جديد الكاتب

سيف الرحبي.. شاعر استذكار الحشود

* يكتب سيف الرحبي بعافية اللغة والهوية والخصوصية بعيدا من أسلوب الترجمات
* شعره شعر الحياة والحركة والانفعال السردي.. وتنشيط الحدس الحضاري
* سيف الرحبي حالة انقضاض على نفسه وتاريخه وحاضره الذي يشكله بولادات نفسانية وشعورية متجددة الحرارة والمطاوعة
* خياله رؤيوي متناغم بقوة مع حدسه، ومنسجم مع ولعه في حمل اللاشعور على الانفعال

أحمد فرحات

يطارد الشاعر سيف الرحبي عالما شبه مستحيل. يصرح مستغيثا في اتجاهه دونما اجابات. وعندما يفقد الأمل  في اية مصالحة مع الاماني والصبوات، يميل مجددا الى البحث عما في نفسه من مضيئات ولو شاحبة، فيخلط الوهم الفردي بالوهم الاجتماعي مقدما في المحصلة أجوبة سالبة، محزنة، وهزّاءة، ساخرة ايضا هي نتيجة لحالات الرعب الداخلي والانهزام الروحي التي تعتريه.

هو من الشعراء الذين أعطوا النظرة التي ترى الاشياء في جملتها لا في جزئياتها (بخاصة حين يخاطب شعبه وأرض الاجداد والسلالات). ودائما لا تنطفئ ناره بين الحضور والغياب على السواء.. فالقلق الوجودي يطحنه، وهو دائم الاكتساح له.. على الرغم من انه لا يكتب الشعر الفكري الفيزيقي، وانما يتدبر أمر أحاسيس روحه الحميمة وسخونة هذه الروح في بعديها الخاص والعام.

يخاطب سيف الرحبي عالم الصحراء والجبال بنوع من نشيدية ملحمية تبدأ خلالها قصيدته من حس درامي متفجع، وتتصعد في هذا الاتجاه معيدة النظر في المكان كواقع بشري حضاري انطلاقا من التاريخ، وايغالا فيه وكذلك في بث مصائر واستقصاءات محايثة للمعاش ذاته.. وذلك بصفته نشاطا ضروريا مفتوحا على جحيم الآتي الذي قد يحول السلالة الى ((أثر)) يتلاشى في هذيانه:

((رحمة بنا ايتها الجبال
بيقين مرابضك وشعابك
لم تكوني سببا لشقائنا
لكنك من تملكين مفاتيح الرحمة
بتوسلات السلالة التي
تعاقبت تحت سطوتك
الممتدة حتى الربع الخالي
شعوبا وقبائل
تجرفهم الرمال والفيضانات
ويبقى أثرهم الوحيد على سطح
الكوكب
المتلاشي في هذيانه
ملحمة مصغرة

اننا إذا، امام ملحمة مصغرة، أو على الأصح أمام تفتحات ملحمية متنامية يعمرها هذا التوافق المتآخذ ما بين الجملة والتفاصيل من جهة.. والتماسكات الخفية للاشارات من جهة ثانية.

انه يمجد البطل – السلالة، بمفعول غيابها هنا. يمسرح حالاتها ولا يسأم من الصراع، او يمل من النوايا وظواهر التوتر او الهذيان المستقبلي خلالها.

ثمة نوع من شعر كهنوتي، اجوائي، طقوسي يقدمه لنا سيف الرحبي في مجموعته الجديدة ((جبال)) الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت.. تراه يتنكب موكب البحر وموكب الصحراء وخلالها جميعا موكب البشر من سحرة ورعاة واجداد وآباء وغرباء يفجرون احساساته المتحركة، والتي تتدافع صورها على نحو يذكرك دائما بالعرض الاول لسحر السلالات.. إنها تجليات الشعر إذن، وذلك وفقا للمبدأ الفوضوي الذي يتسم به كل شعر حقيقي.

