جديد الكاتب

سحر التنادي وكناية الأسماء المستعارة – سيف الرحبي- د. علاء الدين رمضان*

سحر التنادي وكناية الأسماء المستعارة – سيف الرحبي-
د. علاء الدين رمضان*

 

بعد قراءتي لديوان «حيث السحرة…» تفتقت في نفسي بواعث الاستكشاف والبحث والغوص وراء الجمال، بدءاً من استثارة العنوان (حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة)، طامعاً أن أقطف وريقات من موكب الزهور ومهرجان العبق الذي عبّأ روحي بعد قراءتي الأولى للديوان، فلما جلست للكتابة بعد قراءة ماتعة، ظَلْتُ أسيراً لأول قصيدة منه، ولما أزل…

في ديوانه الجديد (حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة) يدفع الشاعر العربي الكبير سيف الرحبي قصائده صوب فضاءٍ ثري تتلبسها فيه غواية المكان بحمولته الأيديولوجية والاجتماعية وخلفيته الوجودية بعامة والسياسية منها بخاصة، لكن الشاعر كسر حدة الواقعية في خطابه الدلالي بشعرية اللغة، والدلالات الموضوعية الموسمية ببعدها الطبيعي، وجدلية الرؤية.

لقد غيّر سيف الرحبي عبر مسيرته الشعرية الطويلة مفهوم الغنائية التي لم يرض بنسقها الرتيب، ولم يتنازل عن قيمتها الجمالية في الوقت نفسه، فَخَلَّق لنفسه غنائية آسيوية، وإن كانت غير دارجة في مسارات ومسارب التلقي العربي، إلا أنها تحمل سمات موروثة عن الثقافة الآسيوية التي تشربت الأساليب العتيقة للثقافة الصينية القديمة، مثل ميله للطبيعة واستخدامها ومواسمها في قصيدته، وهو أمر مادته الدافعة المحفزة قائمة في البنية الطبيعية لعمان من جبال وسهول وهضاب ووديان وماء يتحدر فيُغني جماله عن قِلَّته، وعذوبة رؤيته عن ملوحته..

يكشف الشاعر عن جدلية شديدة الأهمية في صوغ قصيدته، ربما كانت تلك الجدلية وراء تفجُّر ينابيع التلقي التجربي داخل الشاعر ومن ثم النتاج وإعادة طرح جماليات التلقي الأولى لهذه العين الفاحصة التي ترى فتخلق رؤية، فمن خلال إهداء الديوان يشير الشاعر إلى اتجاهه التجربي الموضوعي والجمالي وجدلية المعالجة وقضاياها، إنه يصطفي المكان ويلوم الكائن، حيث «الذرى قائمة، لكن لا أحد تركله رغبة الصعود إلى جبل»، فالذرى معرَّفة محددة، بينما الغياب سائد شامل مُتفشٍّ، نكَّره الشاعر للتعميم، حيث فقد ابن هذه التضاريس حيوية التفاعل مع ما حوله، تلك الحيوية التي تمثل علامة من علامات الحياة؛ فهو سادر في غيابه والموات.. لذا لا يفكر في صعود تلك الذروة لأنه لا يفكر في أي صعود.. وهنا يُسقط الشاعر البُعدَ المشهدي المكاني على البُعد القيمي، أو بمعنى أوضح على دور العربي الذي التصق بالحضيض.. فترتبت على ذلك نتيجة مفادها أن هذه الجبال الساحلية تلفحت بليل طويل، ليل ينسب إليها، إنه ليلها هي، ثم وصف الشاعر هذا الليل بأنه سرمدي، وليس ذلك يعني أنه دائم غير منقطع على علم من الشاعر، أو بحسب معرفة مادية راسخة، وإنما أسباب ديمومته قائمة، حيث من غير المنتظر أن تنيره أقدام الصاعدين، وهنا يطرح الشاعر معرفة تقليدية، لا يعرفها إلا أهل مثل هذه التضاريس الجبلية؛ لأن كثرة السير وتسلق تلك الذروات تصنع فيها طريقاً ينير في الليل، وهذه حقيقة موجودة.

