حركة الزمن التدميرية كذلك، فكانما المكان هو هذا المسرح الذي تعبره شتى الأطياف والاحلام وحركة الزمن  وتأثيراته ، وطبعا حضوره ووجوده بتجليات مختلفة من نص الى آخر .

 

                        لستُ وحدي

لماذا كلما ذكرت التجربة الشعرية في عمان يذكر اسم سيف الرحبي فقط ، في نظرك هل ثمة عزلة اعلامية فرضها الشاعر على نفسه، أو لم يستطع تحقيقها؟

اذا كان هذا صحيحا فانه لا يسعدني على الاطلاق ، فأنا منذ بداياتي الشعرية اتذكر  اني سعيت لتقديم نتاجي ونتاج أقراني من الشعراء ، لأني كنت أعيش في بلدان ومهاجر مختلفة ، وكان التواصل صعبا مع الكثير من الاسماء التي كانت واعدة أنذاك،  فعمان في النهاية  لا ترتهن بفرد أو بشخص، وانما هي عبر   تاريخها القديم ومن ثم الحديث هي هذا  النسغ الابداعي، والفكري، والأدبي،  الذي لا يتشكل من فرد،   وانما يتشكل من هذه الكوكبة وهذة التشكيلة الابداعية الطموحة والواعدة والمتحققة ايضا،  والمنجزة على محيطها المحلي والعام ،  اذا كنا نتحدث عن التقصير الإعلامي فهذه مسألة تطول، لأنه ليس في البلد ثمة منابر تقدم المبدع العماني، وتقدم النتاجات الثقافية، وحتى الكلاسيكية العمانية  غير معروفة على الصعيد العربي رغم وجود قامات شعرية عمانية تضارع أقرانها في مصر وبلاد الشام  وبغداد ، لأنه   لا يوجد دور تقوم به المؤسسة الرسمية،  التي ينبغي أن تقوم بهذا الدور وليس الافراد ، لأن الافراد ليست لديهم امكانية  توصيل الابداع العماني بقديمه وحديثه الى القراء في العالم العربي، والعالم  أجمع ، هذه أشياء مغيّبة بحاجة الى نقاش وسجال، وللأسف هذا النقاش والسجال غائب  في الصحافة العمانية، والثقافة اطلاقا، وعلى المسؤولين  في هكذا مؤسسات ان يتقبلوا هذه النقاشات الجدية والمسؤولة على الصعيد الوطني، وهكذا سجالات بصدر رحب لكي   يتم تصحيح الكثير من  الاوضاع الخاطئة في هذا السياق .

 

 

                    بين القيود والحرية

سيف الرحبي..شاعر قضى معظم حياته في الخارج، متنقلا من مكان إلى مكان، وهو اليوم رئيس تحرير مجلة نزوى الرسمية في تمويلها، وفي المقابل المنفتحة في تجربتها، وهو إلى جانب ذلك عضو في مجلس الدولة..كيف يستطيع الشاعر أن يحقق هذه المعادلة الصعبة..أن تكون كاتبا حرا، وفي نفس الوقت مقيدا بقيود السلطة وما يستتبع ذلك من محاذير، كيف يستطيع الكاتب السير على حافة الشفرة كما يقال؟

 

على  صعيد تجربتي  الشخصية  لا أشعر في هذه المنطقة تحديدا إنني أمشي على حافة الشفرة ، يعني قد أمشي على الصعيد الوجودي على حافة الشفرة أو الهاوية ، بالعكس أنا  قادر أن أحافظ  على توازناتي التي تضمن لي حرية  تعبيرية ويمكن تلخيصها في السياق الوجودي والحياتي بأني رجل أدب ، وبؤرة اهتماماتي وهواجسي الاساسية تنصب في هذا المجال وما تبقى أحاول تأدية واجباتي في حدود المستطاع   .

