جديد الكاتب

سيف الرحبي شاعر الرحيل والذكرى ونداوة الأرض الأولى: مصائر تتخبط في تلك المتاهة التي بلا ضوء ولا قرار لندن: هاشم شفيق

 مجموعة بعد أخرى، تبدو ((دار الجديد)) البيروتية مصرّة على المضي في رهانها الجريء: إصدار الدواوين الشعرية في زمن اقفلت فيه دور النشر بوجه هذه السلعة غير المربحة، وفتح المجال واسعا أمام أصوات متميزة فوق خريطة الشعر العربي الحديث من شتى الاتجاهات ومختلف الأجيال. بين آخر إصدارات الدار، مجموعة بعنوان ((رجل من الربع الخالي)) للشاعر العماني سيف الرحبي الذي برز في الثمانينيات كصاحب نبرة خاصة سرعان ما لفتت إليه الآن الأنظار. للمناسبة التقينا الشاعر وكان هذا الحوار:

·        لعل صوت الشاعر العماني سيف الرحبي يطغى على أصوات أقرانه ومجايليه في عُمان، بفعل تنقله بين أكثر من بلد عربي وأوروبي لغرض الاقامة فيه، مما قوى من أواصر علاقته بالمثقفين والشعراء العرب. فضلا عن ذلك تتميز تجربة سيف الرحبي، بما تحمله من وقع وحس بالفاجعة، يكاد يصل بجرس هذا الوقع الى أقصى درجات المرارة.

ففي شعره يقدم الرحبي تركيبة يكمن فيها الرحيل والذكرى ونداوة الأرض الاولى. ولهذه التركيبة صور تتلاحق في مناخ شبه اسطوري، قاس وشفاف في آن… ثمة مفارقات تتأسس على الغريب والمثير للدهشة، وثمة استنطاق للعسير والغامض  والمنطوي في المجاهل، بيد أن هذه التركيبة لا تتناسى في بعض مواضعها حركة الاشياء والطبيعة والناس والامكنة التي مر بها الشاعر واقام فيها، كالقاهرة وبيروت ودمشق وباريس وهولندا.

صدرت لسيف الرحبي ست مجموعات شعرية ركزت تجربته فوق مساحة الشعر العربي الضاج بالأصوات، وهي على التوالي ((نورسة الجنون)) (1981)، ((الجبل الاخضر)) (1983). ((اجراس القطيعة)) (1984)، ((رأس المسافر)) (1986)، ((مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور)) (1988)، وأخيرا مجموعته الجديدة ((رجل من الربع الخالي)) التي صدرت عن ((دار الجديد)) في بيروت.

والحوار مع سيف الرحبي لا مفر من أن يتخذ سياقا خاصا، نظرا للتجربة التي تجمعنا، وهي تعود الى أعوام اقامتنا المشتركة في دمشق مطلع الثمانينيات. وكان ان جمعتنا الظروف مجددا على هامش احدى المناسبات الشعرية عشية صدور ديوانه الجديد.

حول طاولة مقهى في حي ((سان ميشال)) الباريسي التقينا. وكان هذا الحدث حول شؤون الشعر.

·        كيف ترى المشهد الشعري الآن؟

–         المشهد الشعري القائم اليوم باتجاهاته المختلفة. وخليط أصواته ورؤاه. هو غير المشهد الشعري القائم بالامس. بشكل آخر هناك تغيرات كثيرة وتصدعات لا تحصى استبدت الحالة الشعرية العربية. منذ السياب- او ما اصطلح على تسميته بجيل الرواد- حتى الآن. نلمس هذا التغيير من خلال مسائل اساسية وعبر كيفيات مختلفة، مثل كيفية التعامل مع اللغة الشعرية، وكيفية التعامل مع التاريخ والاساطير. ومحاولة تبين الصوت الشخصي أكثر من ذي قبل، بمعنى عدم الاستناد الكلي الى المعرفة المنجزة سلفا، أي ان هناك عملية تعميق للتجربة والحياة وحضورهما في اللغة الشعرية. لنأخذ مثلا الشاعر المصري امل دنقل، لقد بتنا نجد اليوم في تعامله مع الاسطورة الكثير من السطحية والسهولة والاختزال.

 
الثرثرة والفراغ اللفظي

          وما هي أسباب هذا الانهيار؟

–         بطبيعة الحال هناك اسباب كثيرة الواضح هو أن هذا التغير لا يحصل بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي للمجتمع العربي. كما يتوهم البعض. كأنما هنالك تعبير ضمني عن هذه البنية النفسية والاجتماعية المتصدعة لدينا، وكأنما هنالك منحى شرس للتعبير عن مصائر تتخبط في تلك المتاهة التي تبدو من غير ضوء ولا قرار. كأن للمثقف العربي هامش ما. يتحرك فيه ويتنفس من خلاله، الآن حتى هذا الامتياز في طريقه الى الزوال. انا شخصيا لا أرى أي هامش، فقط أرى ذلك الزوغان الدائم في أعماق المتاهة. ولا أعرف الى أي اتجاه نمضي وربما كان في هذا الزوغان وتلك المتاهة بدايات حقيقية للكائن. بعيدا عن النسيج الخادع والاكاذيب التي طبعت حياتنا سنوات طويلة، واوصلت الانسان والمجتمع الى هذا الانهيار الشامل والى ما هو أبعد من الحروب العصبية، كانعدام القيم والمعايير.