اليمامةَ.. كي تعود

فإذا تجاوزنا الإهداء إلى القصيدة الأولى (كي تعود اليمامة…)، سنجد الشاعر قد بنى مساحة كبيرة من قصيدته بوساطة أسلوب صيغة الإلزام الناقص غير المعلل إلا في مواطن قليلة، علل فيها بالمصدرية، مثل:

كان على الصيف أن يضمحل قليلاً مفسحاً للخريف مكاناً.

كان على السفن والأرخبيلات أن توجه أشرعتها نحو الرحلة الكبرى معانقة أشباح الغابرين.

كان على السراب أن يحتضن القلب الواقعي محطماً ثنائية الفكر البلهاء.

كما استخدم الأداة المباشرة للتعليل (كي):

كان على الجد الأكبر أن ينتظر ألف عام.. كي تعود اليمامة..

ثم تحول الشاعر إلى استخدام صيغة الاستفهام الاستفساري (ماذا عن):

وماذا عن حفيف الكوابيس لشجر يتمايل في نومه..

مع ملاحظة أنه أطلق أداة الاستفهام في أول تعبيرين بناهما بوساطة هذا الأسلوب، ثم اكتفى بحرف الجر (عن)، في بدء الجمل الآتية:

وماذا عن حفيف…

عن رجال…

عن صراخ…

عن وعل…

كما أن الشاعر استخدم في بنية أسلوب الاستفسار ضمير المتكلم في مرتين متخالفتين:

الذي يراودني إليه الحنين..

عن الهواء المحقون بالوباء والكراهية نتنفسه ليل نهار

التعبير الأول دلالته ذاتية فردية تتجه من الداخل إلى الخارج، أما الأخر فدلالته جمعية تتجه من الخارج إلى الداخل. كما أن الشاعر استخدم تعبيرات الدلالة المباشرة على الذات ضمنياً أيضاً بوسيط الإشارة أو الإيحاء أو الإسقاط أو الرمز، مثل:

كان على السراب أن يحتضن القلب الواقعي محطماً ثنائية الفكر البلهاء.

فسلطة الحكم على الفكر والنزوع إلى السراب كلها إشارات تحيلنا إلى ذات الشاعر النوعية، وأيضاً مثل تعبيره عن الشاعر الذي يحتضن مخطوطه كطفل نجا بأعجوبة ممن براثن الأنقاض.. فهو تغلغل وجداني في الدلالة بطرح البُعد الذاتي بصورة أعمق من البُعد المجرد الذي كان يتجه في الغالب إلى نموذج العربي الذي يعيش تحت وطأة الحاضر المتداعي.

ومن الأساليب التي ارتكزت في بنائها على استخدام اتجاه الضمير لتحديد نوع الدلالة، قول الشاعر:

«نتنفسه ليل نهار»، فالجمع هنا يشير إلى الذات الجماعية الكبرى لا إلى الذات الجمعية الضيقة، يشير إلى ذات الشعوب العربية بعامة، والعماني ابن تلك التضاريس المطروحة في سمائل وجبرين بخاصة.

من خلال الاتكاء على هذين الأسلوبين في صوغ القصيدة استطاع الشاعر أن يحمل وجدان المتلقي إلى فضاءات من المزج والتركيب والتتميم، وكأنه جرد الدلالة حتى أحكمها داخل هذين القالبين بوصفهما المثال الدال على غير المذكور من عدد لا نهائي من القوالب الصوغية والأساليب الأخرى؛ ما عمّق الطرح وعمق التلقي المتوقع وتوقع المتلقين، غير أن الشاعر في الخاتمة انصرف عن جماليات شعرية اعتنى بها في نصوصه إلى العناية بالمضمون والدلالة، فوقع في شرك «القلب الواقعي»، ذاهلاً عن «سراب الجمال»، وكان عليه – بحسب تعبيره – أن يدع طريقاً واصلاً ما بين السراب والقلب الواقعي، والخلاف هو ليس على اطِّراح القيمة الجمالية الشاعرة للدلالة، بل على العكس، إنها قائمة وموجودة وكثيفة الحضور، إنما درجة واتجاه هذه القيمة هو الذي تخالف مع درجة واتجاه القيم الجمالية التي تطرحها القصيدة:

كان على رشفة الشاي

أن تعبر طريقاً وعراً وطويلاً

كي تصل إلى الفم.