بالنسبة  للمجلة مثلا  فالإشراف على مجلة من هذا النوع الذي أتمنى أن تكون هناك منابر مثله أو أفضل منه   في السلطنة  تشكل جزءا  من  العملية الإبداعية ، صحيح إنها مسؤولية  وضمن البيروقراطية الإدارية للمؤسسات في السلطنة، وعلى الصعيد الثقافي تشكل نوعا من  العبث  وتضييع الكثير من الوقت، ولكن في المردود النهائي ليس هناك تضييع للوقت بالمعنى الابداعي وإنما  حين يصدر العدد جيدا في حد ذاته يعتبر انجازا ابداعيا، فالإنجاز الإبداعي ليس فقط بكتابة قصيدة  أو مسرحية أو قصة، انما هذا يكون في الممارسة الشاملة  للمفهوم الثقافي والابداعي ومنها المساهمة في انشاء منابر ثقافية وابداعية في بلدنا ، هناك نقطة اساسية هي اننا  لم نأتِ الى بؤرة الثقافة في عمان  ولدينا اسلاف  خلقوا مؤسسات ثقافية وجمعيات  نتاجات متراكمة ومنابر ثقافية مختلفة، ونواصل  نحن  مسيرتهم، لم يكن هناك شيء  ، جيلنا  وانا واحد من افراده هو الذي حاول ان يطرح   تصوراته النظرية والعملية  بقدر الامكان لهذه الاشياء التي مضى عليها  قرن بالنسبة للقاهرة او بيروت او بغداد ،  ومن هنا يقع ايضا عبء المسؤولية  اكثر علينا .

أنا على الصعيد المزاجي أو الشخصي  لا أحب أن أكون مسوؤلا عن أي شيء مؤسسي أو رسمي  ، لذا فأنا حر واخرج وانطلق على مزاجي  وعلى ايقاعي النفسي والروحي، وليس ثمة ما أفكر فيه وأسافر أو أجلس  لأجله، انما  البوصلة الأساسية لي هي  مزاجي الشخصي الذي يحكمني .

لا بد  أن يكون هناك نوع من التنازل ان كان يفضي الى  المساهمة  في صناعة منبر ثقافي او وطني من هذا القبيل.

                        جمعية الكتّاب

إذن أين أنت من جمعية الكتاب؟..لماذا وأنت رمز من رموز الثقافة العمانية نجدك بعيدا عن ممارستها على الصعيد المدني والاجتماعي؟

أولا  إنشاء جمعيات مدنية وأهلية تعتبر خطوة  وإنجاز على الصعيد الوطني ويجب إستمراريته وتعميقه في جوانب كثيرة ،  أنا فرحت بالجمعية كثيرا,  وأعضاؤها الآن هم شباب وأصدقاء  فاعلون  ويحاولون ايصال هذه الجمعية الى  مصاف الأطر الثقافية العربية والعالمية  وهذا تقدم مهم  للصوت الثقافي العماني  في المحافل العربية وغير العربية ،  أما ما يحد من مشاركتي الفعلية فهو كثرة سفري وترحالي، و أيضا لدي ميل الى العزلة لا أستطيع التخلص منه ، يحد من المشاركة بالمعنى العملي ولكني متواصل مع الأصدقاء بالجمعية  ،وفي النهاية اذا كان هناك عناصر أقل منا عمرا وهي تعمل بحيوية وتدفق أكثر فهي تعمل بجدية أكثر، المهم إن التواصل موجود والهاجس الوطني الثقافي للعمل المشترك ربما يتحقق مع هذا الفريق الذي يعتبر أكثر قدرة وحيوية .

