جديد الكاتب

سيف الرحبي، الرؤية المتكوّنة وراء الظل (حوارية “نشيد الأعمى” نصّ جديد)

جهاد الترك
(لبنان)

سيف الرحبيهل يبدو الشعر أكثر انسجاماً مع الانسحاب التلقائي من دائرة الضوء الى العتمة المطلقة؟ الأرجح أن تساؤلاً كهذا لا يفترض بالضرورة مقارنة ساذجة بين هذا وتلك. إذ غالباً ما يبحث الشاعر عن أشيائه الخاصة وصوره الغريبة في الظلّ الخافت أو المنطفئ أو المتواري عن الأبصار. وكأنه يتوه في وضح النهار. يفقد ظلّه. ثم لا يلبث أن يعثر عليه مختبئاً تحت قشرة الضوء السميكة. هناك في ذلك الدهليز مترامي الأطراف، يسقط النظر في متاهة الرؤية. تنقلب العين على نفسها. تخسر صلتها بالعالم. تستيقظ من غفوتها عين أخرى هي من نسيج تلك المشاهدات التي لا تدرك بالبصر، بل تلتمع في الذاكرة على نحو أكثر سطوعاً من الشمس. إنها الرؤية الآتية من المجهول، تنهال تباعاً أو دفعة واحدة على الجسد بأكمله. تتشارك الحواس جميعاً في تكوينها، وتشكيلها، والاستمتاع بفرادتها. يتحوّل الجسد، والحال هذه، عيناً ترى ما لا يرى. وقد يتحوّل الضوء، في هذه التجربة المروّعة، ستاراً قسرياً يحجب عن الذاكرة ما يسعى الشعر الى رؤيته في حركته الداخلية العميقة. قد تبدو هذه التصورات الافتراضية مدخلاً موضوعياً أو مضللاً لقراءة النص الشعري الجديد للشاعر العماني، سيف الرحبي، بعنوان “نشيد الأعمى ـ حوارية” الصادر حديثاً عن “دار النهضة العربية” في بيروت.

أعميان مبصران
نصّ شعري مطوّل جعله سيف الرحبي في شكل “حوارية” يتبادل فيها الحديث أعميان إثنان. أحدهما حقيقي، على
الأرجح، والثاني افتراضي. يقدمهما الشاعر في مطلع الكتاب على النحو الآتي: يقول الأعمى لصداه الأعمى: “إنك تدخلنا فيما لا قبل لنا به ولا طاقة، وهذه ليست إلا محاورة عميان بسطاء للتخفيف من وطأة الضجر والعزلة وتسليك عبور الساعات”. يتبادر إلينا، على الفور، أن الأعمى الثاني هو صدى للأول. هو صوته الذي تتقاذفه، مراراً وتكراراً، أسوار العتمة العالية، وصخورها الموحشة، والخوف الكامن في فضاءاتها المتكدّسة في أرجاء اللانهاية. الإثنان لا يبصران لأنهما أعميان. ومع ذلك، فهما يتحدثان بلغة الصورة. حتى وإن أثار أحدهما أو كلاهما موضوعات ذات طبيعة فلسفية أو نظرية أو على علاقة وثيقة بمفاهيم أخلاقية أو إنسانية عامة، فإنهما سرعان ما ينتقلان الى التعبير عنها بمفردات مستقاة من الصور الحسية أو الرمزية أو تلك التي تشير الى خبرة متأصلة في عالم الأشكال والألوان والأضواء على تنوّعها واختلافها وكثرتها. أعميان يتقنان، بدربة نادرة، فن الوصف الدقيق لصور ومشاهدات ومناظر يتعذر على من فقد البصر أن يتمثلها كما هي في حقيقتها. ومع ذلك، فهما يكادان يريان ما لا يراه المبصر. يبدو الإثنان من طينة استثنائية تجعلهما في وضع من التفوق الكامل على العميان والمبصرين في آن.
أعميان يستعرضان مهاراتهما في فن الإبصار الدقيق والتحكّم في مجال الرؤية على نحو قد يوحي بأنهما خبيران في تشكيل عالمهما وإعادة تشكيله بما يتلاءم مع قناعاتهما التي تملي عليهما نظرتهما الى الكون والإنسان والعالم. والأغلب أنهما كذلك، بكل المقاييس. يستخدمهما الشاعر لينفذ الى المشهد الآخر، والرؤية الأخرى، والفكرة المستلقية بخجل بين ركام الأشياء، والصورة المتلهفة الى الخروج من عزلتها الثقيلة. والأغلب، في هذا السياق، أنه لا يستخدم أياً منهما على نحو يوكل إليه وظيفة تعبيرية محددة. إنه يتقمصهما معاً. أو يتسلّل الى كل منهما على حدة من وراء الكواليس المفعمة بالضوء الى حيث يتلبّس الظلام كل الأشياء. لماذا يحطّ الشاعر رحاله في متاهة من العمى الكامل؟ لماذا يخرج من دائرة الضوء الى نفق العتمة؟ لماذا ينحاز الى الظلمة وينفر من النور؟