ربما أراد الشاعر من وراء دلالة «رشفة الشاي» التجريد الموضوعي كما جرد من قبل في صوغ قصيدته تجريداً أسلوبياً، لكن درجة العادية في «رشفة الشاي»، ومن ثم الصورة في إلزام «رشفة الشاي» الوصول إلى الفم عبر طريق وعر وطويل، ليست تحمل القيمة والعمق الدلاليين اللذين حملتهما الصور الأخرى على امتداد القصيدة.

الشاعر وإن أراد أن يجسد مدى وعورة الطريق الموصلة ما بين الأشياء التافهة والإنسان المجرد، بالمعني المقصود من الدلالة، (المعرف هنا بلازم من لوازمه وجزء من أجزائه وبعض منه، هو الفم المرتشف)، إنه يميل إلى الإيحاء بفداحة العجز الذي يغلف حياة العربي اليوم، الذي لا تجد أشياؤه إليه سبيلاً مُعبَّداً، حتى التافه والعادي، لمجرد أنه خلَّق له أهمية يستعين بها على قسوة الحياة من حوله، كما هو حال العربي مع كوب الشاي، لكن هذه الصورة لم تكن وافية بما أراد؛ فلم تحمل المتلقي إلى الدلالة بالوتيرة نفسها التي حملته إليها الصور العميقة بعامة، ولاسيما بخاصة عندما يقول:

(وماذا) عن الهواء المحقون بالوباء والكراهية

نتنفسه ليل نهار

والأطفال الذين يبحثون عن المستقبل

في قعر القمامة..

ربما لأن هاتين الصورتين تحملان قضية كبرى؛ فالأولى تحمل قضية استشراء الفساد وتغلغله حتى في ثنايا الهواء والزمن، والأخرى تحمل قضية الضياع المحدق بالمستقبل باستغراق مستوياته كافة: الأطفال ومستقبلهم.

بينما وعورة الطريق أمام رشفة الشاي المتجهة صوب الفم لا تحمل قضية مادية، وإن كانت قضيتها الوجدانية موجودة وعميقة، لكنها قد تصلح لتضاعيف القصيدة أكثر من صلاحيتها للخاتمة التي تمثل ناتجاً دلالياً لمقدمات دلالية موجزة أو مفصلة تقدمت عليها؛ ولعل استهلال القصيدة ساهم بدور فعّال تماماً في تكثيف حضور هذه الفجوة، فجعلها أكثر وضوحاً، حيث القضية في بُعديها الصوغي والدلالي معاً تحمل فلسفة موغلة في العمق والسخرية في مقابل خاتمة موغلة في العادية والسخرية أيضاً.

وأورد هنا مصطلح السخرية بوصفه مصطلحاً مجازياً إشارياً، دلالته وصفية نفعية، أوردها بقصد الإفهام المجرد وحسب؛ لأنني لا أرى أن هناك ما يسمى بالسخرية في الصوغ الشعري، حتى في القصائد الساخرة، التي تتخذ من التهم بنية فنية في صوغ مقصدها الدلالي؛ لأن الصوغ الشعري محكم جاد حتى وإن كان يتجه دلالياً إلى السخرية المجردة أو يتوسل بها للتعبير عن مقصوده، وعلى الرغم من ذلك فإن اختلاف قيمة التعبير والاتجاه الدلالي بين الاستهلال والخاتمة في قصيدة (كي تعود اليمامة…) أقلقا النقطة الضعيفة منهما، وهي الخاتمة.

الاستهلال:

كان على القتيل أن يداوي جراحه

قبل أن يموت

ويدلف الآخرة من غير نزيف ولا دماء..

الخاتمة:

كان على رشفة الشاي أن تعبر

طريقاً وعراً وطويلاً

كي تصل إلى الفم

لقد حصر الشاعر المشكلة في الكأس التي تحمل رشفة الشاي في طريقها إلى الفم، الذي هو فم الشاعر بالضرورة، حيث أَشْعَرَ هذا التحول الصوغي بتحول موضوعي من النموذج الجمعي أو الحديث بضمير الذات الجمعية إلى النموذج النوعي بديلاً عن الفردي، النوعي ممثلاً في نموذج الشاعر، بصورتيه اللتين عرضتهما القصيدة: المذعور والأعمى:

المذعور:

(وماذا)… عن الشاعر الذي يحتضن مخطوطه كطفل

نجا بأعجوبة من براثن الأنقاض

الأعمى:…

والشاعر الأعمى الذي ينتظر الفجر

في القصيدة على ضوء شموع تهتز

على متن سفينة جانحة

في خياله ورؤاه؟

فالرحبي غير راض عن الشعراء وأساليبهم في التعامل مع قصيدة الوطن؛ لذا قدم النوعين اللذين يُعرِّض بهما؛ فالأول: يتعامل مع قصيدته وكأنها طفل نجا من حطام الانهيار بأعجوبة، فهو في تلك اللحظة نفسها شاعر ضعيف انتزع قصيدته انتزاعاً، والآخر لا يرى ولا يُعِينه واقعه على الرؤية؛ فهو أعمى (وصف سلبي)، يتعلق أمله بالقصيدة (ينتظر الفجر في القصيدة)، وهذا يعني أن القصيدة عندما تطرح فجرها سَتُخَلِّقُ لهذا الأعمى رؤيته، فكأنه لعبة بيد المنتظر، هذا هو واقع الشاعر اليوم، إنه أيضاً يعيش في ظل واقع سلبي، ينتظر فجره فرجه في القصيدة على ضوء شموع غير راسخة النور، تهتز فلا هي تطرح ضوءاً ثابتاً قوياً، ولا هو قادر على الإفادة من هذا الضوء بالرغم من اهتزازه، والشاعر الأعمى وواقعه المهتز كلاهما فوق سفينة متطرفة جانحة ضالة جمالياً (في خياله)، وأيديولوجياً (ورؤاه).

وهذه الصورة شديدة العمق والكثافة، طرحها مزدحم بالرؤى تعالج قضية التنوير المهتز القلق، حتى بين المثقفين أنفسهم، بل لدى صفوتهم، وهم الشعراء.

وهذا بدوره يعيدنا إلى عنوان القصيدة (كي تعود اليمامة..) الذي يفتتح الشاعر صوغه فيه بتعليل استعلائي بصير وواع، وكأن الشاعر لديه الحل السحري القادر على تحقيق المعلل له، فما تطرحه القصيدة هو استراتيجية يمكننا إذا حللنا مغاليقها أن نعيد اليمامة.. ولكن ما اليمامة؟

واليمامة أيضاً موضع بالجزيرة العربية، وهي قَرْيَة شرْقي الحِجاز كان اسمُها الجَوَّ فسُمِّيت باسم جارية تدعى اليمامة صُلِبَت على بابها، أو سميت باسم امرأَة كانت تسْكُنها اسمها اليَمامة، كَثُرَ ما أُضيف إِليها من أخبار، قال عنها الجوهري: «اليمامة اسمُ جارية زَرْقاء كانت تُبْصِرُ الراكب من مسيرة ثلاثة أَيام، يقال: أَبْصَرُ من زَرْقاء اليمامة».

وكلها دلالات ذات ظلال في القصيدة تأخذنا لعوالم مختلفة وفضاءات منوعة وإن حملت في المشهد الأعم لها الهمّ القريب نفسه، الباكي على أحوال التردي العربي؛ ولعلني أكبر ميلاً إلى أن اسم اليمامة يقودنا إلى توقع استدعاء الشاعر سيف الرحبي لقناع الزرقاء حادة البصر والبصيرة، رامزاً بها إلى الوعي العربي المفقود، وهذا القناع مقصود بقرائن واضحة، من أهمها طرح القصيدة لقضية التنوير من جانب واستخدام أسلوب تكرار القالب أو التكرار النحوي وهو يئيل إلى التعديد، هذا التعديد سمة من سمات شخصية زرقاء اليمامة القادرة على الاستغراق في التفصيل على نحو معجز.

وهذا المعنى واتجاهه الدلالي يلتقي مع الدلالات الثلاث الأخرى المطروحة ولا ينفيها؛ فالوعي الغائب هو قَطَنَة الشاعر التي يبحث عنها، والمكان هو الوطن الذي نرجو له أن يعود لمكانته، والطائر هو صاحب الرمز الذي ننشده.
جريدة الجزيرة الثقافية Culture Magazine Thursday 16/12/2010 G Issue 325