تعويض للغياب

 

                       ليس صحيحا

مجلة ( نزوى) الفصلية ، تنشر للتجارب الجادة والمتحققة فقط ، وهذا ما يثير جدل بعض من يحاول النشر والظهور في (نزوى) متهما المجلة بأنها تنشر نصوصا محددة الاتجاه، ولا تهتم سوى باسم الكاتب واتجاهه في الكتابة؟

 

هذا الكلام ليس صحيحا .. بقدر ما تنشر نزوى  للتجارب المتحققة،  والمنجزة على الصعيد الابداعي سواء في عمان او في الخليج والعالم العربي، بقدر ما تحاول أن تقدم  الصوت الواعد في الشعر والقصة والنقد ..   جزئية أساسية من المجلة أسماء غير معروفة،  وغير ذائعة الصيت انما هي تقدم نصا جيدا  قد  يتحول الى جزء من الانجاز الابداعي، ربما لا توفق احيانا بسبب مشاكل فنية  لكن  هذه احدى هواجس المجلة الاساسية ، ونحن قلنا  معيار الكتابة  هو معيار قيمة النص وليس صيت الإسم وشهرته ، فقد أختار على أنماط التعبير قصيدة تفعيلة جيدة، وأرمي جانبا قصيدة نثر، وحين تأتيني  قصيدة عمودية جيدة أنشرها، قبل قصيدة التفعيلة والنثر ، وعلى  صعيد الشعر العمودي حاولنا أن نقدم دراسات من بداية المجلة الأولى  حو ل الشعر الكلاسيكي العماني، واحتفينا بأكثر من قامة شعرية وفقهية  انجزت شعرا  في هذا السياق ، تاريخنا الشعري هو الشعر العمودي  الذي يشكل ذاكرتنا الشعرية والثقافية على مدار العصور، ولكن كون الاشكال تشيخ وتتيح المجال لأشكال أخرى فهذا بطبيعة الحياة والثقافة، حيث  لا يوجد شيء خالد ، فقصيدة النثر، وأشكال جديدة مثلا، ستتيح المجال غدا لأشكال تعبيرية أخرى وتبقى ما تم تحقيقه في هذا المنجز الثقافي، أيضا الرواية قد تتيح المجال لأشكال  أخرى، لا شيء ثابت وراسخ للأشكال التعبيرية، فالأشكال متحركة  وتبقى انجازاتها واشراقاتها الخالدة، ويرحل ويتلاشى ما يتلاشى منها .

                                    المتسللون

قلت مرة (المتسللون للشعر خلسة هم حشرات الصيف الزاعقة) من تقصد بهؤلاء المتسللين؟

أقصد: المتسللين في الساحة  العربية، هذه صفات لا تركب ولا تلائم أحيانا الا أصحابها، فهناك نلاحظ  في الشعر  العربي الكثير من الزيف، والكثير من الطفيليات، ومع الأسف إن هؤلاء الذين لا يمتلكون موهبة حقيقية، أو أصالة ابداعية،  موجودون وحاضرون بكثرة وكثافة في المشهد الشعري العربي، وهذا يعود  الى اسباب خارج المسالة الابداعية والادبية، اسباب تتعلق بالعلاقات العامة والشللية، وبعناصر كثيرة لا صلة لها بالابداع والكتابة، ولا صلة لها بهذه الهواجس الجمالية والوجودية اطلاقا .

هي تقع بمعزل آخر ولكنها حاضرة وبكثرة خاصة  في ظل  هذا التفريخ الاعلامي والفضائي بمختلف اشكاله ، حضورها يكثر أكثر ويتكاثف أكثر ،  ولكنها موجودة حتى لا نجحف هذا الزمن حقه، فهي موجودة سلفا بكل الأزمان، وربما برزت الان بسبب التكنولوجيا والفضائيات والاعلام ، وهذا  لا يغير الحركة الابداعية التي تتمتع بالموهبة والاصالة بشيء .