الرؤية في العتمة
لا إجابات محددة، على الأرجح، عن هذه التساؤلات التي يوحي بها النص على أقل تقدير. ثمة تجرؤ حقيقي على خوض التجربة من الموقع الآخر المناقض لبهرجة الأضواء والأنوار التي تظهر في النهار وتتوارى بزوال الضوء. وفي الوقت عينه، ثمة توق الى رؤية الأشياء حيث تنعدم الصورة بزوال الضوء. والأغلب أن ثمة نزوعاً لدى الشاعر الى ملء فراغ الظلمة بصور يقذفها النور. وملء فراغ الضوء بمشاهد تصنعها العتمة ويعجز النور عن الإتيان بمثلها. ومع ذلك، فإن في هذه الحوارية ما يشير الى أن العمى الذي يتمثله الشاعر في الشخصيتين العمياوين ليس إلاّ من قبيل إعادة تكوين الرؤية في معانيها البعيدة ومناطقها النائية بعد أن يحيلها ظلالاً خافتة، نقية، شفافة، متألقة في داخلها، مكتفية بذاتها، قلما تحتاج الى ضوء من خارجها.
الرؤية الشعرية، في هذا السياق، متشظّية في اتجاهين متناغمين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، بل يكتمل به ويتكامل معه. أولهما، شخصية الأعمى الحقيقي. وثانيهما الأعمى المرافق له على الدوام، وهو صداه، أي صوته وصورته النابعان منه مباشرة. الأعمى الحقيقي هو صدى الشاعر بعد أن تسلّل هذا الأخير الى منطقة الظل، هاجراً ذاته المنكشفة على كل الأشياء أو المتشابكة معها على نحو يجرّدها من خصوصيتها.
والأعمى الثاني الذي يحدّده الشاعر نفسه بأنه صدى الأعمى الأول، هو عينه صدى لصدى الشاعر. لعبة شعرية مبتكرة يريد بها سيف الرحبي أن يقيم حواراً درامياً بين الإثنين، الغرض منه على الأغلب، هو أن يعمّق فكرة الظلّ، وظلّ الظلّ، أي صدى الصدى. وكأنه لا يكتفي بالتعبير عن مشاهداته وهو معتكف في منطقة واحدة للظلال، بل يرغب في أن يدفع بهذه الأخيرة الى منطقة أبعد أكثر شفافية ورهافة. الأعمى الحقيقي، كما في النص، هو الشاعر نفسه الذي يرقب نفسه وأشياءه وعالمه من حيث يسود الصمت وتنتشر العزلة. الأعمى الثاني، وهو صدى الأول، كما في النص كذلك، هو الشاعر نفسه أيضاً الذي يرقب ظله من حيث يتحوّل الصمت والعزلة حالتين متفاقمتين من السكينة القصوى.