الصور الترجيعية ماضيا وراهنا تضغط على حواس الشاعر مباشرة، بحيث يشتبك لديه المعنى مع الصوت. مولدا شجاعة سردية تعين القصيدة على اجتياز عقدة الاختبارات الشعرية.

فالمشهد البانورامي المحتمل لمرأى الفعل المأسوي هنا، هو غالبا ما يضعك أمام الشعرية في بكريتها الضامنة للتمكن والتأثير والسلب.. فدائما يؤدي سيف الرحبي ما يمليه عليه الحس لا التذهين، بخاصة حين يقدم ((مكافأة طبيعية)) لاستحقاقات التاريخ في هذه المنطقة من الجزيرة العربية.

((وكما تكر الفصول على الصحراء
في شكل ذئب وحيد
وفي شكل مئذنة
تنحدر الرمال من الافق الشرقي
المحاذي لبلاد الأحباش
حيث السحرة ينادون بعضهم
بأسماء مستعارة
لا أكاد ألمح جزيرة النخل
قرب مهبط العقبان
لقد فتكت بها الرياح الهوجاء
وأمها البلى
كديار أحبة غربت للتو))

الوجع الشمولي

مقطع القول ، سيف الرحبي يقدم شعر التعليقات الغنائية على الحياة، وغنائيته تنحو منحى الوجع الشمولي، لانه يصارع حقائق لا تتطابق مع ما يود ان تكونه النتائج.. فالوطن او العالم بالنسبة اليه حالة مستمرة من الرعب والاختلال والسقوط، والوجع الشمولي دائما ينطلق من الذات ليرتد اليها، وهنا مكمن الخطورة، لان الصراع مع النفس، (بخاصة بالنسبة الى الشاعر)، أصعب بكثير من الصراع مع الآخر، انه يكشف عن حيرة الضمير الحساس إزاء الضمائر الاخرى كلها، ويفتح على حروب لها هولها واتساعها.

المأساة الكيانية جلسة سرية دائمة مع الشاعر سيف الرحبي، بخاصة حين يمزجها بالجو الاسطوري الطالع من موحيات مكانه أو أرضه، فيكتسب صوته الشعري إذ ذاك قوة درامية ساطعة تفجر طاقة الكلمة، وما قد تحتمله من معنى وذكرى انه يقدم شعر الحياة والحركة والانفعال السردي.. شعر النفاذ والذكاء وتنشيط الحدس الحضاري. وعليه فتجربته في الحداثة الشعرية لها منطلقتها المغايرة هنا، بخاصة بالنسبة الى جيله الشعري في سلطنة عُمان والوطن العربي.. هذا الجيل الذي غرقت معظم اصواته في لعبة حياكة الكتابة الشعرية. وبصورة تشبه الترجمات الشعرية الغربية لكأنما الغالبية من شعرائنا لا تقدم دواخل تجاربها الشعرية الخاصة بقدر ما تقدم تجارب الآخرين في حالة مركومة فيها. لذلك تجيء شعريتهم وكأنها مسألة خارجية بحتة..تجيء مذهّنة، مركبة فاقدة لروح الشعرية وحيويتها وهويتها، وخصوصيتها التي يريدها كل قارئ سواء أكان عربيا او اجنبيا.

من هنا، فان سيف الرحبي يكتب بعافية اللغة والهوية والخصوصية.. يكتب شعرا جديدا بعلاقات مركبة، ولكن لها انبناءها ودرعها الثقافي والاضماري الذي يجعلها مشروعا مؤكد الصوت واللون والنكهة. انه حالة انقضاض على نفسه وتاريخه وحاضره الذي يشكله بولادات نفسانية وشعورية متجددة الحرارة والمطاوعة.