                       آخر السلالة

قلت عن عبدالله الخليلي بانه ( آخر العنقود في السلالة «الخليلية» على المستوى العماني وما بعدك لا يستحق القراءة ) ، كيف يمكن إطلاق مثل هذا التعميم؟..ألا تعتقد أن كلمة (آخر) ليست دقيقة لأننا غير مطلعين على المستقبل؟..أليس في هذا اجحاف وتهميش لتجارب أخرى ؟

بالنسبة للشيخ الخليلي – رحمه الله –  فهو آخر الشعراء الكلاسيكيين الكبار ، وإنه بعد الشيخ عبدالله لم نقرأ شعرا عموديا مقفى، وموزونا بالمعنى الصحيح يحمل سمة إبداعية، أو يحمل إضافة  إبداعية اطلاقا ، حددت الموضوع في هذا السياق ، على الأقل في حدود  قراءاتي، ربما أكون مخطئا ، لم أجد من بعد الخليلي شاعرا يتوسل او  ينجز ابداعا حقيقيا اصيلا مهما  في مجال الشعر العمودي ، وانما هناك نسخ مشِوِهة في تاريخ هذا الشعر العظيم في تاريخنا العربي ، وهو على الصعيد العربي أيضا بعد موت الجواهري  لا أعتقد أن هناك شعرا مهما في هذا السياق.

 

                              كلام سابق

 

في ظل ( كثرة الاعمال الروائية) في عمان ، والتي قلت عنها مرة لا يمكن اطلاق رواية عليها ، بماذا تصف إذن ما كتبه مؤلفو هذه الروايات ؟

 

ربما أنا قلت  لروايات معينة قرأتها في تلك الفترة إنما  في الفترة الأخيرة ثمة روايات جيدة على صعيد السلطنة ،  قرأت مؤخرا رواية لحسين العبري ( المعلقة الأخيرة ) ورواية عبدالعزيز الفارسي ( تضحك الأرض .. يبكي زحل ) ، وهناك أيضا نصوص روائية وقصصية جيدة ربما لا اتذكرها في هذا السياق ، هناك روايات جيدة ، وتُقرأ،  وبعضها لو قُرئت عربيا لأضافت شيئا للمشهد الثقافي في عمان ، وهناك نشاهد ازدهارا  في السرد القصصي ، وهناك انجازات وأسماء أتصور انها مهمة جدا عمانيا وخليجيا وعربيا.

                            عثرات البدايات

في دواوينك ( نورسة الجنون ) و( الجبل الأخضر) تشابه في اللغة والفكرة ، كيف تفسر هذا التشابه وأنت قلت مرة إنه ينبغي أن تكون التجربة مغايرة عما قبلها ؟

كتبت (الجبل الأخضر) قبل (نورسة الجنون)  ولكن ظهر كطباعة بعد (نورسة الجنون) ، وفي النهاية  هي تجارب أولى كتبتها في بداية مبكرة من عمري عام 1978 ،  التجارب الأولى على صعيد النشر، وتحمل كل تعثرات، وإرباكات البدايات ، وكانت تلك  بداية طبيعية،  ربما فيما بعد تجاوزت الكثير من  الزائد اللفظية، والاستطرادات اللغوية وغيرها ، لكنها  تظل في  النهاية  بداية بما تحمله من التباسات ومن إشكالات . 

 

في ( أجراس القطيعة ) ثمة نظرة عدوانية صدامية تجاه الأشياء ، أشبه بقطيعة كما هو عنوان المجموعة ، كيف تبلورت هذه المرحلة أثناء كتابتها ؟

 

 (أجراس القطيعة) ثمة تجربة أخرى تختلف عن( نورسة الجنون) و(الجبل الاخضر) فكانت تجربة فيها ارتطام وصدام مع العالم اكثر ومع اللغة ايضا، فيها محاولة لكسر النمطية والتحليق في فضاء حر حد التدمير،  والخراب، كما يتجلى ذلك في نسيج الرؤى، و اللغة ، و العبارة الشعرية  بصورة كاملة .