حوار الصدى لصداه
النص ينطوي على حوارية، في الشكل والمضمون، يوظفها سيف الرحبي ليرتقي بالمعادلة المذكورة آنفاً: الصدى وصداه، الظلّ وظلّه. على هذا الأساس، يتبادل الأعميان أطراف الحديث، كل من موقعه، في هذه الحوارية المتوازنة والمدروسة جيداً، في محاولة منهما لإيصال المعنى الشعري الى الصور والمشاهد التي يسعى الشاعر الى تلمّس دلالاتها وإيحاءاتها، ليس من منطلقه الذاتي المحض، ولكن بعد أن يتقمّص ظلّه وصدى هذا الظلّ. قد يخيّل إلينا، للوهلة الأولى، أن حواراً يتوزّع على أعميين إثنين من شأنه أن يخلّ بالمناخ الشعري، باعتبار أن مناقشة بين شخصين قد تذهب بالشعر الى حتفه المؤكد، لأنها تتوخي إقناع الآخر بالحجة والبرهان. وليس من عادة الشعر أن يلجأ الى هذا الأسلوب من النمط الذرائعي الذي يرجّح كفة العقل المجرّد على مثيلتها الشعرية. كفتان لا تتماثلان، على الإطلاق،
في الجوهر والغاية. ومع ذلك، يجتهد الشاعر، بشكل أو بآخر، في أن يبث في هذه المناقشات بين الأعمى وصداه، بين الظلّ وظلّه، ما يجعل من هذا الحوار ذا منحى شعري بامتياز. يكتب الشاعر في أحد حوارات النص:
الأعمى: ما هو طعم الدموع التي تسفحها العيون والقلوب، دموع المنكوبين والعشاق بزفراتهم الحرى، دموع المقتولين والقتلة؟
الأعمى: أتذكر طعم الملوحة التي تشبه ماء الموجة الآتية من الأغوار القصيّة وبها نفس ذلك الصفاء القدسي المشع بفوسفور الأعماق.
الأعمى: أتذكّر الآن ما قرأته عن سكان الجحيم، إنهم حتى في ذروة التعذيب لا يستطيعون ذرف الدموع. يطلقون صرخات جافة مهجورة فحسب.
يشكل هذا الحوار المقتضب المقتبس من سلسلة مطولة من المناقشات المعقّدة، نموذجاً كافياً، على الأرجح، للدلالة على الكيفية التي يوظف بها الشاعر حديثاً بين شخصين، متنافرين متكاملين، للذهاب بالمعنى الشعري الى حيث تصبح الصورة أكثر إيغالاً في التعبير عن الفكرة المتحولة. صحيح أن ثمة حواراً بين الاثنين، يراوح بين القسوة والشفقة والمبادرة الى طرح الأسئلة الصعبة، غير أنه من ناحية أخرى، يقوم على إعادة تشكيل الصورة الشعرية على نحو يضفي عليها قدرة أكبر في عملية التحول من معنى الى آخر، من هيئة الى أخرى، من صورة الى أخرى أكثر شفافية وتأثيراً.
ليس أمراً سهلاً أو متداولاً أن يوظف حوار تقليدي في سياق شعري يكاد يداهم الذاكرة في ما تنطوي عليه من مخزون هو حصيلة واسعة من مشاهدات ورؤى وصور ومفاهيم فلسفية وتأمل عميق في الظواهر الانسانية والكونية. تدور هذه الأحاديث المتبادلة بين الأعميين على خلفية من إعادة تكوين الصورة الشعرية على نحو لا يعوّل فيه سيف الرحبي على الصورة الفوتوغرافية التي تلتقطها العين بقدر ما يسعى الى إعادة اكتشاف الدلالات الأخرى للصورة من خلال الاحساس بها بالكيان الجسدي ككل. يتطرق الحوار الى سلسلة شاسعة وعميقة من الموضوعات المرهفة والصلبة التي سرعان ما يغير الشاعر في طبيعتها ليجعلها أكثر انسجاماً مع الحركة الداخلية للمعنى الشعري. يثير الحوار قضايا وموضوعات وتأملات تبدأ بالزهد والحكمة والغموض الذي يكتنف الوجود، والزمن الروحي والمادي، والمشاهدة بالعين والرؤية بالقلب، والتجليات الكونية، ولا تنتهي بالموت والأساطير والمعاناة من الظلم وتعثر العدالة، والحب، والعلاقات بين الناس، والغاية من العيش، وهزيمة الانسان أمام الحياة والموت معاً. وبين هذه وتلك، تتفرع هذه الموضوعات نتفاً وشراذم على نحو غير منظم وفقاً للمنحى الاعتباطي الذي يتخذه الحوار في الاطار العام للتحول الشعري في الكتاب.