واستدرك فأقول إن الحداثة الشعرية السائدة تحولت بشكل عام الى واقع سيو-ثقافي متحجر، وبيان مؤسساتي جاف وعقيم، وعليه ينبغي على الشعراء هنا المحاذرة من المراوحة في الطاحونة التقليدية لهذه الحداثة التي باتت كماً عائما من الألفاظ والاصطلاحات المكرورة، والتي يفترس بعضها بعضا بكثير من البلادة والاستنساخ. والشاعر الجاد هو من يكسر دوائر هذه الحداثة الكلاسيكية، ويملي لغته هو، وفضاءاته هو.. وهذا ما أعتقد ان الشاعر سيف الرحبي بات من زمان مندفعا للعمل فيه بثقة وجسارة.. والدليل ما يكتبه، وما ترتجف به بقصائده من انفعالات وحيويات سردية ذات عمق يذكرنا بعمق غريزة حب البقاء.

سلاح محشو بالمستقبل

وليس الشاعر من وجهة اخرى من يكتب قصائد فقط.. انه من يخلق فضاءات عبر ما يكتب.. فضاءات تظل تضع القارئ في الحيوي والجديد وفي هذا المؤهل دائما للخصوبات المفاجئة.

نعم إن رحلة التجديد الشعري لدى سيف الرحبي تنطلق دوما من حقل الحواس، من بكرية الأشياء وهي تنعكس عليه لغة وصورا وهلوسات تظل تشي بأن الشاعر هو على ما هو عليه من وعي متنام حيال زمن ومجتمع.. والشعر الحقيقي في النتيجة هو سلاح محشو بالمستقبل وان ظلت نتائجه محددة من خلال نص يخضع لزمان ومكان معينين.

من جانب آخر يظل الشعر الحقيقي الواعي لدرجات رصده، يظل يخفي معنى خافيا لا يمكن بلوغه.. وهكذا يجتهد الشعر في ترجمة كل ما هو عديم الترجمة أيضا.. والشاعر في هذه الحال يظل في وضعية من يحجز ميوله في كتابة الاحساسات المثقلة بالمؤثرات.. يظل جزءا من غموض الطبيعة والأشياء من حواليه- انه أسير دوار شعري يلف كل شيء ويدور بكل شيء.

وخيال سيف الرحبي رؤيوي متناغم مع قوة حدسه ومنسجم أيضا مع هذا الولع في حمل حتى اللاشعور على الانفعال، انه يقبض عل مادة قصيدته ويظل يراودها من هذه الجهة او تلك حتى تستطيع القذف بحقيقته الى الخارج.

((شربنا مياه العالم ودمه
ولم نعد نبكي
لم يعد ذئب الفلاة قادرا على النحيب
كما في الماضي، صار يشم الدم
المتيبس على سفح الكائن
ويرد الآبار، ولا يتذكر شيئا من
ماضي الفريسة والجبال
والمدن التي تناسلت فيها السلالة
صار يعتكف متأملا ذريته الضارية
مأخوذا بهذا الفيض الذري الذي
انبثق
كإشراقة في احشائه)).

ويظل سيف الرحبي شاعر استذكار الحشود حتى وهو يتناول مشهداً بعينه، أو صوتا، أو جهة. تراه يدور موضوعه، يخرج منه، ثم يتبع الدوائر التي اعتصرته، ثم يطوف بها بعيدا في التدفقات المفتوحة. وغالبا ما تراه يصل الى حالة النزف بالعصور والحقب، ويدخلنا آمنين في متاهاتها الشائكة.

لكأنى به أحيانا شاعر نسقي (دونما تنميط) يقدم قصائد مترابطة، مهمتها تقليب صفحات الطبيعة والتاريخ ومضمار أخلاق البشر وطبائعهم ونزواتهم وانتصاراتهم وهزائمهم.. ينسق ما جردوه ويحدس ما أغفلوه ويجمع شتيت ما تركوه من ذواتهم وآثارها.. يجمعه بتركيب جديد دائم الاحتفال بالخصب والطرب البصري.

وعالم سيف الرحبي الشعري لا يمكن أن يتشكل خارج الاحتفاء بالأنثى وغزارة الأسئلة الشبقة إزاءها.. ينصبها حول المعنى.. معناها ويفض الشراكات بطريقته.