                              تراجيديا الكتابة

   “الكتابة عن الفرح والحزن والمرأة والغربة والمنفى والتشظي والإنكسارات التي تسود حياتنا الراهنة تناولتها في تجربتك بشكل مختلف ومغاير” مما شكل خصوصية في نصوصك ، كيف نصنع خصوصياتنا الشعرية في تجاربنا ؟

 

 الشاعر بقدر ما هو قارىء جيد لأعمال المعاصرين وأعمال القدماء  ، وقارىء جيد للمعرفة الانسانية بمختلف أنماطها،  وتعبيراتها ، بقدر  ماهو يحاول أن يتلمس خصائصه الذاتية والمكانية لكي يكوّن ما يمكن  أن ندعوه بصوته الخاص ، هذا الصوت  الذي يحمل تلاوين خاصة،  من الفرح والحزن .والحزن والنزوع المأساوي هو الغالب على التجربة الشعرية، أما الفرح والسعادة فأتصور  ليس من الضروري أن نوثقهما  ، الذي يوثق هو المأساة، والحزن، والتراجيديا  والإنكسارات الحياتية، والوجودية  ، كي لا  نذوب في النموذج العام للكتابة  عن الحزن والإنكسارات والظلم وغياب العدل.

 علينا أن نتلمس طريق لغة  خاصة، عبر هواجسنا، بقدر ما هي متواصلة مع اللغة  الإبداعية المنجزة، وبقدر ما هي تتلمس خصوصيتها ، وتلاوين صوتها الخاص .

 

 

                        سيرة ذاتية

بعد هذه التجربة الثرية على المستوى الإبداعي، والشخصي، ألا تفكر في كتابة سيرة ذاتية أو رواية؟

 

ربما كان الشاعر البرتغالي  الشهير ( بيسوا ) يقول ان ( سيرة الشاعر موجودة في شعره )،  في كل ما نكتب بصورة عامة توجد شظايا وأجزاء من هذه السيرة الذاتية  في مختلف الأعمال الشعرية، وغير الشعرية ، ليس هناك عمل ابداعي مهما كان نوعه  شعر أو قصة او رواية او مسرح او سينما أوغيرها ، الا وثمة جزء من سيرة هذا الكاتب او الفنان  في ثنايا هذا العمل الابداعي   وفي العمق منه تظهر في تجليات مختلفة،  جزء من هذه السيرة موجود.

كان المخرج الايطالي فريدريك فلليني  يقول ( انني حتى حين أكتب عن كلب او طاولة  فثمة جزء من سيرتي الذاتية في هذا) ،  أما اذا كنت تقصدين السيرة الذاتية بمعناها المحض والبيلوغرافي والمباشر والمتعارف عليه، فأنا لا أفكر كثيرا  في هذا ، ربما كتبت عن سيرة الطفولة والمكان، وهو نص أدبي ،  وكذلك كتبت يوميات،  انطلاقا من اللحظة والهنيئة الراهنة  كما في (أرق صحراء )ولكن أيضا رغم تفاصيل  السيرة اليومية وغير اليومية مما يندرج أيضا في سياق النص الأدبي .


                            منحة قرية الفنانين

حدثنا عن منحة ( شوبنغن/قرية الفنانين)  التي تحدث عنها   فولكر كامينسكي حول تجربتك ؟

شوبنغن  هي قرية ألمانية تقع على الحدود الهولندية وأنا قبل هذا عشت فترة لا بأس بها في لاهاي في هولندا ، كانت أيضا فترة ثرية بالنسبة لي ، في تلك المدينة المليئة بالغابات والأنهار ، والمفضية  الى المحيط الشمالي ، كان ذلك الجو الصاعق والراعد  بالنسبة لي مؤثر على صعيد المخيلة  الشعرية  وعلى صعيد الكتابة .