النظر والمشاهدة
لا نحتاج الى كبير عناء، في هذا الخضم المتلاطم من الأفكار والرؤى والذكريات وتحريض الذاكرة على البوح بمكنوناتها، لندرك أن الشاعر في هذه الحوارية يعيد ترتيب أوراقه مع نفسه ومع العالم من خلال انتقاله الى موقع الظل والصدى وانفتاح هذين الأخيرين على ظلال وأصداء لا تقف عند حد معين من التشظي الداخلي والتفجر الصامت. يظهر الشاعر، في هذا النص، رغبة حاسمة في أن يستبدل النظر بالعين المجردة، بالمشاهدة الرؤيوية التي تعتمد، بالدرجة الأولى على قناعة شعرية راسخة تفيد بأن الانسان هو من طينة كل الأشياء من دون استثناء. ما أن يطلق العنان لبصره الداخلي حتى يصبح بمقدوره أن يرى بوضوح أكثر نقاء. يكتب قائلاً بلسان أحد الأعميين وهو يخاطب زميله الأعمى:
“تعرف أنني في الماضي السحيق، كنت أسبح بين الجبال العالية أو في البحر بين جبال أيضاً وأحراش ومضائق. كنت أغوص وأطفو مع الأسماك والطيور كأنني في السديم الأول للخليقة”.
يتملك الشاعر هذا الاحساس بأنه في السديم الأول للخليقة بعد أن تخلى عن كيانه المادي الصلب ومضى في رحلة دائمة نحو كيان انساني آخر أكثر ليونة واقتراباً من الطبيعة الأولى للأشياء عندما كان كل شيء يكتسب هوية الأشياء جميعاً. في الظل وظله، في الصدى وصداه، اللذين يتمثلهما الأعميان تسطع “الحقيقة” الشعرية المتحولة التي يستهدفها سيف الرحبي في الكتاب، يحاول الأعمى ظله قائلاً له:
“إنها العبارةو القصيدة، تولد ليس من دفق الأنوار بل من نقيضها، من عتبات الليل الخالدة”.
يجيبه صداه الأعمى قائلاً له:
“أنت ترجعنا الى البداية، كون الرؤية الأكثر صفاء وتناسقاً (تناسق ذؤابات الأشجار المضطربة تحت عصف الريح) تنبلج من الظلام الكثيف ذي الألوان المشعة كنجم في طور الاحتضار، من حفر عيوننا الفسيحة المظلمة”.

لا بداية ولا نهاية
أبرز ما يميّز هذا النص المطوّل، على الأغلب، هو أنه يبدأ من نقطة محددة تؤذن بانطلاق الحوار بين الأعميين، ولا
ينتهي بطريقة مماثلة. وكأنه لا يبدأ ولا ينتهي، أسوة بالصورة الشعرية التي تبدأ من مكان محدد في الذاكرة، ثم تنقلب على نفسها ذاهبة في كل الاتجاهات ونقيضها. لذلك لا يستقر بها المطاف في نهاية أو خاتمة لأنها غالباً ما تتمرد على كل البدايات والنهايات. إنها هي نفسها البداية التي لم تبدأ بعد، وهي نفسها النهاية التي لم تنته. هذه هي حال الظلال وأصدائها. كل شيء في هذه المنطقة الخافتة هو نفسه ونقيضه، كما أنه هو الآخر ونقيضه وانعكاساته وامتداداته في مكونات الكون الغامض، يختم الشاعر نصه بالقول:
“يتطلع الأعمى في مرآة زنزانته المتخيلة ليرى وجهه وقد انشطر الى وجوه وأخاديد، الى أطياف شعاب ووحوش… يتطلع الى الفضاء الشاسع، محلقاً مع زنزانته ومرآته الصدئة وغروبه القتيل”.
عود على بدء. ينتهي النص على غير نهاية. يستعد الشاعر للذهاب الى صدى جديد وظل آخر بعد أن ضاق ذرعاً بظله وصداه. فقد انشطر وجهه وجوهاً وأخاديد وأطيافاً ووحوشاً. وحلق مع غروبه القتيل الى غروب قتيل آخر عله يعاود ثانية قراءة نفسه على إيقاع من الدهشة الأخرى.