·        كيف سنتواصل اذن، نحن التائهين؟

–         أعتقد أن لكل اغتراب تجلياته المختلفة، أحد التجليات هو هذه البعثرة. هذا الشتات اللامحدود في الامكنة المختلفة والمتباعدة، زمنيا وجغرافيا هناك الكثير من الكتاب العرب الذين تجمعهم صلات روحية قوية وأحلام مشتركة راسخة من زمن لا يلتقون الا عبر المصادفة، حتى صارت حياتنا نسيجا مأسويا من هذه المصادفات. وعلى نحو آخر هناك، كما تلاحظ، الكثير من الصراعات المجانية التي تستنزف الطاقة الثقافية العربية. و((صراع الانوات)) بهذا المعنى، ليس صراعا ابداعيا. وانما صراع أوهام وتفريغ الكبت والقمع عبر التصادم في ما بينها. فالديكتاتورية العربية استطاعت بالفعل ان تترك بصماتها بشكل خفي ومباشر على روحية المثقف العربي، ونسينا اننا أمام أخطر المنعطفات وأخطر اللحظات التي تحشر فيها الامة في زوايا التدمير الشامل المخطط والمحكم كونيا.

لم تكن هناك استراتيجيا مواقف مستقلة وحرة، ورؤى تستمد عمقها من موقع المثقفين العرب أنفسهم تجاه الخطر. وانما شاهدنا للأسف الشديد، نثار مواقف مشدودة لمرجعيات جاهزة، وتحليلات املتها المؤسسات والمصالح المختلفة، وهذه بعض تجليات الاغتراب. ولا تسأل عن البكاء المشترك في الساعات المتأخرة من الليل.

* تشهد الساحة الشعرية الآن، ركاما هائلا من اللاشعر، وغير ذلك من الكلام المحسوب على الشعر، ركام يفتقد الى النوعية.

–         الشعر! هذا السؤال الصميمي للمشهد الشعري الماثل، يجب التركيز عليه… هناك فعلا ركام هائل من الثرثرة والفراغ اللفظي والتهويمات المجانية، التي لا يستند أصحابها الى تجربة أمل وحياة، ولا يستندون الى جرح او موهبة. كل هذه الثرثرة تتم تحت يافطة الحداثة (التحرر والتجريب). من هنا أهمية نقد المشهد الشعري  القائم ومحاولة فرز الحقيقي من الزائف، وضرورة احتلال النقد الفعلي موقعا اكبر في حياتنا الثقافية، وفي حياتنا بشكل عام، فهل تتفاجأ حين تكتشف ان جزءا كبيرا من ممارستنا النقدية لا علاقة له بالحياة وبالثقافة الحية، وانما هو سجين مرجعيات باردة، أعجز ما تكون عن مواكبة المشهد الشعري العام بصورة جذرية.

 
تلك الطفولة البعيدة

·        ما هي سمات قصيدتك؟ وما المسعى الذي يحركك والهاجس الذي يثيرك؟

–         ليس هناك مسعى واضح لقصيدتي، فاي مسعى للكائن خارج الموت الذي يتربص بالجميع؟ لكنني أحاول على نحو ما ان اعبر بصدق عن معاناة قدرية وجماعية، وذلك بعيدا عن أي ادعÿÿ#1sp5;&#tyle;. والتÿÿe: norي ri;ي بعض اهتماماتي هذه مع عدد من الشعراء العرب الذين تجمعني بهم قرابات روحية وابداعية كثيرة، وعبر تجربتي الشخصية تتشكل محاولة التعبير عن هذا الجيل وعن تلك اللحظة الزائلة في زمن المصائر المستحيلة.

وبالطبع لا أعرف الى أي مدى تتحقق ظروف التماسك الابداعية لهذه المحاولة، لكنها ماضية على ما أعتقد في حفر مجراها وسط هذه الخرائب المزدهرة… وسط هذه المسافة من اللهاث، وتبين السبل المغايرة للمشهد السائد.

·        وماذا عن كتابك الجديد ((رجل من الربع الخالي))؟

–         مجموعتي الجديدة محاولة نثرية تندرج في سياق فتح أفق للحوار الروحي مع المكان وتجلياته المختلفة، بدءا من مراحل الطفولة الاولى حتى اللحظة الأخيرة. تلك الطفولة البعيدة التي أحاول استعادتها الآن، وسط ضباب الذاكرة الكثيف… كما أحاول الامساك بالزمن الخفي لتلك الطبيعة الغريبة التي تربيت بين تضاريسها الاسطورية. تلك المجرات من الجبال في عُمان، وتلك السهوب الواسعة المحرضة للخيال.

الوسط (العدد: 86) 20/9/1993