شوبنغن ليست بعيدة عن لاهاي لكنها تابعة  لألمانيا وطبعا حصلت على منحة، كثير من الأدباء والشعراء يحصلون على منح  للتفرغ  والذهاب الى أماكن العزلة والتأمل  والكتابة،  وكانت هذه القرية مثالا  لهذه العزلة .. قرية فلاحين في وسطها مبان  تسمى  قرية الفنانين  يأتونها من كل العالم كمنح، هناك في المانيا،  وعشت فيها فترة من الزمن وكتبت نصوصا  منشورة في “قوس قزح الصحراء “على  ما أظن ، وهناك في ألمانيا كان يزورني أصدقاء كثيرون كــفاضل العزاوي وخالد المعالي وحسونه المصباحي وغيرهم ، وكان ت هذه القرية المنعزلة تمثل مكانا صالحا للتأمل ، للحياة ، الحياة المكرسة للقراءة والكتابة  والإبداع ، ليس فقط في شوبنغن، بل في كثير من المدن  الألمانية هذه المنح تأتي  عبر بيوت ثقافة وعبر أثرياء ، هناك تتعدد المؤسسات التي تعطي هذه المنح لمختلف كتاب ومثقفي هذا العالم ،  مع الأسف العالم العربي  بالنسبة له هذه المسألة غير موجودة اطلاقا ، وليست هناك تقاليد من هذا القبيل ، لا توجد شروط فنية ولكن هناك لوائح يختارون عن طريقها عددا  من الفنانين والأدباء عبر انجازاتهم ومسيرتهم الابداعية ولا أتذكرها تماما ..

 

                              نقد أيدولوجي                             

هل ترى أنّ التجربة النقدية  استطاعت احتواء اشكال الكتابة أم هي مجرد  “انحيازات لفظية وايديولوجية ”   ؟

 

 

جزء من هذه الكتابة انحيازات ايدولوجية ولفظية  ، في فترة سابقة هيمنت ايدولوجيا حزبية وسياسية على مصائر النصوص والكتابة، وفي فترة لاحقة كسرت هذه الهيمنة ، ولكن أسوأ من هذه الهيمنة هي هيمنة بديلة وهي  الشللية الثقافية ، وهناك أيضا عدة اشكالات بالنسبة للنقد العربي، لكن للضرورة أيضا هناك اصوات نقدية، واسماء نقدية تحاول أن تواكب تحولات التجربة الشعرية والكتابية في العالم العربي، وتخرج من تلك الأطر الضيقة بما فيها الأطر الاكاديمية والمدرسية  .

                       أصوات شعرية وإعلام

ما الذي تحتاجه القصيدة الحديثة في عمان كي تنطلق إلى سماوات أرحب كونك رئيس تحرير مجلة نزوى ومطلع على التجربة الشعرية العمانية  ؟

بموقعي هنا كشاعر وكمشرف على مجلة نزوى الفصلية ، لستُ في موقع المعطي وصفاتٍ، ونصائح في المجال الشعري والكتابي، ولكن ألاحظ كغيري من القراء   مسار التجربة الشعرية العمانية خاصة والعربية عامة، وأتصور أن هناك في عمان أصوات شعرية  مهمة جدا برزت في الفترة الأخيرة ، ربما لم تنل حظها من البعد الإعلامي والانتشاري، وهذه مسألة نناقشها  على حدة ,  مسألة تتعلق بالإعلام والصحافة في البلد، نناقشها بسلبياتها المتراكمة في المجال ، ولكن هناك نصوص ودواوين على الصعيد الشعري والكتابي والقصصي في عمان، تتطور وتنفتح ابداعيا وكتابيا على العالم أكثر، وعلى التجارب الطليعية، وعلى التجارب المهمة في الشعر العربي، والعالم عامة ، نأخذ هذا الجانب أهم مما نأخذ بعض الكبوات ونتركها جانبا ، في هذه العجالة نتركها للنقد والإستقصاء والبحث الأكاديمي وغير الأكاديمي، وهذا أيضا يتحقق جزئيا في الوقت الحالي .