وغالباً.. ما يغيم معنى الانثى في قصيدته، ويستحيل بعد أن ينتشر في مظاهر عدة فيها.. يستحيل ظلاما عميقا لا علاقة له بأنثى.
ختم الزمن الشعري

سيف الرحبي يظل محمولا على الكشوفات التي يجترحها. انه شاعر يبدو وكأنه قد فارق إثماً ما، وجروحه خلال هذا الفراق هي بمثابة انضباطات في قلب همومه المتفرعة.. ودائماً يخلق جنته الخاصة لئلا يشعر بالاختناق- ويورد في استمرار نجاح الاختلاطات الشيئية والمرئيات فيه..

تراه يوغل في الصحراء يطلع منها، عائدا إليها بعد خيبة السفر إلى بلدان العالي.

والصحراء دوما بالنسبة إليه تقدم شيئا أشبه بختم الزمن الشعري. وهي هنا ضياء المنطلقات والاسترجاعات الشاحبة المتمظهرة في كل شيء بات يبثه هذا العالم في حريق تحولاتنا عبره.

ومن قصيدة التفتحات الملحمية التي يكتبها بدينامية مثيرة، يهرب سيف الرحبي أيضا في ديوان ((جبال)) إلى  مناخات من الاعتدال والعذوبة، حيث يقدم قصائد مختزلة وطليقة من عبء نهايتها.. يضبط التغلغل خلالها على نحو آسر وجميل:

((حين أخرج من البيت
ترك الموسيقى مفتوحة
تحرس أرواح الموتى
موسيقى القدماء التي تحمل
رائحة العشب
وتحرس حدائق بابل
معلقة في الأعماق
حين أخرج من البيت
أترك كل شيء مغلقا على نفسه
عدا الموسيقى تضطرب في الردهات
الخالية
وعدا بعض محارات،
التقطتها من الشاطئ القريب
ليلة العاصفة)).

ولو سردنا عناوين قصائد هذه المجموعة الشعرية الجديدة لسيف الرحبي لألفينا معظمها يشي بمغامرة هذا الشاعر الذي لم يستقر على حال جغرافية واحدة منذ كان صغيراً. فسيف الرحبي أدمن السفر والترحال في فجاج الأرض وعلى نحو ((مرضي)) مفتوح.. مغامرة اكتشاف الأمكنة ومصادرتها باتت هي مهمته الدائمة.. إنه ملك المسافات بامتياز.. لاحظ هذه العناوين وكيف تشير الى معنى السفر وتجلياته المفتوحة: صحراء، عوارض تكييف، ترانزيت، علاقة غاربة، ولادة، طائر، زيارة، سفر، غياب، في وصف رحلة، وصول، كوكب العري، أرصفة الإشارة الخ..

والسفر هنا لا يعني مبادلة أمكنة بأخرى.. بل يعني هذا التدفق المستمر في انخلاع الذات على الأشياء والعوالم وان على نحو أكثر جلجلة وأشد لذعا أحيانا.

فالشاعر لا يمكنه أن يظل أسير استكفاء حالة مشهدية ونفسانية واحدة مهما كانت متنوعة ومستبدلة.. انه ديكتاتور اختراق، ولكل شيء في الزمان والمكان.

هكذا يظهر سيف الرحبي شاعرا مغامرا في قدره الذي هو قدر وتاريخ من هم حواليه. ان شعريته توصله دائما بالأسلاف وعلى طريقته التي يحفظها جيداً في الضمير والرؤية وصوغ الأسئلة الابداعية الجديدة.

انه يؤكد على التمسك بهذا السرد الساحر، الذي من طبيعته توليد المفاجآت والحيويات والايحاء بمناخ شعري متفرد، يريد الشاعر إشاعته دونما رضوخ الى محددات بعينها. وعبر لغة متدافعة بكاتدرائيات صور من همومها ان تخبر دوماً عما يمكن أن ((يحدث)) لا عما ((حدث)) فعلا.