                              

                            عنصرية وعدوانية

يعتقد البعض ان ( الشاعر الخليجي ) لا يحمل قضية وإنه مثقف نفطويّ ، والكتابة بالنسبة له نوع من الترف ، كيف ترد على هذا الكلام ؟

 

هذا الكلام غير صحيح ويحمل شيئا من العدوانية،  والتنميط ،والعشوائية، وهو كلام عنصري، الشاعر الخليجي كبقية الشعراء من هذا العالم ، وجود النفط  لا علاقة له بالأمر . النفط موجود في بلدان كثيرة من الوطن العربي والغربي  لا يمكن إطلاق صفات سخيفة على هذا النحو ، الشعر الحقيقي في الخليج هو جزء  ورافد من روافد حركة الشعر العربي والعالمي في بعض أجزائه المشرقة ، وهذا لا يضيره إنْ كان هناك بعض شعراء النفط او المترفين، وهم موجودون في الخليج  كثيرا، هذه النماذج من  شعراء الترف والنفط والوجاهة الإجتماعية ، وشعراء (البريستيج) لا تضير حركة الشعر والكتابة  في الخليج العربي ، وهذا موجود في كل الدول سواء التي بها نفط او  أي ثروات أخرى  .

                   

                             أقرأ أكثر

هل ما زال سيف الرحبي يقرأ كما كان يفعل قبل سنوات؟..حدثنا عن هذا الجانب الشخصي من حياتك؟..ما الذي تقرأه في هذه المرحلة؟

أكثر .. صارت قراءاتي أكثر ومتنوعة ، وأنا اقرأ أكثر مما أكتب ، واليوم الذي لا أقرأ فيها أشعر بضياع مرعب جدا  وبأني أتخبط  في متاهة مظلمة ومتوحشة مليئة بالذئاب والأشباح  والهوام  ، القراءة هي هذا الضوء الجمالي القادم من جهات وأجيال مختلفة تنقذني وتنعش روحي المهددة بالجفاف جراء  هذا الإنحطاط الجمالي والقيمي الذي يسود العالم تحت مسمى التقدم والحداثة كما تروج له التكنولوجيا و الوسائل المختلفة  ، فالقراءة والكتابة بالنسبة لي  متنفس ابداعي مهم والقراءة أيضا والتأمل في العالم وفي العناصر والحيوات  المحيطة تمثل نسغ روحي و حياتي، وكما قال أحدهم ( نحن  أبناء قراءاتنا )  ربما نوسع هذه العبارة فالقراءة ليست قراءة كتب أدب وفكر وفلسفة ومعرفة ،إنما ايضا قراءة الواقع  وتامله وتأمل الطبيعة والتي هي أيضا قراءة جمالية وابداعية وبصرية .

قراءاتي متنوعة وفي الفترة الأخيرة أركز في قراءة  الفلسفة وأركز  على كتب جيولوجية وجغرافية وفي التصوير ،  مؤخرا أهداني الصديق الفنان سيف الهنائي كتابا عن تصوير مشاهد من البيئة والطبيعة العمانية ،  بمناسباتها وأعيادها وجغرافيتها الروحية والبشرية والطبيعية  ، أدهشني إن فن التصوير يصل الى هذا المستوى بالنسبة للعمانيين وهناك اقران له في التصوير مهمين ايضا ، فعمان بيلوجيا ساحة ثرية لاغناء المشهد  البصري على مستوى الصورة سواء كانت سينمائية أو ضوئية او شعرية  ، فعمان مصدر لا ينضب في إمداد الصورة الادبية والفنية بالحيوية  والتدفق . 

 

 

                             الأنثى والوجود

كيف  يحوّل الشعر الشعور بالأَلم والنكران  إلى تجربة ثرية ومفيدة؟.

هذا هو التحدي الحقيقي  فالإحباط والانهيار والتمزق النفسي وعدم الوصول الى الهدف السامي كالحب وكالعاطفة الصادقة  ، والتحقق الإنساني والإبداعي، بدل أن ينهار  المرء ويضيع وينكسر، يحوّل هذه الانهيارات الى نصوص ابداعية وجمالية والى حياة شخصية  بالحب والسفر والقراءة الغنية بعلاقة المرأة، وأتصور ان المرأة جماليا أكثر تماسا وضرورة للشاعر والكاتب ، فهي كعالم جمالي  تُعتبر روح العالم، وهي الأنوثة الأزلية ، فأي شيء لا يوجد فيه نسغ من هذه الأنوثة  يعتبر ميتا، ولا روح له،  ولا حيوية له، فيستحيل الى عالم من يباب ويباس وفقدان الامل. .

                           بيروت والعرب

بعيدا عن الكتابة..كيف ترى الأوضاع العربية مؤخرا – على الصعيد السياسي- خاصة في بيروت التي تحبها ؟؟

 أتصور إن الأوضاع  في العالم العربي الآن هي من أسوأ الأوضاع على الصعيد العالمي ،ربما حتى افريقيا التي تتناحر قبائلها وأثنياتها، وعاشت الكثير من مراحلها بتلك المجازر والاغتالات  المتوحشة، ربما تجاوزت شروط حياتها وإنحطاطها القاسية، الى تلمّس نوع من أفق افضل ، الا  الأوضاع العربية فهي دائما في انتكاسة مستمرة وفي  تدحرج دائم  الى الهاوية إن لم تكن في أعماقها وفي ظلامها الان ، فإلى جانب   القراءة التاريخية والإجتماعية  والعقلانية للأوضاع  القائمة نجد هناك نوعا من القدر التراجيدي يطوح بهذه المنطقة  على صعيد التحديث والتقدم  وعلى صعيد  التصنيع، والديمقرطية و الحرية الابداعية  بمختلف اشكالها،  كأنما هناك قدر تراجيدي دائما  يدمر طموحاتها ، ويدمر احلامها، مضى أكثر من قرن ونصف  على احلام النهضة العربية ، ليس فقط لم يتحقق شيئا منها وانما افرزت  النقائض المتوحشة تماما، أفرزت هذه الأصوليات  وهذا التفكير اللاعقلاني ، افرزت هذه المعاداة للابداع والجمال  ، افرزت هذه الغابة البربرية والمتوحشة على مسار  العالم العربي من الخليج الى المحيط ،  انحطاط كامل في كل  شي، في السياسة، والاذواق، والفن ،  على الاقل ما يروج منه وتبقى الاشياءا الحقيقية والمبدعة دائما مهمشة ومقصية ، اتحدث  عن اوضاع وصلت الى  ذروة انحطاطها ، فهل هناك مكان  في القعر والقاع بقي كي تذهب نحوه هذه الأوضاع؟ لا أعرف..   أيضا بيروت  هي جزء من نسيج هذه الأوضاع  ، بيروت في النهاية شكلت  عبر  الثقافي العربي الحديث  مختبرا للثقافة والأدب  العربيين وحتى للسياسة العربية،  وقدمت الكثير من هذه الثقافة بمناخها  وفضاءها الحر الى حد كبير من الأوضاع العربية المجاورة وغير المجاورة لها، ولكن في النهاية  تعيش مجازر تتناسل مجزرة تلو اخرى ، أعني لا تكاد الهدنة هذه تنتهي حتى  وتأتي مجزرة  تسحق وتبيد ما بنته تلك الهدنة ، على الصعيد الحياتي والاجتماعي والعمراني  ، فتتوقف آلة الادب والانجاز والثقافة  التي هي ليست  لبنانية وإنما هي  عربية عامة،. بيروت  محكومة بهذا القدر التراجيدي المروع  والذي يبدو أن لا أفق  أمامنا واضح يتيح لحل الاشكالات الاساسية والجوهرية التي تسمم مكونات المجتمع اللبناني بطوائفه وتعدداته  المختلفة، هذه التعددية ينبغي ان تكون شرط و ضرورة لأفق الابداع والتطور والحرية تتحول عكسا الى شرط تدميري  لهذه الحرية ولهذا المستقبل .

 

                             ما جديدك القادم؟

 

القادم عبارة عن مقالات نقدية سأسميها ” ضيافة الجبل الخضر ” 

 

 المصدر : جريدة الزمن – مسقط